العقيد بن دحو - فكرة "كل شيء لا شيء"

العديد من الرفاق و الأصدقاء و الطلبة يسألونني عن معنى " كل شيء لا شيء" ؟
الفكرة أساسا هي مجرد كلمة لا أقل و لا أكثر ، كما هي في ذاتها. استخدمت في سياقها الزمن و التاريخي فحسب ، تتغذى بالتراكم و الإضافات حتى صارت اشاعة . حتى اذا ما تعلق بها الناس صارت مسلمة. ليست مذهبا أو مدرسة أدبية أو فنية قائمة بذاتها ، لها منهاجها و تصوراتها الذهنية الفلسفية العلمية الفنية الأدبية الإجتماعية ؛ التجريدي التجريبي منه.
شأنها شأن لفظة (دادا) Dada التي جاءت منها اللمحة الاولى للنظرة الأصلية لفكرة "الدادائية" Dadaisme التي صارت فيما بعد كاملة متكاملة المعنى و الأسلوب و المنهج يطلق عليها السيريالية. بينما الدادائية تسميتها جاءت على محض الصدفة ، اذ لم يكن أنصارها في بادئ الأمر يتوقعون ، أن واحدا منهم ، مد يده ، واضعا أصبعه الى كلمة بالمنجد الفرنسي - دون قصد - فوقع على كلمة (دادا) و كانت تعني أوائل القرن التاسع عشر بالحصان الخشبي ، و هي لعبة أطفال كانت شائعة بين الأطفال يومذاك.
اذن الصدفة ، و لعبة أطفال ، و الحرب منحت الأدب و الفن أكبر لعبة انسانية عميقة الجذور و هي ما وراء الواقع أو ما وراء الطبيعة.
(كل شيء لا شيء) Tout ou rien / Everything or nothing هي فكرة وليدة الحرب العالمية الأولى ، بينما كانت في أوجها و على أشدها ، و لما لاحظت مجموعة من الفنانين و الأدباء ، الرسامين.منهم و الشعراء ، أنصار المذهب السيريالي ، حجم الدمار و الخراب و القتل ، الدماء ، الفقر ، البؤس ، و الحرمان....شاركوا جميعا في صنع تمثال ، من بقايا الأزرار المهشمة ، الأقمشة و الألبسة البالية الممزقة ، و من الخوذات و القبعات و الأحذية ، الألواح الخشبية و من النفايات و البقايا..أفظع تمثال و في أعلى متكإ له ، يجسد هذه الحرب الهمجية الوحشية ، ثم أطلقوا على الحالة هذه فكرة (كل شيء لا شيء) !
مع الأيام و مع التقدم الثقافي و الحضاري للأمم و الشعوب صارت علامة مميزة الى عصر يشهد فيه التقدم و الإزدهار في أعلى أوجه العلمي و التقني ، و لكن بالمقابل لم ينعكس على ازدهار الإنسان و أنسنة الإنسان و صناعة الإنسان.
فلا تزال الحروب تنشب تحت أقل الأسباب ، أكثر فتكا و أكثر بشاعة ، تقتل الإنسان و محيطه أسباب عيشه بهذه الحياة ، لا تزال الأوبئة و المجاعات و الأمراض تفتك بها ، ظاهرة الإحتباس الحراري (النينيو) و التلوث الإيكولوجي يلوث بدوره و يلوح بإرتفاع درجة حرارة الأرض. و أكثر من هذا و ذاك الحرب السيبرالية و حرب النجوم و استخدام الذكاء الإصطناعي في هذه الحرب الفرط صوتية ، اللوجيستية ، التي تهدد وجود الإنسان أكثر من أي وقت مضى ، جعل الإنسان في ظل كل هذا التطور الذي يعيشه من عمار و عمران ومدن و تمدن . غير مطمئن على سلامته ، ليس بشكله الفرداني انما الجمعي.
لم يعد احدا آمنا ، و في أي لحظة ؛ و لربما أدت قراءة خاطئة على رادار ما ، أو فعل متهور داخل حقيبة شفرة نووية ، لتسببت في انطلاق (آلهة الشر) Titanus كما قالت الإعربق ، في شكل صواريخ عابرة للقارات أو طائرة شبح محمولة بأسلحة الدمار الشامل يقودها طيارا انتحاريا لكانت النهاية العالمية.
كل ذلك صارت تندرج تحت طائل فكرة (كل شيء لا شيء) !
أو ما جدوى مواطنا غنيا في بيئة فقيرة !؟
أو ما جدوى وطنا غنيا ، يسوده حكما غير راشد.
أو ما جدوى عالم في مصنع تقني أسندت له مهام ادارية دكتاتورية !؟
او ما جدوى حضارة ديمقراطية تفتقد الحرية و المساواة و العدالة !؟
أو ثقافة في مجتمع يقوده أميا أو في بيئة مريضة ايكولوجيا ؟
كل هذه الأسباب و تلك هي من تلك (كل شيء لا شيء).
صحيح كانت " الشيئية" ابان الحربين الكونيتين (1919 - 1939) ارثهما ، قدرهما ، وحتى بعد أن حطتا أوزارهما ، و ازدهرت الديمقراطية خبز الفقراء في ترف الأغنياء ، و أن الناس تقبل على العملية أو الميكانيزم الإنتخابي ، لأن المرء المنتخب في النهاية له (شيء) يمتلكه يخشى خسرانه ، أو له أمل في أن يكسبه بعد حين !
أما اليوم لا يفرق عنده في شيء سواء كسبه أو خسره ، سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا ، كونه يعرف أن مصدر القرارات ليس في يد ذاك الشخص الواعد المجدد ، انما داخل تلافيف متاهات غرف مغلقة يحفها الغموض و المبهم و اللا أدري !
اذن ما الذي كسبه السيريالي سوى المزيد من التعبير عن خواطر النفس في مجراها الحقيقي ، بعيدا عن أي التزام يفرصه العقل أو المنطق ثم الإيمان بسلطان الأحلام المطلق.
ما "الشيئية" التي كسبتها السيريالية ابنه الدادائية ، ابنة الحصان الخشبي و هي تقدم العديد من قوافل و قرابين الشهداء ، عدا أحلام (ديدالوسية) سجينة أدمغة ليبرالية اتفصامية ، سرعان ما تؤدي الى لا شيء !.
أن الشيئية التي يزخر بها عالمنا المعاصر مهددة للكائن البشري أكثر منه مهدهدة Bèrceuse.
لا ينبغي أن يظهر الإنسان في الصورة (تايلور).
الآلة ، التي نافسته عن العمل قديما و هي اليوم تنافسه على الحياة ، على الوجود و العمل و الفعل معا.
بينما الوجود ستاتيكي و الفعل ديناميكي ، بدت الشيئية عاجزة أن تسامت الإنسان ، أن تفسر له ما الذي يحدث في محيطه و بالعالم المعولم ، القرية الصغيرة..
و كما لم يعد وراء كل حلم جديد كلام جديد ، و كما لم يعد وراء كل فكرة جديدة فعل جديد أو أمل جديد فلن يكون وراء كل شيئ لا شيء !
مادام ميزان الطرس العالمي مختلا ، يفتقد الى الآتزان ، الى تلك التوازنات الكبرى التي تعيد الإنسان و بيئته وهو يتطور و يتقدم يرى بعيون الآخرين أيضا لما يكسب و لما يفقد.
لهذه الأسباب صارت أحكام البشر جاهزة و مسبقة حتى قبل حدوث الأحداث ، قد علم مسبقا أن الحدث و ما بعد الحدث و الأثر الذي يخلفه الحدث اللا حدث !
و أن الشيء و كل شيء تحصيل حاصل لا شيء !
الفكرة ذاتها هي التي أفرغت المعنى من الجدوى ، افرغت الادمغة في أعين الناس ، أفرغت الكلام من الافكار ، افرغت الكبار من القيم ، و أفرغت المسارح من الحياة ، الغناء من الطرب ، الفرجة من المتعة ، و السلعة من الجودة ، و المرفق من الكفاءة ، و أنقلب السحر على الساحر ، صارت السيارة تقوم مقام السائق ، و الدار مقام صاحب الدار ، و الكرسي مقام الجالس عليه ، و البضاعة مقام الشركة و التاجر و الزبون..أين أختفى هؤلاء البشر جميعا !؟
الإجابة وراء كل شيء لا شيء !.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى