من يربي أبناءنا اليوم؟

شهدت عملية التنشئة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً لم يقتصر على الوسائل والأدوات، بل امتد إلى الجهات التي تملك سلطة التأثير في تشكيل وعي الأفراد. فبعد أن كانت الأسرة والمدرسة تمثلان المصدرين الرئيسيين لغرس القيم والمعايير الاجتماعية، برزت وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فاعلاً جديداً ينافس مؤسسات التنشئة التقليدية في بناء وتوجيه عقول الأبناء واهتماماتهم. وأصبحت الشاشات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بدرجة غير مسبوقة، حتى بات الطفل يتلقى كثيراً من تصوراته عن العالم والنجاح والعلاقات والسلوك من فضاء رقمي مفتوح أكثر مما يتلقاها من محيطه الأسري المباشر. وبهذا المعنى، لم تعد التربية عملية محصورة داخل المنزل أو المدرسة، بل تحولت إلى عملية موزعة بين أطراف متعددة تتنافس جميعها على توجيه الانتباه وصياغة الإدراك.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تكمن خطورة هذا التحول في أن وسائل التواصل لا تنقل المعلومات فحسب، بل تعيد تشكيل أنماط التفكير والميول والتوقعات الاجتماعية. فالطفل أو المراهق لا يتأثر بما يشاهده فقط، وإنما يسعى تدريجياً إلى التماهي مع النماذج الأكثر حضوراً وجاذبية في البيئة الرقمية. ومع مرور الوقت، تصبح مواقع التواصل الاجتماعي شريكاً خفياً في عملية التنشئة، إذ تحدد ما يعرض وما يخفى، وما يستحق الإعجاب وما يستحق التجاهل. وهكذا ينتقل مركز التأثير من الأسرة التي كانت تقدم قيماً مستقرة نسبياً إلى فضاء متغير تحكمه السرعة والجاذبية البصرية ومنطق الانتشار. وفي كثير من الأحيان، يجد الآباء أنفسهم في مواجهة مصادر تأثير تفوق قدرتهم على المتابعة والتوجيه، ليس بسبب ضعف اهتمامهم، بل بسبب اتساع المجال الرقمي وتعقيد آلياته.

أما من منظور علم الاجتماع التربوي، فإن القضية لا تتمثل في وجود التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في تراجع الدور التربوي للمؤسسات التقليدية أمام نفوذها المتصاعد. فحين تنحصر وظيفة الأسرة في الرعاية المادية والجسدية، وتتراجع قدرتها على بناء المعنى والقيم والهوية، يظهر فراغ تربوي تسارع المنصات الرقمية إلى ملئه وفق منطقها الخاص. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بمستقبل التنشئة أكثر من تعلقه بالتكنولوجيا نفسها... من الذي يربي الأجيال الجديدة؟ ومن الذي يحدد معايير الصواب والخطأ والانتماء والنجاح؟ إن التحدي المعاصر لا يكمن في إبعاد الأبناء عن الشاشات، بل في استعادة الدور التربوي للأسرة والمدرسة بوصفهما مرجعيتين قادرتين على مرافقة التحولات الرقمية وتوجيهها، بدلاً من تركها تنفرد بصياغة العقول والقيم في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

وفي النهاية، قد تسهم الوسائط التكنولوجية المتعددة في توسيع دائرة معارفنا، لكن تبقى الأسرة الحصن الأولي والأساسي لتشكيل القيم والضمير الأخلاقي والاجتماعي لأبنائنا. لذلك فإن الحفاظ على النهج التربوي المرن والحوار الأسري البناء والقدوة الفاعلة لم يعد خياراً تربوياً، بل ضرورة وجودية واجتماعية وثقافية وهذا يقتضي منا ألا نترك وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بدور التنشئة بمفردها، لأن ما يكتسبه الأبناء داخل أسرهم من قيم ومعايير واتجاهات يظل المرجعية الأكثر قدرة على توجيههم في عالم تتزاحم فيه الرسائل والتأثيرات المتنافسة.

------------------------
د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى