أحمد بوعروة - الباحث والناقد والكاتب مولاي علي الخميري عمر موجة الفوضى قصير… والزجل باقٍ بأصالته

مقدمة :
في زمنٍ تتكاثر فيه القصائد كما تتكاثر الحسابات،
وتُقاس القيمة بعدد المشاهدات،
وتُمنح الشرعية بالتصفيق لا بالتحليل…
يصبح السؤال ضرورة، لا ترفاً.
هل يعيش الزجل المغربي لحظة ازدهار… أم لحظة تضخم بلا جهاز نقدي يضبط المفاهيم؟
هل الملحون تراث حيّ يُقرأ ويُفكَّك… أم أيقونة تُقدَّس في المواسم وتُحنَّط في الذاكرة؟
هل التصوف مسار تطهيرٍ وارتقاء… أم خطاب جمالي يُستثمر في القصائد والمنابر؟
وهل النقد المغربي ما زال قادراً على المواجهة الصريحة… أم أنه أضحى رهين المجاملة والأيديولوجيا والمصالح؟

في هذا الحوار، لا نبحث عن عبارات دبلوماسية، ولا عن أجوبة مريحة.
نبحث عن موقف. عن تشخيص. عن جرأة تقول ما يُهمَس به في الكواليس.

مولاي علي الخميري لا يتحدث من خارج الدائرة؛
هو ابن التجربة، ورفيق النص، ودارس التراث، وممارس النقد.
وفي تصريح لافت، يختصر رؤيته بعبارة حادة:
«عمر موجة الفوضى قصير… والزجل باقٍ بأصالته».

لكن، إذا كانت الفوضى عابرة كما يقول،
فلماذا تبدو اليوم طاغية إلى هذا الحد؟
وإذا كان الأصيل باقياً،
فمن يحميه من التمييع، ومن التسليع، ومن سوء الفهم؟

ثمانية أسئلة نضعها أمامه بلا رتوش،
تمسّ الإشكاليات المعاصرة للزجل والملحون والتصوف والنقد والممارسة،
وتفتح باباً واسعاً لنقاشٍ نحتاجه… قبل أن يتحول الصمت إلى عادة.

ثمانية أسئلة حول الإشكاليات المعاصرة للزجل والملحون والتصوف والنقد والإبداع والممارسة :

1️⃣ الزجل بين الانفجار والفوضى:
يشهد الزجل اليوم انتشارًا لافتًا عبر المنصات والمهرجانات، لكن مقابل ذلك يتنامى خطاب يتهمه بالتسيّب الجمالي وغياب المعايير.
هل نعيش لحظة ازدهار حقيقي للزجل… أم لحظة تضخم بلا جهاز نقدي يضبط المفاهيم؟

جواب السؤال الأول : الزجل فن راق ، لا يعرف كنهه إلا قليل القلة من الجيش العرمرم الذي يدعي الانتماء إليه اليوم للأسف الشديد ، هناك عوامل متعددة ساهمت في وضعية الزجل الآن ، منها الضعف الثقافي العام ، ومنها استسهال الكتابة بالعامية ، ومنها غياب النقد الصريح والواضح في أسسه العلمية ، وفي تحليلاته وتقييماته ، ومنها انتشار وسائل التواصل المعاصرة مما سهل عملية الكتابة على الجميع ، ومنها تلك المجموعات ( اللوبيات ) التي تتبادل فيما بينها الحضور في المنصات والمهرجانات ، وتبادل الصفقات والدعوات والتنويهات الكاذبة ، ومع ذلك يبقى للزجل شأنه العالي في مجال الكتابة الإبداعية بصفة عامة بالرغم من أحواله الحالية .

2️⃣ الملحون بين التقديس والتحنيط:
كثيرًا ما يُقدَّم الملحون باعتباره “تراثًا مقدسًا”، يُستدعى في الاحتفال أكثر مما يُقرأ في التحليل.
هل أخطر ما يهدد الملحون اليوم هو تحويله إلى متحف رمزي؟
وكيف يمكن إنقاذه من الاستهلاك الفولكلوري دون تفريغه من روحه الشعبية؟

جواب السؤال الثاني : أردد مع نفسي دائما أن ما يروج عن الشيء أو الأشياء لا يعبر عن الحقيقة في المجمل الأعم ، ولاسيما إذا تعلق الأمر بفنون التراث المغربي ومنها الملحون ، فقد مر بفترة طويلة من الجمود ، تغلب فيها الأسلوب الفلكوري ، وطمس حقائقه الإبداعية والفكرية ، فالملحون هو شعر وإبداع يملك من القيم الفنية والقواعد الكتابية ما يجعله مميزا في كل شيء ، وهذا يدركه الدارس الفاحص عندما يحوز على خلفية ذاتية ، ومستوى ثقافي يؤهله للتفاعل مع قضايا الملحون المتعددة والمتنوعة ، حظ الملحون لم يكن دوما مزهرا فقد نبذه المثقفون وبرامج التعليم بمختلف أشكاله ، ونُظِر إليه على أنه شيء تافه لا قيمة له ، وتسلطت عليه في الآونة الأخيرة تلك المعالجات التي تؤمن بقواعد العلم والمنهج ولكنها تفتقد للنظرة الذاتية ، والخلفية الثقافية ، وصرنا نطالع مجموعة من الأبحاث والدراسات هي عبارة عن هلوسات علمية ، تسيء إلى الملحون أكثر مما تحسن إليه ، وقد اطلعت على بعض ما أنجز في أسلاك الدراسات العليا ببعض الجامعات المغربية ، لذا أقول إن قواعد العلم والمنهج مهما أوتي صاحبها من قوة لا يمكن بمفردها أن تدرس لنا شعر الملحون ، لا بد من وجود علاقة ذاتية وخلفية ثقافية ، وعلينا ان نتقيد بما فعله الرواد من أمثال محمد الفاسي وعباس الجراري وأحمد سهوم رحمهم الله وغيرهم ممن يواصلون السير بنهجين متكاملين : نهج الجمع ، ونهج الفحص والتدبر ، وعلى الباحثين أن يتكاملوا ويتفاعلوا فيما بينهم ، ويستفيدوا من مختلف تجاربهم ، وهذه واحدة من سبل الإنقاذ .

3️⃣ أزمة المرجعية في الزجل المعاصر:
هل يمتلك الزجل المغربي اليوم مرجعية نظرية واضحة؟
أم أنه يتحرك بين استعارة أدوات نقد الشعر الفصيح وبين انبهار غير محسوم بالخطاب الحداثي؟
أين تكمن إشكالية التأصيل: في النص… أم في الوعي به؟

جواب السؤال الثالث : وضعت يدك على مشكلة كبيرة في الزجل المعاصر ، الذين يكتبون فيه ويجيدونه قلة قليلة ، لأن المعاصرة تعني قدرة ثقافية هائلة تمتاح من مختلف روافد الفعل الثقافي المعاصر ، بالإضافة إلى استحضار مسيرة الزجل في ماضيه المنير ، فالمعاصرة لا تعني الانقطاع ما بين حلقات الإبداع وأجياله المتتالية ، هذا من ناحية القضايا أم من ناحية الأسلوب فالمعضلة أكبر نظرا لوجود ضعف ثقافي سائد في الوسط الثقافي ، وفقر ذاتي نابع من الرؤى والخيال الذي يوسع دائرة القول ، لقد طغت المباشرة ، وكثر التطويل غير المفيد ، واستبد الأسلوب السردي على مفاصل القصيدة الزجلية المعاصرة ، في بعض الأحيان أطالع بعض النماذج ولا تحرك في شيئا على مستوى الأفكار والتصورات والعواطف والخيال ، أضحت القصيدة الزجلية المعاصرة فقيرة من جميع الجهات ، وتحول كتابها إلى مجرد جامعين للفقرات والجمل بلا وعي يمكنهم من الإفصاح عما يريدونه ، عامل الانبهار موجود وهذا من الآفات التي سكنت النفوس ، فالكثير من الزجالين يستعمل الحداثة وغيرها من أفكار العصر على أنها جواز لا يقبل النقض ، ولا المراجعة ، ولا النقاش ولا التحليل ، وعندما تطالع المكتوب تجد فوضى عارمة لا علاقة لها لا بالحداثة ، ولا بأفكار العصر الأخرى ، إنما هي نزوة فكرية ، أو ما يشبهها تفتقد إلى المقومات الفكرية والفنية ، وليس لها ما يشفع لها لكي تصبح إبداعا ، إشكالية الزجل تكمن في الوعي به ، ومعناه أن يمتلك صاحبه معرفة واسعة بمضامينه ، وميولا طافحا على وجدانه ، وقدرة على الإبداع بشكل ذاتي بصير ومتميز ، الزجل بما أنه إبداع شعري يجري عليه ما يجري على كل الأشعار من جهة التقويم والشرح والتفسير ، وهذا لا يضر الزجل في شيء ، فالإبداع يبقى إبداعا ما دام قابلا للقراءة والتحليل بمختلف الآليات والمناهج التي توصل إليها الإنسان وفي كل التخصصات والأبعاد والقوالب .

4️⃣ التصوف بين التجربة والموضة:
في زمن تتكاثر فيه الخطابات الروحية، ويُستثمر التصوف ثقافيًا وإعلاميًا،
هل نحن أمام عودة حقيقية للتجربة الصوفية… أم أمام تسليع للرموز والمفاهيم؟
كيف نميز بين المعرفة الصوفية بوصفها مسارًا وجوديًا، وبين استعمالها كشعار جمالي في القصيدة والزجل؟

جواب السؤال الرابع : في أسئلتك إشارات كثيرة للجواب ، ففي التصوف يجب أن نفرق بين المعرفة الصوفية في أصالتها وبين الممارسة لأن كل الأخطاء التي ارتكبت ولا زالت ترتكب هي آتية من الممارسة ، أو من عدم التقيد بضوابط تلك المعرفة ، نعم هناك زخم في المجال الصوفي ، وهناك تقدم على مستوى البنايات والعمران ، وهناك كثرة في اللقاءات والمواسم ، وعندما نقيس كل ذلك بما عليه حالنا نشعر بشيء من التقصير والخلل لأسباب عديدة : في مقدمتها تحول الممارسة الصوفية إلى معطيات مرتبطة بظواهر العصر الموغلة في الماديات ، واتخاذها ممرا للعلاج وليس للسمو النفسي ، وهناك فرق بين الإقدام لأجل العلاج ، وبين الإقدام لأجل السباحة في ملكوت الخالق الواحد بالإضافة إلى طابع الاستعجال الذي يصاحب اعتقاد البرء والنجاة بمجرد الانتماء الصوفي ، والدخول إلى حياضه بدون علم أو سند ، إن الانتماء للتصوف يعني البداية ، ويعني المعرفة ، ويعني السعي الحثيث للتطهير ، والصعود في معارج النقاء والصفاء ، كل هذا منعدم في الكثير من الممارسات الصوفية ، على ذكر الطفرة العمرانية للزوايا والبنايات أرى أن هناك تناقضا صارخا بين واقع اليوم وواقع الأمس ، فاليوم بالرغم مما قلناه أضحت زوايانا فارغة من العلماء ، ومن قواعد التربية والسلوك المناسبين لقواعد ديننا الصحيح ، على عكس ما كان عليه الأمس حين كانت تلك الزوايا عبارة عن أكوام من الصخور والأتربة ، وكانت مهترئة ، وأحيانا آيلة للسقوط ومع ذلك كانت الهمة ، وكان العمل ، وكانت النتيجة ، فالإنسان يبقى هو المحور في أي تغيير وتطور ، ارتباط التصوف بالإبداع والجمال هو ارتباط أبدي وقد أنجزت فيه مجموعة من الأعمال المؤثرة على مر الحقب التاريخية ، فالارتباط قائم ، ويجب أن يستمر بوعي وبإبداع متطور وصافي ، يحرك مشاعر الإنسان ، ويربطه بربه ، ويدله على حقيقته ووظيفته الوجودية وإلا أسأنا للمعرفة الصوفية الأصيلة .

5️⃣ النقد المغربي وإشكالية الجرأة:
يُتهم النقد اليوم إما بالمجاملة، أو بالتقوقع الأكاديمي.
هل فقد النقد المغربي قدرته على المواجهة الصريحة للنصوص؟
وهل المشكلة في الناقد الذي يخشى الاصطدام… أم في المشهد الذي لا يحتمل النقد الصارم؟

جواب السؤال الخامس : النقد هو ضرورة من ضرورات الإبداع القصوى ، فبه يمكن أن نزن بين مضامين الإبداع المختلفة ونتعرف على معطياتها الفنية والفكرية ، والنقد هو الذي يقرب العمل الإبداعي إلى القارئ ، ويهب له حياة الخلود حين يكشف عن مؤهلاته وخصائصه وإضافاته وتأثيره في النسق الإبداعي العام ، مثل هذا التصور لا يمكن أن يقوم به إلا الموهوبون من النقاد العلماء ، وهذا الصنف في وقتنا قَلَّ ، أو أضحى في حكم الندرة حتى لا أقول المستحيل ، وحتى ما سميتَه بالنقد الأكاديمي لم يسلم من أثر التقوقع ، والانتصار للأيديولوجيات على حساب قيم الفن والإبداع ، وهو ما يمكن اعتباره جوابا عن قولك ( هل فقد النقد المغربي قدرته على المواجهة الصريحة للنصوص ؟ ) وأضيف مجموعة من العوامل ألأخرى غير العلمية كدرجة القرب والانتماء الأيديولوجي والمنافع المادية المتبادلة ما بين الناقد والمبدع ، بذلك أصبح عندنا مشهد نقدي لا يبحث عن المتعة الفكرية المطلوبة ، ولا يسعى إليها ، ولا تهمه أساسا ، لأن همه أصبح هما سوقيا خبزيا ، فالمشكلة أضحت ليس من خشية الاصطدام وإنما من تلك الطفيليات التي نمت على طريق النقد المعرفي الإيجابي ، وأقامت سدودا في مجراه ، وحولته إلى مزايدات تنبع من القرب والبعد ، ومن الميل والكره ، ومن المنافع الدنيوية ومقدار عمر الصحبة على حساب كل قيم الفكر والثقافة والإبداع ، النقد الحقيقي يجعل الإبداع سفيرا بين الشعوب ، ومدارا للمعرفة عن بعد ، ويغرس في النفس حب الإطلاع ، وشغف المعرفة ، ويقرب بين المتباعدين ، ويرشد إلى حلول النجاح لآفات الإبداع ، والأهم الأجمل أنه يورث في النفس حبه والتمسك به ، والدعوة إليه ، والرفع من قيمه وقيمته .

6️⃣ الممارسة الإبداعية بين الوعي والحرفة:
هل يعاني الزجل والملحون اليوم من غلبة “الرغبة في الحضور” على حساب “الوعي بالبناء”؟
وهل يكفي الامتلاك الفطري للغة الشعبية لصناعة نص إبداعي متماسك، أم أن الممارسة تحتاج إلى معرفة نظرية توازي الحسّ الشعري؟

جواب السؤال السادس : بما أنك ربطت بين الممارسة والوعي والحرفة والزجل والملحون فلا بد من تفصيل في الأمر على الشكل التالي : الإبداع بصفة عامة لم يكن وليد عنصر واحد من تلك العناصر المذكورة ، فهو نابع منها مجتمعة ، وبلمسة المبدع تنصهر فيما بينها وتتفاعل لتعطينا في النهاية إبداعا مقبولا ومؤثرا ، السؤال الذي يجب طرحه هو : هل المبدعون المعاصرون واعون بتلك العناصر ويتملكونها حقا ، ويوظفونها في إبداعهم أم أنهم مترامون ومغترون وجاهلون بماهية الإبداع وحقيقته ؟ قلت بأن الإبداع محتاج لكل تلك العناصر ويمكن أن أضيف إن الإبداع هو وعي وحرفة ، أي أنه يجمع بين الفطرة والمعرفة ، وعلى قدر امتلاكهما وفهمهما وعمقهما في نفسية وثقافة المبدع نحصل على إبداع ممتاز ومتميز ، نعم قد يغلب عنصر على عنصر أو عناصر أخرى ولكن لمسة المبدع تبقى أساسية وصمامة الأمان فيما يخص المواءمة بين كل ذلك العناصر ، يجب أن ننتبه إلى حواسنا ودورها في اكتساب ومممارسة الحياة ، فتلك الحواس كلها تعمل ولكن الأشخاص تتفاوت في الاعتماد على بعضها دون بعض ، فكلنا ندرك بتلك الحواس كاملة ولكن بتفاوت بينها ، وكذلك الإبداع على اعتباره حاسة سادسة مكتسبة من حواس الحياة الفطرية ، وقد تكلمت في الجواب السابق المتعلق بالملحون عن الاعوجاجات الملاحظة فيمن يبقى من المبدعين والدارسين حبيسا لقواعد العلم وآليات المنهج وهو يقلب قصائد الملحون على سبيل المثال ، لأن جميع فنون التراث تحتاج إلى لمسة ذاتية ، وخلفية ثقافية خاصة تعين على مزيد من الالتحام والاكتشاف لتجليات النص التراثي الإبداعي ، وعلينا أن نلاحظ أن اتجاهات الزجل بالمغرب كثيرة ، ويمكن أن أشير منها إلى ثلاثة كبيرة فقط : فهناك الاتجاه المحلي ، وهناك الاتجاه الفكري الثقافي ، وهناك الاتجاه الذاتي الذي يشبه الهوس أوالجذب ، وأكيد أن كل تلك الاتجاهات تتفرع عنها روافد عديدة ومتنوعة على مستوى القوالب واللغة والخيال والمضمون .

7️⃣ الجامعة والإبداع الشعبي: علاقة توتر أم شراكة؟
رغم الجهود الأكاديمية، ما تزال هناك فجوة بين الجامعة ومبدعي الزجل والملحون.
هل أخفقت الجامعة في بناء جسور حقيقية مع الممارسة الميدانية؟
أم أن الإبداع الشعبي نفسه يتحفظ تجاه التقعيد والتنظير؟

جواب السؤال السابع : كانت لي تجربة تدريسية لمادتي الملحون والعيطة طيلة ثمانية مواسم ، وكم عانيت فيها من زملائي الأساتذة ، ومن نظرتهم الدونية لفنون التراث المغربي ، وأنا لا ألومهم بسبب أن التنشئة العلمية الخاصة لم تربطهم إلا بالمتداول المشهور من العلم والمعرفة ، وكنت أصرح أمامهم بأنكم جاهلون وظالمون ، وتحديت بعضهم عندما قلت له لا تحكم حتى تقرأ وتطالع وسترى ما ستجد من المتعة والفكر والثقافة والفن ، ولن تسلم من تأثير تلك المقروءات ، وربما ستغير رأيك وتصبح مقبلا عليها ، ومدافعا عنها ، اقتحامي لتدريس الملحون والعيطة في الوسط الجامعي تحكمت فيه أمور كثيرة من أبرزها أنني كنت أرى الطالب المغربي يغادر الجامعة وهو عارف بثقافة العالم ، وعندما تسأله عما يتعلق بمغربيته وهويته تجده جاهلا ومستهزئا ومتكبرا ، وأحمد الله أن التجربة تركت أثرا قويا في النفوس ، وفتحت عقولا ، وغيرت من بعض الآراء ، وزحزحت أخرى ، نعم الجامعة أخفقت ولا زالت في علاقتها مع المورث الشعبي تحت ذرائع مصطنعة ، وسأروي منها ما يتصل بلغة الملحون ومن يرى فيها محاربة للفصحى ، ودعوة صريحة للعامية ، وهذا غير صحيح ، لأن لغة المحون قريبة جدا من الفصيح ، واستعملت الكثير منه ، ولم تقم على الندية ، أو تعارض الفصيح ، لم نسمع بهذا أبدا إنما الفكرة نمت داخل بعض العقول للأسف الشديد بلا دليل علمي موثق ومقنع ، وحتى مضامين شعر الملحون لم تخرج عن دائرة الشعر العربي الفصيح ، فوجود شعر الملحون إلى جانب الشعر الفصيح هو امتداد طبيعي وإغناء للذائقة الإبداعية المغربية ، وتواصل وتفاعل بين المستويات الثقافية القائمة ، وهناك من شعراء الملحون من كان عالما وفقيها ، وذا مستوى ثقافي محترم ، وهناك من كان منهم ينظم بالفصيح فتراجع عنه وفضل الملحون ، المهم بعد كل هذا هو أن ننظر إلى قيمة الإبداع في ذاته ، وأن نعترف به ، وأن نتخلص من تلك المواقف المتوارثة بين الأجيال بجهل وعناد ، فاللغة العربية الفصحى سيبقى لها مجالها وحضورها وإبداعها وقوتها ، وكذلك لغة الملحون والتراث بصفة عامة ستقوم بدور المساندة والتمدد والتنوع ، وتلك هي مميزات الثقافة والإبداع على مر العصور .

8️⃣ سؤال المستقبل: بين التجديد والقطيعة:
إذا استمرت التحولات الرقمية، وتغيّر ذوق المتلقي، وتراجع الكتاب الورقي،
هل نحن أمام ضرورة تجديد جذري في شكل القصيدة الزجلية والملحونية؟
أم أن أي قطيعة مع البنية التقليدية قد تعني فقدان الهوية؟
أين يبدأ التجديد… وأين ينتهي التفريط؟

جواب السؤال الثامن والأخير : كل ما قلته ممكن الحدوث في المستقبل إذا لم نتحرك لسد الفراغات ، وإقامة البنيان ، والمحافظة على أصالته ، ومحاربة الاعوجاج ، وتشجيع الجيد المقبول ، والحث على اتخاذه أساسا وعمدة ، وأنا لا تخيفني كل الظواهر السلبية القائمة لأننا نملك نسخة تراثية تركها لنا الأجداد والآباء ، ستصبح عندنا بمثابة المعيار الوحيد للقول في الزجل والملحون ، ثم إن ما نشاهده الآن لن يطول به الزمن بسبب أنه فاقد لعنصر الحياة ، وسيكون عمر موجة الفوضى الحالية قصيرا ، والمهم هي فقدها لأساسيات الإبداع التي تضمن الحياة ، وتؤثر في الناس ، نعم اليوم مقدار الفوضى كبير ومخيف وداهم لكل العقول والأذواق ، وهنا تكمن الخطورة بمعنى أن يصبح لدينا ميل لتلك الفوضى أكثر من البحث عن الأصيل الرصين ، والالتفات إلى عنصر التربية والتنشئة والتعليم في مثل هذه الأحوال واجب وضوري وأكيد ، التجديد مطلوب ولكن على أساس قواعده الأصيلة والدعوة إليه واجبة لإحداث التطور المقبول ، وهو ما لا يتماشى مع دعوات التجديد المكتفية بأرقام المشاهدة والمتابعة ، فكل ذلك زيف في زيف ، وانظر إلى واقع الأغنية المعاصرة فهي تتناسى بسرعة كبيرة على عكس أغنية الأزمنة الجميلة ، ومما أخاف منه هو بعثرة المشهد الإبداعي المعاصر ، وفقدانه لأسسه ، وبلقنته بحسب الأشخاص وبدواعي التأثيرات السلبية المنفلتة من كل قيود الفن والإبداع ، لا يمكن أن نقع تحت ضغط التجديد بتهور ، ونفتح الباب لكل من هب ودب ، ونرحب بالقبح ، ونتغاضى عن الجيد بداعي العصرنة.....فكل هذا خطأ فادح ، والتجديد لا يعني تغيير المعالم الأصيلة ، ولا يعني إلغاء القديم ، ولا يعني القطيعة بين أجيال المبدعين ما دام لنا ماض محترم ومعروف ومؤشر عليه ، فمن يخرج عن هذه القاعدة في التجديد فهو في حكم اللقطاء الذين يعيشون بين الناس بعقدة سرمدية ، تؤثر على وجودهم ، ولا يؤبه لهم ، وسؤال التجديد طرح وسيبقى مطروحا مع كل جيل جديد ، وهذا لا ضير فيه كما قلت ، إنما الانتباه يجب أن يركز على الكيفيات فما توافق منها مع قواعد التجديد يقبل ويسمح له بالممارسة ، وما جاء مغمسا في أوحال الذات ، وحاملا لأدرانها وجهلها فهذا يستبعد ، ولا يلتفت له بتاتا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى