عُرِفت مدينة اليوسفية قديما بمنطقة كشكاط نسبة إلى الوادي الذي يعبرها, هدا الإسم تؤكده المراسلات بين القائد العربي بلكوش والمراقب المدني بعد أن أضافها السلطان إلى ثراب تسييره ، عند زيارته لمدرسة الأم ا، للرماية وركوب الخيل بالشماعية ، حيث كان يدرس بها أبناء السلطان والمقربون .
فقد كانت كشكاط تُحْكَم من زاوية الخنوفة : زاوية أحفاد الشيخ علي بناصر ، وبعد أن أختيروا لقيادة حَرْكَة ضد ثورة بوحمارة بتازة وعلى رأسهم القايد بلكوش لعلمهم بالفروسية والرماية .
وفي سنة 1931 بدأ إستخراج الفوسفاط بالمنطقة ، فَسُمِّيَتْ بلويس جونتي( Louis Gentil) نسبة إلى عالم الجيولوجيا الفرنسي الذي درس التكوين الصخري لعدة مناطق بالمغرب ، ومن بينها كشكاط ، فأطلق عليها الفرنسيون إسمه تخليدا لعالمهم الذي توفي سنة 1925 ، أي قبل بداية إستغلال المناجم ، فبقيت المنطقة تحمل إسمه إلى حين حصول المغرب على الإستقلال ، فسميت باليوسفية نسبة إلى السلطان مولاي يوسف أب محمد الخامس .
وبعد بداية إستغلال الفوسفاط أنشئت قرية كانت تحمل إسم رقم 9000 تحولت في ما بعد إلى المزيندة ، مسقط رأسي ، ولعل إسمها مشتق من كلمة الزند أو حجر الصوان ، وهي حجارة عبارة عن صخر رسوبي بلوري كانت تملأ المنطقة ، يستخدم تاريخيا في صنع الأدوات الحجريّة وإشعال النار . وكنا نستعمله صغارا في حروب المجموعات "للتشيار والتطويع " تبادل الرشق والقصف لصلابته وحدة جوانبه وقدرته على الإيذاء و إحداث الضرر.
تَجَمَّعَ بهذه القرية العمالية المنجمية عائلات من جميع أنحاء المغرب فكان الوجدي ، التدلاولي ، العريبي ، الدليمي الصحراوي ، العبدي ، الدكالي ، الشاوي ، البيضاوي ، الرحماني ، الحمري السوسي ، الأمازيغي ،الخنيفري. فتكون ملتقى حضارات المغرب ، في أبهى وأرقى صورة للتعايش وتبادل التقافات، فشهدت خلال عقدين نوعا من الإزدهار والتقدم أتَّتَتْها بنية تحتية ، لفائدة ثلاث مائة عائلة عمالية ، أنشأها المستعمر ، من طريق معبدة وحَمّامَيْن بهندسة معمارية رائعة ، ومستوصف مع زيارة منتظمة للطبيب ، ومدرسة مختلطة للتعليم الإبتدائي ، ومسيد للتعليم القرآني ، ونادي لتعليم الفتيات فنون الطرز والخياطة والطبخ وصنع الحلويات ، ومساحات للرياضة والترفيه ، بالإضافة إلى خدمات كالنقل المجاني لأبناء العمال وسينما الحائط المتجولة ، ولعب عاشوراء ،كما أنشأت مقتصدية Economat تُوَفِّر مواد غذائية وتنضيفية بأتمنة مدعمة من طرف المكتب الشريف للفوسفاط ، لم تفي بجميع إحتياجات المزينديين فكانوا يتوجهون كل أحد إلى السوق الأسبوعي حد الويجانطي،
فكنا ونحن أطفال ننتظر قدومهم عائدين من السوق عند موقف الطاكسيات لساعات بلهفة للمساعدة في حمل القُفَفْ وإستكشاف قبل إخوتك ما جادت به ميزانيتهم من طايب و هاري وفاكية وفواكه موسمية .
وإذا كان إنتظار الأباء العائدين من السوق تواكبه فرحة ولعب وشغف ، فقد كان هناك أيظا إنتظار آخر يصاحبه هلع وخوف وترقب وإنتظار الأسوأ ، إنتظار أمهات وزوجات العمال وأطفالهم حين يأتي خبر حادت من أحد مناجم الفوسفاط كسقوط سقف المنجم " الحشَّة " على العمال ، وفي غياب التواصل حيث لم يكن إلا هاتف الحائط في مكتب رئيس القرية chef du village الذي كان يصعب تصديق رواياته عند هذه الأحدات ، فيكثر الحكي عن إحتمال محتجزين داخل المنجم ،وعن سقوط قتلى أو من تم نقلهم إلى مستشفى المكتب الشريف للفوسفاط OCP , أو من ثم بَتْرُ أطرافهم لإنقاذهم على يد الطبيب الفرنسي "ميشالي " ، مشهد تعيس في ذاكرتي يتفوق في بؤسه على وَصْفْ هنري بالزاك لحياة عمال الفحم بفرنسا ،في روايته الرائعة جيرمنال « Germinal » . حين يمتزج الفحم بالهواء فيسود السواد وبالمزيندة يمتزج تراب الفوسفاط الشاحب بالهواء فيزكم الانوف ويطلي الرئات والعظام والأسنان فيَبْهَتُ و يَشْحَبُ كل شيءٍ .
لقد عاشت قرية المزيندة رغدا وإزدهارا في العقدين : الستينيات والسبعينيات تهاوى في التمانينيات بعد رحيل العمال فرحلت البنيات التحتية وغابت الخدمات فَهُمِّشَتْ القرية وأبناءها ، في حين أزداد إستغلال مناجمها وأرتفعت معه عائدات ترابها إلا أنه تبقى فرص تشغيل شبابها ظئيلا أو منعدما وتنمية غائبة وبيئة معرضة أكثر للثلوت خصوصا بعد إقدام المكتب الشريف للفوسفاط في سنة 2025 على إنشاء وحدة لإنتاج الحامض الكبريتي ووحدات لإنتاج الحامض الفوسفوري بموقع قرية لمزيندة التابعة لجماعة الكنتور بإقليم اليوسفية، لتعزيز القدرات الإنتاجية للأسمدة بـ 9 ملايين طن بحلول 2028، هدا الرقم يذكرنا بنفس الرقم الذي أعطي لقرية المزيندة عند إنشائها ونتمناه فَأْلاً حسنا .
لذلك وجب إدماج كل شباب القرية بهده الوحدات والتقليص من مخاطر التلوث وإعادة إحياء المرافق والخدمات التي فقدتها قريتنا .
فرحم الله ضحايا حوادث المناجم بقرية المزيندة ، وبالمغرب وعوض الله سعيهم ، جنة و خيرا ، سعي في تنشئة وتعليم أبنائهم رغم صعوبة العمل بالمناجم حينذاك ، ومساهمتهم في إقتصاد الوطن ، إقتصاد تكالب عليه المستعمر وبعض عملائه .
د. عروش إبراهيم الادريسي
فقد كانت كشكاط تُحْكَم من زاوية الخنوفة : زاوية أحفاد الشيخ علي بناصر ، وبعد أن أختيروا لقيادة حَرْكَة ضد ثورة بوحمارة بتازة وعلى رأسهم القايد بلكوش لعلمهم بالفروسية والرماية .
وفي سنة 1931 بدأ إستخراج الفوسفاط بالمنطقة ، فَسُمِّيَتْ بلويس جونتي( Louis Gentil) نسبة إلى عالم الجيولوجيا الفرنسي الذي درس التكوين الصخري لعدة مناطق بالمغرب ، ومن بينها كشكاط ، فأطلق عليها الفرنسيون إسمه تخليدا لعالمهم الذي توفي سنة 1925 ، أي قبل بداية إستغلال المناجم ، فبقيت المنطقة تحمل إسمه إلى حين حصول المغرب على الإستقلال ، فسميت باليوسفية نسبة إلى السلطان مولاي يوسف أب محمد الخامس .
وبعد بداية إستغلال الفوسفاط أنشئت قرية كانت تحمل إسم رقم 9000 تحولت في ما بعد إلى المزيندة ، مسقط رأسي ، ولعل إسمها مشتق من كلمة الزند أو حجر الصوان ، وهي حجارة عبارة عن صخر رسوبي بلوري كانت تملأ المنطقة ، يستخدم تاريخيا في صنع الأدوات الحجريّة وإشعال النار . وكنا نستعمله صغارا في حروب المجموعات "للتشيار والتطويع " تبادل الرشق والقصف لصلابته وحدة جوانبه وقدرته على الإيذاء و إحداث الضرر.
تَجَمَّعَ بهذه القرية العمالية المنجمية عائلات من جميع أنحاء المغرب فكان الوجدي ، التدلاولي ، العريبي ، الدليمي الصحراوي ، العبدي ، الدكالي ، الشاوي ، البيضاوي ، الرحماني ، الحمري السوسي ، الأمازيغي ،الخنيفري. فتكون ملتقى حضارات المغرب ، في أبهى وأرقى صورة للتعايش وتبادل التقافات، فشهدت خلال عقدين نوعا من الإزدهار والتقدم أتَّتَتْها بنية تحتية ، لفائدة ثلاث مائة عائلة عمالية ، أنشأها المستعمر ، من طريق معبدة وحَمّامَيْن بهندسة معمارية رائعة ، ومستوصف مع زيارة منتظمة للطبيب ، ومدرسة مختلطة للتعليم الإبتدائي ، ومسيد للتعليم القرآني ، ونادي لتعليم الفتيات فنون الطرز والخياطة والطبخ وصنع الحلويات ، ومساحات للرياضة والترفيه ، بالإضافة إلى خدمات كالنقل المجاني لأبناء العمال وسينما الحائط المتجولة ، ولعب عاشوراء ،كما أنشأت مقتصدية Economat تُوَفِّر مواد غذائية وتنضيفية بأتمنة مدعمة من طرف المكتب الشريف للفوسفاط ، لم تفي بجميع إحتياجات المزينديين فكانوا يتوجهون كل أحد إلى السوق الأسبوعي حد الويجانطي،
فكنا ونحن أطفال ننتظر قدومهم عائدين من السوق عند موقف الطاكسيات لساعات بلهفة للمساعدة في حمل القُفَفْ وإستكشاف قبل إخوتك ما جادت به ميزانيتهم من طايب و هاري وفاكية وفواكه موسمية .
وإذا كان إنتظار الأباء العائدين من السوق تواكبه فرحة ولعب وشغف ، فقد كان هناك أيظا إنتظار آخر يصاحبه هلع وخوف وترقب وإنتظار الأسوأ ، إنتظار أمهات وزوجات العمال وأطفالهم حين يأتي خبر حادت من أحد مناجم الفوسفاط كسقوط سقف المنجم " الحشَّة " على العمال ، وفي غياب التواصل حيث لم يكن إلا هاتف الحائط في مكتب رئيس القرية chef du village الذي كان يصعب تصديق رواياته عند هذه الأحدات ، فيكثر الحكي عن إحتمال محتجزين داخل المنجم ،وعن سقوط قتلى أو من تم نقلهم إلى مستشفى المكتب الشريف للفوسفاط OCP , أو من ثم بَتْرُ أطرافهم لإنقاذهم على يد الطبيب الفرنسي "ميشالي " ، مشهد تعيس في ذاكرتي يتفوق في بؤسه على وَصْفْ هنري بالزاك لحياة عمال الفحم بفرنسا ،في روايته الرائعة جيرمنال « Germinal » . حين يمتزج الفحم بالهواء فيسود السواد وبالمزيندة يمتزج تراب الفوسفاط الشاحب بالهواء فيزكم الانوف ويطلي الرئات والعظام والأسنان فيَبْهَتُ و يَشْحَبُ كل شيءٍ .
لقد عاشت قرية المزيندة رغدا وإزدهارا في العقدين : الستينيات والسبعينيات تهاوى في التمانينيات بعد رحيل العمال فرحلت البنيات التحتية وغابت الخدمات فَهُمِّشَتْ القرية وأبناءها ، في حين أزداد إستغلال مناجمها وأرتفعت معه عائدات ترابها إلا أنه تبقى فرص تشغيل شبابها ظئيلا أو منعدما وتنمية غائبة وبيئة معرضة أكثر للثلوت خصوصا بعد إقدام المكتب الشريف للفوسفاط في سنة 2025 على إنشاء وحدة لإنتاج الحامض الكبريتي ووحدات لإنتاج الحامض الفوسفوري بموقع قرية لمزيندة التابعة لجماعة الكنتور بإقليم اليوسفية، لتعزيز القدرات الإنتاجية للأسمدة بـ 9 ملايين طن بحلول 2028، هدا الرقم يذكرنا بنفس الرقم الذي أعطي لقرية المزيندة عند إنشائها ونتمناه فَأْلاً حسنا .
لذلك وجب إدماج كل شباب القرية بهده الوحدات والتقليص من مخاطر التلوث وإعادة إحياء المرافق والخدمات التي فقدتها قريتنا .
فرحم الله ضحايا حوادث المناجم بقرية المزيندة ، وبالمغرب وعوض الله سعيهم ، جنة و خيرا ، سعي في تنشئة وتعليم أبنائهم رغم صعوبة العمل بالمناجم حينذاك ، ومساهمتهم في إقتصاد الوطن ، إقتصاد تكالب عليه المستعمر وبعض عملائه .
د. عروش إبراهيم الادريسي