راهنُ الخطابِ النقدي في البحرين .. كتاب للناقد البحريني د . عبد القادر المرزوقي .. مراجعة جعفر الديري

راهنُ الخطابِ النقدي في البحرين .. كتاب للناقد البحريني د . عبد القادر المرزوقي

مراجعة – جعفر الديري:

(راهن الخطاب النقدي في البحرين)، كتاب للناقد البحريني الدكتور عبد القادر المرزوقي، صدر في 2024، في 225 صفحة، عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع. تنبثق فكرة هذا الكتاب من عزوف النقد أو في أحسن أحواله تراجعه في المشهد الثقافي في الحركة الإبداعية في البحرين، والحاجة إلى تفجير الطاقات الكامنة وتحليلها تحليلا يوازي النصّ الإبداعي تأويلا ودلاليا، واستشعار بهجة النصّ الإبداعي في دهشته وفتنته وهو يلقي بظلاله على وعي المتلقي، فتضيء له مفاصل العمل المعتمة والملتبسة، ولا يتأتىّ لها ذلك إلا بالرافعة النقدية، فالنقد قراءة فنية تحليلية تقوم على استنطاق النصّ سواء أكان شعرا أو سردا.

نظرية نقدية ودراسات تطبيقيية

أقام المؤلف دراستة هذه على محورين اثنين أساسيين، المحور الأول استنطاقات نظرية نقدية، والمحور الثاني دراسات تطبيقيية نقدية على نصوص شعرية وأعمال سردية، من خلال تقديم أربعة تكوينات رئيسة تتعامل مع النقد الأدبي في مختلف مجالاته، هي: التكوين الأول: تأسيس نقديّ، الثاني: الهوية بين المعطى التاريخي والمتخيل الثقافي، الثالث: اللغة الشعرية والدراسات النقدية، مع عرض نماذج دراسات نقدية لكل من: الشاعر إبراهيم بن هندي في ديوان "قيام السيد الذبيح"، والشاعر قاسم حداد في كتابه "مكابدات الأمل"، وقراءة في ديوان "تهويدة لنجمة البحر" للشاعر علي عبد الله خليفة، ودراسة عن التأويل السياقي في شعر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، أمّا التكوين الرابع فهو الخطاب السّردي ّ في "مساء البلورات" و"ليلة البلّور"، والتكوين الخامس جاء بعنوان المسافة وإنتاج الوعي (قراءة في المصطلح النّقدي)، والتكوين السادس هو: هيام النقد في السّرد المسرحي الإبداعيّ مسرحيات الشرقاوي أنموذجا.

النقد مقاربة روحية

يقول المرزوقي: ان النقد مقاربة روحية بين العمل الإبداعي والقراءة النقدية، والعمل الإبداعي ينزع بطبيعته إلى التفلت من القيود والحواجز التي قد تحد من انطلاقته، في فضاء الفكر والمعرفة، فالمبدع حريص كل الحرص على تشكيل رؤاه الفكرية والنفسية في قالب إبداعي خاص به، ولا بد أيضا لحالة التفلت والانطلاق تلك من معادل موضوعي يتناول هذه الحالة الإبداعية بقراءة ضافية تفكيكية تأويلية لمضامين حقولها الدلالية، مشيرا الى انه مما يعزز هذا التوجه هو تراجع النقد ونقد النقد في المشهد الأدبي في البحرين، وقد يكون كذلك في خارج البحرين في المحيط الخليجي، لذا فإنّ هذه الدراسة تنهض على سبر أغوار بعض النماذج الإبداعية، ويتبين منها أنّ التصدي لمعالجة النصوص الشعرية في المشهد الإبداعي الشعري في البحرين، يحتاج إلى تكثيف القراءة الناقدة بالتوازي مع القراءة الناقدة السردية، ذلك لأنّ اللغة مرآة الذاكرة، لما لها من ميسم تفكيك مفاهيم توظيفها في الفكر الإنساني.

فهم معرفي يشعّ ضوءًا

ويورد المؤلف في مكان آخر من الكتاب: إنّ الفعل الثقافي وتر تهتز في أركانه إبداعات تؤسس فهما معرفيا يشعّ ضوءا في مفاصل الحضارة الإنسانية بناء ووعيا فكريا، لذا فإنّ النقد عامل يرفد حركة الإبداع في تقسيماته الفنية بغية إنتاج قراءات إبداعية تتماهى مع سياقات النصّ الإبداعي، موضحا أن فكرة مشروع هذا الكتاب جاءت في محاولة لإحياء المشهد النقدي تنظيرا وتطبيقا بعد أن تعددت الدراسات النقدية وتشعبت واتسع التفاعل فيما بينها لتتباين مسارات النهج النقدي، وهو ما دفعه إلى الوقوف على مقاربات نقدية لحقول نظريات مختلفة عبر الاتجاهات النقدية الحديثة.

معالجات تحليلية للشعر والسرد

تناول مؤلف كتاب (راهن الخطاب النقدي في البحرين)، مفاصل نقدية ودراسات اشتملت على معالجات تحليلية توزعت بين الشعر والسرد بغية النهوض بكتابة تلامس الفعل الثقافي في مضامينه المختلفة، لافتا الى أن تشابك التقنيات الفنية في اللغة الشعرية والإبداع الروائي يعمل على تجلية المكنون وتنمية صورها وأحداثها لتنتج عملا إبداعيا ارتداديا يستفز ذهن المتلقي، وهو -أي العمل الإبداعي الارتدادي- ما يطلق العنان لتأويل النصوص الإبداعية بصفتها الانفتاحية والمحمّلة بإرث معرفي متعدد الأصول، وتراكمات تاريخية شكّلت الوعي الإبداعي، وفي ضوء هذا التكوين التأسيسي حاول المؤلف تتبُّع استحضار الأصول النّقدية التي أنتجها النقاد القدامى في معرض فهمهم لشبكات الدلالة في النصّ الإبداعي، مثل آراء عبد القاهر الجرجاني ورؤيته في مفهوم السياق في تأسيسه لمفهوم الدلالة، وآراء لغويين آخرين في التراث العربي القديم عن مفهوم الدلالة وأنواعها، ووفق ذلك العرض المكثف لبعض الأصول العربية النقدية في تراثنا النقدي عطف المؤلف الحديث حول مفهوم الكتابة الإبداعية في الفعل الثقافي في البحرين.

فالكتابة -والكلام ما زال للمرزوقي- علامة عابرة للأفكار في كلّ الحضارات القديمة والحديثة، وقد أسهمت في خلق فضاء مفتوح على كلّ المقاربات والاحتمالات لتنتج نصا موازيا. ومن هنا نجد أن الحراك الثقافي في الساحة المحلية يكتنز بالكتابه، ولكنها تفتقد في بعضها إلى التوجيه والنقد العلمي القائم على استكناه ما يحمله النصّ من رؤى ومتعة ذهنية من شانها إضفاء وعي تنويريّ يهدف إلى الرقيّ بالسلوك المعرفيّ، لذا فإن غياب النّقد الإبداعيّ يخلق فوضى لغوية وتيها فكريا على مسارح المشهد الثقافي. ومما لا شك فيه أنّ المبدع في تجربته يحرص على أن تكون تجاربه وعاء تتشكل فيه تلك التجارب وفق نموذجه الذهني متعمقا في أناه الداخلية المعبّرة عن رؤاه الفكرية التي تترادف مع حصيلته الثقافية وبنائه المعرفي.

تسليط الضوء على الفرص المفقودة

أمّا أستاذ النقد والأدب العربي الحديث في جامعة عين شمس الأستاذ الدكتور سعيد الوكيل، في تقديمه للكتاب، فيجد الكتاب مراجعة ناقدة لحالة الحركة النقدية في البحرين، يسلط الضوء على الفرص المفقودة، ويدعو إلى تعزيز النقد بوصفه جزءا أساسيا من الحركة الإبداعية، ويقدم مسحا تفصيليا للتطورات النقدية في البحرين.

ورغم أن الكتاب يركز -على نحو خاص- على النقد الأدبي في البحرين؛ يقدم مفاهيم ومباديء عامة قابلة للتطبيق في النقد الأدبي إجمالا، ويعد مرجعا قيّما للباحثين والدارسين في مجال النقد الأدبي، ويسهم إسهاما بالغا في إثراء المشهد الثقافي والنقدي في البحرين، فهو -باختصار- عمل نقدي من طراز رفيع، يقدم -إجمالا- رؤية شاملة ومعمقة للتجربة النقدية والحركة الأدبية الجديدة في البحرين، ويثير تساؤلات مهمة حول الوعي النقدي وتأثيره في إنتاج الأدب والتجربة الإبداعية.

خاتما الدكتور الوكيل كلامه بالقول: نحن بإزاء كتاب يتميز بأسلوبه التحليلي العميق والتوثيق الوافر، حيث يقدّم المرزوقي استعراضا شاملا للنقد الأدبي في البحرين، كما يتعرض لتطورات النقد عبر العصور، ويسلط الضوء على المفاهيم النقدية المهمة والمؤلفات النقدية البارزة في البحرين.

https://www.alayam.com/online/culture/1074283/News.html

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى