فهد العتيق : القبيلة تضحك ليلا .. استخراج الفرادة من المألوف والعادي

قراءة في رواية القبيلة التي تضحك ليلا للكاتب السعودي سالم الصقور :

حققت بعض الروايات السعودية والعربية التي صدرت في السنوات العشر الأخيرة، نقلة نوعية في مستوياتها الفنية، تجاوزت في بعض نماذجها القليلة النمط التقليدي الآلي المتكرر، الذي يبالغ في الاعتماد على الوصف والانشاء الطويل والحبكات الصارمة والمغزى والرسالة والهدف المحدد، روايات متجددة بروح الفن الأصيل، دون قصدية موضوعية مباشرة ودون تكلف أو مبالغات ودون نبرات صوت عالية ، كسرت سيطرة الرواية التقليدية الانشائية الجيدة والمحكمة الحبكة، وقدمت لنا روايات حيوية متجددة في رؤيتها وحرة في تنوع طرائق وأساليب تعبيرها، منها على سبيل المثال روايات للكتاب والكاتبات وفاء العمير وأمل الفاران وعزيز محمد وفاطمة عبد الحميد ويحي سبعي ونجوى العتيبي وأحمد السماري ، بالإضافة الى كاتبنا الجديد سالم الصقور الذي قدم لنا روايته القبيلة التي تضحك ليلا ، والتي نتناولها في هذه المراجعة النقدية الموجزة ، صدرت الرواية عام 2024 عن دار ميسكلياني وهي واحدة من الروايات السعودية والعربية الجديدة التي تعطينا انطباع عن التقدم خطوة فنية الى الأمام للرواية السعودية والعربية.
أسرار فن الكتابة
هذه الرواية لم تكن بحاجة الى وعي اجتماعي أو سياسي أو ثقافي حاد وصارخ ومبالغ فيه ، حتى تكون بهذا العمق وهذا الجمال، وحتى تحقق هذه النقلة النوعية الفنية الواضحة، كانت بحاجة إلى الوعي ببعض أسرار فن الكتابة الحديثة، والى شجاعة التخلي والحذف، حتى تصل بموضوعاتها ومشاهدها وأفكارها المبدعة، الى هذه الدرجة الأدبية الرفيعة من الصدق الفني والبساطة والعمق، فن البساطة الذي يصل الى العمق بأقصر الطرق، وحتى تبتعد عن نمطية كثير من رواياتنا المتكررة، في حبكاتها الصارمة ، التي تحد من انطلاق الرواية وحريتها، وحتى تبتعد عن مغزى وهدف ورسالة تقليدية، وعن تلك الانشائيات الطويلة المملة والحماس المبالغ فيه والتكلف والافتعال ونبرات الصوت العالية على سبيل المثال، هذه رواية فن التجديد والتكثيف والايجاز، والتخلي عن الانشاء والوصف، والارتفاع بقيمة ومعنى واسئلة مشاهد الحياة ومواقفها وحواراتها، التي تجلت واضحة في فصولها ولحظاتها الساحرة والساخرة، مشاهد تكشف لنا معنى فن الكتابة وكيف نكتب دون تكلف ودون مبالغات، الكيف الفني الرفيع والطويل يسحبك معه حتى نهاية الرواية، بداية من عنوان الرواية وحتى السطر الأخير، ويتجلى هذا في مشاهد حكي ومواقف متتالية، مشاهد تحكي لك بهدوء وبساطة، وسخرية تلمع مثل ضحكة وسط كل مشهد ، وكل فصل هو متصل ومنفصل عن ما قبله و ما بعده في مشاهد متحركة، تحكي دون تكلف ودون محاولات اثارة مفتعلة ، حكايات داخل حكاية، متوالية قصصية تبدع لنا رواية حديثة، فيها أسئلة وملاحظات ورصد عميق للمشاعر، وهذه العوالم المتعددة والصراعات والمشاهد والحكايات والمواقف والأسئلة في الرواية، تناولها الكاتب بلغته الممتعة وأسلوبه الفني العالي، وبطريقة فكاهية ساخرة، طريقة تسخر من الموقف ومن الحال، لتؤكد لي كقارئ، أن الرواية هي فن كتابة لأدب معاش في واقع حياتنا اليومية، وليست مجرد موضوع أو حكايات محبوكة بصرامة لموضوع جيد ومغلق على ذاته، وهذا ما أعطى هذه الرواية حرية حركة في التعبير عن ذاتها بتلقائية فنية ، ليقدم لنا رواية مختلفة ومتميزة ومغايرة عن السائد ، لتؤكد قدرات الكاتب والوعي بأسرار فن الكتابة.
الفن وقدراته وليس الموضوع
بالفن الرفيع وليس الموضوع ، الكاتب سالم الصقور ينقل الرواية السعودية والعربية إلى مكان جديد ، حين انطلقت الرواية بأداء فني عالي المستوى، من لحظة ميلاد غير مكتمل لابنة بطل الرواية علي بن مانع، بعد 15 عام من المحاولات الفاشلة لإنجاب طفل، في مجتمع وقبيلة تراقب وتختبر قدرة بطل الرواية على الانجاب، وتميزت الرواية بحالات ومشاهد وحوارات سخرية عالية، أعطت الرواية روح فكاهية مشوقة وممتعة، سخريات متتالية تشبه احتجاج على الحال والأحوال، وعلى كل العيون الاجتماعية القبلية المتلصصة وهي تراقب الحالة ، التي وصل لها بطل الرواية علي بن مانع وزوجته أروى بنت صالح، باستمتاع وألم مصطنع : (القبيلة بنك اجتماعي تمول أفرادها بما يفيض عن حاجتهم لتأخذ في المقابل كل ما يحتاجون إليه من حرية واستقلالية). رواية في يوم واحد من التوتر والقلق والانتظار، بعد ولادة بنت غير مكتملة، لم تعش سوى ساعات، كان خلالها علي، يعيش في قبضة شكلتها كلمة الحرمان هاجسا مقلقا، مثل دائرة لا يستطيع الخروج منها إلا بأسئلته وخوفه، يحكي لنا حكايته وذكرياته مع الذات والأهل والأقارب والأصدقاء خلال 24 ساعة، من لحظة ولادة الطفلة حنا، في الساعة الثامنة مساء في شهر أغسطس 2022، إلى الساعة السابعة مساء، لحظة تسجيل وفاتها، تدور الأحداث بين مستشفى الولادة في مدينة نجران، وبين الطريق إلى العاصمة الرياض. وقد أدار الكاتب سالم الصقور روايته بمقدرة كاتب فنان، تجاوز النمط التقليدي في الرواية، وقدم مشاهد روايته بطريقته الحديثة الخاصة ولغته الخاصة وقيمته الفنية الخاصة وبصمته الخاصة التي لا تشبه أحدا سواه، وهذا التخلي النسبي عن تلك العناصر التقليدية، حرر الرواية ومشاهدها وجعلها حيوية مفتوحة الأفق ومنطلقة ومبدعة وممتعة بلا قيود صارمة، والبصمة الخاصة في عمله كانت شخصيتها الخاصة التي لم تقلد ولم تتكلف ولم تفتعل.
روح فكاهية ساخرة عمقت مشاهد الرواية
يحكي بهدوء وقلق وتوتر ودون نبرة صوت عالية ، يروى لنا مشاهد وحوارات الرواية بصياغاته الفنية الرفيعة ، تحولت الى أجواء رثاء فكرية عميقة وشاعرية الهوى ، ينقل لنا بمهارة هواجسه بأسلوب موحي ، يبعد عنها اجواء ما قد يبدو نوعا من الانفعال والتصنع ، وأحيانا بأسئلة عميقة تقترب بنا من الوجود وما وراءه في سفر نفسي وعقلي على طريقة من أنا وماذا أريد، وكأنه يريد الهرب من أرض واقع شديد الغموض والقسوة والارتباك ، كما واجهت الرواية المحاذير بجرأة وشجاعة تجعلها على مسافة كبيرة من الجوائز العربية المحافظة والحذرة . البطل يرثي حالة ويرثي مآله، وينتقد ثقافة حولت مجرد حالة صحية، الى موضوع درامي واجتماعي وأسطوري وسحري كبير، ولهذا لم نجد في الرواية رثاء أو هجاء للقبيلة بشكل تقليدي مباشر، وكان من أبرز ما كشف القدرات الفنية والأسلوبية واللغوية للكاتب، هو تلك الروح الفكاهية الساخرة، التي عمقت مشاهد الرواية وفصولها وحولتها الى فيلم بديع على وشك حياة حقيقية، ومنح كثير من مشاهدها روحا متجددة، مع كل لحظة ومع كل فصل ومع كل موقف، فيها عمق وجمال ورؤية فلسفية تثير الأسئلة.
حالات التأمل العميقة
(عندما يخسر الانسان نفسه قد يحصل في المقابل على أمنياته ورغباته لكنه لن يكون هو ذاته موجودا في انتظارها). وهذه العبارة المكثفة تصلح أن تكون مدخلا مهما في قراءة موجزة لرواية مكثفة ، عبارة تكثف الحالة الروائية الثقيلة وتضغطها، باعتبار الشخصية الأساس في الرواية شخصية سارحة ولها مزاجها الخاص ، هذا إذا اعتبرنا أنه لا يوجد قبيلة في العالم بلا تقاليد صارمة تمنحها فرصة وحق التلصص على أفرادها، ولا يوجد قرية أو مدينة صغيرة في العالم بلا عادات سيئة مثل القيل والقال ، وتدخل الناس في الحياة الشخصية لبعضهم بجسارة مؤلمة، واذا انتبهنا إلى أن العالم مليء بأناس يواجهون الان مشكلة في الإنجاب لم تستطع حلها كل وسائل التكنولوجيا الطبية في العالم ، فإنه يمكن اعتبار موضوع الرواية عاديا ومألوفا وليس كبيرا أو نادرا، لتأتي النقلة النوعية البارعة التي حققتها هذه الرواية، في الفن العالي وفي الكيفية الفنية، التي حولت موضوعات ومشاهد وتفاصيل عادية الى موضوعات ومشاهد وتفاصيل رفيعة وغير عادية وغير مألوفة ، حين يتدخل الفن العالي بقيمه الراسخة وأسراره الدقيقة والصغيرة ، يتدخل بمشاهد ومواقف جادة ، تحولت بكيفية مدهشة وفريدة إلى حالات فكاهية ساخرة ، والى حالات تأمل عميقة في مشاعرنا وفي حياتنا وفي طريقة تفكيرنا ، وهذا الفن المدهش هو الذي حول الرواية من كتابة تقليدية تصف لي المشهد، الى كتابة حديثة ومتجددة ومختلفة تدخل عميقا في المشاعر والهواجس والمواقف والأسئلة ، في محاولة معرفة معنى كل ما حدث له.
وتتواصل فصول ومشاهد الرواية، التي تؤكد قدرات الكاتب في الكشف عن مشاعر عميقة لبطل يبحث عن علاج: (ثمة قطعة ناقصة وغامضة دوما في هذه الحياة وعلينا البحث عنها بشرط ألا نعثر عليها). وهو في هذا المقطع يؤكد أن رواية التجديد، هي رواية فن التخلي النسبي عن النمط التقليدي المتكرر، لم نجد رثاء أو هجاء للقبيلة بشكل تقليدي مباشر، التخلي عن الحذر والمحافظة ،وهذا حول موضوعات عادية إلى رواية غير عادية، رواية فارقة ومتميزة وعميقة ومختلفة في مشاعرها وأسئلتها الفكرية ، وهذا ما تبقى لنا كقراء، متعة وقيمة ومعنى فن الكتابة ،بعد أن تحول الموضوع الى مجرد راية بيضاء رفعها البطل في النهاية ، بعد معركة خاسرة مع حلول مقترحة من القبيلة بالسحر والأساطير ، من طريق شخصية أم الصبيان والفقيه عزي، حين أدخلوا بطل الرواية في عالم جديد ومثير ومخيف يستحق القراءة.
سنوات طويلة والتجربة النقدية لدينا لا ترى في النص السردي سوى الموضوع، بمبالغات نقدية في تأويل النص وتفسير موضوعاته الواضحة والوعي الذي كتبه، دون اعتبار لإمكانات وقدرات وأسرار فن الكتابة ولغتها، التي تستطيع تحويل موضوعات عادية ومألوفة الى موضوعات غير عادية، ودون اهتمام بالأسلوب المتجدد والقدرات الفنية التي تغني النص وترفع مستواه الفني، من نص موضوعي تقليدي، يدعي الفهم والمعرفة ويصف ما حدث ويفسر ما حدث، الى نص أدبي رفيع يطرح علينا الأسئلة، ولا يفهم ما يحدث حوله.

فهد العتيق / أخبار الأدب 10/8/2025 العدد 1672

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى