في رمادية الإنسان والعالم

[HEADING=2]
في رمادية الإنسان والعالم[/HEADING]
نقد أدبي | في رمادية الإنسان والعالم



بقلم: أحمد رجب شلتوت

تنشغل رواية "كائن رمادي" للمبدع نشأت المصري بتشريح الوعي الإنساني وهو يتحرك داخل عالم بلا يقين. فالرواية عن الإنسان حين يصبح عالقًا بين الأبيض والأسود، أي حين يتحول إلى كائن رمادي بالمعنى النفسي والاجتماعي والوجودي. ومنذ العنوان، يمنحنا الكاتب مفتاح القراءة، فـكلمة "الكائن" لفظة تحيل إلى موجود ملتبس، ربما فقد ملامحه أو تراجعت إنسانيته أو صار مجرد حالة قيد التشكل. أما "الرمادي" فهو لون الالتباس، والتشوش الوجداني. بهذا المعنى يشير العنوان إلى إنسان العصر الذي لم يعد قادرًا على اتخاذ موقف نهائي، ولا على الثقة في منظومات القيم القديمة، ولا على الاستسلام الكامل للفوضى الجديدة.
سؤال مفتوح
جاء الإهداء في صورة علامة استفهام فقط، وهكذا يتحول إلى سؤال مفتوح، لمن تُهدى رواية كهذه؟ إلى الضحية أم الجلاد؟ إلى الذات أم العالم؟ وكأن النص كله يبدأ من الشك: شك في المعنى، في العلاقة، في الحقيقة، كما يمكن قراءة هذه العلامة بوصفها اختزالًا لفلسفة الرواية، فالحياة نفسها تظل سؤالا بلا إجابة. وكل شخصية داخل النص تبدو وكأنها تحمل استفهامًا خاصًا بها.
تسع جولات
اختيار الكاتب تسمية الفصول بـالجولات، ولفظة "الجولة" تستدعي المواجهة والمنازلة إنها مفردة تنتمي إلى عالم الملاكمة، وهذا يعني أن الرواية تتقدم عبر صدامات متتالية، كل جولة تبدو كأنها معركة جديدة، بين الشخصية ونفسها، بينها وبين الآخرين، بينها وبين الذاكرة، بينها وبين المجتمع، وكون الرواية تتألف من تسع جولات يمنحها إيقاعًا تصاعديًا؛ فالقارئ يشعر أنه داخل حلبة ملاكمة، أما الرقم تسعة نفسه، فله دلالته الرمزية؛ فهو رقم الاكتمال قبل العودة إلى الواحد في الحساب، ورقم المراحل الأخيرة قبل الانقلاب. وكأن الرواية تقود شخصياتها عبر تسع محطات من الاستنزاف حتى لحظة وعي أخيرة، أو سقوط أخير، الجولة إذن تمثل رؤية للعالم: العالم ساحة تنازع، والحياة سلسلة من الجولات المتوالية.
تحولات الشخصية
أهم ما يميز هذه الرواية أن الشخصية المركزية فيها ليست بطلاً كلاسيكيًا يمتلك صفات مستقرة، ولكنه شخص عادي يمثل حالة إنسانية متحولة. فالشخصية تتردد، تنكسر، تحاول، تتراجع، تشتهي، تخاف، وتبرر أحيانًا ما لا تستطيع الدفاع عنه أخلاقيًا. وهذا ما يجعلها أكثر واقعية من البطل الكلاسيكي،
فالرواية تقدم إنسانًا يختلط فيه النور بالعتمة، ولهذا فهو "رمادي". وهذا العمق النفسي يحرر النص من التبسيط الأخلاقي الذي يقسم البشر إلى أخيار وأشرار. الشخصيات جميعها تقريبًا محكومة بظروفها، بتاريخها الشخصي، بخيباتها، وبحاجتها إلى الخلاص، ولذلك فإن القارئ قد يتعاطف مع شخصية ثم ينقلب عليها، أو يدينها وقد يفهمها لاحقًا.
زمن داخلي وفضاء خانق
على الرغم من وجود زمن حكائي يتحرك عبر الجولات، فإن الزمن الحقيقي في النص هو الزمن النفسي، أي ذلك الزمن الذي يتمدد وينكمش بحسب الحالة الشعورية، فلحظة ألم واحدة قد تبدو أطول من سنوات، وذكرى صغيرة قد تستعيد عمرًا كاملاً، فالماضي لا يمضي تمامًا، بل يعود باستمرار، والحاضر مشوب بما سبقه، والمستقبل يبدو تهديدًا أو فراغًا، بما يؤكد فقدان الشخصيات للإحساس بالاستقرار.
أما الأمكنة فتبدو في كثير من الأحيان ضيقة، خانقة، المدينة لا تمنح الدفء، والعلاقات لا تمنح الأمان، والبيوت ليست دائمًا ملاذًا، وكلما ضاقت الأمكنة كلما اتسعت المتاهة الداخلية، فحين يعجز العالم الخارجي عن احتواء الإنسان، يتحول الداخل إلى ساحة ضجيج أكبر.
سؤال الهوية
حينما تفقد المجتمعات قدرتها على الحسم الأخلاقي تنتج أفرادًا رماديين، وحينما تصبح القيم مجرد شعارات، وتقوم العلاقات على المنفعة أو الخوف، فإن الإنسان يعيش في المنتصف، ليس صادقًا تمامًا ولا كاذبًا تمامًا، ومن هنا تبدو الرواية نقدًا مضمرا لواقع اجتماعي مأزوم، من خلال تقديم إنسان تشكل داخل هذا الواقع.
لكن الرواية تطرح أيضًا سؤال الهوية: من أنا؟ هل أنا ما أفعله، أم ما أخفيه، أم ما أتمنى أن أكونه؟ وهل يمكن للإنسان أن يعرف نفسه أصلًا؟ يتردد هذا السؤال الوجودي عبر الجولات التسع، حيث تبدو كل جولة محاولة لتعريف الذات، ثم اكتشاف هشاشة هذا التعريف. وما إن تظن الشخصية أنها أمسكت بنفسها حتى تفلت منها من جديد. وما إن تظن الشخصية أنها أمسكت بنفسها حتى تفلت منها من جديد، وهذا ما يجعل "الكائن الرمادي" قريبًا من أبطال الأدب الوجودي، الذين لا يواجهون العالم فقط، بل يواجهون غموض ذواتهم.

وأخيرا يمكن القول إن بنية الجولات توحي بأن النهاية ليست خاتمة مغلقة، بل نتيجة مؤقتة لصراع مستمر، فالحياة تستأنف الجولة التالية خارج الرواية التي تكشف هشاشة الإنسان دون أن تدينه، وتضع القارئ أمام مرآة قد يتعرف فيها إلى شيء من نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى