ليلى تباني - فصل جديد من سلسلة الخذلان العربي.

لا أدري ما الذي دفعني إلى الهروب نحو الطبيعة ؟! كأنها الملجأ الأخير للصدق بعد فترة طويلة من الضجيج الإنساني... فما إن أنهيت تسليم ملفاتي للمصلحة ، حتى وجدتني أنسحب بهدوء نحو الخضرة والمدى البعيد، حيث أرى الأشياء أكثر براءة، الأشجار شامخة بلا ادعاء، نسمات الريح تمر بلا خطابات، والسماء مفتوحة بلا منة ولا أجل محدود ... هناك شعرت للحظة أن العالم قد ابتعد وأن ضجيج الحروب وأخبار الألم قد خفت قليلا،.. يبدو أنّني أحمل العالم في داخلي ، ولهذا وجدتني دون وعي أمدّ يدي إلى الجهاز وأضبطه على قناة الأخبار، كأنّنا مدمنون على جراحنا أو كأنّنا نخشى أن نفقد صلتنا بالمأساة إن ابتعدنا عنها قليلا، وما إن تدفقت الصور والكلمات حتى عاد ذلك الشعور القديم الذي يعرفه كل من يراقب المشهد العربي منذ عقود ...شعور الخذلان الذي يتكرر حتى أصبح مألوفا ...يا حيف يا عرب ! فمواقفنا تكاد تكون محفوظة مثل نصوص مقدّسة نعيد تلاوتها كلما اشتعلت مأساة جديدة...فإمّا إدانة شديدة بلا أثر أو ترحيب شديد بلا خجل، وإذا غاب الاثنان حضر الصمت الثقيل الذي يشبه دفن الرأس في الرمل ، بينما يبقى الجسد الضخم مكشوفا في العراء ... وهنا يَطرح السؤال نفسه بمرارة لا تخطئها الروح كيف يمكن لأمّة بهذا التاريخ وبهذا الامتداد الجغرافي وبهذا الثقل السكاني أن تبدو أحيانا عاجزة عن ترجمة وجودها إلى موقف يليق بحجمها، إن المأساة ليست فقط في الحروب التي تشتعل هنا وهناك ، بل في تلك الفجوة المؤلمة بين ضخامة الثرثرة العربية وضآلة الفعل العربي ، بين إرث حضاري كان يوما يصنع المعنى في العالم وبين حاضر مرتبك يكتفي بمراقبة الأحداث كأنه يقف خارجها ... لهذا ربما نهرب أحيانا إلى الطبيعة لأننا نبحث عن عالم أبسط من عالم البشر، عالم لا يعرف النفاق ولا الدبلوماسية الباردة ولا البلاغة الفارغة، عالم يقول الأشياء كما هي، ومع ذلك حتى هناك لا نستطيع أن ننسى لأن الوعي حين يستيقظ لا يعود إلى النوم بسهولة، فنعود من صمت الأشجار إلى صخب الشاشات ونحن ندرك أن المأساة ليست فقط فيما يحدث في العالم بل أيضا في الطريقة التي نقف بها أمامه، مترددين بين الكلام والصمت ... الغضب والعجز، بين ذاكرة عظيمة وواقع لا يشبهها ...


ليلى ...من صميم براءة الطبيعة وعمق الخذلان العربي




Messenger_creation_A4581ED1-D89D-441A-A4A1-2FC6F0A1C474.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى