١
فائزة :
لماذ لم أسم روز فائزة ؟
لماذا اخترت لها الاسم روز ؟
روز هي الكبرى وفائزة هي الثانية . والعادات والتقاليد والعرف كانت تفترض أن يكون اسم فائزة لروز .
منذ فترة طويلة أفكر في كتابة مقالة عن الطاهر وطار الكاتب الجزائري لعلها - المقالة - تجيب عن السؤال .
هل تحبين أباك يا روز ؟
هل تحبين أباك يا فائزة ؟
أحيانا أبدو مثل المسيح .
" مملكتي ليست من هذا العالم
لو كانت مملكتي من هذا العالم لما كنت أسلم إلى ..."
بانتظار الوقت المناسب لكتابة المقال عن الطاهر وطار يا أبا روز الذي كان جبهة ديمقراطية والآن هو يهتم بالطاقة الشمسية .
اليوم صباحا كنت أقرأ في قصيدة محمود درويش " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " من ديوان " أحبك أو لا أحبك " ولفتتت نظري أسطر شعرية لكتابة مقال عن موظفي السلطة - أي المناضلين القدامى .
أعتقد أن المقال سيكون طريفا لأنه سيكون ساخرا .
٢٠١٢
٢
" طشاري " لأنعام كجه جي :
فرغت للتو من كتابة مقال الأحد " طشاري ... تفرقوا أيدي سبأ " : قسوة المنفى .
هل تختلف رواية " طشاري " عن الروايات الآتية :
- سنان انطون " يا مريم "
- جبور الديهي " شريد المنازل "
- خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " .
لبنان والعراق وسورية في الخمسين سنة الأخيرة يصدر عنها روايات لافتة . طبعا يمكن ذكر روايات عربية أخرى مثل رواية ابراهيم عيسى " مولانا " ورواية " سينالكول " لالياس خوري .
كانت المجتمعات العربية متماسكة ، ثم جاء نظام العسكر فقمع حتى أوصلنا إلى ما أوصلنا إليه .
الفكرة الطريفة التي تلح على أذهان أبطال بعض الروايات هي فكرة الحنين إلى الماضي ، فقد كانت الحياة أقل قسوة وأكثر طراوة .
الآن تفرقنا أيدي سبأ أو أيدي عرب أو أيدي غرب ، وازداد عدد اللاجئين العراقيين واللبنانيين ، والآن ، السوريين ، في المنافي .
هل رواية أنعام كجه جي أشبه بقصيدة دائرية الشكل ؟
تبدأ الرواية وبطلتها أو شخصيتها الرئيسة تستعد للذهاب إلى ( الاليزيه ) لمقابلة الرئيس ( ساركوزي ) الذي يريد مقابلة اللاجئين العراقيين المسيحيين ، وتنتهي ايضا بالمشهد نفسه .
إنها رواية تداعيات تحكي ما كان عليه العراق قبل 50 سنة ، وما غدا عليه منذ صعود نظام العسكر وحتى الغزو الأمريكي للعراق .
العراقي الجيد هو المهاجر الجيد .
ما علينا ، كتبت المقال وراحت علي أم كلثوم ، لا بأس ، فكتابة المقال ضرب من التعويض على . إنها نوع من التوازن في السرور .
٢٠١٣
٣
د . نبيه القاسم : " اميل حبيبي ، المثقف الإشكالي "
الصديق الناقد د . نبيه القاسم من أوائل النقاد في فلسطين المحتلة في 1948، وقبله كتب أيديولوجيون ، مثل د . اميل توما النقد الأيديولوجي ، ولكن توما لم يرسخ اسمه ناقدا .
الذين رسخوا أسماءهم في عالم النقد في الداخل كثر ، وأكثرهم أكاديميون ؛ محمود حمزة غنايم وفاروق مواسي وحبيب بولس وابراهيم طه وحسين حمزة و ...و ... ولا ننسى جهود انطوان شلحت .
د . نبيه القاسم تربى في صحافة الحزب ، وهو في نقده قرن ، إلى جانب النقد الانطباعي ، النقد الأيديولوجي .
مؤخرا أصدر د . القاسم ثلاثة كتب عن سحر خليفة وسميح القاسم واميل حبيبي .
الكتب الثلاثة تتشابه في خطها العام وهو اللجوء إلى مقالات ودراسات سابقة كتبها د . نبيه عن كل علم من الأعلام السابقة ، وضمها معا في كتاب ، وآخر هذه الكتب الكتاب الذي خص به اميل حبيبي .
في صفحة 168 و 169يقول لنا د. نبيه إنه ممن يدرسون النص دراسة تعتمد على ربطه بمؤلفه - أي إنه ليس من أصحاب المناهج النصية ، وهذا أمر طبيعي ، فما دام تربى في صحافة الحزب الشيوعي فمن الطبيعي أن ينقد النصوص من منطلق ماركسي ، والنقد الماركسي لا يفصل بين الأديب ونصه إطلاقا .
ما يؤخذ على كتاب الناقد أنه لم يكتب له مقدمة يأتي فيها على زمن كتابة هذه النصوص وتاريخ كتابتها ، وما طرأ من نقد على نصوص حبيبي لاحقا .
أنا ، على سبيل المثال ، أنجزت أكثر من دراسة عن روايات حبيبي ، ولم يأت عليها الدارس ، وهو يتناول الدراسات والمقالات التي درست " المتشائل " ، وهناك دراسات أخرى مهمة ، أنجزها نقاد مرموقون مثل فيصل دراج ، فما كتبه د .نبيه عن تلقي دراج ل " المتشائل " قديم ، وقد عاد دراج وكتب دراسات مختلفة وأفضل من كتاباته الأولى ..
نبارك ل د . نبيه جهوده
٢٠١٤
٤
هل تبالغ في الأمر يا عادل الأسطة حين تكتب عن أمر اللغة العربية وعدم إجادة المسؤؤلين لها ؟
أيهما أهم الإنجاز أم اللغة ؟
لماذا تغض النظر عن إنجازات وزيرة الثقافة وبعض رؤساء الجامعات وتلتفت الى اللغة العربية وعدم إتقانهم لها ؟
هل أنت ناقم أم ..؟
أسئلة راودتني الليلة المنصرمة ، بعد أن استمعت إلى وزيرة الثقافة ، وهي أسئلة طالما كانت تراودني .
حين كنت أصغي إلى الرئيس المرحوم ، وحين أصغيت ذات نهار - ذات مساء - إلى رئيس جامعة يتحدث أمام الجمهور بالانجليزية ، لا بالعربية ، علما بأن أكثر الحضور كانوا عربا ، في الوقت الذي تحدث القنصل الفرنسي باللغة الفرنسية لا باللغة الانجليزية .
حقا هل تبالغ يا عادل الاسطة بهذا ؟
الحمدلله أن الرئيس أبا مازن يجيد العربية إجادة تامة .
ما كنت لأعترض على اللغة ، لولا أن المتحدثة وزيرة ثقافة ، ويفترض بوزير / ة الثقافة أن تجيد لغتها ، فهي رمز الثقافة ، واللغة أهم عناصرها .
ترى لو حدث الأمر في فرنسا ، فهل كان وزير الثقافة يبقى في منصبه ؟
بعض القراء سيقول عادل الاسطة غائب عن عالمنا وهمومنا ومشاكلنا ، فهو يلتفت إلى قضايا شكلية في الوقت الذي تدك فيه الطائرات الإسرائيلية غزة في حرب إبادة ؟
لهؤلاء أقول إن وزارة الثقافة أيضا مثلي ، فهي في الوقت الذي تدك فيه الطائرات الاسرائيلية غزة تحتفل بالثقافة .
والآن ما المطلوب ؟
المطلوب أن تقدم الوزيرة اعتذارا للغة العربية ، أو أن تقدم استقالتها .
هل أبالغ أم أحلم ؟
٢٠١٤
٥
صباح الخير يا وزارة الثقافة وصباح الخير يا وزيرةالثقافة :
لعلني شخص عاق . ربما ستقول هذا وزيرة الثقافة أولا، ووزارة الثقافة ثانيا . ربما ! فالعلاقة بيني وبين الوزارة تحافظ على شعرة معاوية ، فهل أريد أن أقطعها ؟
لست أدري وآمل ألا تكون وزارة الثقافة كما كتب د .فيصل دراج عن المؤسسة الفلسطينية " إنها فقيرة لا تعرف النقد وتعرف التبرير " . آمل ذلك . فما الداعي للكتابة ؟
أمس أصغيت ، عبر التلفاز ، إلى كلمة وزيرة الثقافة بمناسبة يوم الثقافة الوطنية ، فماذا لاحظت ؟
وزيرة الثقافة أهانت اللغة العربية إهانة كبرى ، أكثر من إهانة الرئيس المرحوم لها ، وكم من رئيس مؤسسة في بلادنا يهين اللغة العربية !
من رؤساء الجامعات إلى وزراء الثقافة . لماذا لا يجيد المسؤؤلون لغتهم ؟
لماذا لم تقرأ السيدة الوزيرة الكلمة المعدة سلفا ؟
لماذا لم يدققها لها مدقق لغوي ؟
هل هذا أمر يحتاج إلى معجزة ؟
من المؤكد أن محمود درويش ، لو نهض من قبره ، واستمع إلى وزيرة الثقافة تخطيء في القراءة لآثر العودة إلى قبره ، على الرغم من قوله :
" ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا اليها سبيلا " .
سأجد نفسي أكتب رسالة بلفونية أرسلها إلى غير شخص ، وأسأل :
- لماذا لم تدققوا للوزيرة كلمتها ؟
لماذا ؟
٢٠١٤
٦
الهباش يتحدث عمن يبغضهم الله ولا يحبهم ، ويتكيء على آيات تبرز من لا يحبهم الله .
هل يجوز لنا أن نحبهم ونواليهم ونساعدهم ونكون منهم ؟
الجواب القطعي :
- لا ، فما دام الله لا يحبهم فعلينا ألا نحبهم .
يستشهد بآية ورد فيها ذكر ابراهيم .
من لا يحبهم الله لا يحبهم المؤمنون ، وأول الأصناف في القرآن ممن لا يحبهم الله هم المعتدون الذين يلغون في أعراض الناس ، فاللسان أداة قاطعة على الناس وأعراضهم .
النبي قال لمعاذ :
- امسك عليك لسانك ، فهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم ، ورب كلمة أودت بحياة إنسان وشرفه وعكرت صفو الحياة . إن الله لا يحب المعتدين . العدوان باليد واللسان ورمشة العين أيضا .
العدوان يبغضه الله ويكرهه .
اليوم نحن أكثر شعب نتعرض للعدوان ، في بيوتنا وفي مدننا وفي الأقصى ، أمس حدث هذا في الخليل أيضا ، ولاريجوز للمسلم أن يرضخ للعدوان .
مثال :
ليبرمان قبل أيام قال إننا يجب أن نقطع رؤوس العرب بالفؤوس .
هذا وزير ورجل دولة ورئيس حزب .
قال كلامه هذا ومر الأمر .
ترى ماذا كان سيحدث لو تفوه بهذا الكلام وزير فلسطيني ؟
ربما حدث كذا وكذا وكذا وقامت القيامة .
حين قال ليبرمان هذا لم يتحرك أحد .
اارواحنا ودماؤنا رخيصة ؟
احياتهم حياة بشر وحياتنا حياة حجر ؟
العالم كله يتحمل نتيجة هذا العدوان .
في حي سلوان في القدس عنصرية تتعامل بها سلطات الاحتلال . هناك تعامل على الاسم : عمر غير شلومو . هكذا تتعامل الشرطة الإسرائيلية ، ولا بد من أن يتحرك العالم لهذا التمييز العنصري والعدوان .
يكرر الهباش كلامه عن تصريحات ليبرمان ، ويقول :
يجب أن نتصدى لهذا العدوان .
الصنف الثاني ممن لا يحبهم الله هم الظالمون ، والظلم نوع من العدوان ، وابشع أنواع الظلم الشرك بالله . إني حرمت الظلم على نفسي .... فلا تظالموا .
كم من ظلم يقع الآن على الإسلام . هناك من يرفع شعار الإسلام ولكنه يخفي خلف الشعار الإساءة للإسلام .
هنا يأتي على الخوارج الذين قتلوا عليا ظانين أنهم أحسنوا للإسلام ، ولكنهم عبروا على جسر الإسلام لمصالحهم .
الإسلام غاية لا أداة، وهؤلاء جعلوا منه وسيلة ، وهناك فرق .
الصنف الثالث ممن لا يحبهم الله هم من كانوا خوانين اثمين ،وهذا ما سنتحدث عنه في الخطبة الثانية .
الحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه و .. و ...
إن الله لا يحب من كان خوانا اثيما .
السياق يتحدث عن جماعة زمن الرسول انحرفوا عن جادة الصواب . اختلف بعض المسلمين مع اليهود وشهد المسلمون مع المسلمين ضد اليهود بغير وجه حق ، وفي هذا الخلاف حكم الرسول للمسلمين بما رأى ، تاركا النوايا لرب النوايا ، لكن الله لا يرضى أن تغدر باحد .. أد الأمانة إلى من إإتمنك ، ولا تخن الأمانة، الله لم يرض لنبيه أن يحكم بالظاهر ، وهنا نزلت الآية التي تحث الرسول على الحكم بما أنزل الله وبالحق . كان هؤلاء المسلمون كانوا خوانين ... خافوا من الناس ولا يستخفون من الله . بيتوا ما لا يرضى من القول .
ما القصد ؟
هذا هو المهم . مؤامرة لسلخ قطاع غزة عن فلسطين . ومن تمر في خياله هذه الخاطرة فهو خائن .
دولة في غزة ، وفلسطين والقدس ؟
هذه مؤامرة حاكها جنرال اسرائيلي وبعضنا يريد تنفيذها . دولة فلسطين دولة عاصمتها القدس ودون القدس لا نريد دولة ، حتى فلسطين التاريخية دون القدس لا نريدها .
القدس آية من القرآن ، ومن تنازل عنها تنازل عن سورة الإسراء .
هذه خيانة ، والله لا يحب من كان خوانا اثيما .
كانت المؤامرة في طريقها إلى التنفيذ ، منذ سنتين .
إن من يفكر في دولة في حدود مؤقتة فمعنى ذلك أنه لا دولة ولا أقصى ولا قدس ، ومن يلقب بهذا إلا الخائن الذي لا يحبه الله ، ونحن لا نتنازل عن ثوابتنا واولاها القدس . هي أساس مشروعنا الوطني ودونها لا قيمة لنا .
الهباش كرر كثيرا وبدا مرتبكا .
هكذا لاحظت . ربما بسبب الارتجال . هباشيات !
هباشيات !
٧
التناص الشعري في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" (3)
د.عادل الأسطة
لا يقتصر التناص هنا على الشعر، ثمة تناص مع العهد القديم، ومع الأساطير ومع القرآن الكريم.
والتناص، كما يورد محمد مفتاح في كتابه "تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص" (1985) داخلي وخارجي، وهو كما يذهب سعيد يقطين في كتابه "انفتاح النص الروائي: النص والسياق" (1988) ذاتي وداخلي وخارجي. يقصد بالأول تفاعل نصوص الكاتب الواحد مع بعضها، لغوياً وأسلوبياً ونوعياً، وبالثاني تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص كتاب عصره، سواء كانت أدبية أو غير أدبية، وبالثالث تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة.
وقد أتى الشاعر نفسه، في المقابلات التي أجريت معه، على هذا المصطلح فقال:
"مسألة التناص أو الإحالات التي أمارسها بوعي تام، هي جزء أساسي من مشروعي، انطلاقاً من أنه لا توجد كتابة تبدأ "الآن"، ليست هناك أول كتابة، أو كتابة تبدأ من بياض، ولا يوجد أصلاً تاريخ للشعر، لذلك كان حرياً في عصر تداخل الثقافات، والمرجعيات الواضحة والتطور الهائل للإبداع الشعري، سواء على مستوى العرب قديماً أم على مستوى العالم المعاصر أن تدخل التناص لأن الكتابة الآن هي كتابة على ما كتب"[1]، و يضيف:
"أنت لا تستطيع أن تدخل عالم الشعر هذا برعويات".
إذا لم تكتب على الكتابة، فإنك تخرج الشعر من كينونته الثقافية، فللشعر كيانية ثقافية في الدرجة الأولى.. وليس هناك شاعر خال من عدة شعراء، وقد يكون أي شاعر هو كل الشعراء... فالشاعر يجري حواراً مع غيره ومع كل شيء، ومع نفسه، وهو دائم المراجعة لتجربته الشعرية.[2]
وما قاله درويش، سابقا، نثراً، ورد في "لا تعتذر عما فعلت شعراً، لنقرأ هذا المقطع من القصيدة الأولى يختارني الإيقاع":
يختارني الإيقاع يشرق بي أنا رجع الكمان، ولست عازفه
أنا في حضرة الذكرى
صدى الأشياء تنطق بي
فأنطق.. (ص15)
إنه أسير الإيقاع، وهو رجع الكمان وليس عازفه، إنه ليس أول شاعر يكتب شعراً موزوناً. وتفعيلة البحر الكامل، والوزن جزء من بناء القصيدة القديمة، معروفة جيداً في الشعر العربي القديم. ومعلقة عنترة مثال واضح، بل إن هذه التفعيلة ليست جديدة في أشعار درويش نفسه. لقد وظفها، من قبل، بكثرة في أشعاره.
ويمكن أن نلحظ كلام درويش النثري بوضوح أكثر في قصيدة "تُنسى كأنك لم تكن" لنقرأ المقطع التالي:
"أنا للطريق.. هناك من سبقت خطاه خطاي
من أملى رؤاه على رؤاي.. هناك من
نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية
أو يضيء لمن سيأتي بعده
أثراً غنائياً.. وحدسا (ص71)"
بل ونقرأ المقطع التالي، من القصيدة نفسها، على الرغم من طوله:
"أمشي على هدي البصيرة، ربما
أعطي الحكاية سيرة شخصية. فالمفردات
تسوسني وأسوسها أنا شكلها
وهي التجلي الحر. لكن قيل ما سأقول
يسبقني غد ماض. أنا ملك الصدى.
لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق
هو الطريقة. ربما نسي الأوائل وصف
شيء ما، أحرك فيه ذاكرة وحسا (ص72)"
وما من شك في أن الأسطر السابقة تعيد قارئ النقد الأدبي العربي القديم إلى أبيات شعرية ومقولات نقدية مهمة. قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم؟
كأنهم لم يتركوا شيئاً إلا وقالوا فيه. وقال آخر:
ما أرانا نقول إلا معاداً مكروراً. وقال الجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي.. و كتب نقّاد كثيرون عن توارد المعاني والألفاظ.
وربما يتذكر المرء هنا مقولات مهمة لأدباء عالميين.
قال (غوته) الأديب الألماني: "إن الأدباء الكبار ليسوا أدباء كباراً لأنهم قالوا الأشياء لأول مرة، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أبرزوا الأشياء كما لو أنها تقال لأول مرة، ويعني هذا أن كثيراً مما يقولونه قيل من قبل، والسؤال هو: بم يختلف ما قاله درويش شعراً عما ورد في المقولات السابقة؟
يقر الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه خطا الشاعر، وأن هناك من أملى رؤاه على رؤى الشاعر، بل وهناك من نثر الكلام ليدخل في الحكاية، أو يضيء لمن سيأتي بعده أثراً غنائياً.
وإن اختلف عن السابقين، فقد يكون اختلافه جزئياً كأن يعطي الحكاية سيرة شخصية، وهذا ما بدا في أشعاره منذ: "لماذا تركت الحصان وحيداً" مروراً بـ "جدارية" وبرز بروزاً لافتاً هنا، في "لا تعتذر عما فعلت". هنا يمزج الشاعر بين الخاص والعام.
هنا يكتب حكايته التي هي جزء من حكاية الشعب الفلسطيني، ويعترف بجرأة: لا عرش لي إلّا الهوامش. إنه يضيف إلى ما كتبه الآخرون الذين قد يكونون نسوا وصف شيء ما فجاء هو وأجاد التعبير. وهذه مقولات مهمة على أية حال. مقولات لم يصل الخائضون فيها منذ زمن بعيد إلى قول فصل.
ليس المهم ما تقول، المهم كيف تقول ما تريد أن تقول. وليس المهم الحكاية، الأهم كيف تحكى الحكاية.
وأحياناً نقتنع بهذا وأحياناً نجد أنفسنا مسوقين للأخذ به، فهناك عشرات الشعراء الذين كتبوا في القضية الفلسطينية ولكن شاعراً ما يشدنا أكثر من غيره، ونجد أنفسنا نتوقف أمام أشعاره دون أن نتوقف أمام أشعار غيره.
وإن كان المرء يقر أحياناً بأن المبالغة في الاهتمام بالشكل، وعدم الالتفات أيضاً إلى الحكاية/المحتوى يفقد الكتابة كثيراً من أهميتها.
ربما أكون أطنبت كثيراً في الكتابة السابقة التي قد تكون أبعدتنا عن العنوان المقترح، وهو "التناص الشعري" في الديوان "لا تعتذر عما فعلت".
التناص الشعري:
عتبة الديوان هي أول ما يقول لنا إن الشاعر هنا يدخل في علاقة تناص مع نصوص شعرية لشعراء آخرين.
ثمة في العتبة نصان شعريان، كما ذكرت لشاعرين معروفين، عربي وعالمي، قديم ومعاصر، وثمة ذكر لاسم الشاعرين: أبو تمام ولوركا. وليس الأمر، على أية حال، مجرد تزيين أو مجرد ادّعاء. فدرويش ليس شاعراً ناشئاً ليترك ناقداً ما يصدر ديوانه بمقدمة تعرف بالشاعر وشعره، وهو لا يقل هامة عن الشاعرين، ومن هنا فهو ليس بحاجة إلى أن يقارن نفسه بهما. والشاعر الأول يرد نصه واسمه في قصيدة من قصائد الديوان هي "إن عدت وحدك" والشاعر الثاني يرد سطراه الشعريان، أيضاً، ثانية، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان هي "شكراً لتونس".
والعبارة الأولى التي سبقت التضمين/والتصدير هي: "توارد خواطر أو توارد مصائر" عبارة مهمة تحيل إلى عالم كل شاعر من هؤلاء لتقرأه ولتلاحظ ما المشترك بينهم. أين ولد كل واحد منهم؟ وأين نشأ؟ وما علاقته بالمكان الذي عاش فيه؟ وهل ظل مقيماً في مكان واحد؟ أم أنه انتقل من مكان إلى مكان؟ وما شكل علاقته بالمكان الأول الذي عرفه ثم غادره ثم عاد إليه؟ وثمة أسئلة كثيرة يثيرها المرء حول الشاعر وعلاقته بالمكان.
كان أبو تمام يقول:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
ما الحب إلا للحبيب الأول
وحنينه أبداً لأول منزل
ويفهم من هذا أن الحنين أبداً هو لأول منزل، تماماً كما أن الحب أبداً هو للحبيب الأول. و هذا رأي أبي تمام، وقد لا يكون رأياً ملزماً للجميع، وإن احترم المرء رأي أبي تمام. وأبو تمام نفسه هو الذي قال: لا أنت أنت ولا الديار ديار. وقد يكون، وهذا ما أرى، الإعجاب بالماضي هو ضرب من الحنين ليس أكثر. فالماضي قد يكون صعباً وقاسياً، وقد يكون أقسى من الحاضر، ولكن المقارنة تتم بين الذكرى وما تبقى من الماضي، وبين قسوة الحاضر المعيش. وقد يتهرب المرء من ماضيه، وقد يكون حاضره أفضل كثيراً من ماضيه، والأمر في النهاية يتعلق بالتجربة الشخصية.
وربما لا يختلف درويش في علاقته بالمكان الأول، عن أبي تمام. المكان الأول له هو الجنة، ولقد ارتكب خطيئة كبرى حين غادر. إنه يدرك هذا، ويطلب من إخوة الزيتون: الغفران.
هل عبثاً قال درويش في قصيدة "زيتونتان":
"أنا آدم الثاني. تعلمت القراءة
والكتابة من دروس خطيئتي،
وغدي سيبدأ من هنا، والآن" (ص54).
لا يعتذر درويش بسبب خروجه إلا لأمه ويطلب من إخوة الزيتون الغفران، أو هكذا قالت له رسالة قائد الرومان في الزيتونة الثانية التي تقف إلى جانب الزيتونة الأولى التي وجد فيها بذور أغنيته، كأنه يعود إلى ما مضى. وهكذا يخاطب النفس:
"أمشي، أعرّف نفسي إلى نفسها:
أنت، يا نفسُ، إحدى صفات المكان" (ص136)
وثمة كلام كثير يمكن أن يكتب، كلام قد يجد فيه المرء توارد خواطر وتوارد مصائر، ولكن قد يجد فيه اختلافاً في الرؤيا.
وعموماً يمكن أن يكتب المرء، وهو يكتب عن التناص الشعري، عن ثلاثة أشكال هي:
1. تناص ذاتي
2. تناص داخلي
3. تناص خارجي.
وسوف أكتفي هنا بجانب واحد أيضاً، هو تناص أشعار درويش الجديدة مع نصوص الشعر العربي.
التفاعل مع نصوص الشعر العربي القديم:
يستطيع المرء هنا أن يتحدث عن نصوص حاضرة وأخرى غائبة، ويستطيع أيضاً، بسهولة، أن يميز بين نصوص قديمة وأخرى حديثة.
النص الحاضر:
يأتي درويش على ذكر أسطر شعرية، وينسبها إلى أصحابها بالاسم، ويذكر أسماء ثلاثة شعراء عرب هم أبو تمام والمتنبي والسياب، ولكنه في المقابل يورد عبارات لشعراء آخرين مثل أبي العلاء المعري. والنصوص الحاضرة هي، إذن، نصوص أبي تمام والمتنبي والسياب، والنصوص الغائبة هي نصوص للمعري ولغيره.
يذكر درويش أبا تمام في قصيدة "إن عدت وحدك"، ويذكر صدر بيته الذي صدر به مجموعته. هنا يخاطب درويش نفسه، ويطلب من ذاته إن عاد وحيداً أن يقول لنفسه: "غيّر المنفى ملامحه" و هو يدرك هنا أنه يفجع مثل أبي تمام الذي فجع قبله –أي قبل أنا المتكلم في النص- أي أنا درويش، إذا افترضنا أنهما واحد.
قال أبو تمام: "لا أنت أنت ولا الديار هي الديار"، -لنلحظ أن درويش هنا أضاف الضمير هي، وهو ليس موجوداً في النص.
لقد خذلت المرآة درويش حين نظر إلى ملامحه فيها.
إنه هو وليس هو "أنت.. ولست أنت"، وهنا يسأل نفسه: "أين تركت وجهي؟".
ويبحث عن شعوره بين سعادة تبكي وإحباط يقهقه، ويكتشف أنه عاد وحده ناقصاً قمرين، ولكنه، خلافاً لأبي تمام، يجد الديار هي الديار "لكن الديار هي الديار". ثمة اتفاق مع أبي تمام في جانب، ولكن ثمة اختلاف أيضا في جانب آخر، الديار، ديار أبي تمام، لم تكن كما تركها، ولكن ديار درويش هي الديار. ربما بقيت دياراً في جانب واختلفت أيضاً في جانب. بقيت بعض القرى الفلسطينية كما هي، وانمحت قرى أخرى، ومنها قرية درويش، "البروة" التي أقيم على أطلالها (كيبوتس) (يتسعور).
النص الشعري الحاضر الثاني من الشعر القديم هو نص عابر، ويبدو في قصيدة "طريق الساحل" فيها يقول درويش:
"طريق يطول ويقصر (وفق مزاج أبي الطيب المتنبي)" (ص127)، وهنا قد يكون لنا وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر درويش. يرى الشاعر أن مزاج المتنبي هو الذي يحدد الطول والقصر. وقبل مناقشته تجدر الإشارة إلى بيتي المتنبي:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
وكثير من السؤال اشتياق
أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من رده التعليل
ولا أظن أن الطول والقصر هنا متعلق بالمزاج، إنه متعلق بالحالة النفسية التي كان عليها المحب العاشق الولهان. الطريق هو الطريق، وهو يقصر لغير العاشق، ولكنه يطول للعاشق، مثله مثل الليل في الشعر العربي، ومثل ليل المتنبي في القصيدة نفسها، ألم يفتتح المتنبي قصيدته بقوله:
"ليالي، بعد الظاعنين، شكوك طوالٌ وليلُ العاشقين طويلُ؟"
هنا ننتقل للحديث عن النص الشعري القديم الغائب. ثمة عنوان لافت لإحدى القصائد وهو "أنا وإن كنت الأخير.."
وسرعان ما يحيل هذا العنوان إلى قصيدة المعري التي مطلعها:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
عفاف وإقدام وحزم ونائلُ
و تحديداً إلى البيت المشهور فيها:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تسطعه الأوائل
و المعري هنا يفتخر ويذم الزمان، فذنوبه كثيرة، فيما لا ذنب له إلّا العلا والغوافل. لقد سار ذكره في البلاد، وهو جواد، و له منطق، وينتمي إلى موطن يشتاقه كل سيد...الخ، ونظراً للمفارقات فانه ينهي قصيدته بقوله:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدي، إن دهرك هازل
وما يهمنا هنا هو بيته "وإني، وإن كنت الأخير"، وقد غير فيه درويش وقال "وأنا" وتحول الوزن من فعولن مفاعيلن/البحر الطويل، إلى متفاعلن متفاعلن/ البحر الكامل.
لكن درويش يقول أيضاً: وإن عشت في زمن لاحق لعباقرة مثل أبي تمام والمتنبي والمعري، إلّا أنني سآتي بما لم يستطيعوا:
"وجدت ما يكفي من الكلمات..
كل قصيدة رسم
سأرسم للسنونو الآن خارطة الربيع
وللمشاة على الرصيف الزيزفون
وللنساء اللازورد" (ص21).
وفوق هذه الأشياء التي سيفعلها فإنه:
"وسوف أحمل للمسيح حذاءه الشتوي
كي يمشي ككل الناس
من أعلى الجبل.. إلى البحيرة" (ص22)
سيفعل هذا كله، سيكتبه كلاماً، وسيقوم به، وسيكون مسيح المسيح.
من هو الشاعر العربي الذي قال:
"لو كان لي قلبان لعشت بواحد"
من هو هذا الذي أراد أن يحب امرأة واحدة لأنه غير قادر على أن يحب اثنتين معاً؟ هذا البيت يرد في قصيدة درويش "الأربعاء، الجمعة، السبت" يقول درويش:
"الأساطير، البلاد، تشابهت.
لو كان لي قلبان لم أندم على
حب، فإن أخطأت قلت: أسأت
يا قلبي الجريح الاختيار! وقادني
القلب الصحيح إلى الينابيع" (ص51)
درويش هنا يختلف عن الشاعر العربي. وإذا كان ذلك الشاعر يريد أن يكون له قلب، وأن تكون له تجربة، فإن درويش يريد أن يجرب لعل تجربة تصيب، ولعل تجربة تخطئ، لعل حباً يفشل، ولعل حباً آخر ينجح. بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك:
"لو كان لي دربان لاخترت البديل الثالث" (ص52)
لماذا؟
"انكشف الطريق الأول
انكشف الطريق الأخير
انكشفت دروب الهاوية" (ص52).
فلماذا لا يكون هناك درب ثالث؟ هذا هو التناص الخارجي/التناص البعيد.
وهنا نتوقف أمام التناص القريب، وهو ما يبدو في قصيدة "أتذكر السياب"، وفيها يتذكر درويش الشاعر العراقي و يضمن قصيدته بعض مفردات من قصيدة "أنشودة المطر"، وهي "عراق، عراق، ليس سوى العراق" (ص121).
أشير، ابتداءً، إلى أن درويش كتب هذه القصيدة في أثناء استعداد أمريكا، في بداية العام 2003، لمهاجمة العراق.
وقد نشرها في حينه، في الصحف مع بداية الحرب، في نهاية آذار وبداية نيسان.
وتحيل القصيدة إلى تجربة السياب وإلى قصائده الشهيرة مثل "أنشودة المطر"، و"غريب على الخليج"، وهاتان القصيدتان تعبران عن تجربة ومنفى، عن تجربة السياب وعيشه في المنفى.
ولأنهما قصيدتان جميلتان فيهما الشعر حاضر بقوة، ولهذا التفت إليهما الدارسون وعدوهما من عيون شعر السياب والشعر العراقي، بل والعربي المعاصر، فقد كتب درويش:
"أتذكر السياب.. إن الشعر يولد في العراق
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي" (ص121)
و:
"إن الشعر تجربة ومنفى/توأمان" (ص122).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- الشعراء، ربيع وصيف 1999، ع4+5، ص18).
[2]- السابق، ص18).
٨
دقات الباب الثلاث :
دقات الباب الثلاث أعادتني إلى بامبرغ ، وإلى ربع قرن خلا .
كنت منشغلا بقراءة فصل من رسالة ماجستير عن مظفر النواب وإذا بدقات الباب الثلاث .
كنت في ( بامبرغ ) أبلغت شخصا شارة إن أراد أن يزورني واستقبله ، وعدت وأعطيت السر لجار لي في البناية .
كلما دق الجرس دقات ثلاثة قمت وفتحت الباب ، بعد ان يعلو صوتي :
" - من القادم ؟ " واذكر اسمه.
اليوم كانت القارعة شابة في الرابعة عشرة من عمرها . أدركت أنها مرسلة من جهة ما ، ومع ذلك لبيت لها طلبها ، وعدت أصحح المادة التي بدأت بقراءتها .
ومع أنني لم أصدق كثيرا ما قالته ، قدر ما أدركت أن في الأمر تمثيلا ولعبة ما ، إلا أنني لم أخيب سؤالها ، ولو من خلال الرقم عشرين .
الغريب أنني أحيانا أبدو مثل المؤمنين ، ولا أفلح في أن أكون قانونيا ويساريا مائة بالمائة .
هل أرضخ لتربيتنا البائسة ؟
أنا مع زيادة الضرائب للأنفاق على الفقراء ، وليأخذوا من أموال الضرائب ، لا من التسول بأشكاله.
لعلني مخطيء !
لعلني !
والتسول ومد اليد من صفات المجتمعات المتخلفة .
هذا هو الأمر ببساطة ، ووجدتني اليوم متخلفا ، مع احترامي للدكتور علاء وبرنامج الصباح من إذاعة النجاح .
13/3/2016
٩
روائيونا النقاد :
ما شاء الله عن بعض روائيينا . لا يكتفون بأن يفرخوا كل عام رواية .
غدوا أيضا نقادا محترفين . قسم منهم ذهب إلى السوربون ليثقف نفسه في النقد حتى يرد على ما يكتبه القراء عن رواياته .
لا أدري لماذا كلفوا أنفسهم بقضاء أربع سنوات هناك ما داموا يترفعون عن قراءة ما يكتبه النقاد عن رواياتهم .
ما شاء الله عن بعض روائيينا !
ما شاء الله!
يخزي العين .
صباح الخير أيها الروائيون الأفذاذ .
13 / 3 / 2017.
١٠
حول اعتماد برنامج الدكتوراه في قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية :
كثرت أسئلة طلبة الماجستير في الموضوع ، بخاصة ممن تخرجوا في قسم اللغة العربية في الجامعة .
أحيانا أتساءل :
" وما شأني في الأمر ؟ "
العام القادم أنهي أعمالي في الجامعة وعلي الحفاظ على ما تبقى من أعصابي .
شخصيا أرغب في التقاعد والمشي لكي أحرق فائض كمية السكر في دمي ، ثم يجب إعطاء الجيل الجديد فرصة للعمل .
أنا شخصيا اكتفيت من العمل الجامعي ، فسبعة وثلاثون عاما تكفي . هذا طبعا عدا ست سنوات في المدارس .
أتمنى للجامعة النجاح والازدهار .
13/3/2018
١١
الست كورونا وأفعى محمود درويش ٨ :
في ذروة الهلع والخوف العالميين ، حيث أغلقت المعابر والحدود وأوقفت مباريات كرة القدم في كثير من البلدان وأقفلت المطاعم والمقاهي أبوابها وتعطلت مصالح كثيرة وسكرت الجامعات والمدارس وألغيت المؤتمرات وتأجلت ، وفي ذكرى ميلاد الشاعر محمود درويش ٧٩ ويوم الثقافة الوطني ، تلح قصيدتا الشاعر " عابرون في كلام عابر " و " سيناريو جاهز " على ذهني .
" ولنا ما لكم من أرض وسماء "
و
" أنا وهو ،
خائفان معا
....
....
ماذا سيحدث لو أن أفعى
أطلت علينا هنا
من مشاهد هذا السيناريو
وفحت لتبتلع الخائفين معا
أنا وهو ؟ " .
والأفعى الآن تريد ابتلاع الجميع حتى مشاهد السيناريو .
الست كورونا أفعى أربكت الجميع وشلت الحياة والكل خائف .
صارت الكورونا تسبب هلعا اجتماعيا وسوء تفاهم ، وكلما التقينا مع معارف ترددنا في مصافحة الأيدي خوفا من ... !
لجميع من أعرف فإنني حين لا أمد يدي للمصافحة اعتبروا أن الفايروس يقبع فيها لا في أيديكم النظيفة العفيفة الطاهرة التي تتوضأ خمس مرات يوميا .
يبدو أنني سأفرض على نفسي حجرا منزليا كي لا أحرج نفسي وأحرج الآخرين .
في ذكرى ميلاد الشاعر ٧٩ وفي يوم الثقافة الوطني فإن القصص والإذاعات والتلفازات ونشرات الأخبار فيها كلها مخصصة من أجل عيون الست كورونا .
بلبقلها مقصوفة العمر !
١٣ آذار ٢٠٢٠
١٢
الفلسطيني في الرواية العربية : من فدائي إلى داعية إصلاحي .
المصري عز الدين فشير " عناق عند جسر بروكلين " .
عادل الاسطة
في روايته " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) يقترح د. اسحق موسى الحسيني على الزعيم وأتباعه ممن انحازوا إلى خيار السلاح للدفاع عن أحقيتهم في المأوى الذي أراد دجاج غريب طاريء السيطرة عليه ، يقترح على لسان الدجاجة الحكيمة ، عدم اللجوء إلى القوة ، فهي ليست حلا ، فما من قوي إلا سيبتلى بأقوى " ومن صرع بقوته يوما صرعته قوة غيره يوما آخر " وعليه فلا بد من نفوس مصلحة لإنقاذ العالم الذي يتردى في الشقاء " فالشرارة الصغيرة تحدث فيها نورا عظيما ، وكذلك النفس المصلحة التي تبعث في وسط الشقاء العالمي تحدث فيه نورا عظيما " وتطلب الدجاجة الحكيمة من الزعيم وأتباعه أن يكونوا تلك الشرارة الصغيرة " سيحوا في الأرض ، وتوزعوا بين الخلق ، وانشروا بينهم المثل العليا ، والمباديء السامية ." والدجاجة هذه واثقة بتطهير العالم أجمع من ضلالاته ، لا وطننا الصغير فحسب .
صدرت الرواية في العام ١٩٤٣ ، ولم يعجب اقتراح الدجاجة النقاد ، فقد هاجموها وكاتب مذكراتها ، فإن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ، ويجب أن تكون ديكا لا دجاجة ، واتهم عدد من الكتاب الفلسطينيين طروحات الكاتب بخيانة القضية ( كتب عبد الحميد يس " مذكرات ديك " ردا على الرواية ، و كتب فاروق وادي في " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " واتهم الكاتب بأنه يعبر عن طبقته البرجوازية ولم يجامل فاتهم الدجاجة وصاحبها بصراحة ) .
بعد سبعين عاما تقريبا يكتب الكاتب المصري عز الدين شكري فشير رواية " عناق عند جسر بروكلين " ( ٢٠١١ ) وسيقرأ المرء عن نماذج فلسطينية تذكره ، في رحلة حياتها ، برواية الحسيني وطروحاته .
من هو عز الدين شكري فشير ؟ ومن هو نموذجه الفلسطيني ؟ وما وجه الشبه بين دجاجة الحسيني والفلسطيني في رواية فشير ؟
فشير سياسي مصري بالدرجة الأولى ، ولد في الكويت في العام ١٩٦٦ ، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعات أميركية ، وله روايات عديدة ، وشغل مناصب عديدة منها منصب سفير أعلى بالسفارة المصرية في تل أبيب لمدة عامين . وهو في " عناق عند جسر بروكلين " ( ٢٠١١ ) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية ( بوكر ) يكتب عن عوالم يعرفها جيدا ، ( انظر مقالي في الأيام بتاريخ ١٩ شباط ٢٠١٢ ) ولفت نظري فيها كتابته عن أميركا وعن شخصية فلسطينية أقامت هناك ، وهي محور هذه الكتابة .
خلافا للشخصيات الأخرى التي ذكرت بالاسم يكتب المؤلف عن الفلسطيني تحت عنوان " عين جالوت " وهو عنوان له حمولاته المعرفية التاريخية الدالة التي تجسدها تحولات شخصية الفلسطيني في المتن الروائي .
الفلسطيني الذي يسرد بضمير الأنا ما أدرج تحت " عين جالوت " ( الصفحات ٩٥ - ١٠٨ ) هو لاجيء فلسطيني مقاتل ولد في مخيم وقتل أبوه في حرب ١٩٦٧ بالقنابل العنقودية ، وذبحت أمه في مجازر صبرا وشاتيلا في أيلول ١٩٨٢ ، ونجا هو من الذبح ، وكان للسلاح الأميركي المزودة به إسرائيل دور في القتل ، ما دفعه لأن يغزو أميركا ليحاربها من داخلها ، فالحرب بين الطرفين لا تنتهي " وهكذا نحن الاثنان ، متداخلان في هذا العناق المميت الذي يدمينا سويا ، ولنر من سيتحمل الألم أكثر " .
حارب هذا الفلسطيني في صفوف الثورة الفلسطينية وظل يحارب إلى أن اقتنع بلا جدوى مقارعة دولة إسرائيل التي كلما حاربناها هزمتنا ونحن لا نستطيع هزيمة أميركا ، ويجادل هذا الفلسطيني قيادته في هذا الأمر ، ولكنها ترى أن الأهم هو أن نظل نحارب ، لأننا لا ننهزم إلا إذا تركنا ميادين القتال ، وظل هذا الفدائي يتساءل عن جدوى حروب خاسرة ، وتوصل إلى أن النصر لن يتحقق إلا " حين ننقل المعركة إلى أرضكم أنتم " - أي إلى أميركا ، وهكذا يهاجر إلى هناك ، فقد قرر المجيء " إليكم في عقر داركم ، فمنذ أكثر من مائة عام وأنتم تقاتلونا على أرضنا ، وحان الوقت الذي ننقل فيه القتال إلى أرضكم ( هنا نتذكر مصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " وما قاله عن الصراع بين الشرق والغرب ، وما يفعله هو في الغرب ) . نحن داوود وأنتم جالوت الطاغية " وسيكون الفلسطيني في أميركا الطفل داوود الذي يدمي الجبار جالوت / جليات . هكذا يوظف الروائي الأسطورة التوراتية معكوسة ، وهو توظيف سبقه إليه الكاتب يعقوب الأطرش في بعض قصص كتبها عن الانتفاضة الأولى في ١٩٨٧ ( انظر دراستي " اليهود في القصة الفلسطينية القصيرة في الانتفاضة / مجلة جامعة النجاح ١٩٩٤ ) .
يتحول الفلسطيني من فدائي مقاتل ، وإن كان ذا خلفية إسلامية ، إلى داعية إسلامية ، وتتضخم لديه الأنا حتى إنه يعترف بأنه كان على علم مسبق بحادث تفجير البرجين في ١١ أيلول ٢٠٠١ ، وأن المعلومات التي يعرفها تفوق المعلومات التي لدى الجهات الأميركية الحاكمة " أنا الذي أعرف حقيقة ما حدث. أنا الذي أعرف الصورة الكاملة . أنا رقم صفر. أنا الرقم المكمل لأي رقم تعرفه ..... أنا الوحش الذي اغتبطت للهجوم ، وشعرت بموجة عارمة من التشفي ..." ويقص ما شاهده في قصف الطائرات الإسرائيلية لبيروت بلا رحمة ، فالناس الذين قتلوا لا قيمة لهم .
يتوصل هذا الفلسطيني إلى ما توصلت إليه دجاجة الحسيني الحكيمة :
" الآن أعظ بالقانون وعدم العنف . لا أحمل سلاحا ولا أدعو إليه، بل أتم الصلاة في مسجدنا الصغير ببروكلين ، وألقي دروس الفقه والسنة على من يريد الاستماع ، وأدبر للشباب منحا للدراسة ووظائف ، وزيجات صالحة ، لا أكثر من ذلك . لا أدرب أحدا على حمل السلاح، لا أعلم أحدا القتال ، بل لا أنصح أحدا به . كل ما أفعله هو تقوية هوية شبابنا ، وإعادته لجذوره ، وإبعاده عن السقوط في براثن الحضارة المادية .. " .
هل هذا هو حال الفدائيين الفلسطينيين الذين مالوا إلى الفكر الإسلامي ؟ وماذا عن حركتي الجهاد الإسلامي وحماس ؟
إن تحولات بعض المقاتلين الفلسطينيين إلى الفكر الإسلامي يظهر في روايات عربية منها رواية اللبناني الياس خوري " سينالكول " ، كما تحفل روايات عربية كثيرة بتحولات اليسار وتراجعه ، وهو ما يحتاج إلى وقفة .
هل يحضر فلسطينيون آخرون؟
في الرواية نقرأ عن مصري اسمه لقمان يفضل أن يبقى في القاهرة على الرغم من تحولاتها نحو الأسوأ :
" ما الذي يدفعني للبقاء في القاهرةرغم كراهيتي لما آلت إليه ؟ " .
ولقمان هذا هو طبيب مصري تزوج من ابنة المؤرخ درويش ليلى وخلف منها طفلة سماها سلمى ، ولكنه لا يوفق في حياته الزوجية . يتصادق مع هولندية ( ماريك ) ويتواصلان معا ولا يتزوجان ، فكل منهما يرفض التخلي عن بلاده مع أنه يدرك بؤس الحياة في العالم العربي ، وحين تقترح عليه أن يتزوجا ويقيما في نيويورك يرفض . الطبيب لقمان يعحب بالفلسطيني ادوارد سعيد دون أن يراه . إنه يشبهه شكلا وكأنه له والده الروحي ، وحين يزور نيويورك وتتاح له الفرصة للقائه يموت ادوارد سعيد ، فهل سيشارك في جنازته التي تقتصر على أفراد عائلة المتوفى ؟ أليس سعيد الأب الروحي للقمان ؟ ولأنه الابن الروحي لسعيد فإن ( ماريك ) تحثه على المشاركة في الجنازة . هنا نحن أمام فلسطيني مختلف ، وإن كان حضوره عابرا ومن خلال شخصية مصرية .
والسؤال هو ماذا عن الشخصيات الأخرى في الرواية وتحديدا الشخصيات المصرية ؟
ما الصورة التي يقدمها فشير للمصريين في روايته ؟
أتيت على شخصية لقمان ، ولكن الشخصية الأكثر أهمية هي شخصية د . درويش .
هنا أحيل إلى مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية المنشور بتاريخ ١٩شباط ٢٠٢٠ ، ولسوف اقتبس منه ما يخص شخصية درويش المصري المتأمرك .
" درويش هو مؤرخ مصري غير موفق في حياته الزوجية . حين يبلغ السبعين من عمره يصاب بسرطان الرئة ، وهكذا يقرر هجر شقته ليقيم في بيت أصغر حجما / مساحة .
كان درويش تزوج وخلف ولدين هما يوسف وليلى ، ولكنه لم يوفق مع زوجته ، وهكذا انفصل عنها وظل ولداه مشكلته التي لم يستطع أن يجد لها حلا ، فقد ظلا يؤرقانه ، وظلا يحولان بينه وبين نجاح علاقته مع جين الانجليزية ومع زوجته ريما وزوجته زينب ، وفي سنواته الخمس والعشرين الأخيرة أذعن للدنيا وعزف عن النساء ، وأدرك أنه قضى عمره واعظا ، ولهذا ، ربما فشل في حياته .
كان درويش معجبا بكتاب ألبرت حوراني " تاريخ الشعوب العربية " ، وكلما تعرف إلى واحدة من السابقات طلب منها أن تقرأ الكتاب المذكور علها تدرك حقيقة العرب ، وعل الفجوة بينه وبينها تضيق ، وهذا ما لم يتحقق ، فلقد مررن على الكتاب مرور الكرام ، وبعضهن لم يقرأنه ، وحين يرى الكتاب وهو يرتب مكتبته يقرر أن يضعه جانبا ، فهو كتاب مشؤوم وذكرياته أيضا مشؤومة :
" ماذا أفعل بهذا الكتاب ؟ ولماذا لا أستطيع أن أحمل نفسي على التخلص منه؟"
كان درويش أقام في مصر بعد دراسته الدكتوراه في لندن لمدة سبع سنوات ، ولكنه غادر مصر إذ اكتشف أن " السبع سنوات من التدريس لطلبة جهلاء لا يفهمون ولا رغبة لديهم في التعلم جعلته يغير رأيه " الذي شكله وهو في لندن ، وهو أن عليه أن يخدم بلده . وهكذا غادر مصر إلى نيويورك التي ناسبته ، وأخذ يدرس فيها . وحين أصابه اليأس من النساء سيطر عليه هاجس التدريس والبحث والكتابة وأصبح أكثر اهتماما بطلبته ، فقضى معهم وقتا أطول في الشرح والنقاش و .. و .. وهكذا أصبح درويش قبلة المؤرخين من أميركا الشمالية ، وحين كانت تأتيه عروض من بلده ليعود إليها كان يرفضها كلها ، فلم يكن " يرى أية فائدة في محاولة تغيير أي شيء " .
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية
١٥ آذار ٢٠٢٠ ، وهو هنا متوسع فيه .
١٣
ذاكرة أمس ١٨ : الأجواء متقلبة وصلاة الجمعة في الساحات
كان جو آذار أمس الجمعة متقلبا ، فبعد ليلة ماطرة باردة ، ذات رياح ، أشرقت الشمس إشراقا خجولا سمح للمصلين بأن يؤدوا صلاة الجمعة في الساحات ، كما في حديقة منزلي وساحتها ( لو نظف المصلون الساحة بعد صلاتهم لربما تضاعف الأجر ) .
الجلوس في البيت ، تلافيا للإصابة بالكورونا ، يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر ، وهكذا نحذر من وباء لنعاني من داء يفتك بالجسد ببطء . كأن لا يكفي الاحتلال والانقسام وفضول أبناء شعبنا الذي يحصي على المرء حركاته وسكناته ويجعل من الجميع حراسا للفضيلة ( جواسيس ) !! كأن لا يكفي ! ما شاء الله على شعبنا ! ما شاء الله ! فخطباء الجمعة والوعاظ غالبا ما يعزون أسباب هزيمتنا وسوء واقعنا إلى انحدارنا الأخلاقي ، مع أن عدد من يؤدون العبادات كبير وفي ازدياد ( شو يعني انحدارنا الأخلاقي ؟ ).
على الرغم من الجو المزاجي المتقلب ، مثل مزاجي كما ينعته المتخلفون ( أنا عقلاني بالدرجةالأولى ) ، إلا أنني لم أتخل عن المشي . لقد ذرعت شوارع في الحي مرتين ، وكانت خالية من المشاة والسيارات تقريبا ، وكانت الدكاكين مغلقة .
منذ صباح أمس وأنا أقرأ في ملاحظاتي على نسخة رواية الكاتب الجزائري محمد ديب " الدار الكبيرة والحريق والنول " الصادرة تباعا في ١٩٥٢ و ١٩٥٤ و ١٩٥٧ والتي ترجمها الدكتور السوري سامي الدروبي في ١٩٧٠ .
ربما قرأت القسم الرابع من الجزء الأول " الدار الكبيرة " خمس ست قراءات . لقد قرأتها قراءة دارس حقا لأكتب مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية عن دال الوطن . " فرنسا هي أمنا الوطن " كان الطلاب زمن الاستعمار يعلمون .
اليوم هو الثالث عشر من آذار وهو يوم الثقافة الوطنية ( هل هناك تعريف متفق عليه لمفهوم الثقافة الوطنية ؟ ) ويصادف الذكرى الثمانين لميلاد الشاعر محمود درويش الذي تعلم كل الكلام وفككه ليكتب كلمة " وطن " ( ماذا تعني كلمة الوطن ؟ ) .
وأمس زارني صديق قديم ودار حديثنا عن الست كورونا ، والحكايات كثيرة والآراء كثيرة والاجتهادات كذلك .
أمس قرأت أيضا ما كنت كتبته عن قصيدة بدر شاكر السياب " قافلة الضياع " وفيها سطر شعري نصه :
" هذا لكل اللاجئين ، وكل هذا لليهود "
وكان نصيب دولة إسرائيل من اللقاحات مثل نصيبها من مجموع أرض فلسطين ، ونصيب الفلسطينيين من اللقاحات مثل نصيبهم من أرض وطنهم التاريخي ، وتلك قسمة ضيزى .
أي والله !!
١٣ آذار ٢٠٢١ .
١٤
كتب شكلت ثقافتي :
كان لكتب السلاسل المصرية أثر كبير في تشكيل ثقافتي ومكتبتي . كنت أشتري الكتاب ببضعة قروش من بسطات الكتب في الشوارع أو من مكتبة المحتسب أو المكتبة الأموية في وسط عمان أو من وكالة التوزيع الأردنية في الدوار الأول من جبل عمان .
وأنا أبحث عن قائل كلمات اغنية كارول سماحة " ستنتهي الحرب " عدت إلى هذا الكتاب وإلى كتب أخرى صدرت في ٧٠ القرن ٢٠ ، وبدلا من أن أعثر على الأسطر وجدت سطرا بحثت عنه قبل فترة عبثا .
" والأدب العظيم هو دائما وأبدا أدب سياسي "
ولسوف أعود لأكتب مساء عن هذا السطر .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٣
١٥
.الأدب السياسي :
أزعم أنني كتبت نصي أدب سياسي هما " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ و " الوطن عندما يخون " ١٩٩٦ ، وكتبت الجزء الأول من النص الثاني " تداعيات ضمير المخاطب " عن تجربة فلسطيني في ألمانيا ولم تحضر السياسة الا في بضع صفحات منه .
في أثناء الجدل مع بعض كتابنا عرفت منهم أنهم يعزفون عن قراءة هذا اللون من الأدب ، ومرة ناولت نسخة من مجموعة قصص الألمانية ( آنا زيغرز ) " المخربون " لأحد كتاب القصة القصيرة فأبى أن يأخذها باعتبارها من أدب المقاومة الذي لا يميل إليه . ( ترجم القصص الدكتور السوري عبده عبود وصدرت في بيروت عن دار الفارابي في ١٩٨١ Abdo Abboud )
عبثا حاولت يومها أن أعثر على الجملة الآتية التي كنت قرأتها في بداية اهتمامي بالأدب :
" الأدب العظيم هو دائما وابدا أدب سياسي " ، وقد عثرت عليها مؤخرا في حمى بحثي عن قائل الأسطر التي غنتها كارول سماحة على أنها لمحمود درويش :
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة ... " .
صاحب الرأي هو شاعر ألماني مشهور توفي قبل فترة وجيزة وهو ( هانز أنز نسبرجر ) .
كنت صباحا أشرت إلى كتاب غالي شكري " صراع الأجيال في الأدب المعاصر " ١٩٧١ .
لعلني أعود في قادم الأيام إلى قصة " المأوى " لآنا زيغرز .
١٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ .
١٦
صباح اليوم ( ١٥٩ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" حالتنا العبثية السيزيفية : مطاعم وكالة غوث اللاجئين "
ولدت ابنة عمي في خيمة وبعد أربعة وسبعين عاما تعود لتعيش في خيمة أيضا . كأن حياتنا قصيدة دائرية الشكل . من رحم الأم الصغرى إلى رحم الأم الكبرى ، وكلما رفعنا الصخرة إلى أعلى الجبل واقتربنا من قمة الجبل وقلنا : استقررنا ، حكمت علينا آلهة تل أبيب وواشنطن ومن سار في ركابهما بأن نعود إلى البداية . دحرجت الصخرة وطلبت منا أن نحملها ثانية . أسطورة سيزيفية . كأنما هي مسرحية " الباب " .
ما الذي ذكرني بما سبق وقد كنت كتبته عشرين مرة ؟
وأنا أشاهد لقطات مما تبثه الفضائيات أو مما يدرجه بعض الناشطين من أشرطة فيديو لأحوال لاجئي شمال قطاع غزة الجدد ، في جنوبه ، وكيف يقضون أيام رمضان الأولى ، تذكرت طفولتنا في ستينيات القرن ٢٠ في مخيمات اللجوء ، وقد كتب عنها عديدون وآخر ما قرأته مما كتب هو ما ورد في رواية يحيى السسنوار " الشوك والقرنفل " ( ٢٠٠٤ ) عن طفولة سارده في مخيم الشاطيء المولود في ١٩٦٢ ، سارده الذي استشهد عمه في حرب حزيران ١٩٦٧ ، وفقد أبوه في الفترة نفسها ، فرعاه جده ووكالة الغوث ومنحته بطاقة " طعمة ":.
لشدة فقر أحمد ولسوء حالته الصحية ، بسبب الفقر ، منحته وكالة الغوث بطاقة خاصة تمنحها للأطفال سييء التغذية ، فصار يذهب إلى مطعم الوكالة يوميا ، ليحصل على وجبة خاصة .
ولمن لم يعرف مطاعم وكالة غوث اللاجئين ، فإنها غالبا ما كانت صالة طويلة فيها طاولات يوضع الطعام عليها ويجلس مرتادوها على بنوك يلتهمون وجباتهم ويمنعون من أخذها معهم .
المشاهد التي شاهدتها أمس للاجئي غزة في الخيام ، وهم يتناولون طعام السحور ، أعادتني إلى تلك المطاعم . كأننا لا رحنا ولا جينا ، وها هي دورة حياة الفلسطينيين تعود إلى بداياتها .
أعتقد أنه لن يخفف من وقع الألم إلا إن صحونا على خبر كنس الإسرائيليين من القطاع ، أو أن يحدث في فلسطين ما حدث في أوروبا في العام ١٩٩٠ - أي سقوط الجدران ، أو في جنوب أفريقيا - أي انتهاء المعازل العنصرية ، وعودة اللاجئين . هل أحلم ؟ ربما !
١٣ / ٣ / ٢٠٢٤
١٧
أسعد الأسعد و " دروب المراثي " :
أمس تذكرت رواية الكاتب أسعد الأسعد " دروب المراثي " ( ٢٠٢٠ ) وأمس تساءلت إن كانت رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ( ٢٠١٤ ) من قراءاته .
الرواية التي كتبت عنها ( الأيام الفلسطينية ٢٨ / ٢ / ٢٠٢١ ) ، ولم أكن يومها قرأت " سفر الاختفاء " ، تقوم أيضا على فكرة الاختفاء ؛ لا اختفاء الفلسطينيين وحسب ، بل اختفاء اليهود أيضا ، ولا يبقى إلا مراد الفلسطيني وراحيل اليهودية .
يجب الحفر .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٤
تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية : أسعد الأسعد في " دروب المراثي " .
١٨
حول تدمير قطاع غزة ومحوه وتهجير أهله . حلم رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق .
حول رواية ابتسام عازم " سر الاختفاء " ٢٠١٤ .
الاختفاء ومحو الآخر في الأدب الفلسطيني ....
- حبيبي ومدينة النحاس ومستوطنة زخرون يعقوب.
- أكرم هنية قصة " بعد الحصار.. قبل الشمس بقليل " ١٩٧٩ .
- إبراهيم نصرالله " حارس المدينة الضائعة " ١٩٩٨.
- أسعد الأسعد " دروب المراثي " ٢٠٢٠ .
- غولدا مائير : لا يوجد شعب فلسطيني .
- إيلان بابيه في كتابه التطهير العرقي عن حيفا والعرب الباقين وبن غوريون .
١٩
خمسة عقود من الكتابة :
لأسعد الأسعد الشاعر والروائي ، عدا كتابته الإبداعية ، دور لافت في حركتنا الأدبية ، فقد كانت مكتبته " دار الشروق " محجا للأدباء من جيلي يعتمدون عليها ، ولم يقتصر دوره عليها ، فعدا إسهامه في تحرير مجلة " البيادر " أصدر مجلة " الكاتب " ثم جريدة " البلاد " وأتاح لنا فرصة النشر على صفحاتها فتشجعنا على مواصلة الكتابة والاستمرار فيها . ولا يمكن الكتابة عن الثقافة الوطنية الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن ٢٠ دون ذكر اسمه . إنه ليس شاهدا مهما على الحركة الأدبية في تلك الفترة وحسب ، بل ومشارك فيها بفعالية " .
نابلس ١٣ / ٣ / ٢٠٢٤ .
أسماء اقترحها :
أحمد حرب .
أكرم هنية
٢٠
٧ أكتوبر في رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ٢٠١٤ :
" ما معنى أن يكتب البعض " لن نسكت بعد اليوم " ؟ هل يعني هذا أن الفلسطينيين سيستخدمون القوة لتحقيق مطالبهم في البلاد ؟ هل اتحدوا جميعا وخططوا لشيء وكانوا بهذا الدهاء بحيث غافلوا القوات الأمنية ؟ هل تمكنوا من خرق جدار الأمن بهذه السهولة ؟ أم أن الأمر معاكس تماما لهذا التصور ووقع الجميع ضحايا تخطيط دهائي من جهة أخرى أدى إلى التخلص منهم ؟"
( صفحة ١٥٥ ) .
٢١
بين سيرة الكاتب عبدالله إبراهيم وسيرة إبراهيم نصرالله الروائية " طفولتي حتى الآن " :
أصدر عبدالله إبراهيم سيرته " أمواج " في العام ٢٠١٧ وإبراهيم نصرالله سيرته الروائية " طفولتي حتى الآن " في العام ٢٠٢٢ ، وكلا الكاتبين فاجأني بمعلومات ما خطرت ببالي ولا كنت أتوقعها أهمها الكتابة في سن مبكرة جدا واحتفاظ كليهما بدفاتر كتابتهما . مؤخرا أدرج إبراهيم نصرالله في صفحته صورة دفتر من دفاتر مدارس وكالة غوث اللاجئين كتب على صفحاته روايته الأولى ، وأمس وأنا أقرأ في سيرة عبدالله إبراهيم لفتت الفقرتان الآتيتان انتباهي ، وقد أشار في ندوته إلى فحواهما :
"وحينما قرأت " اعترافات " روسو ادعيت بأن لي حياة سرية أكثر غنى من حياته ، وانني في سبيلي للإدلاء باعترافاتي المذهلة . انطباعاتي كانت جزءا من شعوري بالمبالغة والمباهاة والمحاكاة . كنت اضفي قيمة على الأشياء لأبرز أهميتي " ( ص ٧٢ )
" بسطت الايديولوجية الشمولية نفوذها على المجتمع بالتدريج خلال تلك السنوات ، وبخاصة الشباب المنبهرون بالزهو العام الذي أشاعه الإعلام ، ولم يكونوا على معرفة بالأفكار المخالفة . ولم اشذ أنا عن الجموع في الظاهر ، لكنني كنت منشقا في داخلي . وحينما بدأت في ترتيب أحداث هذه الفترة من سيرتي ، استنادا إلى يومياتي ، وجدت أنني سجلت فيها يوم الجمعة ٢١ / ١ / ١٩٧٧ النص الآتي المعبر عما كنت عليه وأنا في السنة الأخيرة من دراستي الثانوية : " ليس بالمستطاع مطلقا التوفيق بين ثورة هذه الروح الفوضوية ، وجمود الانتماء والالتزام " .( ص ٧٨ و ٧٩ ) .
عندما بدأت أكتب كنت في الثانية والعشرين وكنت أنهيت البكالوريوس في الأدب العربي وأول مقال نشرته كان عن رواية يحيى يخلف " نجران تحت الصفر " ، وقد نشر في مجلة " البيادر " في العام ١٩٧٦ . يومها بدأت أكتب مقالات عادية في جريدة الفجر ، وكان مراسلها في نابلس السيد منذر التيتي ( أبو سليم ) وكان محله على دوار المدينة وأظن أنه كان يببع النظارات أو الساعات .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٥ .
٢٢
السوق التجاري :
تبدو الحركة التجارية اليوم في نابلس نشطة ، ولم يقتصر نشاطها على الخضروات والفواكه والحلويات ، ونشاط هذه عادة ما يبدأ في النصف الثاني من النهار ، وإنما تلحظه إن دبت رجلك في المركز التجاري / السوق التجاري وملاحظة محلات الزاوياني ومن فيها .
قبل أيام كنت أمر في السوق وأنظر في المحلات فلا أرى سوى الباعة . اليوم رأيت الباعة ورأيت الزبائن ، ويبدو أن النسوة بدأن يتبضعن من أجل العيد ، وما يساعد على خروجهن من المنزل أجواء اذار التي تنبيء بصيف مبكر ، علما بأن نسبة هطول الأمطار في هذا الشتاء لم تتجاوز ال ٥٥ بالمائة من المعدل السنوي ، وان لم تمطر في بقية الشهر وفي شهري نيسان وايار فمعنى ذلك أن المدينة ستعاني ، في فصلي الصيف والخريف القادمين ، من أزمة مياه ، وهذا ما لا نتمناه ، ولكن ما زال هناك أمل بهطول كميات من الأمطار في نيسان وايار وهو ما خبرناه وعرفناه في سنوات سابقة .
الجو صاف والأجواء ربيعية وليس لنا إلا أن ننصاع إلى سعاد حسني وطلبها :
" الدنيا ربيع والجو بديع ... قفل على كل المواضيع "
ولكن هل يستطيع السواقون ، وهم يقودون سياراتهم في شوارع المدينة ، من شارع فيصل حتى رفيديا ، أن يستجيبوا ، مثلنا ، لها ؟
ذكرني ما كتبه الدكتور عبدالله ابراهيم في سيرته الذاتية " أمواج : سيرة عراقية " عن الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) وروايته " مائة عام من العزلة " بما كتبه الناقد الفلسطيني فيصل دراج عن قصة يحيى يخلف " تلك المرأة الوردة " وما كتبه لاحقا عن أدب الكاتب نفسه في كتاب " بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية " ، ولعلني غدا صباحا أخربش حول الموضوع لكي أضيئه ، وكنت كتبت عنه في دراسة لي مطولة عنوانها " فيصل دراج ويحيى يخلف " دون أن أربط ما قام به دراج بما كتبه إبراهيم عن ماركيز .
نعيش ونتعلم وتغتني تجاربنا .
Adel Al-osta
١٣ / ٣ / ٢٠٢٥ .
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
١٣ / ٣ / ٢٠٢٦
فائزة :
لماذ لم أسم روز فائزة ؟
لماذا اخترت لها الاسم روز ؟
روز هي الكبرى وفائزة هي الثانية . والعادات والتقاليد والعرف كانت تفترض أن يكون اسم فائزة لروز .
منذ فترة طويلة أفكر في كتابة مقالة عن الطاهر وطار الكاتب الجزائري لعلها - المقالة - تجيب عن السؤال .
هل تحبين أباك يا روز ؟
هل تحبين أباك يا فائزة ؟
أحيانا أبدو مثل المسيح .
" مملكتي ليست من هذا العالم
لو كانت مملكتي من هذا العالم لما كنت أسلم إلى ..."
بانتظار الوقت المناسب لكتابة المقال عن الطاهر وطار يا أبا روز الذي كان جبهة ديمقراطية والآن هو يهتم بالطاقة الشمسية .
اليوم صباحا كنت أقرأ في قصيدة محمود درويش " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " من ديوان " أحبك أو لا أحبك " ولفتتت نظري أسطر شعرية لكتابة مقال عن موظفي السلطة - أي المناضلين القدامى .
أعتقد أن المقال سيكون طريفا لأنه سيكون ساخرا .
٢٠١٢
٢
" طشاري " لأنعام كجه جي :
فرغت للتو من كتابة مقال الأحد " طشاري ... تفرقوا أيدي سبأ " : قسوة المنفى .
هل تختلف رواية " طشاري " عن الروايات الآتية :
- سنان انطون " يا مريم "
- جبور الديهي " شريد المنازل "
- خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " .
لبنان والعراق وسورية في الخمسين سنة الأخيرة يصدر عنها روايات لافتة . طبعا يمكن ذكر روايات عربية أخرى مثل رواية ابراهيم عيسى " مولانا " ورواية " سينالكول " لالياس خوري .
كانت المجتمعات العربية متماسكة ، ثم جاء نظام العسكر فقمع حتى أوصلنا إلى ما أوصلنا إليه .
الفكرة الطريفة التي تلح على أذهان أبطال بعض الروايات هي فكرة الحنين إلى الماضي ، فقد كانت الحياة أقل قسوة وأكثر طراوة .
الآن تفرقنا أيدي سبأ أو أيدي عرب أو أيدي غرب ، وازداد عدد اللاجئين العراقيين واللبنانيين ، والآن ، السوريين ، في المنافي .
هل رواية أنعام كجه جي أشبه بقصيدة دائرية الشكل ؟
تبدأ الرواية وبطلتها أو شخصيتها الرئيسة تستعد للذهاب إلى ( الاليزيه ) لمقابلة الرئيس ( ساركوزي ) الذي يريد مقابلة اللاجئين العراقيين المسيحيين ، وتنتهي ايضا بالمشهد نفسه .
إنها رواية تداعيات تحكي ما كان عليه العراق قبل 50 سنة ، وما غدا عليه منذ صعود نظام العسكر وحتى الغزو الأمريكي للعراق .
العراقي الجيد هو المهاجر الجيد .
ما علينا ، كتبت المقال وراحت علي أم كلثوم ، لا بأس ، فكتابة المقال ضرب من التعويض على . إنها نوع من التوازن في السرور .
٢٠١٣
٣
د . نبيه القاسم : " اميل حبيبي ، المثقف الإشكالي "
الصديق الناقد د . نبيه القاسم من أوائل النقاد في فلسطين المحتلة في 1948، وقبله كتب أيديولوجيون ، مثل د . اميل توما النقد الأيديولوجي ، ولكن توما لم يرسخ اسمه ناقدا .
الذين رسخوا أسماءهم في عالم النقد في الداخل كثر ، وأكثرهم أكاديميون ؛ محمود حمزة غنايم وفاروق مواسي وحبيب بولس وابراهيم طه وحسين حمزة و ...و ... ولا ننسى جهود انطوان شلحت .
د . نبيه القاسم تربى في صحافة الحزب ، وهو في نقده قرن ، إلى جانب النقد الانطباعي ، النقد الأيديولوجي .
مؤخرا أصدر د . القاسم ثلاثة كتب عن سحر خليفة وسميح القاسم واميل حبيبي .
الكتب الثلاثة تتشابه في خطها العام وهو اللجوء إلى مقالات ودراسات سابقة كتبها د . نبيه عن كل علم من الأعلام السابقة ، وضمها معا في كتاب ، وآخر هذه الكتب الكتاب الذي خص به اميل حبيبي .
في صفحة 168 و 169يقول لنا د. نبيه إنه ممن يدرسون النص دراسة تعتمد على ربطه بمؤلفه - أي إنه ليس من أصحاب المناهج النصية ، وهذا أمر طبيعي ، فما دام تربى في صحافة الحزب الشيوعي فمن الطبيعي أن ينقد النصوص من منطلق ماركسي ، والنقد الماركسي لا يفصل بين الأديب ونصه إطلاقا .
ما يؤخذ على كتاب الناقد أنه لم يكتب له مقدمة يأتي فيها على زمن كتابة هذه النصوص وتاريخ كتابتها ، وما طرأ من نقد على نصوص حبيبي لاحقا .
أنا ، على سبيل المثال ، أنجزت أكثر من دراسة عن روايات حبيبي ، ولم يأت عليها الدارس ، وهو يتناول الدراسات والمقالات التي درست " المتشائل " ، وهناك دراسات أخرى مهمة ، أنجزها نقاد مرموقون مثل فيصل دراج ، فما كتبه د .نبيه عن تلقي دراج ل " المتشائل " قديم ، وقد عاد دراج وكتب دراسات مختلفة وأفضل من كتاباته الأولى ..
نبارك ل د . نبيه جهوده
٢٠١٤
٤
هل تبالغ في الأمر يا عادل الأسطة حين تكتب عن أمر اللغة العربية وعدم إجادة المسؤؤلين لها ؟
أيهما أهم الإنجاز أم اللغة ؟
لماذا تغض النظر عن إنجازات وزيرة الثقافة وبعض رؤساء الجامعات وتلتفت الى اللغة العربية وعدم إتقانهم لها ؟
هل أنت ناقم أم ..؟
أسئلة راودتني الليلة المنصرمة ، بعد أن استمعت إلى وزيرة الثقافة ، وهي أسئلة طالما كانت تراودني .
حين كنت أصغي إلى الرئيس المرحوم ، وحين أصغيت ذات نهار - ذات مساء - إلى رئيس جامعة يتحدث أمام الجمهور بالانجليزية ، لا بالعربية ، علما بأن أكثر الحضور كانوا عربا ، في الوقت الذي تحدث القنصل الفرنسي باللغة الفرنسية لا باللغة الانجليزية .
حقا هل تبالغ يا عادل الاسطة بهذا ؟
الحمدلله أن الرئيس أبا مازن يجيد العربية إجادة تامة .
ما كنت لأعترض على اللغة ، لولا أن المتحدثة وزيرة ثقافة ، ويفترض بوزير / ة الثقافة أن تجيد لغتها ، فهي رمز الثقافة ، واللغة أهم عناصرها .
ترى لو حدث الأمر في فرنسا ، فهل كان وزير الثقافة يبقى في منصبه ؟
بعض القراء سيقول عادل الاسطة غائب عن عالمنا وهمومنا ومشاكلنا ، فهو يلتفت إلى قضايا شكلية في الوقت الذي تدك فيه الطائرات الإسرائيلية غزة في حرب إبادة ؟
لهؤلاء أقول إن وزارة الثقافة أيضا مثلي ، فهي في الوقت الذي تدك فيه الطائرات الاسرائيلية غزة تحتفل بالثقافة .
والآن ما المطلوب ؟
المطلوب أن تقدم الوزيرة اعتذارا للغة العربية ، أو أن تقدم استقالتها .
هل أبالغ أم أحلم ؟
٢٠١٤
٥
صباح الخير يا وزارة الثقافة وصباح الخير يا وزيرةالثقافة :
لعلني شخص عاق . ربما ستقول هذا وزيرة الثقافة أولا، ووزارة الثقافة ثانيا . ربما ! فالعلاقة بيني وبين الوزارة تحافظ على شعرة معاوية ، فهل أريد أن أقطعها ؟
لست أدري وآمل ألا تكون وزارة الثقافة كما كتب د .فيصل دراج عن المؤسسة الفلسطينية " إنها فقيرة لا تعرف النقد وتعرف التبرير " . آمل ذلك . فما الداعي للكتابة ؟
أمس أصغيت ، عبر التلفاز ، إلى كلمة وزيرة الثقافة بمناسبة يوم الثقافة الوطنية ، فماذا لاحظت ؟
وزيرة الثقافة أهانت اللغة العربية إهانة كبرى ، أكثر من إهانة الرئيس المرحوم لها ، وكم من رئيس مؤسسة في بلادنا يهين اللغة العربية !
من رؤساء الجامعات إلى وزراء الثقافة . لماذا لا يجيد المسؤؤلون لغتهم ؟
لماذا لم تقرأ السيدة الوزيرة الكلمة المعدة سلفا ؟
لماذا لم يدققها لها مدقق لغوي ؟
هل هذا أمر يحتاج إلى معجزة ؟
من المؤكد أن محمود درويش ، لو نهض من قبره ، واستمع إلى وزيرة الثقافة تخطيء في القراءة لآثر العودة إلى قبره ، على الرغم من قوله :
" ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا اليها سبيلا " .
سأجد نفسي أكتب رسالة بلفونية أرسلها إلى غير شخص ، وأسأل :
- لماذا لم تدققوا للوزيرة كلمتها ؟
لماذا ؟
٢٠١٤
٦
الهباش يتحدث عمن يبغضهم الله ولا يحبهم ، ويتكيء على آيات تبرز من لا يحبهم الله .
هل يجوز لنا أن نحبهم ونواليهم ونساعدهم ونكون منهم ؟
الجواب القطعي :
- لا ، فما دام الله لا يحبهم فعلينا ألا نحبهم .
يستشهد بآية ورد فيها ذكر ابراهيم .
من لا يحبهم الله لا يحبهم المؤمنون ، وأول الأصناف في القرآن ممن لا يحبهم الله هم المعتدون الذين يلغون في أعراض الناس ، فاللسان أداة قاطعة على الناس وأعراضهم .
النبي قال لمعاذ :
- امسك عليك لسانك ، فهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم ، ورب كلمة أودت بحياة إنسان وشرفه وعكرت صفو الحياة . إن الله لا يحب المعتدين . العدوان باليد واللسان ورمشة العين أيضا .
العدوان يبغضه الله ويكرهه .
اليوم نحن أكثر شعب نتعرض للعدوان ، في بيوتنا وفي مدننا وفي الأقصى ، أمس حدث هذا في الخليل أيضا ، ولاريجوز للمسلم أن يرضخ للعدوان .
مثال :
ليبرمان قبل أيام قال إننا يجب أن نقطع رؤوس العرب بالفؤوس .
هذا وزير ورجل دولة ورئيس حزب .
قال كلامه هذا ومر الأمر .
ترى ماذا كان سيحدث لو تفوه بهذا الكلام وزير فلسطيني ؟
ربما حدث كذا وكذا وكذا وقامت القيامة .
حين قال ليبرمان هذا لم يتحرك أحد .
اارواحنا ودماؤنا رخيصة ؟
احياتهم حياة بشر وحياتنا حياة حجر ؟
العالم كله يتحمل نتيجة هذا العدوان .
في حي سلوان في القدس عنصرية تتعامل بها سلطات الاحتلال . هناك تعامل على الاسم : عمر غير شلومو . هكذا تتعامل الشرطة الإسرائيلية ، ولا بد من أن يتحرك العالم لهذا التمييز العنصري والعدوان .
يكرر الهباش كلامه عن تصريحات ليبرمان ، ويقول :
يجب أن نتصدى لهذا العدوان .
الصنف الثاني ممن لا يحبهم الله هم الظالمون ، والظلم نوع من العدوان ، وابشع أنواع الظلم الشرك بالله . إني حرمت الظلم على نفسي .... فلا تظالموا .
كم من ظلم يقع الآن على الإسلام . هناك من يرفع شعار الإسلام ولكنه يخفي خلف الشعار الإساءة للإسلام .
هنا يأتي على الخوارج الذين قتلوا عليا ظانين أنهم أحسنوا للإسلام ، ولكنهم عبروا على جسر الإسلام لمصالحهم .
الإسلام غاية لا أداة، وهؤلاء جعلوا منه وسيلة ، وهناك فرق .
الصنف الثالث ممن لا يحبهم الله هم من كانوا خوانين اثمين ،وهذا ما سنتحدث عنه في الخطبة الثانية .
الحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه و .. و ...
إن الله لا يحب من كان خوانا اثيما .
السياق يتحدث عن جماعة زمن الرسول انحرفوا عن جادة الصواب . اختلف بعض المسلمين مع اليهود وشهد المسلمون مع المسلمين ضد اليهود بغير وجه حق ، وفي هذا الخلاف حكم الرسول للمسلمين بما رأى ، تاركا النوايا لرب النوايا ، لكن الله لا يرضى أن تغدر باحد .. أد الأمانة إلى من إإتمنك ، ولا تخن الأمانة، الله لم يرض لنبيه أن يحكم بالظاهر ، وهنا نزلت الآية التي تحث الرسول على الحكم بما أنزل الله وبالحق . كان هؤلاء المسلمون كانوا خوانين ... خافوا من الناس ولا يستخفون من الله . بيتوا ما لا يرضى من القول .
ما القصد ؟
هذا هو المهم . مؤامرة لسلخ قطاع غزة عن فلسطين . ومن تمر في خياله هذه الخاطرة فهو خائن .
دولة في غزة ، وفلسطين والقدس ؟
هذه مؤامرة حاكها جنرال اسرائيلي وبعضنا يريد تنفيذها . دولة فلسطين دولة عاصمتها القدس ودون القدس لا نريد دولة ، حتى فلسطين التاريخية دون القدس لا نريدها .
القدس آية من القرآن ، ومن تنازل عنها تنازل عن سورة الإسراء .
هذه خيانة ، والله لا يحب من كان خوانا اثيما .
كانت المؤامرة في طريقها إلى التنفيذ ، منذ سنتين .
إن من يفكر في دولة في حدود مؤقتة فمعنى ذلك أنه لا دولة ولا أقصى ولا قدس ، ومن يلقب بهذا إلا الخائن الذي لا يحبه الله ، ونحن لا نتنازل عن ثوابتنا واولاها القدس . هي أساس مشروعنا الوطني ودونها لا قيمة لنا .
الهباش كرر كثيرا وبدا مرتبكا .
هكذا لاحظت . ربما بسبب الارتجال . هباشيات !
هباشيات !
٧
التناص الشعري في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" (3)
د.عادل الأسطة
لا يقتصر التناص هنا على الشعر، ثمة تناص مع العهد القديم، ومع الأساطير ومع القرآن الكريم.
والتناص، كما يورد محمد مفتاح في كتابه "تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص" (1985) داخلي وخارجي، وهو كما يذهب سعيد يقطين في كتابه "انفتاح النص الروائي: النص والسياق" (1988) ذاتي وداخلي وخارجي. يقصد بالأول تفاعل نصوص الكاتب الواحد مع بعضها، لغوياً وأسلوبياً ونوعياً، وبالثاني تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص كتاب عصره، سواء كانت أدبية أو غير أدبية، وبالثالث تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة.
وقد أتى الشاعر نفسه، في المقابلات التي أجريت معه، على هذا المصطلح فقال:
"مسألة التناص أو الإحالات التي أمارسها بوعي تام، هي جزء أساسي من مشروعي، انطلاقاً من أنه لا توجد كتابة تبدأ "الآن"، ليست هناك أول كتابة، أو كتابة تبدأ من بياض، ولا يوجد أصلاً تاريخ للشعر، لذلك كان حرياً في عصر تداخل الثقافات، والمرجعيات الواضحة والتطور الهائل للإبداع الشعري، سواء على مستوى العرب قديماً أم على مستوى العالم المعاصر أن تدخل التناص لأن الكتابة الآن هي كتابة على ما كتب"[1]، و يضيف:
"أنت لا تستطيع أن تدخل عالم الشعر هذا برعويات".
إذا لم تكتب على الكتابة، فإنك تخرج الشعر من كينونته الثقافية، فللشعر كيانية ثقافية في الدرجة الأولى.. وليس هناك شاعر خال من عدة شعراء، وقد يكون أي شاعر هو كل الشعراء... فالشاعر يجري حواراً مع غيره ومع كل شيء، ومع نفسه، وهو دائم المراجعة لتجربته الشعرية.[2]
وما قاله درويش، سابقا، نثراً، ورد في "لا تعتذر عما فعلت شعراً، لنقرأ هذا المقطع من القصيدة الأولى يختارني الإيقاع":
يختارني الإيقاع يشرق بي أنا رجع الكمان، ولست عازفه
أنا في حضرة الذكرى
صدى الأشياء تنطق بي
فأنطق.. (ص15)
إنه أسير الإيقاع، وهو رجع الكمان وليس عازفه، إنه ليس أول شاعر يكتب شعراً موزوناً. وتفعيلة البحر الكامل، والوزن جزء من بناء القصيدة القديمة، معروفة جيداً في الشعر العربي القديم. ومعلقة عنترة مثال واضح، بل إن هذه التفعيلة ليست جديدة في أشعار درويش نفسه. لقد وظفها، من قبل، بكثرة في أشعاره.
ويمكن أن نلحظ كلام درويش النثري بوضوح أكثر في قصيدة "تُنسى كأنك لم تكن" لنقرأ المقطع التالي:
"أنا للطريق.. هناك من سبقت خطاه خطاي
من أملى رؤاه على رؤاي.. هناك من
نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية
أو يضيء لمن سيأتي بعده
أثراً غنائياً.. وحدسا (ص71)"
بل ونقرأ المقطع التالي، من القصيدة نفسها، على الرغم من طوله:
"أمشي على هدي البصيرة، ربما
أعطي الحكاية سيرة شخصية. فالمفردات
تسوسني وأسوسها أنا شكلها
وهي التجلي الحر. لكن قيل ما سأقول
يسبقني غد ماض. أنا ملك الصدى.
لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق
هو الطريقة. ربما نسي الأوائل وصف
شيء ما، أحرك فيه ذاكرة وحسا (ص72)"
وما من شك في أن الأسطر السابقة تعيد قارئ النقد الأدبي العربي القديم إلى أبيات شعرية ومقولات نقدية مهمة. قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم؟
كأنهم لم يتركوا شيئاً إلا وقالوا فيه. وقال آخر:
ما أرانا نقول إلا معاداً مكروراً. وقال الجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي.. و كتب نقّاد كثيرون عن توارد المعاني والألفاظ.
وربما يتذكر المرء هنا مقولات مهمة لأدباء عالميين.
قال (غوته) الأديب الألماني: "إن الأدباء الكبار ليسوا أدباء كباراً لأنهم قالوا الأشياء لأول مرة، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أبرزوا الأشياء كما لو أنها تقال لأول مرة، ويعني هذا أن كثيراً مما يقولونه قيل من قبل، والسؤال هو: بم يختلف ما قاله درويش شعراً عما ورد في المقولات السابقة؟
يقر الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه خطا الشاعر، وأن هناك من أملى رؤاه على رؤى الشاعر، بل وهناك من نثر الكلام ليدخل في الحكاية، أو يضيء لمن سيأتي بعده أثراً غنائياً.
وإن اختلف عن السابقين، فقد يكون اختلافه جزئياً كأن يعطي الحكاية سيرة شخصية، وهذا ما بدا في أشعاره منذ: "لماذا تركت الحصان وحيداً" مروراً بـ "جدارية" وبرز بروزاً لافتاً هنا، في "لا تعتذر عما فعلت". هنا يمزج الشاعر بين الخاص والعام.
هنا يكتب حكايته التي هي جزء من حكاية الشعب الفلسطيني، ويعترف بجرأة: لا عرش لي إلّا الهوامش. إنه يضيف إلى ما كتبه الآخرون الذين قد يكونون نسوا وصف شيء ما فجاء هو وأجاد التعبير. وهذه مقولات مهمة على أية حال. مقولات لم يصل الخائضون فيها منذ زمن بعيد إلى قول فصل.
ليس المهم ما تقول، المهم كيف تقول ما تريد أن تقول. وليس المهم الحكاية، الأهم كيف تحكى الحكاية.
وأحياناً نقتنع بهذا وأحياناً نجد أنفسنا مسوقين للأخذ به، فهناك عشرات الشعراء الذين كتبوا في القضية الفلسطينية ولكن شاعراً ما يشدنا أكثر من غيره، ونجد أنفسنا نتوقف أمام أشعاره دون أن نتوقف أمام أشعار غيره.
وإن كان المرء يقر أحياناً بأن المبالغة في الاهتمام بالشكل، وعدم الالتفات أيضاً إلى الحكاية/المحتوى يفقد الكتابة كثيراً من أهميتها.
ربما أكون أطنبت كثيراً في الكتابة السابقة التي قد تكون أبعدتنا عن العنوان المقترح، وهو "التناص الشعري" في الديوان "لا تعتذر عما فعلت".
التناص الشعري:
عتبة الديوان هي أول ما يقول لنا إن الشاعر هنا يدخل في علاقة تناص مع نصوص شعرية لشعراء آخرين.
ثمة في العتبة نصان شعريان، كما ذكرت لشاعرين معروفين، عربي وعالمي، قديم ومعاصر، وثمة ذكر لاسم الشاعرين: أبو تمام ولوركا. وليس الأمر، على أية حال، مجرد تزيين أو مجرد ادّعاء. فدرويش ليس شاعراً ناشئاً ليترك ناقداً ما يصدر ديوانه بمقدمة تعرف بالشاعر وشعره، وهو لا يقل هامة عن الشاعرين، ومن هنا فهو ليس بحاجة إلى أن يقارن نفسه بهما. والشاعر الأول يرد نصه واسمه في قصيدة من قصائد الديوان هي "إن عدت وحدك" والشاعر الثاني يرد سطراه الشعريان، أيضاً، ثانية، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان هي "شكراً لتونس".
والعبارة الأولى التي سبقت التضمين/والتصدير هي: "توارد خواطر أو توارد مصائر" عبارة مهمة تحيل إلى عالم كل شاعر من هؤلاء لتقرأه ولتلاحظ ما المشترك بينهم. أين ولد كل واحد منهم؟ وأين نشأ؟ وما علاقته بالمكان الذي عاش فيه؟ وهل ظل مقيماً في مكان واحد؟ أم أنه انتقل من مكان إلى مكان؟ وما شكل علاقته بالمكان الأول الذي عرفه ثم غادره ثم عاد إليه؟ وثمة أسئلة كثيرة يثيرها المرء حول الشاعر وعلاقته بالمكان.
كان أبو تمام يقول:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
ما الحب إلا للحبيب الأول
وحنينه أبداً لأول منزل
ويفهم من هذا أن الحنين أبداً هو لأول منزل، تماماً كما أن الحب أبداً هو للحبيب الأول. و هذا رأي أبي تمام، وقد لا يكون رأياً ملزماً للجميع، وإن احترم المرء رأي أبي تمام. وأبو تمام نفسه هو الذي قال: لا أنت أنت ولا الديار ديار. وقد يكون، وهذا ما أرى، الإعجاب بالماضي هو ضرب من الحنين ليس أكثر. فالماضي قد يكون صعباً وقاسياً، وقد يكون أقسى من الحاضر، ولكن المقارنة تتم بين الذكرى وما تبقى من الماضي، وبين قسوة الحاضر المعيش. وقد يتهرب المرء من ماضيه، وقد يكون حاضره أفضل كثيراً من ماضيه، والأمر في النهاية يتعلق بالتجربة الشخصية.
وربما لا يختلف درويش في علاقته بالمكان الأول، عن أبي تمام. المكان الأول له هو الجنة، ولقد ارتكب خطيئة كبرى حين غادر. إنه يدرك هذا، ويطلب من إخوة الزيتون: الغفران.
هل عبثاً قال درويش في قصيدة "زيتونتان":
"أنا آدم الثاني. تعلمت القراءة
والكتابة من دروس خطيئتي،
وغدي سيبدأ من هنا، والآن" (ص54).
لا يعتذر درويش بسبب خروجه إلا لأمه ويطلب من إخوة الزيتون الغفران، أو هكذا قالت له رسالة قائد الرومان في الزيتونة الثانية التي تقف إلى جانب الزيتونة الأولى التي وجد فيها بذور أغنيته، كأنه يعود إلى ما مضى. وهكذا يخاطب النفس:
"أمشي، أعرّف نفسي إلى نفسها:
أنت، يا نفسُ، إحدى صفات المكان" (ص136)
وثمة كلام كثير يمكن أن يكتب، كلام قد يجد فيه المرء توارد خواطر وتوارد مصائر، ولكن قد يجد فيه اختلافاً في الرؤيا.
وعموماً يمكن أن يكتب المرء، وهو يكتب عن التناص الشعري، عن ثلاثة أشكال هي:
1. تناص ذاتي
2. تناص داخلي
3. تناص خارجي.
وسوف أكتفي هنا بجانب واحد أيضاً، هو تناص أشعار درويش الجديدة مع نصوص الشعر العربي.
التفاعل مع نصوص الشعر العربي القديم:
يستطيع المرء هنا أن يتحدث عن نصوص حاضرة وأخرى غائبة، ويستطيع أيضاً، بسهولة، أن يميز بين نصوص قديمة وأخرى حديثة.
النص الحاضر:
يأتي درويش على ذكر أسطر شعرية، وينسبها إلى أصحابها بالاسم، ويذكر أسماء ثلاثة شعراء عرب هم أبو تمام والمتنبي والسياب، ولكنه في المقابل يورد عبارات لشعراء آخرين مثل أبي العلاء المعري. والنصوص الحاضرة هي، إذن، نصوص أبي تمام والمتنبي والسياب، والنصوص الغائبة هي نصوص للمعري ولغيره.
يذكر درويش أبا تمام في قصيدة "إن عدت وحدك"، ويذكر صدر بيته الذي صدر به مجموعته. هنا يخاطب درويش نفسه، ويطلب من ذاته إن عاد وحيداً أن يقول لنفسه: "غيّر المنفى ملامحه" و هو يدرك هنا أنه يفجع مثل أبي تمام الذي فجع قبله –أي قبل أنا المتكلم في النص- أي أنا درويش، إذا افترضنا أنهما واحد.
قال أبو تمام: "لا أنت أنت ولا الديار هي الديار"، -لنلحظ أن درويش هنا أضاف الضمير هي، وهو ليس موجوداً في النص.
لقد خذلت المرآة درويش حين نظر إلى ملامحه فيها.
إنه هو وليس هو "أنت.. ولست أنت"، وهنا يسأل نفسه: "أين تركت وجهي؟".
ويبحث عن شعوره بين سعادة تبكي وإحباط يقهقه، ويكتشف أنه عاد وحده ناقصاً قمرين، ولكنه، خلافاً لأبي تمام، يجد الديار هي الديار "لكن الديار هي الديار". ثمة اتفاق مع أبي تمام في جانب، ولكن ثمة اختلاف أيضا في جانب آخر، الديار، ديار أبي تمام، لم تكن كما تركها، ولكن ديار درويش هي الديار. ربما بقيت دياراً في جانب واختلفت أيضاً في جانب. بقيت بعض القرى الفلسطينية كما هي، وانمحت قرى أخرى، ومنها قرية درويش، "البروة" التي أقيم على أطلالها (كيبوتس) (يتسعور).
النص الشعري الحاضر الثاني من الشعر القديم هو نص عابر، ويبدو في قصيدة "طريق الساحل" فيها يقول درويش:
"طريق يطول ويقصر (وفق مزاج أبي الطيب المتنبي)" (ص127)، وهنا قد يكون لنا وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر درويش. يرى الشاعر أن مزاج المتنبي هو الذي يحدد الطول والقصر. وقبل مناقشته تجدر الإشارة إلى بيتي المتنبي:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
وكثير من السؤال اشتياق
أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من رده التعليل
ولا أظن أن الطول والقصر هنا متعلق بالمزاج، إنه متعلق بالحالة النفسية التي كان عليها المحب العاشق الولهان. الطريق هو الطريق، وهو يقصر لغير العاشق، ولكنه يطول للعاشق، مثله مثل الليل في الشعر العربي، ومثل ليل المتنبي في القصيدة نفسها، ألم يفتتح المتنبي قصيدته بقوله:
"ليالي، بعد الظاعنين، شكوك طوالٌ وليلُ العاشقين طويلُ؟"
هنا ننتقل للحديث عن النص الشعري القديم الغائب. ثمة عنوان لافت لإحدى القصائد وهو "أنا وإن كنت الأخير.."
وسرعان ما يحيل هذا العنوان إلى قصيدة المعري التي مطلعها:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
عفاف وإقدام وحزم ونائلُ
و تحديداً إلى البيت المشهور فيها:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تسطعه الأوائل
و المعري هنا يفتخر ويذم الزمان، فذنوبه كثيرة، فيما لا ذنب له إلّا العلا والغوافل. لقد سار ذكره في البلاد، وهو جواد، و له منطق، وينتمي إلى موطن يشتاقه كل سيد...الخ، ونظراً للمفارقات فانه ينهي قصيدته بقوله:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدي، إن دهرك هازل
وما يهمنا هنا هو بيته "وإني، وإن كنت الأخير"، وقد غير فيه درويش وقال "وأنا" وتحول الوزن من فعولن مفاعيلن/البحر الطويل، إلى متفاعلن متفاعلن/ البحر الكامل.
لكن درويش يقول أيضاً: وإن عشت في زمن لاحق لعباقرة مثل أبي تمام والمتنبي والمعري، إلّا أنني سآتي بما لم يستطيعوا:
"وجدت ما يكفي من الكلمات..
كل قصيدة رسم
سأرسم للسنونو الآن خارطة الربيع
وللمشاة على الرصيف الزيزفون
وللنساء اللازورد" (ص21).
وفوق هذه الأشياء التي سيفعلها فإنه:
"وسوف أحمل للمسيح حذاءه الشتوي
كي يمشي ككل الناس
من أعلى الجبل.. إلى البحيرة" (ص22)
سيفعل هذا كله، سيكتبه كلاماً، وسيقوم به، وسيكون مسيح المسيح.
من هو الشاعر العربي الذي قال:
"لو كان لي قلبان لعشت بواحد"
من هو هذا الذي أراد أن يحب امرأة واحدة لأنه غير قادر على أن يحب اثنتين معاً؟ هذا البيت يرد في قصيدة درويش "الأربعاء، الجمعة، السبت" يقول درويش:
"الأساطير، البلاد، تشابهت.
لو كان لي قلبان لم أندم على
حب، فإن أخطأت قلت: أسأت
يا قلبي الجريح الاختيار! وقادني
القلب الصحيح إلى الينابيع" (ص51)
درويش هنا يختلف عن الشاعر العربي. وإذا كان ذلك الشاعر يريد أن يكون له قلب، وأن تكون له تجربة، فإن درويش يريد أن يجرب لعل تجربة تصيب، ولعل تجربة تخطئ، لعل حباً يفشل، ولعل حباً آخر ينجح. بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك:
"لو كان لي دربان لاخترت البديل الثالث" (ص52)
لماذا؟
"انكشف الطريق الأول
انكشف الطريق الأخير
انكشفت دروب الهاوية" (ص52).
فلماذا لا يكون هناك درب ثالث؟ هذا هو التناص الخارجي/التناص البعيد.
وهنا نتوقف أمام التناص القريب، وهو ما يبدو في قصيدة "أتذكر السياب"، وفيها يتذكر درويش الشاعر العراقي و يضمن قصيدته بعض مفردات من قصيدة "أنشودة المطر"، وهي "عراق، عراق، ليس سوى العراق" (ص121).
أشير، ابتداءً، إلى أن درويش كتب هذه القصيدة في أثناء استعداد أمريكا، في بداية العام 2003، لمهاجمة العراق.
وقد نشرها في حينه، في الصحف مع بداية الحرب، في نهاية آذار وبداية نيسان.
وتحيل القصيدة إلى تجربة السياب وإلى قصائده الشهيرة مثل "أنشودة المطر"، و"غريب على الخليج"، وهاتان القصيدتان تعبران عن تجربة ومنفى، عن تجربة السياب وعيشه في المنفى.
ولأنهما قصيدتان جميلتان فيهما الشعر حاضر بقوة، ولهذا التفت إليهما الدارسون وعدوهما من عيون شعر السياب والشعر العراقي، بل والعربي المعاصر، فقد كتب درويش:
"أتذكر السياب.. إن الشعر يولد في العراق
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي" (ص121)
و:
"إن الشعر تجربة ومنفى/توأمان" (ص122).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- الشعراء، ربيع وصيف 1999، ع4+5، ص18).
[2]- السابق، ص18).
٨
دقات الباب الثلاث :
دقات الباب الثلاث أعادتني إلى بامبرغ ، وإلى ربع قرن خلا .
كنت منشغلا بقراءة فصل من رسالة ماجستير عن مظفر النواب وإذا بدقات الباب الثلاث .
كنت في ( بامبرغ ) أبلغت شخصا شارة إن أراد أن يزورني واستقبله ، وعدت وأعطيت السر لجار لي في البناية .
كلما دق الجرس دقات ثلاثة قمت وفتحت الباب ، بعد ان يعلو صوتي :
" - من القادم ؟ " واذكر اسمه.
اليوم كانت القارعة شابة في الرابعة عشرة من عمرها . أدركت أنها مرسلة من جهة ما ، ومع ذلك لبيت لها طلبها ، وعدت أصحح المادة التي بدأت بقراءتها .
ومع أنني لم أصدق كثيرا ما قالته ، قدر ما أدركت أن في الأمر تمثيلا ولعبة ما ، إلا أنني لم أخيب سؤالها ، ولو من خلال الرقم عشرين .
الغريب أنني أحيانا أبدو مثل المؤمنين ، ولا أفلح في أن أكون قانونيا ويساريا مائة بالمائة .
هل أرضخ لتربيتنا البائسة ؟
أنا مع زيادة الضرائب للأنفاق على الفقراء ، وليأخذوا من أموال الضرائب ، لا من التسول بأشكاله.
لعلني مخطيء !
لعلني !
والتسول ومد اليد من صفات المجتمعات المتخلفة .
هذا هو الأمر ببساطة ، ووجدتني اليوم متخلفا ، مع احترامي للدكتور علاء وبرنامج الصباح من إذاعة النجاح .
13/3/2016
٩
روائيونا النقاد :
ما شاء الله عن بعض روائيينا . لا يكتفون بأن يفرخوا كل عام رواية .
غدوا أيضا نقادا محترفين . قسم منهم ذهب إلى السوربون ليثقف نفسه في النقد حتى يرد على ما يكتبه القراء عن رواياته .
لا أدري لماذا كلفوا أنفسهم بقضاء أربع سنوات هناك ما داموا يترفعون عن قراءة ما يكتبه النقاد عن رواياتهم .
ما شاء الله عن بعض روائيينا !
ما شاء الله!
يخزي العين .
صباح الخير أيها الروائيون الأفذاذ .
13 / 3 / 2017.
١٠
حول اعتماد برنامج الدكتوراه في قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية :
كثرت أسئلة طلبة الماجستير في الموضوع ، بخاصة ممن تخرجوا في قسم اللغة العربية في الجامعة .
أحيانا أتساءل :
" وما شأني في الأمر ؟ "
العام القادم أنهي أعمالي في الجامعة وعلي الحفاظ على ما تبقى من أعصابي .
شخصيا أرغب في التقاعد والمشي لكي أحرق فائض كمية السكر في دمي ، ثم يجب إعطاء الجيل الجديد فرصة للعمل .
أنا شخصيا اكتفيت من العمل الجامعي ، فسبعة وثلاثون عاما تكفي . هذا طبعا عدا ست سنوات في المدارس .
أتمنى للجامعة النجاح والازدهار .
13/3/2018
١١
الست كورونا وأفعى محمود درويش ٨ :
في ذروة الهلع والخوف العالميين ، حيث أغلقت المعابر والحدود وأوقفت مباريات كرة القدم في كثير من البلدان وأقفلت المطاعم والمقاهي أبوابها وتعطلت مصالح كثيرة وسكرت الجامعات والمدارس وألغيت المؤتمرات وتأجلت ، وفي ذكرى ميلاد الشاعر محمود درويش ٧٩ ويوم الثقافة الوطني ، تلح قصيدتا الشاعر " عابرون في كلام عابر " و " سيناريو جاهز " على ذهني .
" ولنا ما لكم من أرض وسماء "
و
" أنا وهو ،
خائفان معا
....
....
ماذا سيحدث لو أن أفعى
أطلت علينا هنا
من مشاهد هذا السيناريو
وفحت لتبتلع الخائفين معا
أنا وهو ؟ " .
والأفعى الآن تريد ابتلاع الجميع حتى مشاهد السيناريو .
الست كورونا أفعى أربكت الجميع وشلت الحياة والكل خائف .
صارت الكورونا تسبب هلعا اجتماعيا وسوء تفاهم ، وكلما التقينا مع معارف ترددنا في مصافحة الأيدي خوفا من ... !
لجميع من أعرف فإنني حين لا أمد يدي للمصافحة اعتبروا أن الفايروس يقبع فيها لا في أيديكم النظيفة العفيفة الطاهرة التي تتوضأ خمس مرات يوميا .
يبدو أنني سأفرض على نفسي حجرا منزليا كي لا أحرج نفسي وأحرج الآخرين .
في ذكرى ميلاد الشاعر ٧٩ وفي يوم الثقافة الوطني فإن القصص والإذاعات والتلفازات ونشرات الأخبار فيها كلها مخصصة من أجل عيون الست كورونا .
بلبقلها مقصوفة العمر !
١٣ آذار ٢٠٢٠
١٢
الفلسطيني في الرواية العربية : من فدائي إلى داعية إصلاحي .
المصري عز الدين فشير " عناق عند جسر بروكلين " .
عادل الاسطة
في روايته " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) يقترح د. اسحق موسى الحسيني على الزعيم وأتباعه ممن انحازوا إلى خيار السلاح للدفاع عن أحقيتهم في المأوى الذي أراد دجاج غريب طاريء السيطرة عليه ، يقترح على لسان الدجاجة الحكيمة ، عدم اللجوء إلى القوة ، فهي ليست حلا ، فما من قوي إلا سيبتلى بأقوى " ومن صرع بقوته يوما صرعته قوة غيره يوما آخر " وعليه فلا بد من نفوس مصلحة لإنقاذ العالم الذي يتردى في الشقاء " فالشرارة الصغيرة تحدث فيها نورا عظيما ، وكذلك النفس المصلحة التي تبعث في وسط الشقاء العالمي تحدث فيه نورا عظيما " وتطلب الدجاجة الحكيمة من الزعيم وأتباعه أن يكونوا تلك الشرارة الصغيرة " سيحوا في الأرض ، وتوزعوا بين الخلق ، وانشروا بينهم المثل العليا ، والمباديء السامية ." والدجاجة هذه واثقة بتطهير العالم أجمع من ضلالاته ، لا وطننا الصغير فحسب .
صدرت الرواية في العام ١٩٤٣ ، ولم يعجب اقتراح الدجاجة النقاد ، فقد هاجموها وكاتب مذكراتها ، فإن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ، ويجب أن تكون ديكا لا دجاجة ، واتهم عدد من الكتاب الفلسطينيين طروحات الكاتب بخيانة القضية ( كتب عبد الحميد يس " مذكرات ديك " ردا على الرواية ، و كتب فاروق وادي في " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " واتهم الكاتب بأنه يعبر عن طبقته البرجوازية ولم يجامل فاتهم الدجاجة وصاحبها بصراحة ) .
بعد سبعين عاما تقريبا يكتب الكاتب المصري عز الدين شكري فشير رواية " عناق عند جسر بروكلين " ( ٢٠١١ ) وسيقرأ المرء عن نماذج فلسطينية تذكره ، في رحلة حياتها ، برواية الحسيني وطروحاته .
من هو عز الدين شكري فشير ؟ ومن هو نموذجه الفلسطيني ؟ وما وجه الشبه بين دجاجة الحسيني والفلسطيني في رواية فشير ؟
فشير سياسي مصري بالدرجة الأولى ، ولد في الكويت في العام ١٩٦٦ ، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعات أميركية ، وله روايات عديدة ، وشغل مناصب عديدة منها منصب سفير أعلى بالسفارة المصرية في تل أبيب لمدة عامين . وهو في " عناق عند جسر بروكلين " ( ٢٠١١ ) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية ( بوكر ) يكتب عن عوالم يعرفها جيدا ، ( انظر مقالي في الأيام بتاريخ ١٩ شباط ٢٠١٢ ) ولفت نظري فيها كتابته عن أميركا وعن شخصية فلسطينية أقامت هناك ، وهي محور هذه الكتابة .
خلافا للشخصيات الأخرى التي ذكرت بالاسم يكتب المؤلف عن الفلسطيني تحت عنوان " عين جالوت " وهو عنوان له حمولاته المعرفية التاريخية الدالة التي تجسدها تحولات شخصية الفلسطيني في المتن الروائي .
الفلسطيني الذي يسرد بضمير الأنا ما أدرج تحت " عين جالوت " ( الصفحات ٩٥ - ١٠٨ ) هو لاجيء فلسطيني مقاتل ولد في مخيم وقتل أبوه في حرب ١٩٦٧ بالقنابل العنقودية ، وذبحت أمه في مجازر صبرا وشاتيلا في أيلول ١٩٨٢ ، ونجا هو من الذبح ، وكان للسلاح الأميركي المزودة به إسرائيل دور في القتل ، ما دفعه لأن يغزو أميركا ليحاربها من داخلها ، فالحرب بين الطرفين لا تنتهي " وهكذا نحن الاثنان ، متداخلان في هذا العناق المميت الذي يدمينا سويا ، ولنر من سيتحمل الألم أكثر " .
حارب هذا الفلسطيني في صفوف الثورة الفلسطينية وظل يحارب إلى أن اقتنع بلا جدوى مقارعة دولة إسرائيل التي كلما حاربناها هزمتنا ونحن لا نستطيع هزيمة أميركا ، ويجادل هذا الفلسطيني قيادته في هذا الأمر ، ولكنها ترى أن الأهم هو أن نظل نحارب ، لأننا لا ننهزم إلا إذا تركنا ميادين القتال ، وظل هذا الفدائي يتساءل عن جدوى حروب خاسرة ، وتوصل إلى أن النصر لن يتحقق إلا " حين ننقل المعركة إلى أرضكم أنتم " - أي إلى أميركا ، وهكذا يهاجر إلى هناك ، فقد قرر المجيء " إليكم في عقر داركم ، فمنذ أكثر من مائة عام وأنتم تقاتلونا على أرضنا ، وحان الوقت الذي ننقل فيه القتال إلى أرضكم ( هنا نتذكر مصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " وما قاله عن الصراع بين الشرق والغرب ، وما يفعله هو في الغرب ) . نحن داوود وأنتم جالوت الطاغية " وسيكون الفلسطيني في أميركا الطفل داوود الذي يدمي الجبار جالوت / جليات . هكذا يوظف الروائي الأسطورة التوراتية معكوسة ، وهو توظيف سبقه إليه الكاتب يعقوب الأطرش في بعض قصص كتبها عن الانتفاضة الأولى في ١٩٨٧ ( انظر دراستي " اليهود في القصة الفلسطينية القصيرة في الانتفاضة / مجلة جامعة النجاح ١٩٩٤ ) .
يتحول الفلسطيني من فدائي مقاتل ، وإن كان ذا خلفية إسلامية ، إلى داعية إسلامية ، وتتضخم لديه الأنا حتى إنه يعترف بأنه كان على علم مسبق بحادث تفجير البرجين في ١١ أيلول ٢٠٠١ ، وأن المعلومات التي يعرفها تفوق المعلومات التي لدى الجهات الأميركية الحاكمة " أنا الذي أعرف حقيقة ما حدث. أنا الذي أعرف الصورة الكاملة . أنا رقم صفر. أنا الرقم المكمل لأي رقم تعرفه ..... أنا الوحش الذي اغتبطت للهجوم ، وشعرت بموجة عارمة من التشفي ..." ويقص ما شاهده في قصف الطائرات الإسرائيلية لبيروت بلا رحمة ، فالناس الذين قتلوا لا قيمة لهم .
يتوصل هذا الفلسطيني إلى ما توصلت إليه دجاجة الحسيني الحكيمة :
" الآن أعظ بالقانون وعدم العنف . لا أحمل سلاحا ولا أدعو إليه، بل أتم الصلاة في مسجدنا الصغير ببروكلين ، وألقي دروس الفقه والسنة على من يريد الاستماع ، وأدبر للشباب منحا للدراسة ووظائف ، وزيجات صالحة ، لا أكثر من ذلك . لا أدرب أحدا على حمل السلاح، لا أعلم أحدا القتال ، بل لا أنصح أحدا به . كل ما أفعله هو تقوية هوية شبابنا ، وإعادته لجذوره ، وإبعاده عن السقوط في براثن الحضارة المادية .. " .
هل هذا هو حال الفدائيين الفلسطينيين الذين مالوا إلى الفكر الإسلامي ؟ وماذا عن حركتي الجهاد الإسلامي وحماس ؟
إن تحولات بعض المقاتلين الفلسطينيين إلى الفكر الإسلامي يظهر في روايات عربية منها رواية اللبناني الياس خوري " سينالكول " ، كما تحفل روايات عربية كثيرة بتحولات اليسار وتراجعه ، وهو ما يحتاج إلى وقفة .
هل يحضر فلسطينيون آخرون؟
في الرواية نقرأ عن مصري اسمه لقمان يفضل أن يبقى في القاهرة على الرغم من تحولاتها نحو الأسوأ :
" ما الذي يدفعني للبقاء في القاهرةرغم كراهيتي لما آلت إليه ؟ " .
ولقمان هذا هو طبيب مصري تزوج من ابنة المؤرخ درويش ليلى وخلف منها طفلة سماها سلمى ، ولكنه لا يوفق في حياته الزوجية . يتصادق مع هولندية ( ماريك ) ويتواصلان معا ولا يتزوجان ، فكل منهما يرفض التخلي عن بلاده مع أنه يدرك بؤس الحياة في العالم العربي ، وحين تقترح عليه أن يتزوجا ويقيما في نيويورك يرفض . الطبيب لقمان يعحب بالفلسطيني ادوارد سعيد دون أن يراه . إنه يشبهه شكلا وكأنه له والده الروحي ، وحين يزور نيويورك وتتاح له الفرصة للقائه يموت ادوارد سعيد ، فهل سيشارك في جنازته التي تقتصر على أفراد عائلة المتوفى ؟ أليس سعيد الأب الروحي للقمان ؟ ولأنه الابن الروحي لسعيد فإن ( ماريك ) تحثه على المشاركة في الجنازة . هنا نحن أمام فلسطيني مختلف ، وإن كان حضوره عابرا ومن خلال شخصية مصرية .
والسؤال هو ماذا عن الشخصيات الأخرى في الرواية وتحديدا الشخصيات المصرية ؟
ما الصورة التي يقدمها فشير للمصريين في روايته ؟
أتيت على شخصية لقمان ، ولكن الشخصية الأكثر أهمية هي شخصية د . درويش .
هنا أحيل إلى مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية المنشور بتاريخ ١٩شباط ٢٠٢٠ ، ولسوف اقتبس منه ما يخص شخصية درويش المصري المتأمرك .
" درويش هو مؤرخ مصري غير موفق في حياته الزوجية . حين يبلغ السبعين من عمره يصاب بسرطان الرئة ، وهكذا يقرر هجر شقته ليقيم في بيت أصغر حجما / مساحة .
كان درويش تزوج وخلف ولدين هما يوسف وليلى ، ولكنه لم يوفق مع زوجته ، وهكذا انفصل عنها وظل ولداه مشكلته التي لم يستطع أن يجد لها حلا ، فقد ظلا يؤرقانه ، وظلا يحولان بينه وبين نجاح علاقته مع جين الانجليزية ومع زوجته ريما وزوجته زينب ، وفي سنواته الخمس والعشرين الأخيرة أذعن للدنيا وعزف عن النساء ، وأدرك أنه قضى عمره واعظا ، ولهذا ، ربما فشل في حياته .
كان درويش معجبا بكتاب ألبرت حوراني " تاريخ الشعوب العربية " ، وكلما تعرف إلى واحدة من السابقات طلب منها أن تقرأ الكتاب المذكور علها تدرك حقيقة العرب ، وعل الفجوة بينه وبينها تضيق ، وهذا ما لم يتحقق ، فلقد مررن على الكتاب مرور الكرام ، وبعضهن لم يقرأنه ، وحين يرى الكتاب وهو يرتب مكتبته يقرر أن يضعه جانبا ، فهو كتاب مشؤوم وذكرياته أيضا مشؤومة :
" ماذا أفعل بهذا الكتاب ؟ ولماذا لا أستطيع أن أحمل نفسي على التخلص منه؟"
كان درويش أقام في مصر بعد دراسته الدكتوراه في لندن لمدة سبع سنوات ، ولكنه غادر مصر إذ اكتشف أن " السبع سنوات من التدريس لطلبة جهلاء لا يفهمون ولا رغبة لديهم في التعلم جعلته يغير رأيه " الذي شكله وهو في لندن ، وهو أن عليه أن يخدم بلده . وهكذا غادر مصر إلى نيويورك التي ناسبته ، وأخذ يدرس فيها . وحين أصابه اليأس من النساء سيطر عليه هاجس التدريس والبحث والكتابة وأصبح أكثر اهتماما بطلبته ، فقضى معهم وقتا أطول في الشرح والنقاش و .. و .. وهكذا أصبح درويش قبلة المؤرخين من أميركا الشمالية ، وحين كانت تأتيه عروض من بلده ليعود إليها كان يرفضها كلها ، فلم يكن " يرى أية فائدة في محاولة تغيير أي شيء " .
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية
١٥ آذار ٢٠٢٠ ، وهو هنا متوسع فيه .
١٣
ذاكرة أمس ١٨ : الأجواء متقلبة وصلاة الجمعة في الساحات
كان جو آذار أمس الجمعة متقلبا ، فبعد ليلة ماطرة باردة ، ذات رياح ، أشرقت الشمس إشراقا خجولا سمح للمصلين بأن يؤدوا صلاة الجمعة في الساحات ، كما في حديقة منزلي وساحتها ( لو نظف المصلون الساحة بعد صلاتهم لربما تضاعف الأجر ) .
الجلوس في البيت ، تلافيا للإصابة بالكورونا ، يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر ، وهكذا نحذر من وباء لنعاني من داء يفتك بالجسد ببطء . كأن لا يكفي الاحتلال والانقسام وفضول أبناء شعبنا الذي يحصي على المرء حركاته وسكناته ويجعل من الجميع حراسا للفضيلة ( جواسيس ) !! كأن لا يكفي ! ما شاء الله على شعبنا ! ما شاء الله ! فخطباء الجمعة والوعاظ غالبا ما يعزون أسباب هزيمتنا وسوء واقعنا إلى انحدارنا الأخلاقي ، مع أن عدد من يؤدون العبادات كبير وفي ازدياد ( شو يعني انحدارنا الأخلاقي ؟ ).
على الرغم من الجو المزاجي المتقلب ، مثل مزاجي كما ينعته المتخلفون ( أنا عقلاني بالدرجةالأولى ) ، إلا أنني لم أتخل عن المشي . لقد ذرعت شوارع في الحي مرتين ، وكانت خالية من المشاة والسيارات تقريبا ، وكانت الدكاكين مغلقة .
منذ صباح أمس وأنا أقرأ في ملاحظاتي على نسخة رواية الكاتب الجزائري محمد ديب " الدار الكبيرة والحريق والنول " الصادرة تباعا في ١٩٥٢ و ١٩٥٤ و ١٩٥٧ والتي ترجمها الدكتور السوري سامي الدروبي في ١٩٧٠ .
ربما قرأت القسم الرابع من الجزء الأول " الدار الكبيرة " خمس ست قراءات . لقد قرأتها قراءة دارس حقا لأكتب مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية عن دال الوطن . " فرنسا هي أمنا الوطن " كان الطلاب زمن الاستعمار يعلمون .
اليوم هو الثالث عشر من آذار وهو يوم الثقافة الوطنية ( هل هناك تعريف متفق عليه لمفهوم الثقافة الوطنية ؟ ) ويصادف الذكرى الثمانين لميلاد الشاعر محمود درويش الذي تعلم كل الكلام وفككه ليكتب كلمة " وطن " ( ماذا تعني كلمة الوطن ؟ ) .
وأمس زارني صديق قديم ودار حديثنا عن الست كورونا ، والحكايات كثيرة والآراء كثيرة والاجتهادات كذلك .
أمس قرأت أيضا ما كنت كتبته عن قصيدة بدر شاكر السياب " قافلة الضياع " وفيها سطر شعري نصه :
" هذا لكل اللاجئين ، وكل هذا لليهود "
وكان نصيب دولة إسرائيل من اللقاحات مثل نصيبها من مجموع أرض فلسطين ، ونصيب الفلسطينيين من اللقاحات مثل نصيبهم من أرض وطنهم التاريخي ، وتلك قسمة ضيزى .
أي والله !!
١٣ آذار ٢٠٢١ .
١٤
كتب شكلت ثقافتي :
كان لكتب السلاسل المصرية أثر كبير في تشكيل ثقافتي ومكتبتي . كنت أشتري الكتاب ببضعة قروش من بسطات الكتب في الشوارع أو من مكتبة المحتسب أو المكتبة الأموية في وسط عمان أو من وكالة التوزيع الأردنية في الدوار الأول من جبل عمان .
وأنا أبحث عن قائل كلمات اغنية كارول سماحة " ستنتهي الحرب " عدت إلى هذا الكتاب وإلى كتب أخرى صدرت في ٧٠ القرن ٢٠ ، وبدلا من أن أعثر على الأسطر وجدت سطرا بحثت عنه قبل فترة عبثا .
" والأدب العظيم هو دائما وأبدا أدب سياسي "
ولسوف أعود لأكتب مساء عن هذا السطر .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٣
١٥
.الأدب السياسي :
أزعم أنني كتبت نصي أدب سياسي هما " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ و " الوطن عندما يخون " ١٩٩٦ ، وكتبت الجزء الأول من النص الثاني " تداعيات ضمير المخاطب " عن تجربة فلسطيني في ألمانيا ولم تحضر السياسة الا في بضع صفحات منه .
في أثناء الجدل مع بعض كتابنا عرفت منهم أنهم يعزفون عن قراءة هذا اللون من الأدب ، ومرة ناولت نسخة من مجموعة قصص الألمانية ( آنا زيغرز ) " المخربون " لأحد كتاب القصة القصيرة فأبى أن يأخذها باعتبارها من أدب المقاومة الذي لا يميل إليه . ( ترجم القصص الدكتور السوري عبده عبود وصدرت في بيروت عن دار الفارابي في ١٩٨١ Abdo Abboud )
عبثا حاولت يومها أن أعثر على الجملة الآتية التي كنت قرأتها في بداية اهتمامي بالأدب :
" الأدب العظيم هو دائما وابدا أدب سياسي " ، وقد عثرت عليها مؤخرا في حمى بحثي عن قائل الأسطر التي غنتها كارول سماحة على أنها لمحمود درويش :
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة ... " .
صاحب الرأي هو شاعر ألماني مشهور توفي قبل فترة وجيزة وهو ( هانز أنز نسبرجر ) .
كنت صباحا أشرت إلى كتاب غالي شكري " صراع الأجيال في الأدب المعاصر " ١٩٧١ .
لعلني أعود في قادم الأيام إلى قصة " المأوى " لآنا زيغرز .
١٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ .
١٦
صباح اليوم ( ١٥٩ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" حالتنا العبثية السيزيفية : مطاعم وكالة غوث اللاجئين "
ولدت ابنة عمي في خيمة وبعد أربعة وسبعين عاما تعود لتعيش في خيمة أيضا . كأن حياتنا قصيدة دائرية الشكل . من رحم الأم الصغرى إلى رحم الأم الكبرى ، وكلما رفعنا الصخرة إلى أعلى الجبل واقتربنا من قمة الجبل وقلنا : استقررنا ، حكمت علينا آلهة تل أبيب وواشنطن ومن سار في ركابهما بأن نعود إلى البداية . دحرجت الصخرة وطلبت منا أن نحملها ثانية . أسطورة سيزيفية . كأنما هي مسرحية " الباب " .
ما الذي ذكرني بما سبق وقد كنت كتبته عشرين مرة ؟
وأنا أشاهد لقطات مما تبثه الفضائيات أو مما يدرجه بعض الناشطين من أشرطة فيديو لأحوال لاجئي شمال قطاع غزة الجدد ، في جنوبه ، وكيف يقضون أيام رمضان الأولى ، تذكرت طفولتنا في ستينيات القرن ٢٠ في مخيمات اللجوء ، وقد كتب عنها عديدون وآخر ما قرأته مما كتب هو ما ورد في رواية يحيى السسنوار " الشوك والقرنفل " ( ٢٠٠٤ ) عن طفولة سارده في مخيم الشاطيء المولود في ١٩٦٢ ، سارده الذي استشهد عمه في حرب حزيران ١٩٦٧ ، وفقد أبوه في الفترة نفسها ، فرعاه جده ووكالة الغوث ومنحته بطاقة " طعمة ":.
لشدة فقر أحمد ولسوء حالته الصحية ، بسبب الفقر ، منحته وكالة الغوث بطاقة خاصة تمنحها للأطفال سييء التغذية ، فصار يذهب إلى مطعم الوكالة يوميا ، ليحصل على وجبة خاصة .
ولمن لم يعرف مطاعم وكالة غوث اللاجئين ، فإنها غالبا ما كانت صالة طويلة فيها طاولات يوضع الطعام عليها ويجلس مرتادوها على بنوك يلتهمون وجباتهم ويمنعون من أخذها معهم .
المشاهد التي شاهدتها أمس للاجئي غزة في الخيام ، وهم يتناولون طعام السحور ، أعادتني إلى تلك المطاعم . كأننا لا رحنا ولا جينا ، وها هي دورة حياة الفلسطينيين تعود إلى بداياتها .
أعتقد أنه لن يخفف من وقع الألم إلا إن صحونا على خبر كنس الإسرائيليين من القطاع ، أو أن يحدث في فلسطين ما حدث في أوروبا في العام ١٩٩٠ - أي سقوط الجدران ، أو في جنوب أفريقيا - أي انتهاء المعازل العنصرية ، وعودة اللاجئين . هل أحلم ؟ ربما !
١٣ / ٣ / ٢٠٢٤
١٧
أسعد الأسعد و " دروب المراثي " :
أمس تذكرت رواية الكاتب أسعد الأسعد " دروب المراثي " ( ٢٠٢٠ ) وأمس تساءلت إن كانت رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ( ٢٠١٤ ) من قراءاته .
الرواية التي كتبت عنها ( الأيام الفلسطينية ٢٨ / ٢ / ٢٠٢١ ) ، ولم أكن يومها قرأت " سفر الاختفاء " ، تقوم أيضا على فكرة الاختفاء ؛ لا اختفاء الفلسطينيين وحسب ، بل اختفاء اليهود أيضا ، ولا يبقى إلا مراد الفلسطيني وراحيل اليهودية .
يجب الحفر .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٤
تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية : أسعد الأسعد في " دروب المراثي " .
١٨
حول تدمير قطاع غزة ومحوه وتهجير أهله . حلم رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق .
حول رواية ابتسام عازم " سر الاختفاء " ٢٠١٤ .
الاختفاء ومحو الآخر في الأدب الفلسطيني ....
- حبيبي ومدينة النحاس ومستوطنة زخرون يعقوب.
- أكرم هنية قصة " بعد الحصار.. قبل الشمس بقليل " ١٩٧٩ .
- إبراهيم نصرالله " حارس المدينة الضائعة " ١٩٩٨.
- أسعد الأسعد " دروب المراثي " ٢٠٢٠ .
- غولدا مائير : لا يوجد شعب فلسطيني .
- إيلان بابيه في كتابه التطهير العرقي عن حيفا والعرب الباقين وبن غوريون .
١٩
خمسة عقود من الكتابة :
لأسعد الأسعد الشاعر والروائي ، عدا كتابته الإبداعية ، دور لافت في حركتنا الأدبية ، فقد كانت مكتبته " دار الشروق " محجا للأدباء من جيلي يعتمدون عليها ، ولم يقتصر دوره عليها ، فعدا إسهامه في تحرير مجلة " البيادر " أصدر مجلة " الكاتب " ثم جريدة " البلاد " وأتاح لنا فرصة النشر على صفحاتها فتشجعنا على مواصلة الكتابة والاستمرار فيها . ولا يمكن الكتابة عن الثقافة الوطنية الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن ٢٠ دون ذكر اسمه . إنه ليس شاهدا مهما على الحركة الأدبية في تلك الفترة وحسب ، بل ومشارك فيها بفعالية " .
نابلس ١٣ / ٣ / ٢٠٢٤ .
أسماء اقترحها :
أحمد حرب .
أكرم هنية
٢٠
٧ أكتوبر في رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ٢٠١٤ :
" ما معنى أن يكتب البعض " لن نسكت بعد اليوم " ؟ هل يعني هذا أن الفلسطينيين سيستخدمون القوة لتحقيق مطالبهم في البلاد ؟ هل اتحدوا جميعا وخططوا لشيء وكانوا بهذا الدهاء بحيث غافلوا القوات الأمنية ؟ هل تمكنوا من خرق جدار الأمن بهذه السهولة ؟ أم أن الأمر معاكس تماما لهذا التصور ووقع الجميع ضحايا تخطيط دهائي من جهة أخرى أدى إلى التخلص منهم ؟"
( صفحة ١٥٥ ) .
٢١
بين سيرة الكاتب عبدالله إبراهيم وسيرة إبراهيم نصرالله الروائية " طفولتي حتى الآن " :
أصدر عبدالله إبراهيم سيرته " أمواج " في العام ٢٠١٧ وإبراهيم نصرالله سيرته الروائية " طفولتي حتى الآن " في العام ٢٠٢٢ ، وكلا الكاتبين فاجأني بمعلومات ما خطرت ببالي ولا كنت أتوقعها أهمها الكتابة في سن مبكرة جدا واحتفاظ كليهما بدفاتر كتابتهما . مؤخرا أدرج إبراهيم نصرالله في صفحته صورة دفتر من دفاتر مدارس وكالة غوث اللاجئين كتب على صفحاته روايته الأولى ، وأمس وأنا أقرأ في سيرة عبدالله إبراهيم لفتت الفقرتان الآتيتان انتباهي ، وقد أشار في ندوته إلى فحواهما :
"وحينما قرأت " اعترافات " روسو ادعيت بأن لي حياة سرية أكثر غنى من حياته ، وانني في سبيلي للإدلاء باعترافاتي المذهلة . انطباعاتي كانت جزءا من شعوري بالمبالغة والمباهاة والمحاكاة . كنت اضفي قيمة على الأشياء لأبرز أهميتي " ( ص ٧٢ )
" بسطت الايديولوجية الشمولية نفوذها على المجتمع بالتدريج خلال تلك السنوات ، وبخاصة الشباب المنبهرون بالزهو العام الذي أشاعه الإعلام ، ولم يكونوا على معرفة بالأفكار المخالفة . ولم اشذ أنا عن الجموع في الظاهر ، لكنني كنت منشقا في داخلي . وحينما بدأت في ترتيب أحداث هذه الفترة من سيرتي ، استنادا إلى يومياتي ، وجدت أنني سجلت فيها يوم الجمعة ٢١ / ١ / ١٩٧٧ النص الآتي المعبر عما كنت عليه وأنا في السنة الأخيرة من دراستي الثانوية : " ليس بالمستطاع مطلقا التوفيق بين ثورة هذه الروح الفوضوية ، وجمود الانتماء والالتزام " .( ص ٧٨ و ٧٩ ) .
عندما بدأت أكتب كنت في الثانية والعشرين وكنت أنهيت البكالوريوس في الأدب العربي وأول مقال نشرته كان عن رواية يحيى يخلف " نجران تحت الصفر " ، وقد نشر في مجلة " البيادر " في العام ١٩٧٦ . يومها بدأت أكتب مقالات عادية في جريدة الفجر ، وكان مراسلها في نابلس السيد منذر التيتي ( أبو سليم ) وكان محله على دوار المدينة وأظن أنه كان يببع النظارات أو الساعات .
١٣ / ٣ / ٢٠٢٥ .
٢٢
السوق التجاري :
تبدو الحركة التجارية اليوم في نابلس نشطة ، ولم يقتصر نشاطها على الخضروات والفواكه والحلويات ، ونشاط هذه عادة ما يبدأ في النصف الثاني من النهار ، وإنما تلحظه إن دبت رجلك في المركز التجاري / السوق التجاري وملاحظة محلات الزاوياني ومن فيها .
قبل أيام كنت أمر في السوق وأنظر في المحلات فلا أرى سوى الباعة . اليوم رأيت الباعة ورأيت الزبائن ، ويبدو أن النسوة بدأن يتبضعن من أجل العيد ، وما يساعد على خروجهن من المنزل أجواء اذار التي تنبيء بصيف مبكر ، علما بأن نسبة هطول الأمطار في هذا الشتاء لم تتجاوز ال ٥٥ بالمائة من المعدل السنوي ، وان لم تمطر في بقية الشهر وفي شهري نيسان وايار فمعنى ذلك أن المدينة ستعاني ، في فصلي الصيف والخريف القادمين ، من أزمة مياه ، وهذا ما لا نتمناه ، ولكن ما زال هناك أمل بهطول كميات من الأمطار في نيسان وايار وهو ما خبرناه وعرفناه في سنوات سابقة .
الجو صاف والأجواء ربيعية وليس لنا إلا أن ننصاع إلى سعاد حسني وطلبها :
" الدنيا ربيع والجو بديع ... قفل على كل المواضيع "
ولكن هل يستطيع السواقون ، وهم يقودون سياراتهم في شوارع المدينة ، من شارع فيصل حتى رفيديا ، أن يستجيبوا ، مثلنا ، لها ؟
ذكرني ما كتبه الدكتور عبدالله ابراهيم في سيرته الذاتية " أمواج : سيرة عراقية " عن الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) وروايته " مائة عام من العزلة " بما كتبه الناقد الفلسطيني فيصل دراج عن قصة يحيى يخلف " تلك المرأة الوردة " وما كتبه لاحقا عن أدب الكاتب نفسه في كتاب " بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية " ، ولعلني غدا صباحا أخربش حول الموضوع لكي أضيئه ، وكنت كتبت عنه في دراسة لي مطولة عنوانها " فيصل دراج ويحيى يخلف " دون أن أربط ما قام به دراج بما كتبه إبراهيم عن ماركيز .
نعيش ونتعلم وتغتني تجاربنا .
Adel Al-osta
١٣ / ٣ / ٢٠٢٥ .
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
١٣ / ٣ / ٢٠٢٦