سمية زكي البطاط - الذاكرة بين اللعنة والإبداع

ذاكرتنا ليست ماضينا، بل هي الشخص الذي أصبحنا عليه، هي المرجل الذي أنتجنا وقدمنا للعالم، أو قدمنا نحن أنفسنا من خلاله ذاكرتنا لهذا العالم، ولكن هل نحن راضون عن النسخة التي قدمناها للعالم عن أنفسنا؟ هل كان الماضي محركًا جيدًا لإنسانيتنا مهما بلغ من قسوة؟ أم هو ليس سوى دافعٍ خفيٍّ وخزينٍ يجعل ما فينا ينضح باستنساخ غير مقصود.
في الطبقات الصامتة من الوعي، تتشكل دوافعنا اليومية، وتُرسم خطوط حياتنا، وحتى أبسط تصرفاتنا التي نظن أنها عفوية، وفي حقيقة الأمر لا وجود للعفوية بكل الأحوال، لأن ماضينا ليس مجرد سجلٍّ للأحداث، وليس مستودعًا للأيام التي مضت كما نظن. إنه أكثر من ذلك بكثير؛ إنه البنية الخفية التي يعاد فيها تشكيلنا مرةً بعد مرة.
نحن لا نحمل ذاكرتنا فقط، بل نحمل الطريقة التي أعادت بها ذاكرتنا تشكيلنا.
من ذاكرتنا تتكون أخلاقنا، وتتبلور ثقافتنا، وترسم حدود خوفنا وجرأتنا، وتتشكل علاقتنا بالعالم.
إنها ليست ما نتذكره فحسب، بل ما أصبحناه بسبب ما نتذكره.
من الضروري أن نعلم، وبيقين، أن الذاكرة ليست حيادية كما نتصور، إنها قوة عميقة التأثير في تشكيل الشخصية الإنسانية، في طريقة فهمها للحياة، وفي نظرتها إلى الآخرين.
لكن السؤال الأكثر قسوة يظل حاضرًا:
"ماذا يحدث عندما تكون هذه الذاكرة مثقلة بالعنف؟"
ماذا يحدث عندما يمتلئ أرشيف ذاكرتنا بالحروب، والإقصاء، والخوف، والصمت القسري، والعقاب، والحرمان، والخيانة، والاضطرابات الاجتماعية؟
عندما يتحول الماضي إلى سلسلة طويلة من الندوب التي لم يُتح لها أن تلتئم؟
في مثل هذه الحالات لا تعود الذاكرة مجرد ماضٍ محفوظ، بل تتحول إلى قوة خفية تعيد إنتاج الألم بطرق متعددة.
"العنف الذي يسكن الذاكرة لا يبقى في الماضي"، بل يتسلل إلى الحاضر في هيئة شكوك، أو قسوة، أو خوفٍ دائم من العالم.
فالإنسان الذي نشأ في ذاكرة مليئة بالتهديد يرى العالم، في الغالب، مكانًا أقل أمانًا مما يراه الآخرون.
والإنسان الذي خبر الإقصاء مبكرًا قد يقف طوال حياته على حافة الانتماء، حتى لو أحاطته الجموع.
إن الذاكرة لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ أيضًا الإحساس الذي رافقها، ولهذا قد تمر سنوات طويلة على حادثة ما، ومع ذلك يبقى الشعور الذي تركته حيًا في أعماق الإنسان.
نحن لا نتذكر ما حدث فحسب، بل نتذكر كيف غير ما حدث مشاعرنا تجاه الحياة والناس والأحداث، كيف أصبحنا على ما نحن عليه، ربما أصبحنا قساة، ربما بلا عاطفة، أو أفقدتنا الأحداث الجسيمة لطافتنا..
ومن هنا يبدأ التعقيد الحقيقي للذاكرة الإنسانية.
فبعض الناس يعيشون حياتهم وهم يحاولون الهروب من ذاكرتهم،
بينما يعيش آخرون حياتهم وهم يعيدون تمثيلها بلا مشاعر، غير أن الوجه الآخر للذاكرة لا يقل عمقًا وإثارة..
ولكن: ماذا عن الإنسان الذي يحمل ذاكرةً أكثر توازنًا؟
ذاكرة فيها مساحة للطمأنينة، وفيها قدر من العاطفة الإنسانية، وفيها لحظات حقيقية من السلام؟ مثل هذه الذاكرة لا تجعل الحياة خالية من الألم، لكنها على الأقل تمنح الإنسان قدرة مختلفة على التعامل مع الحياة، تمنحه قدرة على الفهم بدل الغضب، وعلى التعاطف بدل القسوة، وعلى تحويل التجربة إلى معنى بدل أن تتحول إلى جروح مفتوحة.
وهنا يظهر الفرق الدقيق بين ذاكرة تلعن صاحبها، وذاكرة فيها مساحة للتسامح.
قد تتحول إلى عبء ثقيل يشد الإنسان إلى الوراء، وقد تتحول إلى مادة خام للوعي والإبداع.
كثير من الأفكار العظيمة، وكثير من الأعمال الأدبية والفنية، لم تولد من حياة خالية من الألم، بل من ذاكرة امتلأت بالتجارب العميقة.
لكن الفرق لم يكن في الألم ذاته، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ألمه وفهمه وصياغته.
البعض يظل أسيرًا لما حدث له، بينما ينجح آخر، ولو على نحو نادر، ينجح في تحويل الألم والقسوة والعنف والحرمان إلى معرفة أعمق بالإنسانية والحياة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الذاكرة التي قد تكون لعنة على بعض البشر، وقد تكون في الوقت نفسه مصدر إبداع عند آخرين.
فالألم حين يُفهم يتحول إلى حكمة، والتجربة حين تُستوعب تتحول إلى بصيرة. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في حياة الإنسان: ماذا حدث لنا؟
بل السؤال الأكثر عمقًا: ماذا سنفعل بما حدث لنا؟
فالذاكرة ليست قدرًا جامدًا يُفرض علينا، بل مادة إنسانية معقدة يمكن أن تتحول مع الوعي إلى فهم أعمق للحياة.
وفي تلك المسافة الدقيقة بين الجرح والمعنى، بين الذاكرة والوعي، تولد أحيانًا أكثر الأفكار صدقًا، وأكثر أشكال الإبداع إنسانية، فليس كل من حمل ذاكرة ثقيلة صار أسيرها، كما أن ليس كل من عاش بسلام استطاع أن يفهم الحياة. إن الذاكرة في النهاية ليست مجرد ماضٍ نحمله…
بل مستقبل خفي نصنعه كل يوم بالطريقة التي نفهم بها ما حدث لنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى