أولا وقبل كل شيءٍ، القرآن لا يُقرأُ ولا يُحفَظ بدون تدبُّرِ ما تحمِله آياتّه من معاني وحِكمٍ. والقرآن الكريمُ موجَّه، في الماضي والحاضر والمستقبل، للبشرية جمعاء، أي لجميع الناس الذين متَّعهم اللهُ، سبحانه وتعالى، بعقولٍ تميِّزهم عن جميع الكائنات الحيوانِية الحية الأخرى. وهذه العقول مرَّت عليها ما يفوق 14 قرنا من الزمان لتكتسِبَ ما يكفي من النُّضج الفكري وتَّجارِب الحياة لتتدبَّر آيات القرآن الكريم. وتدبُّر آيات القرآن الكريم، هو إدراكُ وفهمُ ما أراد، سبحانه وتعالى، أن يبلِّغه للناس جميعا عبر الأنبياء والرسل.
إذن، تدبُّر آيات القرآن الكريم مفتوح للجميع ويتطلَّب نشاطاً فِكريا قد يختلِف من شخصٍ إلى آخرَ، بحكم عوامِل بيولوجية، ثقافية واجتماعية. وهذا يعني أن طرقَ التَّفكير في الأمور الدينية، قد تكون مُتقاربة rapprochées، لكنها ليست مُتشابِهة identiques.
ولهذا، ما دام القرآن الكريم موجَّهاً لجميع الناس، وما دام كل شخصٍ يتميَّز عن الناس الآخرين بانفرادِه بطريقة التفكير، فإن تدبُّرَ القرآن، أي فهمُه وإدراكُ معاني آياته، يكون شخصياً.
بعد هذه التَّوضيحات حول تدبُّر القرآن الكريم، سأعود لعنوان هذه المقالة، أي "تدبُّرُ القرآن الكريم بواسطة عقول الغير"، لأُبيِّنَ للقارئ لماذا اخترتُ هذا العنوانَ، بهذه الصيغة. المقصود من هذا العنوان، هو أن جلَّ الناسِ المسلمين، هم مُسلِمون بالتَّوارث، أي وجدوا آباءَهم وأمهاتِهم مسلمين، فورثوا عنهم التَّديُّن بالدين الإسلامي إن لم نقل، هم مسلمون بتقليد هذا التَّديُّن الصادر عن هؤلاء الآباء والأمهات. وبالتالي، إن إسلامَهم أو تديُّنَهم لا يعتمِد على تدبُّر شخصي لِما جاء به القرآن الكريم في هذا الشأن، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يدعو جميعَ الناس (البشرية برمَّتِها) إلى تدبُّر آيات هذا القرآن.
هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، كثيرٌ من المسلمين، عوض أن يتدبَّروا آيات القرآن الكريم بأنفسِهم، فإنهم، في غالبيتِهم العظمى، يعتمِدون على ما تركه لنا علماءّ وفقهاءُ الدين، القدامى والحاليون الذين ساروا على نعجِهم، من تُراث إسلامي، قرآناً وسُنَّةً.
وحسب ما يُروِّجه علماء وفقهاء الدين، كل فردٍ حاول أن يتدبَّرَ آياتِ القرآن الكريم بنفسه، يُقال له أو يسمع هنا وهناك : "التَّدبُّر من اختصاص علماء وفقهاء ألدين" أو لستَ مؤهَّلاً للقيام بهذا التَّدبُّر".
إن دلَّ هذا السلوك أو هذا التَّصرُّف على شيء، إنما يدلُّ على أن تدبُّرَ آيات القرآن الكريم ممنوعٌ على الأفراد ومُتاحٌ، فقط، لعلماء وفقهاء الدين. وهذا الأمر مُخالِفٌ لما نص عليه القرآن الكريم، على الأقل، في آيتين رقم 29 من سورة ص و 24 من سورة محمد، أي : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (29) و"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (24).
وهذا يعني أن علاقةَ الفردِ بالله أو تقرُّبُه منه، من المفروض، أن تمرَّ عبر عالِمِ أو فقيهِ ألدين الذي يُفترضُ، أكثر من غيره، أن يقومَ بتدبُّر آيات القرآن الكريم. وهذا هو ما أسمِّيه أنا، شخصيا، "تدبُّرُ آياتِ القرآن الكريم بواسطة عقول الغير"، علماً أن هذه العقول (عقول علماء وفقهاء الدين) ربطت التَّدبُّرَ بقواعد نحوية وبلاغية معقَّدة، من اختراعِهم وبما يُسمُّونه "الناسخ والمنسوخ".
وبعبارة أخرى، عندما يريد فردٌ من الأفراد المسلمين أن يفهم ويدرك ما أراد الله، سبحانه وتعالى، أن يُبلِّغَه للناس، عليه أن يجعلَ بينه وبين الله وسطاء يدَّعون أن وسطاتَهم، هي الموثوق بها، وعلى كل مسلمٍ أن يتبنَّاها حتى يكونَ تقرُّبُه من الله نافِعاً ومُفيداً. وهذا يعني أن التقرُّب من الله، من خلال تدبُّر آياتِ القرآن الكريم، يحتاج إلى كهنوت clergé.
وأكثر من هذا وذاك، عوض أن يكون تدبُّر القرآن، من طرَف الأفراد، بمثابة هداية وموعظة وتقوية للإيمان، فإن الكهنوت، أي علماء وفقهاء الدين، أضافوا له إنتاجَهم الفكري المُتمثِّل في القواعد والفتاوى والمحرمات والنواهي التي لا وجود لها في هذا القرآن.
وما يزيد في الطين بلَّة، أن الكهنوتَ يُثمِّنون حفظةَ القرآن ويَنهَلون عليهم بالمديح والتُقدير إلى أن أصبح كثيرٌ من الناس يحفظون القرآن عن ظهر قلبٍ لكن بدون تدبُّر لآياتِه. بل إن كثيراً من هؤلاء الحفَظَة لا يقرأون ما حفظته ذاكِرتُهم من القرآن إلا في مناسبات حزينة كقراءته على القبور أو عند وفاة شخصٍ من الأشخاص أو عند وقوع كارثة من الكوارث.
وفي الختام، تدبُّر آيات القرآن الكريم، بواسِطة عقول الغير، هو نوعٌ من مُصادرة confiscation إرادةِ الأفرادِ من التَّقرُّب من الله، من خلال تدبُّر آياتِه. وما لم ينتبه إليه هؤلاء العلماء والفقهاء، هو أن التراثَ الديني الذي يفتخِرون به، ليس إلا إنتاجٌ فكري، وكباقي الإنتاجات الفكرية التي أنتجها الفكرُ البشري، عبر العصور، قابل للنَّقد la critique والتّغيير، حسب ما يفرِضه الواقع من تقلبات transformations.
إذن، تدبُّر آيات القرآن الكريم مفتوح للجميع ويتطلَّب نشاطاً فِكريا قد يختلِف من شخصٍ إلى آخرَ، بحكم عوامِل بيولوجية، ثقافية واجتماعية. وهذا يعني أن طرقَ التَّفكير في الأمور الدينية، قد تكون مُتقاربة rapprochées، لكنها ليست مُتشابِهة identiques.
ولهذا، ما دام القرآن الكريم موجَّهاً لجميع الناس، وما دام كل شخصٍ يتميَّز عن الناس الآخرين بانفرادِه بطريقة التفكير، فإن تدبُّرَ القرآن، أي فهمُه وإدراكُ معاني آياته، يكون شخصياً.
بعد هذه التَّوضيحات حول تدبُّر القرآن الكريم، سأعود لعنوان هذه المقالة، أي "تدبُّرُ القرآن الكريم بواسطة عقول الغير"، لأُبيِّنَ للقارئ لماذا اخترتُ هذا العنوانَ، بهذه الصيغة. المقصود من هذا العنوان، هو أن جلَّ الناسِ المسلمين، هم مُسلِمون بالتَّوارث، أي وجدوا آباءَهم وأمهاتِهم مسلمين، فورثوا عنهم التَّديُّن بالدين الإسلامي إن لم نقل، هم مسلمون بتقليد هذا التَّديُّن الصادر عن هؤلاء الآباء والأمهات. وبالتالي، إن إسلامَهم أو تديُّنَهم لا يعتمِد على تدبُّر شخصي لِما جاء به القرآن الكريم في هذا الشأن، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يدعو جميعَ الناس (البشرية برمَّتِها) إلى تدبُّر آيات هذا القرآن.
هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، كثيرٌ من المسلمين، عوض أن يتدبَّروا آيات القرآن الكريم بأنفسِهم، فإنهم، في غالبيتِهم العظمى، يعتمِدون على ما تركه لنا علماءّ وفقهاءُ الدين، القدامى والحاليون الذين ساروا على نعجِهم، من تُراث إسلامي، قرآناً وسُنَّةً.
وحسب ما يُروِّجه علماء وفقهاء الدين، كل فردٍ حاول أن يتدبَّرَ آياتِ القرآن الكريم بنفسه، يُقال له أو يسمع هنا وهناك : "التَّدبُّر من اختصاص علماء وفقهاء ألدين" أو لستَ مؤهَّلاً للقيام بهذا التَّدبُّر".
إن دلَّ هذا السلوك أو هذا التَّصرُّف على شيء، إنما يدلُّ على أن تدبُّرَ آيات القرآن الكريم ممنوعٌ على الأفراد ومُتاحٌ، فقط، لعلماء وفقهاء الدين. وهذا الأمر مُخالِفٌ لما نص عليه القرآن الكريم، على الأقل، في آيتين رقم 29 من سورة ص و 24 من سورة محمد، أي : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (29) و"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (24).
وهذا يعني أن علاقةَ الفردِ بالله أو تقرُّبُه منه، من المفروض، أن تمرَّ عبر عالِمِ أو فقيهِ ألدين الذي يُفترضُ، أكثر من غيره، أن يقومَ بتدبُّر آيات القرآن الكريم. وهذا هو ما أسمِّيه أنا، شخصيا، "تدبُّرُ آياتِ القرآن الكريم بواسطة عقول الغير"، علماً أن هذه العقول (عقول علماء وفقهاء الدين) ربطت التَّدبُّرَ بقواعد نحوية وبلاغية معقَّدة، من اختراعِهم وبما يُسمُّونه "الناسخ والمنسوخ".
وبعبارة أخرى، عندما يريد فردٌ من الأفراد المسلمين أن يفهم ويدرك ما أراد الله، سبحانه وتعالى، أن يُبلِّغَه للناس، عليه أن يجعلَ بينه وبين الله وسطاء يدَّعون أن وسطاتَهم، هي الموثوق بها، وعلى كل مسلمٍ أن يتبنَّاها حتى يكونَ تقرُّبُه من الله نافِعاً ومُفيداً. وهذا يعني أن التقرُّب من الله، من خلال تدبُّر آياتِ القرآن الكريم، يحتاج إلى كهنوت clergé.
وأكثر من هذا وذاك، عوض أن يكون تدبُّر القرآن، من طرَف الأفراد، بمثابة هداية وموعظة وتقوية للإيمان، فإن الكهنوت، أي علماء وفقهاء الدين، أضافوا له إنتاجَهم الفكري المُتمثِّل في القواعد والفتاوى والمحرمات والنواهي التي لا وجود لها في هذا القرآن.
وما يزيد في الطين بلَّة، أن الكهنوتَ يُثمِّنون حفظةَ القرآن ويَنهَلون عليهم بالمديح والتُقدير إلى أن أصبح كثيرٌ من الناس يحفظون القرآن عن ظهر قلبٍ لكن بدون تدبُّر لآياتِه. بل إن كثيراً من هؤلاء الحفَظَة لا يقرأون ما حفظته ذاكِرتُهم من القرآن إلا في مناسبات حزينة كقراءته على القبور أو عند وفاة شخصٍ من الأشخاص أو عند وقوع كارثة من الكوارث.
وفي الختام، تدبُّر آيات القرآن الكريم، بواسِطة عقول الغير، هو نوعٌ من مُصادرة confiscation إرادةِ الأفرادِ من التَّقرُّب من الله، من خلال تدبُّر آياتِه. وما لم ينتبه إليه هؤلاء العلماء والفقهاء، هو أن التراثَ الديني الذي يفتخِرون به، ليس إلا إنتاجٌ فكري، وكباقي الإنتاجات الفكرية التي أنتجها الفكرُ البشري، عبر العصور، قابل للنَّقد la critique والتّغيير، حسب ما يفرِضه الواقع من تقلبات transformations.