أ. د. عادل الأسطة - من مفكرة ١٤ آذار ٢٠٢٣ :

ذاكرة البلاد .. ذاكرة الطفولة وذاكرة خالتي :

أمس وأنا أعود خالتي أم محمد مطمئنا على صحتها ولكي أهنئها بالسلامة التقيت بخالتي أم سعيد التي لم أرها منذ مدة .
ونحن نتجاذب أطراف الحديث حضرت يافا وذكرياتها وحضرت النكبة والخروج .
كانت خالتي أم سعيد في التاسعة من عمرها يوم أجبر أهل يافا على مغادرتها بالحديد والنار والترهيب ووعود ، الله يعلم مصدرها ، تطلب من اليافاويين الخروج لمدة أسبوع حتى يتم القضاء على العصابات الصهيونية ويعود اليافاويون آمنين إلى بيوتهم مطمئنين .
كان جدي الذي سكن في المنشية قبل أن يقيم في حي النزهة منجدا ، وفي يوم الخروج كان عائدا إلى بيته يحمل بيديه بطيختين والجندي الإنجليزي ينظر إليه وإلى بناته ينتظرنه و ... .
ما زالت خالتي تتذكر جيدا المدرسة التي تعلمت فيها وتتذكر ذهابها مع أهلها إلى الشط وأمي التي لم يرسلها أبوها إلى المدرسة لتساعد أمها في شؤون المنزل ، فقد كان ترتيب أمي الثالثة وكانت الأولى والثانية تزوجتا .
في أثناء الخروج في شاحنة أبي الذي لم يكن بعد تزوج من أمي قبع خمسة وعشرون شخصا ، وجدي الذي وضع رجله فوق رجل خالي ليحميها من الرصاص لم يشعر أنها أصيبت وأن دمه ينزف . تتذكر خالتي أن كيس الملح الذي أخذوه معهم كان تشرب دم جدي الذي ما وصل إلى نابلس حتى أدخل إلى المستشفى الوطني للعلاج .
وتتذكر خالتي أيضا المدرسة الغزالية التي أقاموا فيها لفترة قبل أن يقيموا في خيام المخيمات . هدمت المدرسة الغزالية قبل حرب حزيران أو بعدها بقليل وأقيمت مكانها بنايات وصارت تعرف بالغرفة التجارية .
في المدرسة الغزالية كانت كل عائلة تقيم في غرفة وقد تتشارك في الغرفة عائلتان .
في تلك السنوات أقام اللاجئون في المدارس والجوامع والكهوف . انتبهوا أيها الفلسطينيون ! موتوا على عتبات بيوتكم ولا تصبحوا لاجئين .
كانت خالتي أم سعيد تصف ما جرى وما مرت به كأنه حدث للتو ، وأما أنا فتذكرت جبرا إبراهيم جبرا وسيرته " البئر الأولى " التي وصف فيها طفولته من سن الخامسة حتى الثانية عشرة وذهب إلى ما ذهب إليه ( وردزوورث ) بأن الطفل أبو الرجل .
أمد الله في عمر خالتي لتظل تروي .

صباح الخير
خربشات
١٤ / ٣ / ٢٠٢٣

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى