طارق حنفي - لَيْلَةُ القَدْر

هي ليلةٌ عظيمةُ الشأن، عظَّمها الله بنزول القرآن فيها؛ وكيف لا، وهي ليلة اكتمال المنهج والفرقان، وتمام التشريع والحلال والحرام، من ربِّ السماوات والأرض إلى عباده؟ ليلةٌ تجلّى فيها خطاب السماء للأرض، فاكتمل البيان، وتمّ العطاء.

هي ليلةُ تنقية فرقان موسى وعيسى والنبيين من قبل، مما نُسي أو بُدِّل أو زيد فيه أو نُقص منه؛ ليلةٌ عاد فيها النور إلى صفائه الأول كما خرج من مشكاة الوحي، وعاد فيها الميزان إلى استقامته كما أراده الله لعباده.
فهي ليلة كمال الهدى والفرقان؛ ليلة يلتقي فيها روح الإيمان بجسد العبادة، فتتكوّن نفس الإسلام، نفسٌ تتوجّه إلى ربها بقلبها وعملها معًا، كلٌّ بحسب حاله وسؤاله.

ليلة اجتمعت فيها معاني أسماء الله جميعًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، ليكتمل فيض العطاء؛ فتتسع الرحمة بأسبابها وصورها، ويُقدَّر لكل دعاءٍ قدره، ولكل عبدٍ نصيبُه مما أذن به الرب.
فيها اكتمل العطاء من الغنيِّ بذاته إلى الفقراء إليه، واحتشدت الملائكة بأمر ربها بعد تقدير المقادير واستجابة الدعوات؛ تهيّئ الأسباب، وتيسّر السبل، وترفع الدرجات، وتفتح للقلوب أبواب الفهم.

هي ليلة وصل الموصول، وربط الغاية بالوسيلة للوصول؛ فالمخلوقات جميعًا موصولة بالله بكرمه وجوده وعطائه ونوره وهدايته، ولولا هذا الوصل لتاهت الأرواح في ظلمات النفس وضلّت عن طريقها.
ليلةٌ اكتملت فيها أنوار الهدى والفرقان، وأذن الله لعباده أن يسعوا إلى الوصل من جهتهم، فألهمهم الغاية وفتح لهم أبواب الطريق.

اللهم يا واصل النور بالنور، اجعل لنا نورًا من نور الحبيب موصولًا بنورك؛ تهتدي به قلوبنا، وتستنير به أرواحنا.
وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على المصطفى الأمين، السراج المنير، وبرزخ النور بين الغيب والشهادة، الذي اكتمل له الفهم، وأنزل عليه كمال الهدى والفرقان في ليلة اكتمال العطاء.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى