خالد صالح عطية - الحرب وحدود النظام الإقليمي في الشرق الأوسط

في اللحظات التاريخية الكبرى لا تكون الحروب مجرد صراعات عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تتحول إلى لحظات كاشفة لبنية النظام الدولي نفسه. فالحروب لا تعيد توزيع القوة بين الدول فحسب، بل تكشف أيضاً حدود الأنظمة السياسية والإقليمية التي بدت مستقرة لسنوات طويلة. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط قد يكون من هذا النوع من اللحظات الكاشفة؛ لحظة تختبر ليس فقط موقع إيران أو إسرائيل في ميزان القوى، بل النظام الإقليمي الذي تشكّل في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن قراءة الحروب في زمنها الحقيقي تقتضي أيضاً التذكير بحقيقة منهجية أساسية: الحرب هي أكثر اللحظات التباساً في التاريخ. فالمعارك لا تُدار بالسلاح وحده، بل بالمعلومات أيضاً، وغالباً ما تتحول الرواية الإعلامية نفسها إلى جزء من أدوات الصراع. ولهذا فإن ما يصل إلى الرأي العام خلال الحروب لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة لما يجري على الأرض، بل هو جزء من إدارة الحرب نفسها.
وتاريخياً عُرفت الدول المتحاربة، ومنها إسرائيل، بسياسات صارمة في ضبط المعلومات المتعلقة بالخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بهدف الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع الخصوم من تحقيق مكاسب نفسية. ولهذا يبقى تحليل الحروب في لحظتها الراهنة عملاً يجري دائماً داخل مساحة من الضبابية، حيث يحاول الكتّاب والمحللون قراءة الاتجاهات العامة للصراع بينما تبقى الصورة الكاملة للحرب رهينة الزمن.

صراع السرديات: إيران أم فلسطين؟
من أبرز الظواهر التي كشفتها الحرب الحالية في الشرق الأوسط أنها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أيضاً صراع بين سرديات سياسية مختلفة حول طبيعة الصراع في المنطقة.
فالخطاب الإسرائيلي يسعى إلى تقديم المواجهة مع إيران بوصفها مركز التوتر الإقليمي، بل بوصفها المعركة التي ستحدد شكل الشرق الأوسط القادم. وفي هذه الرواية تُقدَّم إيران باعتبارها التهديد المركزي الذي يجب أن تتوحد ضده دول المنطقة، بينما يجري التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً يمكن تأجيله أو تجاوزه ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
هذه الرؤية ليست جديدة. فمنذ أكثر من عقد حاولت إسرائيل نقل مركز الاهتمام الإقليمي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى ما تسميه “الخطر الإيراني”. وقد ظهر ذلك في الخطاب السياسي الإسرائيلي وفي محاولات بناء تحالفات إقليمية جديدة، كما تجلى في اتفاقيات التطبيع التي عُرفت باتفاقيات أبراهام.
لكن الحرب الحالية تكشف أيضاً حدود هذه السردية. فالصراع مع إيران لا يلغي حقيقة أن القضية الفلسطينية ما تزال أحد الجروح المفتوحة في بنية الشرق الأوسط. والتاريخ السياسي للمنطقة يظهر أن تجاهل هذا الجرح لا يؤدي إلى اختفائه، بل إلى إعادة ظهوره في لحظات مختلفة من الصراع.

غزة وطوفان الأقصى: اللحظة التي أعادت تفجير التناقضات
لكن فهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط اليوم لا يكتمل دون العودة إلى اللحظة التي فجّرت كثيراً من هذه التفاعلات: هجوم السابع من أكتوبر 2023، أو ما عُرف فلسطينياً بـ“طوفان الأقصى”.
فذلك الحدث لم يكن مجرد عملية عسكرية مفاجئة في صراع طويل، بل لحظة زلزلت بنية التوازنات التي استقرت نسبياً في المنطقة خلال العقد السابق. قبل ذلك التاريخ كانت إسرائيل تسير بثقة في مسار إعادة ترتيب الشرق الأوسط على قاعدة تجاوز القضية الفلسطينية. فقد بدت اتفاقيات التطبيع، والتقارب المتزايد بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وكأنها تؤسس لنظام إقليمي جديد تصبح فيه إسرائيل دولة طبيعية ومندمجة في المنطقة، بينما تُدفع القضية الفلسطينية تدريجياً إلى الهامش السياسي.
غير أن طوفان الأقصى أعاد تفجير التناقضات التي حاول هذا النظام الإقليمي الناشئ تجاوزها. فقد كشف الحدث أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يتحول إلى ملف ثانوي كما كان يُروَّج، بل ظل أحد العقد المركزية في بنية الشرق الأوسط.
ومع الرد الإسرائيلي الذي تحول إلى حرب إبادة واسعة في قطاع غزة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع تجاوزت حدود الجغرافيا الفلسطينية. فالمشاهد اليومية للدمار والضحايا المدنيين، وعجز المؤسسات الدولية عن وقف الحرب، كشفت ما يمكن وصفه بـ“الانكشاف الأخلاقي” للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولم يقتصر هذا الانكشاف على المؤسسات الدولية، بل ظهر أيضاً في اتساع الفجوة بين مواقف الحكومات الغربية والرأي العام العالمي. فقد شهدت مدن كبرى في أوروبا وأميركا الشمالية مظاهرات واسعة غير مسبوقة تضامناً مع الفلسطينيين، بينما اتخذت دول عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية مواقف أكثر نقداً للسياسات الغربية. وفي هذا المعنى لم تكن حرب غزة مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة كشفت أيضاً حدود الهيمنة الأخلاقية للنظام الدولي القائم.
لكن تأثير حرب غزة لم يكن أخلاقياً وسياسياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً. فالحرب لم تبقَ محصورة داخل حدود القطاع، بل تحولت تدريجياً إلى بؤرة توتر إقليمي امتدت تداعياتها إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا، وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران.

النظام الإقليمي بعد الحرب الباردة
لفهم الدلالة الأعمق للحرب الحالية ينبغي النظر إليها في سياق النظام الإقليمي الذي تشكّل في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة.
فمنذ مطلع التسعينيات قامت معادلة واضحة نسبياً: الولايات المتحدة كضامن أعلى للنظام الأمني في المنطقة، وإسرائيل كقوة عسكرية متفوقة تشكل أحد أعمدة الردع، والخليج كمركز رئيسي للطاقة العالمية، في ظل غياب نظام عربي قادر على إنتاج توازن إقليمي مستقل.
لكن هذا النظام لم يكن ثابتاً كما بدا. فقد بدأت تظهر فيه تدريجياً عناصر توتر بنيوي: صعود إيران كقوة إقليمية بعد 2003، تراجع النظام العربي التقليدي، توسع نفوذ الفاعلين غير الدولتيين، واشتداد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة.
الحرب الحالية قد تكون اللحظة التي تنكشف فيها حدود هذا النظام.

إيران: من الثورة إلى الجغرافيا السياسية
منذ الثورة الإيرانية عام 1979 دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة. فقد تحولت إيران من دولة إقليمية تقليدية إلى قوة تحمل مشروعاً سياسياً يتجاوز حدودها.
خلال العقود التالية بنت طهران شبكة نفوذ إقليمية واسعة امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وكان الهدف الأساسي لهذه الاستراتيجية نقل خطوط الصراع بعيداً عن الجغرافيا الإيرانية وتحويل النفوذ الإقليمي إلى جزء من منظومة الردع.
لكن هذا النموذج وصل في السنوات الأخيرة إلى مرحلة اختبار صعبة. فالأزمات الاقتصادية الداخلية، والصراعات الإقليمية الطويلة، والضغوط الدولية المتزايدة على البرنامج النووي، كلها عوامل وضعت هذا المشروع أمام تحديات متراكمة.

إسرائيل وتحدي الحروب الطويلة
في المقابل تواجه إسرائيل أيضاً اختباراً استراتيجياً مهماً. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة قامت على مبدأ الحسم السريع ونقل الحرب إلى أراضي الخصوم.
لكن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها تغيرت خلال العقدين الماضيين. فالصواريخ والطائرات المسيّرة والفاعلون غير الدولتيين جعلوا من الصعب تحييد الحرب عن الداخل الإسرائيلي كما كان يحدث في الماضي.
ويتقاطع هذا التحول العسكري مع تحولات سياسية داخل إسرائيل نفسها، حيث أدى صعود اليمين القومي والديني خلال العقد الأخير إلى إعادة صياغة تصور الدولة لدورها في المنطقة. فهذه التيارات لا تنظر إلى الصراع بوصفه نزاعاً قابلاً للتسوية السياسية، بل باعتباره صراعاً تاريخياً طويل المدى حول هوية المنطقة ومستقبلها.
ولهذا تبدو الحرب الحالية بالنسبة لبعض هذه القوى لحظة تاريخية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وليس مجرد جولة أخرى في صراع طويل.

الخليج وسياسة النجاة
في قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج أمام تحدٍ مختلف. فهذه الدول تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة لن تكون مجرد مواجهة بعيدة عنها، بل صراع قد يهدد مباشرة منشآتها النفطية وبنيتها التحتية الحيوية.
ولهذا اختارت حتى الآن ما يمكن وصفه بسياسة “النجاة”: محاولة البقاء خارج دائرة الحرب المباشرة مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
هذه السياسة تعكس فهماً واقعياً لطبيعة المخاطر التي يفرضها التصعيد الإقليمي، لكنها تكشف أيضاً هشاشة النظام الأمني الذي اعتمدت عليه المنطقة طوال العقود الماضية.

الشرق الأوسط في لحظة انتقال
لكن الدلالة الأعمق للحرب الحالية لا تتعلق فقط بإيران أو إسرائيل أو الخليج، بل بموقع الشرق الأوسط في النظام الدولي الذي يشهد بدوره تحولات عميقة.
فالعالم لم يعد يعيش اللحظة الأحادية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، بل مرحلة سيولة جيوسياسية تتصاعد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.
وفي مثل هذا السياق يصبح الشرق الأوسط مرة أخرى عقدة مركزية في التوازنات العالمية، ليس فقط بسبب الصراعات السياسية، بل أيضاً بسبب موقعه في شبكة الطاقة والتجارة العالمية.

فلسطين بعد الحرب: الجرح الذي لم يلتئم
لكن وسط كل هذه التحولات يبقى السؤال الأعمق متعلقاً بمستقبل القضية الفلسطينية نفسها. فالحرب الجارية، بكل ما حملته من دمار غير مسبوق في غزة، لم تُنهِ القضية الفلسطينية كما تصور بعض صناع القرار في المنطقة، بل أعادت وضعها في قلب النقاش الدولي.
فما كشفت عنه حرب غزة لم يكن فقط حجم المأساة الإنسانية، بل أيضاً حدود النظام الدولي في التعامل مع واحدة من أقدم القضايا السياسية في العصر الحديث. فالعجز الدولي عن وقف الحرب، والانقسام العميق في المواقف العالمية، أظهرا أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما يزال عقدة مركزية في بنية النظام الإقليمي.
ولهذا فإن أي حديث عن “شرق أوسط جديد” يتجاوز القضية الفلسطينية يبدو أقرب إلى محاولة لتأجيل المشكلة لا لحلها. فالتاريخ السياسي للمنطقة يظهر أن الصراعات التي تبقى بلا حل لا تختفي، بل تعود للظهور بأشكال جديدة في لحظات مختلفة من التاريخ.

ما الذي تكشفه هذه الحرب؟
ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو من سينتصر في هذه الحرب، بل ما الذي تكشفه عن طبيعة النظام الذي حكم الشرق الأوسط طوال العقود الماضية.
فالحروب الكبرى غالباً ما تكون لحظات انتقال تاريخي، لحظات ينكشف فيها أن النظام الذي بدا مستقراً لعقود لم يعد قادراً على العمل بالطريقة نفسها.
وفي مثل هذه اللحظات لا تتغير نتائج الحروب فقط، بل تتغير أيضاً الطريقة التي يفهم بها العالم معنى القوة وحدودها.
فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع نظاماً مستقراً إذا لم تسندها توازنات سياسية واقتصادية أوسع.
ولهذا قد تُقرأ الحرب الجارية في الشرق الأوسط مستقبلاً بوصفها أكثر من مواجهة إقليمية عابرة، بل كلحظة كشفت أن النظام الذي حكم المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة بدأ يصل إلى حدوده التاريخية.
وفي قلب هذا التحول يبقى سؤال واحد مفتوحاً:

هل يستطيع الشرق الأوسط أن يبني نظاماً إقليمياً جديداً بينما يبقى جرح فلسطين مفتوحاً؟
فالتاريخ قد يؤجل الإجابة عن هذا السؤال، لكنه لم ينجح يوماً في تجاوزه. وكل محاولة لبناء نظام إقليمي جديد فوق هذا الجرح المفتوح قد تؤجل الانفجار، لكنها لن تمنعه .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى