يحيى بركات - في السابع عشر من آذار…

في السابع عشر من آذار…
لا نكتب ذكرى. نفتح جرحًا…
عمره اليوم ثلاثةٌ وعشرون عامًا
بعدد سنوات عمر راشيل كوري
حين سُحقت.عام 2003،
في رفح،
وقفت شابة أميركية،
23 عامًا فقط،
اسمها راشيل كوري.
لم تحمل سلاحًا.
حملت جسدها…
ووضعته أمام جرافة.
لم تكن تبحث عن بطولة،
كانت تحاول أن تقول شيئًا بسيطًا جدًا:
هنا بيت…
هنا بشر…
توقّف.
الجرافة لم تتوقف.
رآها السائق.
تقدّم.
وسحقها.
بهذه البساطة…
يُسحق إنسان.
بعدها بأيام،
شاب بريطاني—توم هرندل—
يحاول إنقاذ طفل.
رصاصة قنّاص. جسد يسقط.
بهذه البساطة أيضًا…
يُسكت الضمير.
لكن القصة لم تبدأ هناك.
ولم تنتهِ هناك.
راشيل لم تكن حادثة.
كانت مرآة.
والعالم…
اختار أن لا ينظر.
اليوم…
بعد ثلاثةٍ وعشرين عامًا
لم تعد الجرافة جرافة.
صارت حربًا.
صارت سماءً تمطر موتًا.
صارت مدنًا تُمحى.
غزة… ليست خبرًا.
هي مشهد مفتوح.
أطفال يُنتشلون من تحت الركام،
وأمهات يحملن أسماءهم بدل أجسادهم،
ورجال يبحثون في الغبار عن معنى البقاء.
الضفة…
تُسحق ببطءٍ لا يُصوَّر.
والعالم؟
يشاهد.
أنا…
حين قلت:
"ريتشل… ضمير أمريكي"
لم أكن أصف.
كنت أراهن.
أن هناك في مكانٍ ما…
داخل هذه القوة الهائلة…
إنسانًا.
لكن ما الذي نراه الآن؟
ضمير يتكلم…
ودولة تفعل العكس.
صوت يقول: أوقفوا الحرب،
وقرار يجعل الحرب ممكنة.
يا أمريكا…
ليست المشكلة أنكِ لم تري.
المشكلة أنكِ رأيتِ…
واخترتِ.
اخترتِ أن يكون الضمير خطابًا،
لا موقفًا.
أن تكون راشيل قصة،
لا طريقًا.
أيّهما أنتِ؟
الفتاة
التي وقفت وحدها أمام الجرافة؟
أم العالم
الذي شاهدها…
ومضى؟
ليس السؤال عن الماضي.
السؤال الآن.
حين يُسحق طفل،
حين تُهدم مدينة،
حين يتحوّل الإنسان إلى رقم
أين يقف الضمير؟
في السينما…
يمكن إعادة اللقطة.
لكن هنا
المشهد مستمر.
ولا أحد يقول: توقّف.
راشيل لم تكن استثناء.
كانت إنذارًا.
إنذارًا
لم يُفهم.
لأن الحقيقة
أن المشكلة لم تكن في الجرافة.
كانت في الذين سمحوا لها أن تستمر.
في الذين موّلوها،
وفي الذين صمتوا،
وفي الذين اعتادوا المشهد
حتى لم يعودوا يرونه.
اليوم…
لم تعد راشيل وحدها أمام الجرافة.
هناك شعب كامل.
ومع ذلك
العالم يتصرّف
كأن شيئًا لا يحدث.
لكن شيئًا يحدث.
شيء كبير جدًا.
الإنسان…
يُختبر.
راشيل لم تأتِ لتنقذ الفلسطينيين.
جاءت لتدافع عن فكرة:
أن الإنسان
لا يجب أن يُسحق.
سُحقت.
لكن الفكرة… لم تُدفن.
ثلاثةٌ وعشرون عامًا
عمرها… وعمر الجرح.
وفي لحظة ما
سيسأل التاريخ:
أين كنتم
حين كان الإنسان يُسحق؟
ويبقى السؤال
ليس لها…
بل لنا:
حين تقدّمت الجرافة…
هل وقفنا؟
أم تعلّمنا
كيف نشاهد
دون أن نرى؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي




1773745162312.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى