أنا عاشق لقراءة التاريخ من طفولتي، وخاصة تاريخ الدول والشخصيات المهمة. وكلما قرأتُ التاريخ، ازددتُ يقينًا أن الماضي ليس مجرد وقائع انقضت، ولا أسماء وتواريخ نطالعها ثم نمضي، بل هو مرآة ممتدة نرى فيها حاضرنا، ونفهم عبرها شيئًا من طبائع القوة والضعف، والحكمة والاندفاع، والصعود والانكسار. ولعل ما يشدني إلى التاريخ ليس مجرد قراءته، بل تأمله وتدبره، ومحاولة الإصغاء إلى ما وراء ظاهره؛ لأن التاريخ لا يخبرنا فقط بما جرى، بل يكشف لنا كيف تفكر الدول حين تملك، وكيف تخطئ حين تفرط في الثقة بنفسها، وكيف تقاوم حين تشعر أن وجودها ذاته صار على المحك.
ومن هذا العشق القديم للتاريخ قراءةً وتأملًا وربطًا بالواقع الذي نعيشه، أقدم اليوم واحدة من أكثر الصفحات التي استوقفتني وأدهشتني في تاريخ الدول: المغرب.
ولعل من مفارقات التاريخ أن كبرياء القوة قد يكون أول أسباب ضعفها. فالقوة حين تُسرف في الثقة بنفسها، وتندفع إلى السيطرة وقد استبد بها وهم الحسم السريع، قد تعمى عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الهزائم الكبيرة. أما الحكمة، فليست دائمًا الأعلى صوتًا، ولا الأشد استعراضًا، لكنها الأقدر على التمهل، وقراءة اللحظة، وترك الاندفاع المتعجل يستهلك نفسه بنفسه. وهكذا قد لا تنتصر الحنكة لأنها أقوى سلاحًا، بل لأنها تعرف كيف تجعل كبرياء القوة يقع في الفخ الذي صنعه بيديه.
ومن بين البلاد التي كلما قرأت عنها ازددتُ دهشةً وإعجابًا: المغرب. وليس موضع الدهشة هنا فقط ذلك الدور الكبير الذي قامت به دوله الكبرى في نجدة الأندلس في لحظات كادت فيها راية الحكم العربي الإسلامي أن تنكسر أمام ضغط الممالك المسيحية في الشمال؛ فقد قرأنا عن الزلاقة والأرك، ورأينا كيف خرجت جيوش المغرب من أقصى الغرب لتصنع توازنًا جديدًا في شبه الجزيرة الإيبيرية، وتؤخر لحظات الانكسار.
لكن دهشتي اليوم انصرفت إلى لحظة أخرى أقل شهرة في الوعي العام، وإن كانت لا تقل عمقًا في معناها الحضاري والسياسي: كيف استطاع المغرب السعدي أن يقف في وجه الإمبراطورية العثمانية، وأن يمنع امتدادها غربًا في محاولتين متقاربتين خلال أربع سنوات؟
في منتصف القرن السادس عشر، كانت الدولة العثمانية قد بلغت أوج قوتها. تمددت في المشرق، وأخضعت مصر، وبسطت نفوذها على أجزاء واسعة من شمال أفريقيا. وكان اسم السلطان العثماني وحده كافيًا ليبعث الرهبة، وكانت فرق الإنكشارية تمثل واحدة من أكثر القوى العسكرية انضباطًا وتسليحًا في العالم آنذاك. ومن هذا المنظور، بدا المغرب هدفًا طبيعيًا لاستكمال النفوذ العثماني غربًا. لكن المغرب لم يكن فراغًا سياسيًا ينتظر من يملأه. فقد كانت الدولة السعدية تتشكل في الداخل، وتسعى إلى توحيد البلاد وتثبيت سلطانها وبناء شرعيتها. ولهذا لم تكن المواجهة بين السعديين والعثمانيين مجرد صدام بين جيشين، بل كانت صدامًا بين مشروعين: مشروع إمبراطوري يريد أن يضيف المغرب إلى مجال نفوذه، ومشروع دولة ناشئة تريد أن تثبت أنها صاحبة القرار في أرضها.
حين دخلت القوات القادمة من جهة الجزائر إلى فاس، بدا المشهد في ظاهره محسومًا. سقطت المدينة، لا لأنها خلت من الرجال أو العلماء أو روح المقاومة، بل لأن موازين القوة في تلك اللحظة الأولى مالت إلى جانب السلاح المنظم والمدفعية والانضباط العسكري. لكن فاس لم تكن مجرد مدينة سياسية؛ كانت قلب المغرب النابض، وعقله المفكر، وخزان رمزيته العلمية والدينية. كانت مدينة القرويين، ومدينة الأسواق والأزقة والذاكرة، ولذلك فإن سقوطها لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان جرحًا أصاب وجدان الناس، ومسّ معنى السيادة والكرامة.
وقد رضخ بعض الناس للواقع الجديد، ومال بعضهم إلى السلامة، لكن تحت هذا السكون كانت المدينة تغلي. كان العامة يشعرون أن الحكم انتُزع من أيديهم، وأن السلطة الوافدة لا تمثل روح المكان. وكان العلماء يدركون أن الأمر تجاوز نزاع الأمراء، وأصبح سؤالًا عن البلاد نفسها: من يحكم المغرب؟ ولمن يكون قراره؟ هنا تظهر عبقرية محمد الشيخ السعدي. فلم يتعامل مع سقوط فاس بوصفه نهاية المعركة، بل بوصفه بداية طور جديد منها. لم يندفع إلى مواجهة مباشرة خاسرة، بل أعاد النظر في المشهد كله: من أين تأتي قوة العدو؟ وأين يضعف؟ وكيف يمكن تحويل المدينة نفسها إلى سلاح في وجه من دخلها بقوة الحديد والنار؟
لقد فهم أن الجيوش العظيمة ليست عظيمة في كل بيئة، وأن القوة إذا ابتعدت عن عمقها، واعتمدت على خطوط إمداد طويلة، واطمأنت أكثر مما ينبغي، فقد تبدأ في إنتاج ضعفها من داخلها. كما أدرك أن فاس ليست سهلًا مفتوحًا تُدار فيه المعركة على الطريقة التقليدية، بل مدينة ذات نسيج عمراني معقد: أزقة ضيقة، ممرات متشابكة، وأسواق ومنازل يمكن أن تتحول في لحظة إلى أفخاخ حية. لكن العامل الحاسم لم يكن الحجر وحده، بل الإنسان. فحين تُسلب مدينة كرامتها، ويشعر أهلها أن حكمهم قد انتُزع منهم، تتحول البيوت إلى حصون، والأزقة إلى كمائن، والأسطح إلى مواقع مقاومة، ويصبح السكان أنفسهم جزءًا من المعركة. وهكذا لم تعد فاس مجرد مدينة محتلة، بل صارت جسدًا حيًا ينتظر لحظة الانقضاض.
ولذلك، حين بدأت ساعة التنفيذ، لم يكن ما جرى مجرد معركة نظامية بين صفين من الجنود، بل كان انفجار مدينة كاملة في وجه القوة الغازية. أهل يعرفون المكان، ورجال يضربون من المنعطفات، وسكان يشاركون بما لديهم، وأسلوب قتال يفقد العدو توازنه، ويبدد ميزة عدده وعدته. وفي مثل هذه البيئات، لا تتكلم البنادق وحدها؛ بل تتكلم الجدران، والأسطح، والذاكرة، والكرامة. وكانت النتيجة استعادة فاس، وسقوط وهم السيطرة السريعة على المغرب.
ولو كانت هذه الواقعة وحدها، لبدت لحظة استثنائية. لكن الأهم أن المحاولة لم تكن الأخيرة. فبعد اغتيال محمد الشيخ السعدي، ظن كثيرون أن الدولة السعدية قد فقدت ركيزتها الكبرى، وأن الفرصة قد سنحت من جديد للعثمانيين كي يستأنفوا مشروعهم. غير أن الذي حدث أثبت أن المسألة لم تكن مرتبطة بفرد وحده، بل ببنية سياسية وعسكرية واجتماعية بدأت تتماسك داخل المغرب.
وهكذا جاءت المحاولة الثانية، وكانت أكبر استعدادًا، وأكثر اعتمادًا على السلاح والمدافع وهيبة الإمبراطورية. لكن المغرب كان قد تعلم من المواجهة الأولى درسًا بالغ الأهمية: أن القوة لا تُكسر فقط بمثلها، بل بإرهاقها، وباستدراجها، وبحرمانها من البيئة التي تتفوق فيها. وفي معركة وادي اللبن تجلت مرة أخرى مرونة القيادة السعدية، وقدرتها على توظيف المكان والزمان والنفسية القتالية. ومهما اختلف المؤرخون في بعض التفاصيل، فإن النتيجة الكبرى تبقى واضحة: فشل محاولة ثانية خلال أربع سنوات في إخضاع المغرب.
ومن هنا تتجاوز أهمية هذه الوقائع بعدها العسكري المباشر. فهي لا تحكي فقط عن انتصار في معركة أو فشل حملة، بل تكشف عن شيء أعمق في الشخصية التاريخية للمغرب. تكشف عن بلد جمع، في لحظات حاسمة، بين وعورة الجغرافيا، وصلابة البنية المقاتلة، وشرعية الدولة، وحيوية المدينة، ودور العلماء، وذكاء السياسة. وهذا الاجتماع النادر للعوامل هو ما يفسر لماذا ظهر المغرب، أكثر من مرة، بوصفه بلدًا ينهض حين يظن الآخرون أن الأمر قد حُسم.
لقد نجّد الأندلس في ساعات الخطر، ووقف في وجه التمدد الإمبراطوري حين اقترب من حدوده، وحين ظن الخصم أن المدن خضعت، استيقظت الأزقة، وتحول الناس إلى مقاومة. ولذلك لم يعد المغرب، في تأملي الشخصي، مجرد بلد له معارك مهمة، بل صار نمطًا حضاريًا جديرًا بالتأمل: بلد يبدو أحيانًا بعيدًا على الخريطة، لكنه يحمل في داخله طاقة كامنة تجعله قادرًا على أن يفاجئ التاريخ.
وهناك عدة دروس مستفاده:
الدرس الأول: أن القوة لا تنهار دائمًا لأن خصمها أقوى منها عددًا وعدة، بل قد يبدأ ضعفها من الوهم الذي يتسلل إليها من داخلها؛ وهم أنها قادرة على الحسم لمجرد أنها تملك السلاح وهيبة الاسم. أما الأمم التي تحسن قراءة لحظتها، وتعرف أرضها، وتفهم ناسها، وتصبر حتى تضع خصمها في الموضع الذي يفقد فيه توازنه، فإنها قد تنتصر لا لأن سيوفها أطول، بل لأن بصيرتها أعمق. وهكذا كان المغرب السعدي شاهدًا حيًا على حقيقة لا يمل التاريخ من تكرارها: أن كبرياء القوة قد يضعفها، وأن الحنكة إذا أحسنت التدبير قد تجعل الاندفاع المتعجل يقع في الفخ الذي صنعه بيديه.
الدرس الثاني أن التاريخ شاهد على الصراعات والحروب بين الدول الإسلامية بمسميات مختلفة، ولكن العامل المشترك هو مر السيطرة على الآخر.
والدرس الثالث من هذه الصراعات، وهو الأهم، أن قيادات بعض الدول العربية قد تتعاون سويًا ضد دولة عربية أخرى لصالح دولة معتدية حتى ولو أجنبية.
الدرس الرابع؛ القوى المغرور بقوته عادة ما تكون نهايته عكس بدايته فيرجع بالخسران.
ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
[email protected]
————————-
ملحق زمني مختصر
الدول في المقال
• الدولة المرابطية: 1040–1147م
• الدولة الموحدية: 1121–1269م
• الدولة السعدية: 1510–1659م
• الدولة العثمانية: 1299–1922م
• الدولة المملوكية في مصر: 1250–1517م
الشخصيات في المقال
• يوسف بن تاشفين: نحو 1009–1106م
• يعقوب المنصور الموحدي: حكم 1184–1199م
• سليمان القانوني: 1494–1566م، حكم 1520–1566م
• محمد الشيخ السعدي: نحو 1490–1557م، حكم المغرب من 1549–1557م
• عبد الله الغالب بالله السعدي: 1517–1574م، حكم المغرب 1557–1574م
• صالح ريس حاكم الجزائر بحماية الدولة العثمانية: توفي 1568م
• حسن باشا بن خير الدين قائد تركي: نحو 1517–1572م
• أبو حسون الوطاسي حاكم المغرب بحماية تركيا أثناء الحملة التركية: توفي 1554م
المعارك والأحداث
• معركة الزلاقة في الأندلس: 1086م
• معركة الأرك في الأندلس: 1195م
• سقوط فاس المؤقت: 1554م
• استعادة فاس: 1554م
• معركة وادي اللبن بفاس: 1558م
• دخول العثمانيين مصر: 1517م
ومن هذا العشق القديم للتاريخ قراءةً وتأملًا وربطًا بالواقع الذي نعيشه، أقدم اليوم واحدة من أكثر الصفحات التي استوقفتني وأدهشتني في تاريخ الدول: المغرب.
ولعل من مفارقات التاريخ أن كبرياء القوة قد يكون أول أسباب ضعفها. فالقوة حين تُسرف في الثقة بنفسها، وتندفع إلى السيطرة وقد استبد بها وهم الحسم السريع، قد تعمى عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الهزائم الكبيرة. أما الحكمة، فليست دائمًا الأعلى صوتًا، ولا الأشد استعراضًا، لكنها الأقدر على التمهل، وقراءة اللحظة، وترك الاندفاع المتعجل يستهلك نفسه بنفسه. وهكذا قد لا تنتصر الحنكة لأنها أقوى سلاحًا، بل لأنها تعرف كيف تجعل كبرياء القوة يقع في الفخ الذي صنعه بيديه.
ومن بين البلاد التي كلما قرأت عنها ازددتُ دهشةً وإعجابًا: المغرب. وليس موضع الدهشة هنا فقط ذلك الدور الكبير الذي قامت به دوله الكبرى في نجدة الأندلس في لحظات كادت فيها راية الحكم العربي الإسلامي أن تنكسر أمام ضغط الممالك المسيحية في الشمال؛ فقد قرأنا عن الزلاقة والأرك، ورأينا كيف خرجت جيوش المغرب من أقصى الغرب لتصنع توازنًا جديدًا في شبه الجزيرة الإيبيرية، وتؤخر لحظات الانكسار.
لكن دهشتي اليوم انصرفت إلى لحظة أخرى أقل شهرة في الوعي العام، وإن كانت لا تقل عمقًا في معناها الحضاري والسياسي: كيف استطاع المغرب السعدي أن يقف في وجه الإمبراطورية العثمانية، وأن يمنع امتدادها غربًا في محاولتين متقاربتين خلال أربع سنوات؟
في منتصف القرن السادس عشر، كانت الدولة العثمانية قد بلغت أوج قوتها. تمددت في المشرق، وأخضعت مصر، وبسطت نفوذها على أجزاء واسعة من شمال أفريقيا. وكان اسم السلطان العثماني وحده كافيًا ليبعث الرهبة، وكانت فرق الإنكشارية تمثل واحدة من أكثر القوى العسكرية انضباطًا وتسليحًا في العالم آنذاك. ومن هذا المنظور، بدا المغرب هدفًا طبيعيًا لاستكمال النفوذ العثماني غربًا. لكن المغرب لم يكن فراغًا سياسيًا ينتظر من يملأه. فقد كانت الدولة السعدية تتشكل في الداخل، وتسعى إلى توحيد البلاد وتثبيت سلطانها وبناء شرعيتها. ولهذا لم تكن المواجهة بين السعديين والعثمانيين مجرد صدام بين جيشين، بل كانت صدامًا بين مشروعين: مشروع إمبراطوري يريد أن يضيف المغرب إلى مجال نفوذه، ومشروع دولة ناشئة تريد أن تثبت أنها صاحبة القرار في أرضها.
حين دخلت القوات القادمة من جهة الجزائر إلى فاس، بدا المشهد في ظاهره محسومًا. سقطت المدينة، لا لأنها خلت من الرجال أو العلماء أو روح المقاومة، بل لأن موازين القوة في تلك اللحظة الأولى مالت إلى جانب السلاح المنظم والمدفعية والانضباط العسكري. لكن فاس لم تكن مجرد مدينة سياسية؛ كانت قلب المغرب النابض، وعقله المفكر، وخزان رمزيته العلمية والدينية. كانت مدينة القرويين، ومدينة الأسواق والأزقة والذاكرة، ولذلك فإن سقوطها لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان جرحًا أصاب وجدان الناس، ومسّ معنى السيادة والكرامة.
وقد رضخ بعض الناس للواقع الجديد، ومال بعضهم إلى السلامة، لكن تحت هذا السكون كانت المدينة تغلي. كان العامة يشعرون أن الحكم انتُزع من أيديهم، وأن السلطة الوافدة لا تمثل روح المكان. وكان العلماء يدركون أن الأمر تجاوز نزاع الأمراء، وأصبح سؤالًا عن البلاد نفسها: من يحكم المغرب؟ ولمن يكون قراره؟ هنا تظهر عبقرية محمد الشيخ السعدي. فلم يتعامل مع سقوط فاس بوصفه نهاية المعركة، بل بوصفه بداية طور جديد منها. لم يندفع إلى مواجهة مباشرة خاسرة، بل أعاد النظر في المشهد كله: من أين تأتي قوة العدو؟ وأين يضعف؟ وكيف يمكن تحويل المدينة نفسها إلى سلاح في وجه من دخلها بقوة الحديد والنار؟
لقد فهم أن الجيوش العظيمة ليست عظيمة في كل بيئة، وأن القوة إذا ابتعدت عن عمقها، واعتمدت على خطوط إمداد طويلة، واطمأنت أكثر مما ينبغي، فقد تبدأ في إنتاج ضعفها من داخلها. كما أدرك أن فاس ليست سهلًا مفتوحًا تُدار فيه المعركة على الطريقة التقليدية، بل مدينة ذات نسيج عمراني معقد: أزقة ضيقة، ممرات متشابكة، وأسواق ومنازل يمكن أن تتحول في لحظة إلى أفخاخ حية. لكن العامل الحاسم لم يكن الحجر وحده، بل الإنسان. فحين تُسلب مدينة كرامتها، ويشعر أهلها أن حكمهم قد انتُزع منهم، تتحول البيوت إلى حصون، والأزقة إلى كمائن، والأسطح إلى مواقع مقاومة، ويصبح السكان أنفسهم جزءًا من المعركة. وهكذا لم تعد فاس مجرد مدينة محتلة، بل صارت جسدًا حيًا ينتظر لحظة الانقضاض.
ولذلك، حين بدأت ساعة التنفيذ، لم يكن ما جرى مجرد معركة نظامية بين صفين من الجنود، بل كان انفجار مدينة كاملة في وجه القوة الغازية. أهل يعرفون المكان، ورجال يضربون من المنعطفات، وسكان يشاركون بما لديهم، وأسلوب قتال يفقد العدو توازنه، ويبدد ميزة عدده وعدته. وفي مثل هذه البيئات، لا تتكلم البنادق وحدها؛ بل تتكلم الجدران، والأسطح، والذاكرة، والكرامة. وكانت النتيجة استعادة فاس، وسقوط وهم السيطرة السريعة على المغرب.
ولو كانت هذه الواقعة وحدها، لبدت لحظة استثنائية. لكن الأهم أن المحاولة لم تكن الأخيرة. فبعد اغتيال محمد الشيخ السعدي، ظن كثيرون أن الدولة السعدية قد فقدت ركيزتها الكبرى، وأن الفرصة قد سنحت من جديد للعثمانيين كي يستأنفوا مشروعهم. غير أن الذي حدث أثبت أن المسألة لم تكن مرتبطة بفرد وحده، بل ببنية سياسية وعسكرية واجتماعية بدأت تتماسك داخل المغرب.
وهكذا جاءت المحاولة الثانية، وكانت أكبر استعدادًا، وأكثر اعتمادًا على السلاح والمدافع وهيبة الإمبراطورية. لكن المغرب كان قد تعلم من المواجهة الأولى درسًا بالغ الأهمية: أن القوة لا تُكسر فقط بمثلها، بل بإرهاقها، وباستدراجها، وبحرمانها من البيئة التي تتفوق فيها. وفي معركة وادي اللبن تجلت مرة أخرى مرونة القيادة السعدية، وقدرتها على توظيف المكان والزمان والنفسية القتالية. ومهما اختلف المؤرخون في بعض التفاصيل، فإن النتيجة الكبرى تبقى واضحة: فشل محاولة ثانية خلال أربع سنوات في إخضاع المغرب.
ومن هنا تتجاوز أهمية هذه الوقائع بعدها العسكري المباشر. فهي لا تحكي فقط عن انتصار في معركة أو فشل حملة، بل تكشف عن شيء أعمق في الشخصية التاريخية للمغرب. تكشف عن بلد جمع، في لحظات حاسمة، بين وعورة الجغرافيا، وصلابة البنية المقاتلة، وشرعية الدولة، وحيوية المدينة، ودور العلماء، وذكاء السياسة. وهذا الاجتماع النادر للعوامل هو ما يفسر لماذا ظهر المغرب، أكثر من مرة، بوصفه بلدًا ينهض حين يظن الآخرون أن الأمر قد حُسم.
لقد نجّد الأندلس في ساعات الخطر، ووقف في وجه التمدد الإمبراطوري حين اقترب من حدوده، وحين ظن الخصم أن المدن خضعت، استيقظت الأزقة، وتحول الناس إلى مقاومة. ولذلك لم يعد المغرب، في تأملي الشخصي، مجرد بلد له معارك مهمة، بل صار نمطًا حضاريًا جديرًا بالتأمل: بلد يبدو أحيانًا بعيدًا على الخريطة، لكنه يحمل في داخله طاقة كامنة تجعله قادرًا على أن يفاجئ التاريخ.
وهناك عدة دروس مستفاده:
الدرس الأول: أن القوة لا تنهار دائمًا لأن خصمها أقوى منها عددًا وعدة، بل قد يبدأ ضعفها من الوهم الذي يتسلل إليها من داخلها؛ وهم أنها قادرة على الحسم لمجرد أنها تملك السلاح وهيبة الاسم. أما الأمم التي تحسن قراءة لحظتها، وتعرف أرضها، وتفهم ناسها، وتصبر حتى تضع خصمها في الموضع الذي يفقد فيه توازنه، فإنها قد تنتصر لا لأن سيوفها أطول، بل لأن بصيرتها أعمق. وهكذا كان المغرب السعدي شاهدًا حيًا على حقيقة لا يمل التاريخ من تكرارها: أن كبرياء القوة قد يضعفها، وأن الحنكة إذا أحسنت التدبير قد تجعل الاندفاع المتعجل يقع في الفخ الذي صنعه بيديه.
الدرس الثاني أن التاريخ شاهد على الصراعات والحروب بين الدول الإسلامية بمسميات مختلفة، ولكن العامل المشترك هو مر السيطرة على الآخر.
والدرس الثالث من هذه الصراعات، وهو الأهم، أن قيادات بعض الدول العربية قد تتعاون سويًا ضد دولة عربية أخرى لصالح دولة معتدية حتى ولو أجنبية.
الدرس الرابع؛ القوى المغرور بقوته عادة ما تكون نهايته عكس بدايته فيرجع بالخسران.
ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
[email protected]
————————-
ملحق زمني مختصر
الدول في المقال
• الدولة المرابطية: 1040–1147م
• الدولة الموحدية: 1121–1269م
• الدولة السعدية: 1510–1659م
• الدولة العثمانية: 1299–1922م
• الدولة المملوكية في مصر: 1250–1517م
الشخصيات في المقال
• يوسف بن تاشفين: نحو 1009–1106م
• يعقوب المنصور الموحدي: حكم 1184–1199م
• سليمان القانوني: 1494–1566م، حكم 1520–1566م
• محمد الشيخ السعدي: نحو 1490–1557م، حكم المغرب من 1549–1557م
• عبد الله الغالب بالله السعدي: 1517–1574م، حكم المغرب 1557–1574م
• صالح ريس حاكم الجزائر بحماية الدولة العثمانية: توفي 1568م
• حسن باشا بن خير الدين قائد تركي: نحو 1517–1572م
• أبو حسون الوطاسي حاكم المغرب بحماية تركيا أثناء الحملة التركية: توفي 1554م
المعارك والأحداث
• معركة الزلاقة في الأندلس: 1086م
• معركة الأرك في الأندلس: 1195م
• سقوط فاس المؤقت: 1554م
• استعادة فاس: 1554م
• معركة وادي اللبن بفاس: 1558م
• دخول العثمانيين مصر: 1517م