كتاب كامل القرآن… كتابُ محمدٍ الذي لم يَضِقْ بالأنبياء جميعًا

من طبائع البشر أن يدوروا ــ حين يكتبون ــ حول ذواتهم، وأن يفيضوا في ذكر أسمائهم، وأن يجعلوا من حضورهم مركزًا للنص، ومحورًا للكلام، ووجهةً للمعنى. فإذا ألّف الإنسان كتابًا من عند نفسه، أو صاغ خطابًا بلسانه، أو أراد أن يرسخ مكانته في وجدان الناس، مالت نفسه إلى تكرار صورته، واستدعاء اسمه، وتوسيع ظله في كل صفحة وسطر. تلك طبيعة بشرية مفهومة، لا تحتاج إلى كثير بيان.

لكن القرآن الكريم لا يتحرك بهذا المنطق البشري الضيق، بل يفاجئ قارئه ــ كلما أمعن النظر ــ بأنه كتاب منزّه حتى في بنائه الداخلي عن نزعات التمركز حول الذات، وعن آفات الخطاب الذي يصنعه الإنسان لنفسه. فالقرآن نزل على سيدنا محمد ﷺ، وهو معجزته الخالدة، وكتابه الذي حُمل إلى الناس كافة، وبه قامت الحجة، وبه تشكلت الأمة، ومنه انبثقت حضارة امتد نورها في التاريخ. ومع ذلك كله، فإن المتأمل في أسمائه لا يجد اسم محمد ﷺ أكثر الأسماء النبوية ورودًا في القرآن، بل يجد قبله أسماء أنبياء عظام تكرر ذكرهم أكثر من اسمه بكثير.

وهنا تبدأ الدهشة، ومن هنا يبدأ الباب الواسع للتأمل.
فموسى عليه السلام يتردد اسمه في القرآن 136 مرة، كأنه نهر ممتد في تضاريس الوحي، تتشعب منه دروس النجاة والمواجهة والصبر وكشف الطغيان. ويأتي إبراهيم عليه السلام 69 مرة، شامخًا في مقام التوحيد، مؤسسًا لمعنى الإيمان حين ينهض وحده أمةً في وجه الوثنية والانحراف. ثم يوسف 27 مرة، وعيسى 25 مرة، وإسحاق 17 مرة، ويعقوب 16 مرة، وإسماعيل 12 مرة. أما محمد ﷺ، خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وصاحب الرسالة الخاتمة، فلم يرد اسمه الصريح إلا أربع مرات، وورد اسم أحمد مرة واحدة، وجاءت مخاطبته في مواضع أخرى بأسماء المقام والتكليف: يا أيها النبي، يا أيها الرسول، المزمل، المدثر.

وهنا لا يسع القلب إلا أن يقف طويلًا أمام هذا المشهد القرآني البديع. فلو كان القرآن من عند محمد ﷺ ــ كما يزعم الزاعمونــ لكان مقتضى الطبع البشري أن يكون اسمه أكثر الأسماء حضورًا، وأن تتردد ذاته في ثنايا الكتاب ترددًا كثيفًا، وأن تتسع دائرة الإشارة إليه بما يوافق رغبة الإنسان العادية في إثبات نفسه، وتثبيت مجده، وإدامة حضوره. ولو كان هذا النص نصًا بشريًا، لكان من السهل جدًا أن يميل صاحبه إلى نفسه؛ لأن الإنسان، إذا كتب من عند ذاته، كتب وهو يسمع صدى اسمه في داخله، ويرى صورته في مرآة سطوره.

لكن الذي بين أيدينا ليس كذلك.

إن الذي يتجلى في القرآن ليس صوت رجل يكتب عن نفسه، بل نور ربٍّ يضع كل نبي في موضعه، وكل قصة في ميزانها، وكل اسم في حكمة ذكره. ولذلك لم يكن القرآن كتاب تمجيدٍ لشخصٍ بعينه، وإن كان أعظم الناس قدرًا، بل كان كتاب هداية للإنسان، وكتاب وصلٍ بين الأرض والسماء، وكتاب جمعٍ لتاريخ النبوة كله في بناء واحد متماسك، يتكامل فيه السابق واللاحق، ويشهد بعضه لبعض، ويصدق بعضه بعضًا. ومن هنا كانت قلة ورود اسم محمد ﷺ الصريح ليست نقصًا في مقامه، بل علامة من علامات رفعة القرآن وتنزهه عن المنطق البشري الذي يكثر فيه حضور المؤلف على حساب الرسالة.

إن القرآن لم يُرِد أن يكون كتاب محمد بمعناه الضيق، بل أراد أن يكون كتاب الرسالة كلها، وكتاب النبوة الممتدة من آدم إلى خاتم المرسلين. ولذلك اتسع قلبه النصي لموسى، ولم يَرَ في كثرة حضوره مزاحمةً لمحمد. واتسع لإبراهيم، ولم يشعر أن في استدعائه تقليلًا من مقام خاتم الأنبياء. واتسع لعيسى ويوسف ويعقوب وإسحاق وإسماعيل وغيرهم، لأن الرسالة الخاتمة، في جوهرها، ليست رسالة قطيعة، بل رسالة جمعٍ وتصديقٍ وإتمام.

ولذلك كان من روعة القرآن أنه يقدّم محمدًا ﷺ لا باعتباره نبيًا منفصلًا عمّن سبقه، بل باعتباره الحلقة الأخيرة في سلسلة النور، والخاتمة التي لا تُبطل ما قبلها، بل تمنحه كماله الأخير. فهو ﷺ ليس خصمًا لرسالات من قبله، ولا منافسًا لذكرهم، بل وارثُ ميراثهم، ومصدقُ طريقهم، وخاتمُ البنيان الذي ارتفع حجرًا بعد حجر حتى اكتمل به. ومن ثمّ، فإن كثرة ذكر الأنبياء السابقين في القرآن ليست انصرافًا عنه، بل في أحد معانيها تكريمٌ له؛ لأنه جاء جامعًا لميراثهم، حاملاً أمانة التوحيد التي تعاقبت عليها القرون، ومبلغًا للبشرية أن الدين عند الله واحد في أصله، وإن تنوعت الشرائع وتبدلت الأحوال.

وإذا كان موسى عليه السلام قد أخذ هذه المساحة الواسعة، فلأن قصته كانت من أعظم المرايا التي يرى فيها الإنسان صراع الحق مع الباطل، والإيمان مع الاستكبار، والضعف البشري حين يسنده الله، والطغيان الأرضي حين ينهار أمام كلمة السماء. وإذا كان إبراهيم عليه السلام كثير الحضور، فلأنه أبو التوحيد في صفائه، وصورة الإنسان الذي يهتدي إلى ربه بالعقل والقلب معًا، ويكسر الأصنام في الحجر قبل أن يكسرها في الفكر. وإذا تكرر ذكر عيسى عليه السلام، فلأن مقامه كان موضع التباس عبر التاريخ، فاقتضت حكمة القرآن أن يبينه، ويصحح الانحراف فيه، ويردّه إلى عبوديته الشريفة ورسالته الكريمة. وإذا حضر يوسف، فلأن قصة الجمال والمحنة والعفة والسجن والتمكين كانت ولا تزال من أبلغ ما يروي للقلب معنى الثقة بربه حين تضيق السبل. فالذكر في القرآن ليس عاطفةً عددية، بل هندسة ربانية للمعنى، وتوزيعًا مقدرًا للعبرة، ووضعًا لكل نور في الموضع الذي يليق به.

ومن هنا، فإن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، بل هي إشارات ذات دلالة روحية وفكرية عميقة. إنها تقول لنا، في لغة صامتة لكنها بالغة البيان، إن الإسلام ليس دين الانغلاق على لحظة واحدة من التاريخ، ولا دين الانفصال عن ميراث السماء السابق، بل هو دين الامتداد العظيم. هو الدين الذي لا يخجل من الاعتراف بسابقيه، لأنه جاء من نفس المصدر. وهو الدين الذي لا يضيق بإخوته من الأنبياء، لأنه يرى فيهم شرف الرسالة الواحدة. وهو الدين الذي يربط المؤمن بمحمد ﷺ بكل من سبقه من رسل الله، فلا يكتمل إيمانه إلا إذا آمن بهم جميعًا، ووقرهم جميعًا، وأدرك أنهم جميعًا فروع شجرة واحدة أصلها في السماء، وثمرتها هداية الإنسان إلى ربه.

وهكذا لا يبقى القرآن كتابًا نزل في مكة والمدينة فحسب، بل يغدو كتاب التاريخ الإيماني كله؛ كتاب آدم حين تعثر ثم تاب، وكتاب نوح حين صبر على إعراض قومه، وكتاب إبراهيم حين فتش عن ربه حتى اهتدى، وكتاب موسى حين واجه الطغيان بعصا الإيمان، وكتاب عيسى حين رفع الله مقامه وطهّر رسالته من الغلو، وكتاب يوسف حين خرج من الجب إلى خزائن الأرض، وكتاب يعقوب حين علم البشرية معنى الصبر الجميل. ثم هو، بعد ذلك كله، كتاب محمد ﷺ الذي جمع هذه الخيوط كلها في نسيج أخير، وأبلغها للناس كافة، وختم بها مسيرة النبوة.

ومن أجمل ما في هذا البناء أن محمدًا ﷺ حاضر في القرآن حضورًا أعمق من مجرد الاسم. حضوره ليس حضور لفظٍ يتكرر، بل حضور الرسالة كلها. حضوره في كل أمر بالتبليغ، وفي كل توجيه للصبر، وفي كل تسلية بعد أذى، وفي كل نداء يربط السماء بالأرض. حضوره في خُلُقه الذي وصفته أم المؤمنين بأنه كان القرآن، وفي سيرته التي صارت الترجمة العملية للوحي، وفي جهاده الذي حوّل النص إلى أمة، والأمة إلى تاريخ، والتاريخ إلى نور لا يزال يمشي بين الناس. ولذلك لم يحتج القرآن إلى أن يكثر من اسمه، لأن مقامه كان أكبر من أن يُختزل في تكرار لفظي. كان حاضرًا في القرآن بوصفه الوعاء الحي للوحي، لا مجرد اسم يمر في السطور.

وهنا تتجلى واحدة من أبلغ الحجج على ربانية هذا الكتاب: أنه نزل على محمد ﷺ، لكنه لم ينشغل بتمجيد محمد.

وأنه حمل رسالته، لكنه لم يتحيز له تحيز البشر لأنفسهم. وأنه جعله خاتم الأنبياء، لكنه لم يجعل اسمه أكثر الأسماء دورانًا في الكتاب. ولو كان من عنده، لمال إليه. ولو كان من صنعه، لأكثر من ذكره. ولو كان خطابًا أرضيًا، لجعل مركزه الذات التي حملته. لكن لأنه من عند الله، ارتفع عن ذلك كله، وانشغل بما هو أكبر من الاسم: انشغل بالحقيقة.

إن القرآن، بهذا المعنى، كتاب محمد ﷺ نعم، لكنه ليس كتاب محمد وحده. إنه كتاب إبراهيم وموسى وعيسى ويوسف ويعقوب وإسحاق وإسماعيل، وكتاب كل نبي حمل قبسًا من نور الوحي، ثم سلّمه لمن بعده حتى بلغ تمامه في الرسالة الخاتمة. وهو فوق ذلك كله كتاب الإنسان الباحث عن ربه، وكتاب القلب المكدود الذي يريد أن يعرف طريقه، وكتاب العقل الحائر الذي يفتش عن جامعٍ يعيد ترتيب الوجود حول معنى التوحيد.

وهذا هو سر جلاله العظيم: أنه نزل على خاتم الأنبياء، لكنه لم يغلق الباب على واحد. وأنه شرف محمدًا ﷺ، لكنه لم يبن مجده على محو من سبقه. وأنه وسّع دائرة الذكر حتى صارت النبوة كلها حاضرة فيه، كأن السماء أرادت أن تقول للبشرية: هذا الكتاب ليس غريبًا عن تاريخكم الإيماني، بل هو خاتمته؛ وليس خصمًا لما سبقه، بل شاهده ومصدقه ومتممه.

فالقرآن، إذن، ليس كتاب التمركز حول الذات، بل كتاب الانفتاح على تاريخ الوحي كله. وليس كتاب التفريق بين رسل الله، بل كتاب الجمع بينهم تحت راية التوحيد. وليس كتاب أمة ضد أمة، بل كتاب هداية للناس جميعًا.

إنه كتاب محمد ﷺ… لكن جماله الأعظم أنه اتّسع للجميع.

ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
[email protected]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى