١
" مطر .. مطر .. "
وكلما أمطرت تذكرنا السياب وأنشودته وتذكرنا الصراع الطبقي في العراق وصراعنا الوطني هنا .
كان السياب في أنشودته قال :
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " ،
على الرغم من أن المطر يهطل كل عام ، وكان يشير إلى الأثرياء هناك الذين يتخمون في حين أن الفقراء يزدادون فقرا .
هنا - في فلسطين - تمطر أيضا كل عام ، ومع ذلك يعاني مزارعونا ويعاني مواطنونا من شح المياه ، فالمستوطنون ودولة أبناء العمومة تسرق مياهنا ، كما سرقت وطنا بأكمله .
هل نغني إذا مع السياب
" مطر .. مطر .." أم ترانا نكرر قول أبي فراس :
" إذا مت ظمانا فلا نزل القطر "
أحيانا نكون معريين :
" فلا نزلت علي ولا بأرضي \ سحائب ليس تنتظم البلادا "
مع أننا نعاني ممن يسكن معنا البلادا ويقاسمنا هواءها وترابها ، ولكنه يسرق ماءها وترابها ( شوية .. شوية . ) .
أتذكر أم كلثوم وتعود بي الذاكرة إلى ( بون ) ومنزل الطلبة فيها ( كاترين يا كاترين ..اسم كنسي واسم مدني وكتاب ( ادو لف هت لر ) ( ماين كام بف ) وشتاء ماطر .
يا لها من أيام ! اليوم كأني في ( بون ) .
الأجواء الماطرة والضباب والسير في المطر . ألهذا خرجت من منزلي على الرغم من أنني أعرف أن الجامعة قد علقت الدوام . خرجت غير مكترث للشيخوخة التي تطلب مني أن ألتزم الحذر .
هل أنا شيخ أم أتشايخ ؟
ربما يجب أن نقرن الشيخوخة بمفردة تشبهها !
كلما شخ المرء أكثر شاخ اكثر .
" مطر ..مطر .."
أتذكر السياب وأتذكر عنوان قصيدة محمود درويش .
لا بد من إنجاز كتابة عن محمود درويش في ذكرى ولادته .
أنا الآن أفكر في كتابة مقال الأيام في 11 \ 3 \ 2012 عن درويش .
كنت أود أن أواصل الكتابة عن روايات بوكر لولا ..
اليوم لم أمر على مكتب الجريدة لأسلم مقال الأحد لأن الأمطار غزيرة .
أنجزت صيغتين عن الحبيب السالمي الروائي التونسي المرشح هذا العام لبوكر .
ماذا نعرف عن الأدب التونسي ؟
من كتب من أدبائنا عن تونس " شكرا لتونس " كتب محمود درويش ، و " سماء واحدة " كتبت ليانة بدر وأما القاص أكرم هنية فكتب قصصا قصيرة .
" مطر .. مطر .. " وأتذكر السياب :
" ما مر عام والعراق ليس فيه جوع "
على الرغم من أنها - أي السماء - كانت " منذ كنا صغارا تغيم في الشتاء وينزل المطر .. "
وكل عام والأمطار غزيرة و... مطر .. مطر ..
٢٠١٢
٢
المساء هاديء والشوارع فارغة من المشاة :
اليوم الجمعة بداية الربيع وعيد اﻷم وذكرى معركة الكرامة .
الأجواء ربيعية بالكامل ، لولا نسمات باردة في هذه اللحظات .
ذهبت إلى قرية سالم ﻷعزي أ . د . عبد الجليل عبد المهدي بوفاة أخيه د . ذياب ، فرأيت سالم مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات . رأيت حركة عمرانية نشطة ومباني حديثة إلى جانب المباني القديمة . لقد اختلفت القرية عما كانت عليه في ستينيات القرن العشرين ، والسؤال هو : هل وازى هذا التغير في البناء تغير في العادات والتقاليد والتعليم ؟
أظن أن أكثر أبناء سالم اليوم متعلمون ، ولكن العادات والتقاليد والقيم في عالمنا العربي شيء يصعب تغييره .
أجواء الربيع تبدو مفرحة على الرغم من قلة المطر ، والقرى أصبحت جزءا من المدينة ودخلت فيها .
ما عادت نابلس مدينة صافية مثل كل المدن في العالم ، ولقد ولى ذلك الزمن الذي كانت فيه التقسيمات واضحة .
اليوم أصبحت المدن كوكتيل ، ولكن هل هي كذلك في ذواتنا وفي دواخلنا ؟
أشك في ذلك ، فما زلنا نعيش في الماضي وما زال الماضي يحكمنا .
فقط ما يمكن أن يكون جيدا هو أن يتعايش الناس وفق مقولة " كل من على دينه الله يعينه ".
ثمة مغن رجل يغني أغنية أم كلثوم " إنت عمري " .
" أنا وأنت بعيد بعيد وحدينا وخدني بحنانك خدني" و ... وعن المدينة والريف والمخيم والاحتلال والسلطة وخلاف عباس ودحلان وبشار والنصرة والتكفير أبعدني .
٢٠١٤
٣
الجيل الجديد من الأدباء والحركة النقدية :
يوم الأربعاء 18 / 3/ 2015 كنت في وزارة الثقافة ، والتقيت بالشاعر عبد السلام عطاري ، وخاض في حديث عن الحركة الأدبية ، بحضور الفاضلة آيات نزال ، ومما قاله إنه لا توجد حركة نقدية في فلسطين ، وإن ما يكتبه النقاد ما زال مقتصرا على أسماء معروفة ورموز أدبية مشهورة ، وليس هناك نقاد يتناولون الأعمال الأدبية للكتاب الجدد ، بل وللأجيال اللاحقة لجيل السبعينيات .
هل هذا الكلام صحيح ؟
أعتقد أنه ينطبق علي شخصيا ، وأنا أقر بهذا ولا أنكره ولا أجادل فيه ، فأنا ما زلت أكتب عن أسماء نشأت مع نصوصها : محمود درويش واميل حبيبي وسميح القاسم ومعين بسيسو وغسان كنفاني وأكرم هنية ومحمود شقير وتوفيق فياض ونجاتي صدقي وسميرة عزام و .. و ... وبعض الأسماء التي بدأت تكتب في فترة لاحقة ، ولم أكتب عن الأجيال الشابة إلا قليلا .
هناك سؤال يؤرقني وهو :
- هل هناك من الأسماء الشابة من تجاوز أيا من الأسماء الوارد ذكرها ؟
وأنا أحاور كثيرا من الكتاب الجدد اسألهم إن كانوا قرؤوا الأجيال السابقة وإن ساءلوا أنفسهم أين هم منها ؟ وماذا اضافوا اليها ؟ وغالبا ما يجيبونني بإنهم لم يقرؤوها .
كيف إذن يمكن متابعة كتابات الأجيال الجديدة ؟
هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فعلى هذه الأجيال أن توجد نقادها منها .
ربما أنا على خطأ ! ربما !
في الفترة الأخيرة قرأت ثلاث روايات لروائيين لكل منهم ما لا يقل عن ثلاث أربع روايات ، وعرفت منهم أنهم لم يقرؤوا من سبقهم ، وكانت أعمالهم لا تتجاوز السابق .
هل يجدر أن أتوقف أمام رواياتهم مطولا ؟
٤
اليوم هو يوم فايزة أحمد وأغنيتها " ست الحبايب " أكثر مما هو يوم الأم .
أمي ماتت وكتبت في رثائها مقالا قرأه شخص كان له تأثير كبير عليه في اتخاذ قرار حاسم ومصيري .
في يوم الأم صباح الخير يا أبي .
٢٠١٥
٥
" حالة حصار "
" حالة حصار " هو عنوان ديوان شعري لمحمود درويش كتبت عنه .
أنا أيضا أحيا حالة حصار .
حقا إنني محاصر ومراقب وموضع استجواب ، ممن يستحق وممن لا يساوي قشرة بصلة .
صرت أقل ذكاء
وأقل انسانية
وصرت ،
كما قال مظفر النواب :
" أحاذر حتى الحيطان "
فالعثة في المجتمع المتخلف تفصل بين الانسان
وبين
وبين .... الخ .. الخ
٢٠١٥
٦
فردنا قانون الأعادي :
وأنت تهييء نفسك للذهاب إلى القدس ، لا يخطر ببالك أن تكرر قول تميم البرغوثي :
" مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون الأعادي وسورها "
لماذا ؟
ببساطة لأنك تجاوزت الستين ، وأصبح قانون الأعادي لا ينطبق عليك . لم يعد القانون يسري عليك ، وهكذا تحزم أمرك وتصحو مبكرا وكلك يقين بأنك ستزور فلسطين 1948.
على معبر قلندية تكتشف أنك لا تعرف القانون جيدا ، فقانون الأعادي لا يخلو من استثناء هو أنه لا يسري يوم السبت ، وأن المنع يشمل يوم السبت من هو فوق الستين ، وستعود خائبا.
في الصباح كنت توجست فكتبت " المرق والعظم " وستجد العظم في المرق ، وسيردك قانون الأعادي .
في أثناء العودة خائبا ستتذكر توفيق صايغ وما كتبه عن الصياد الذي عاد بشبكة خاوية وسمكة مشتراة :
" أيرضيك يا صاحبي ؟ "
وسواء رضيت أو لم ترض فالقانون هو القانون .
كان تميم نجح في دخول القدس بواسطة نمرة صفراء - أي اسرائيلية ، ومع أنكم كنتم في حافلة نمرتها صفراء ، إلا أنكم لم تفلحوا في الدخول .
المتعوس متعوس ، ومتعوس البر متعوس البحر ، بقانون أو بغير قانون
21 / 3 / 2016
٧
عكا 5 : إميل حبيبي :
في شوارع عكا القديمة وفي جامع الجزار تتذكر رواية " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974
كان إميل حبيبي أتى في الجزء الأول / الكتاب الأول " يعاد " على ما جرى في العام 1948 - أي حين احتلت المدينة وعاد هو متسللا إليها فاختفى ، مع من بقوا ولم يهاجروا ، في باحة جامع الجزار وفي سراديب المدينة .
في شوارع عكا القديمة ترى بيوتا تآكلت جدرانها وبدت طوابقها الأرضية مثل سراديب . تماما كما هي بيوت البلدة القديمة في نابلس ، مع فارق هو أن كثيرا من بيوت البلدة القديمة في نابلس تبدو مهجورة أبوابها مغلقة .
في عكا يصر السكان على عدم ترك البيوت ويتمسكون بها .
بالقرب من الميناء ، حيث القوارب تقل السواح في جولة بحرية بيوت مهجورة إلى جانب كنيسة مهجورة .
البيوت بلا أبواب وكذلك الشبابيك ، وكما قيل لي فإن الناس ما زالوا يقيمون فيها حتى لا تصادر فيفقد الناس مصدر رزقهم وبيوتهم أيضا .
وأنت تتجول في عكا وتقف على الشاطيء ترى الجمال ؛ جمال البحر ، وترى البؤس ؛ بؤس المباني . يا لهذا التناقض المذهل !
في عكا تعرف لماذا أصر إميل حبيبي على الكتابة على شاهد قبره " باق في حيفا " .
هل تجد لبطله سعيد مبررا للتعامل مع الاحتلال مقابل فضيلة البقاء في الوطن ، فاضطر أن يموه فتغابى ؟
وهل عرف بيت الشعر :
" ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي ؟ "
وأنت تتجول في عكا وتقف على الشاطيء تتذكر إميل حبيبي وأيامه الأولى في الدولة الجديدة .
21 / 3 / 2017
٨
( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا )
في الزمن العربي وما يجري فيه لم يبق مال ولا بنون والله أعلم ما هي الباقيات الصالحات !
" كل يعظم دينه
ليت شعري ما الصحيح "
" المعري"
هل ما فعله ( نتنياهو ) في الصين هو الصحيح ؟
قرر ( نتنياهو ) استقدام 20 ألف عامل بناء .
هذا يعني أن ما في ذهنه هو تهجيرنا فقط .
21 / 3 / 2017
٩
أساتذة جواسيس :
لا بد من العودة إلى رواية خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " لمتابعة صورة أساتذة الجامعات العربية فيها . الصورة كارثية وهي ، للأسف ، صحيحة .
رسائل الأساتذة مشكوك فيها وأبحاثهم معادة مكرورة تصوغ ما كتب فيه صياغة رديئة ، وأحيانا تختصر دراسات سابقة وكتبا متينة ، تختصرها بشكل رديء ، وإشرافهم على الرسائل أسوأ ما يكون وليتهم يكتفون بهذا .
يتجسسون على زملائهم ويوظفون الطلاب لهذا ، وبدلا من أن يخلقوا جيلا مفكرا يربون جواسيس .
هكذا تتجسد الشخصية الفهلوية فيهم أوضح ما يكون التجسد والتجسيد .
خسارة أن يكون حملة الدكتوراه جواسيس على زملائهم .
ببساطة إنهم عرب صالحون .
21 / 3 / 2018
١٠
حول الكلاب والمساعدات الاقتصادية الغربية :
اقرؤوا ما كتبه معين بسيسو عن الكلاب الألمانية التي استخدمها النظام المصري في 50 القرن العشرين :
" الكلب البوليسي " لاكي " قد أكل قطعة اللحم في حجم رأس الدجاجة .
في الشهر الرابع كان " لاكي " يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة ،
وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجان . كان " لاكي " هدية من " ألمانية الغربية " ، ضمن برنامج المساعدة الاقتصادية وفي الواقع فقد أكل من اللحم وشرب من المرق أكثر بكثير من الذي تقدمه ألمانيا الغربية لإنعاش الفلاحين المصريين . وكما أن الكتابة تجيء في خطوط مستقيمة ، هكذا تعلمنا الكتابة . غير أن الزنزانة تعلمك كتابة جديدة . والزنزانة تفتح للمرة الثالثة قبيل الغروب . القروانة نفسها وفوقها الرغيف ويغلق باب الزنزانة بعدها حتى السادسة صباحا " .
١١
الموقع والموقف :
هل أخطأ مظفر النواب حين قال :
" إنها الماركسية أم العرافة ؟ "
لا أزعم أنني ماركسي ، ولكنني أجزم أنني أفيد من الماركسية في قراءة الأدب .
ماذا لو قرأنا ما يجري في غزة الآن في ضوء كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " ؟
وماذا لو قرأنا موقف السلطة الفلسطينية من المقاومة في ضوء قراءتنا لمواقف المنظمات الفلسطينية من أحداث أيلول وجرش في 1970 و1971 ؟
وماذا لو قرأنا أيضا موقف حزب الله والنظام السوري ممن يقاوم الآن من الجنوب والجولان ؟
المعارضة ثورية في موقع المعارضة وهي سلطة في موقع السلطة .
لست ديكا فصيحا أو الديك الأخير .
مثل ( ديكارت ) : أشاهد وأفكر وأجرب وأعرض على العقل .
21 آذار 2019
١٢
العظم في الشوربة مرة أخرى :
كان يفترض أن أكون هذا المساء في حيفا ، لأتحدث عن كتاب الأسير باسم الخندقجي " نرجس العزلة " ، ولكن ماذا أفعل وأنا محظوظ بوجود العظم في الشوربة ؟
غاب عن ذهن المحامي الأستاذ فؤاد نقارة أنه لا يسمح لأبناء الضفة الغربية ، في الأعياد اليهودية ، دخول المناطق المحتلة في العام 1948 .
اليوم عيد ال (بوريم) /المساخر .
اليوم يحتفل أبناء العمومة بمنقذة الشعب اليهودي من الذبح على يد (هامان) وزير الملك الفارسي ( احشويريش ) ، وكان هذا الملك الذي تكبرت عليه زوجته وتعالت قد تزوج من (استير) أجمل بنات اليهود ، فقد عرض (مردخاي ) مستشار الملك عليه أجمل فتيات الطائفة اليهودية في بلاد فارس .
بوحي (البوريم) كتبت في العام 1986 قصة "تلك القدس...ذلك السبت" .
أدام الله الأعياد اليهودية والمسيحية والإسلامية وحبب القلوب ببعضها وإن شاء الله تتزوج نعمة الفتاة اليهودية العربية ابنة الثانية والثلاثين من MBS وتحقق حلمها بإقامة حزب يهودي مدعوم سعوديا ، وتطلب هذه المرة من ملك إسرائيل الجديد أن يقمع وزير حربه السابق والحالي والمستقبلي .
شدي حيلك يا نعمة .
معلش زيارة حيفا مقدور عليها لاحقا.
21 آذار 2019
١٣
الست كورونا والاجتياح في ٢٠٠٢ و٢٠٠٣/ ١٧ :
" خليك بالبيت " العبارة الأكثر تداولا حتى أن صديقي الشاعر راضي عبد الجواد أرسل لي أمس رسالة عبر الماسنجر تحتوي على علبة دواء مثل علب الدواء الذي يباع في الصيدليات مكتوب عليها اسم الدواء الأنسب لعلاج كورونا " خليك بالبيت " والكتابة لا تقتصر على لغة واحدة ، فهي باللغات الثلاثة ؛ العبرية أساسا والانجليزية والعربية إن أحسنت الرؤية .
في العام ٢٠٠٢ و٢٠٠٣ اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدن الضفة الغربية وفرضت علينا منع التجول ، وكانت تمر علينا أسابيع لا نخرج فيها من بيوتنا إلا لساعات قليلة للتسوق .
لم تفرض السلطة الفلسطينية علينا حتى اللحظة منع التجول ، ولكن الحركة في نابلس تبدو ضعيفة ، ومن يعيش الآن وضعا مشابها لما عشناه في أيام الاجتياح هو مدينة روما .
أمس حول لي صديق شريط فيديو لروما في هذه الأيام . لقد فرضت الست كورونا على المدينة ضربا من منع التجول وبدت روما مثل مدينة النحاس في ألف ليلة وليلة . بدت مدينة لا أنيس فيها ولا ونيس ؛ مدينة تصفر فيها الريح ، وقد سر بعض المسلمين لهذا إذ أغلقت الملاهي والبارات واختفت ملامح العري والفسق ، وقد تكون الست كورونا إنذارا لأهل روما حتى يتعظوا وكي تنجو مدينتهم من مصير سدوم وعمورة ولكي لا يكون مآل سكانها مصير قوم لوط .
٢١ آذار ٢٠٢٠
١٤
الست كورونا وعيد الأم ١٨ :
لا ألتزم بالنصيحة " خليك بالبيت " إلا في يوم الجمعة .
اليوم السبت وهناك مناسبتان ؛ وطنية واجتماعية ، الأولى ذكرى يوم الكرامة ، والثانية عيد الأم ، وأمي ماتت في العام ٢٠١١ .
في حافلة العمومي تحدثنا عن الكورونا وتأثيرها على المناسبة الاجتماعية ، فالشوارع خالية ولا أزمة في المرور وأين هذا من العام الماضي ؟
السائق حكى عما عاناه في العام الماضي وهو يسوق . ثمة ازدحام وبطء في التنقل ، واليوم يحتاج إلى ساعة ونصف حتى يأتي دوره ليقل الركاب ، فلا ركاب لالتزام كثيرين بعبارة " خليك بالبيت " .
الباعة كانوا أيضا يقارنون بين عيد الأم في هذا العام وعيدها في العام الماضي . اليوم المتسوقون يعدون على الأصابع .
في خان التجار كان أصحاب المحلات يكشون الهواء ، ولو كان الجو حارا لكشوا الذباب . عم كانوا يتحدثون ؟
- " راحت على شيعة إيران وما نفعهم الحسن والحسين . " واحسن وحسين " وحالات الإصابة في إيران مرتفعة .
قبل أيام نظرت في شريط فيديو يظهر فيه داعية شيعي يعظ الحضور . مما قاله لهم إن موضوع الكورونا فارط ، فالقادمون إلى المقام ما إن ينزعوا أحذيتهم حتى تغدو خالية من فايروس ١٩ ، وطالما بقيت الأحذية في المقام فهي معقمة وخالية من الجراثيم على بعد كذا كيلو متر . حين تبتعد الأحذية عن المكان المقدس تمتليء بالجراثيم .
لا هدايا للأم في عيدها ولم أستمع إلى فايزة أحمد و " ست الحبايب يا حبيبة " . هل أصيبت المغنية بالكورونا أم أن الإذاعة ومذيعيها " كورنوا " .
عافانا الله واياكم .
٢١ آذار ٢٠٢٠ .
١٥
ذاكرة أمس ٢٦ : التناقض الرئيسي والتناقض الفرعي في زمن الفايروس :
أمس قرأت على صفحة أحد الأصدقاء الافتراضيين فقرة يشتم فيها أبناء شعبنا ويصفهم بأنهم وصلوا إلى درجة من البلادة لا تتصور ، فهم لم يعودوا ، حين يستشهد فلسطيني ، يحركون ساكنا ، وصاروا يتناقلون الخبر - إن تناقلوه - كما لو أن شيئا لم يحدث .
وأنا فكرت بالأمر .
في الصباح غادرت الحي الذي أقطن فيه إلى وسط المدينة . كان الإغلاق شاملا ، فالمحلات مغلقة وحتى سوق الخضار الشرقي كان شبه مهجور . عربات بيع الخضار قليلة وليس هناك حركة نشطة ، وكانت الفراولة أكثر المعروضات :
- بسبعة شواكل الكيلو .
كان أصحاب العربات ينادون على الفراولة الناضجة ، وكان لونها مثل لون الدم الأحمر القاني .
منذ منتصف النهار شددت الشرطة العسكرية على حركة السيارات ، وحين عدت في الرابعة كانت الشرطة توقف سيارات العمومي وتسأل سواقيها عن سبب تحركهم :
- لماذا تسوق وأنت تعرف أن هناك إغلاقا ؟
والسائق يكاد يحتار ولا يجيب ، لولا أن الشرطي ينقذه :
- أم معك طلب ؟
ويجيب السائق بنعم وهكذا يتركه الشرطي وشأنه . شرطتنا تتسامح مع شعبنا وتيسر له أموره ، ولو حاول شرطي التشديد فإن السائق سيبرز فورا هويته العسكرية لكي لا يخالف من زميله العسكري . هكذا عرفت ولا أقول ( تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) .
ما الذي دفع الصديق الافتراضي إلى شتم شعبنا ونعته بالبلادة ؟
أول أمس ، يوم الجمعة ، استشهد المواطن عاطف حنايشة من قرية بيت دجن شرق نابلس ، في أثناء مشاركته في مظاهرة احتجاج ضد الاستيطان . كانت الرصاصة في مكان قاتل وفقد ابن الخامسة والأربعين عاما بلحظة الحياة .
هل نحن حقا وصلنا إلى مرحلة متقدمة من البلادة أم أنه غاب عن ذهن الصديق الافتراضي أن صراعنا الرئيس الآن هو مع الفايروس لا مع الاحتلال ؟
وشر البلية ما يضحك ، فقد عدت بذاكرتي إلى أدبياتنا في سبعينيات القرن العشرين ، وإلى روايتي الكاتبة النابلسية الأردنية سحر خليفة " الصبار " و " عباد الشمس " وتنظيرات أبطالها اليساريين حول التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي ، ولطالما كرر هؤلاء مقولة الصراع الرئيسي والصراع الثانوي :
" التناقض الرئيسي في زمن الاحتلال هو مع الاحتلال وأما التناقض الطبقي فهو تناقض ثانوي " .
والآن في زمن الكورونا صار التناقض مع الاحتلال تناقضا ثانويا ، لأن التناقض الرئيس هو مع الكورونا .
هل كان التناقض بين فتح وحماس حقا تناقضا ثانويا وتناقضهما مع الاحتلال تناقضا رئيسيا ؟
٢١ آذار ٢٠٢١
١٦
" يهود اليهود " :
في رواية إلياس خوري " باب الشمس "( ١٩٩٨ ) تتردد على لسان بعض شخصياتها ، لتبيان فظاعة معاناة الفلسطينيين ، العبارة الآتية :
- " صرنا يهود اليهود " .
والعبارة تحيل إلى عالمين ؛ عالم الفلسطينيين ، منذ نكبة العام ١٩٤٨ ، وعالم اليهود في أوروبا ، تحديدا منذ حشروا ، أو انحشروا هم ، في غيتوات خاصة بهم ، وصارت كلمة يهودي شتيمة .
عانى اليهود في أوروبا ؛ عانوا في روسيا القيصرية ( البوغروم ) ، وعانوا في ألمانيا النازية ( الهولوكست ) ، وكان أن حقدوا على أعدائهم وحقدوا أيضا على من استقبلهم في بيته . ولأنهم لم يتمكنوا من مقاضاة القياصرة الروس والنازيين الألمان ، فقد رأوا فينا أولئك وهؤلاء ، وفرغوا حقدهم على الطرفين فينا . هل أراد الله أن يسلطهم علينا لأننا ، في نظر قسم منا ، أشرار ، أو لأننا ، كما يقول كل واحد فينا لا يمشي الآخرون على مزاجه ، سيئون و " بنستاهل " ؟ .
- لقد صرنا يهود اليهود .
ولأننا صرنا يهود اليهود فليس غريبا أن تزعم الحركة الصهيونية أن من قتلوا في غزة ؛ من النساء والأطفال والمسنين ، هم من اليهود ، وهكذا سيواصل الإسرائيليون الصراخ والحديث عن " الشوا " - أي المحرقة - إلى ما لا نهاية ، وقد يصدق روايتهم العالم الغربي . ألم يصدق ( جو بايدن ) الرئيس الأمريكي ما قاله له رئيس الوزراء الإسرائيلي في بداية الحرب من أن الفلسطينيين قتلوا واغتصبوا ؟
وعودة إلى رواية " باب الشمس " .
يرد في الرواية أن عددا من ضحايا شاتيلا وصبرا ، في العام ١٩٨٢ ، كانوا من اليهود ، وقد اعتمد إلياس ، فيما أورده على لسان الشخصية التي تحدثت ، على كتاب " الدماغ الحديدي " للكاتب الإسرائيلي ( امنون كابيلوك ) ، ومما ورد في الكتاب :
" فقد أحصي بين المفقودين تسع نساء يهوديات تزوجن من فلسطينيين أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين ، وتبعن أزواجهن إلى لبنان أثناء نزوح ١٩٤٨ ، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أسماء أربع منهن " .
كل شيء وارد وممكن ، وهناك من رد أسباب ما يجري الآن إلى هجوم خماس الداعشية المجرمة قطاعة الرؤوس بقارة البطون مغتصبة النساء قاتلة الأطفال ، ناسيا أو متناسيا ، غافلا أو متغافلا ، ما جرى في العام ١٩٤٨ وما تلاه من احتلال وطرد وهدم بيوت واحتقار وتعال و .. و .. وكل ما تقوم به دولة مريضة تحيا في الماضي .
الأوضاع في غزة ليست بخير إطلاقا فالقتل والتجويع والحصار في ازدياد ، وأمس ، في جنين ، ارتقى ثلاثة شباب فلسطينيين ، طاردتهم مسيرة و ... و ... .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
٢٧
قراءة نصوصنا الأدبية الفلسطينية الجديدة في ضوء منهج ( برونتير ) قد توصلنا إلى نتيجة محبطة ، فكثير من الأفكار والأساليب تبدو تكرارا .
ماذا لو قرأت رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ( ٢٠١٤ ) ورواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي "( ٢٠١٧ ) في ضوء هذا المنهج - أي في ضوء أعمال أدبية فلسطينية سابقة ؟
هل الأفكار جديدة ؟
هل الأساليب جديدة ؟
أتمنى أن أكون في قراءتي للروايتين منصفا ، وألا تكون قراءتي قراءة ذكورية ، بخاصة أن اليوم هو يوم ست الحبايب .
مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية عن رواية " سفر الاختفاء " والأحد الذي يليه عن رواية " تفصيل ثانوي " في ضوء " تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ " .
غالبا ما يوجه لي اتهام أنني لا أقرأ الأدباء الجدد ، علما بأنني أكثر من كتب عنهم ، بخاصة الروائيون .
٢١ / ٣ / ٢٠٣٤ .
١٨
نعم أنا أيضا لست بخير :
لست في غزة لأعيش قسوة الحياة ، تحت القصف ، مشردا في شارع أو مقيما في خيمة أو ينتظر دوره في طابور للحصول على رغيف أو كيس طحين مغمس بالدم ، أو ليفرغ معدته مما تمتليء به من هذا العالم أو مثانته أو ...
ولست في غزة ، ليغرق مما تجود به السماء من أمطار كانت شتاء هذا العام وفيرة غزيرة ، أو ليشعر ببرد لافتقاد التدفئة أو نقصان الملابس الشتوية التي تركها أصحابها في بيوتهم ، على أمل أن يكون النزوح ، نحو الجنوب ، قصيرا عابرا ، في حرب قصيرة عابرة ، حرب مثل الحروب السابقة أو مثل حرب حزيران ١٩٦٧ . لا الملابس عدنا إليها ولا البيوت ، فقد سويت الأخيرة بالأرض وسويت معها بالتراب الملابس والغسالات وخزانات المياه و ... و ... .
نعم لست أنا أيضا بخير ، علما بأنني أملك كل ما افتقده أهل غزة : البيت والطعام والكساء والدفء والمكتبة والنقود والمعارف والأصدقاء وإمكانية السفر وتناول لذيد الطعام وفاخر الحلوى وتوفر الإنترنت و ... .
نعم لست أنا بخير !
أحاول أن أقرأ كتابا جديدا فلا أركز .
أحاول أن أستمع إلى أغاني فيروز فلا أشعر بالرضا
أحاول أن أشاهد مباريات كأس دوري أبطال أوروبا ، كما هي العادة منذ سنوات ، فلا أقوى على متابعة مباراة واحدة . أحاول فلا تطاوعني يدي على البحث في غوغل عنها .
وأحاول أن ... فلا أشعر بالرضا . أيعقل ؟؟!!
أمشي في الشارع وأتأمل في وجوه البشر وأنظر إلى البضائع أشتري ما قل وأفاد وأبقاني على قيد الحياة .
أتابع الأخبار . أثرثر مع بعض من ألتقيهم . أبحث في صفحات معينة عن خبر يفرح . أرقام . أرقام . أرقام . أرقام . قتلى . جرحى . أسرى . عدد اللاجئين . عدد الميتين جوعا . عدد الشاحنات . محاولات الإنزال . الميناء . الدبابات الإسرائيلية . محاصرة المشافي . الاستغلال . ارتفاع الأسعار . السلع النادرة . أكل الحشائش . أرغفة الخبز المصنوع من علف الدواب . الكذب . النفاق . البطولات الحقيقة والوهمية في التلفازات .
ارتقاء " حلل يا دويري " و " الفارس الأنيق " و " الفارس الحافي ذي البنطال الستريتش " . أطفال بلا إباء . بلا أمهات . عائلات تباد . الشاعر سليم النفار وعائلته . حمزة وائل الدحدوح وعائلته . ضياع مكتبات . التحسر على الماضي .ذكريات رمضان الماضي . تكيات الطعام . شتائم الغزيين للمساعدات الجوية ومن يقومون بها : لا نريد مساعداتكم . نريد أن نعود إلى بيوتنا و ... و ... و ... و " أجمل الأمهات " اللاتي بقين في غزة يحتملن خفة الحياة التي لا تحتمل .
وأنا .. ؟!
أنا الذي ينعم بكل ما يفتقده أهل غزة ، أنا لست بخير أيضا .
كان الله في عونكم يا أهل غزة !
٢١ / ٣ / ٢٠٢٤
١٩
عبدالله إبراهيم والجامعة : الكتاب المقرر
يكتب عبدالله إبراهيم عن عمله مدرسا في جامعة قطر كتابة ذكرتني بما كتبته عندما تقاعدت من جامعة النجاح الوطنية تحت عنوان " أنا والجامعة " ( ٢٠١٩/ ٢٠٢٠ ) وما كتبته قبل عامين تقريبا عن رواية المحامي الأمريكي( ديان ديللي - DEAN DELLIY ) " فتاة نابلس " ، وبالتحديد عن طرق التدريس في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة النجاح في ثمانينيات القرن ٢٠ .
لا يلجأ عبدالله وهو يدرس في الجامعة إلى إقرار كتاب ، فيشكوه الطلاب إلى الإدارة التي تبلغه بضرورة أن يكون ٧٥ بالمائة من حديثه ومناقشاته وأسئلته من الكتاب المقرر .
لقد كان التعليم تقليديا جدا لم يحقق نتائج طمح إلى تحقيقها إلا في حدود دنيا " فتبددت الأفكار التي جهدت في تكوينها وقتا طويلا " ذلك أن أغلبية الطالبات مشغولات بغير الدراسة الجامعية التي تعد وجاهة في مجتمع استهلاكي " وكثيرات من الطالبات يمكثن في الجامعة ضعف المدة المقررة لهن فيسجلن مقررين أو ثلاثة في الفصل الدراسي ، ولا يهمهن النجاح ، فتخرجهن يعني مكوثهن أسيرات المنازل . لكن الحال بعد عقدين تغيرت .
أهم مما سبق نقرأ عن علاقته بزملائه في قسم اللغة العربية . لقد بدا لهم وافدا ضل طريقه " فالجو مملوء بالريبة ، وبسط الحذر ظلاله على العلاقات الإنسانية والعلمية بين الأساتذة " .
كان جل زملائه من خريجي دار العلوم المصرية " يتراكمون في مكتب واحد صامتين كصخور رسوبية " فلم تتشكل بينهم أية علاقة فكرية إنسانية . وفوجيء " أن الموضوعات الأدبية في الجامعة تعود إلى ما قبل منتصف القرن العشرين في مناهجها ومضامينها ؟ حتى أن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم يدرسان كمجددين في الشعر العربي الحديث ، ولا ذكر للسياب ونازك الملائكة وادونيس وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش ، ولا يوجد مقرر للرواية ، وحينما يذكر نجيب محفوظ يوصف بأنه كافر ، وأغفل ذكر المناهج الحديثة كالشكلانية والتفكيك ونظرية القراءة والتلقي . أما الدراسات السردية التي تخصصت بها فلم تطرق سمع أحد طوال وجودي في الجامعة ، واكتشفت أنني أعمل في وسط أكاديمي مثاله الأعلى مقررات الأزهر ودار العلوم " .
ويكتب أن الغلبة كانت للمصريين الذين اعتبروا الجامعة حقلا تابعا لهم " ولكن كل هذا تغير فيما بعد " .
كما يكتب عن غربته في هذا الجو الذي كل رأي فيه محط ارتياب ، وعندما طلب منه في بداية عمله أن يلقي محاضرة دخول / إثبات قدرة ، وهذه عادة متبعة في الجامعات الألمانية ، يختار طه حسين الذي كتب عنه في كتابه " الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة " يتعرض من زملائه المصريين لهجومين متناقضين ؛ أولهما التجرؤ على نقد عميد الأدب العربي ، فمقامه لا يطال ، وثانيهما اختياره كاتبا علمانيا خرب الأدب العربي الحديث .وسرعان ما شاع عنه عدم الالتزام بالموروث الإسلامي دينا وأدبا وفكرا .
لقد وجد نفسه بين عصبة ارتمت في أحضان الماضي ، فاتخذ قراره في تحاشي الاندماج في مجتمع طارد للغرباء وجماعات وافدة يشغلها التضاغن ، واعتكف على البحث والكتابة وحافظ على ذلك طوال وجوده في قطر ولم يقم علاقات اجتماعية إلا مع حفنة من اعف المقربين .
٢١ / ٣ / ٢٠٢٥
٢٠
" باسمك تحفظ في خيمة
وتعلب في خيمة . لا هوية إلا الخيام . إذا
احترقت .. ضاع منك الوطن .
وباسمك تأتي وتذهب . باسمك حطين تصبح مزرعة
للحشيش ، وثوارك السابقون سعاة بريد . وباسمك لا شيء "
( سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا . محمود درويش ).
٢١ آذار ٢٠٢٦
" مطر .. مطر .. "
وكلما أمطرت تذكرنا السياب وأنشودته وتذكرنا الصراع الطبقي في العراق وصراعنا الوطني هنا .
كان السياب في أنشودته قال :
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " ،
على الرغم من أن المطر يهطل كل عام ، وكان يشير إلى الأثرياء هناك الذين يتخمون في حين أن الفقراء يزدادون فقرا .
هنا - في فلسطين - تمطر أيضا كل عام ، ومع ذلك يعاني مزارعونا ويعاني مواطنونا من شح المياه ، فالمستوطنون ودولة أبناء العمومة تسرق مياهنا ، كما سرقت وطنا بأكمله .
هل نغني إذا مع السياب
" مطر .. مطر .." أم ترانا نكرر قول أبي فراس :
" إذا مت ظمانا فلا نزل القطر "
أحيانا نكون معريين :
" فلا نزلت علي ولا بأرضي \ سحائب ليس تنتظم البلادا "
مع أننا نعاني ممن يسكن معنا البلادا ويقاسمنا هواءها وترابها ، ولكنه يسرق ماءها وترابها ( شوية .. شوية . ) .
أتذكر أم كلثوم وتعود بي الذاكرة إلى ( بون ) ومنزل الطلبة فيها ( كاترين يا كاترين ..اسم كنسي واسم مدني وكتاب ( ادو لف هت لر ) ( ماين كام بف ) وشتاء ماطر .
يا لها من أيام ! اليوم كأني في ( بون ) .
الأجواء الماطرة والضباب والسير في المطر . ألهذا خرجت من منزلي على الرغم من أنني أعرف أن الجامعة قد علقت الدوام . خرجت غير مكترث للشيخوخة التي تطلب مني أن ألتزم الحذر .
هل أنا شيخ أم أتشايخ ؟
ربما يجب أن نقرن الشيخوخة بمفردة تشبهها !
كلما شخ المرء أكثر شاخ اكثر .
" مطر ..مطر .."
أتذكر السياب وأتذكر عنوان قصيدة محمود درويش .
لا بد من إنجاز كتابة عن محمود درويش في ذكرى ولادته .
أنا الآن أفكر في كتابة مقال الأيام في 11 \ 3 \ 2012 عن درويش .
كنت أود أن أواصل الكتابة عن روايات بوكر لولا ..
اليوم لم أمر على مكتب الجريدة لأسلم مقال الأحد لأن الأمطار غزيرة .
أنجزت صيغتين عن الحبيب السالمي الروائي التونسي المرشح هذا العام لبوكر .
ماذا نعرف عن الأدب التونسي ؟
من كتب من أدبائنا عن تونس " شكرا لتونس " كتب محمود درويش ، و " سماء واحدة " كتبت ليانة بدر وأما القاص أكرم هنية فكتب قصصا قصيرة .
" مطر .. مطر .. " وأتذكر السياب :
" ما مر عام والعراق ليس فيه جوع "
على الرغم من أنها - أي السماء - كانت " منذ كنا صغارا تغيم في الشتاء وينزل المطر .. "
وكل عام والأمطار غزيرة و... مطر .. مطر ..
٢٠١٢
٢
المساء هاديء والشوارع فارغة من المشاة :
اليوم الجمعة بداية الربيع وعيد اﻷم وذكرى معركة الكرامة .
الأجواء ربيعية بالكامل ، لولا نسمات باردة في هذه اللحظات .
ذهبت إلى قرية سالم ﻷعزي أ . د . عبد الجليل عبد المهدي بوفاة أخيه د . ذياب ، فرأيت سالم مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات . رأيت حركة عمرانية نشطة ومباني حديثة إلى جانب المباني القديمة . لقد اختلفت القرية عما كانت عليه في ستينيات القرن العشرين ، والسؤال هو : هل وازى هذا التغير في البناء تغير في العادات والتقاليد والتعليم ؟
أظن أن أكثر أبناء سالم اليوم متعلمون ، ولكن العادات والتقاليد والقيم في عالمنا العربي شيء يصعب تغييره .
أجواء الربيع تبدو مفرحة على الرغم من قلة المطر ، والقرى أصبحت جزءا من المدينة ودخلت فيها .
ما عادت نابلس مدينة صافية مثل كل المدن في العالم ، ولقد ولى ذلك الزمن الذي كانت فيه التقسيمات واضحة .
اليوم أصبحت المدن كوكتيل ، ولكن هل هي كذلك في ذواتنا وفي دواخلنا ؟
أشك في ذلك ، فما زلنا نعيش في الماضي وما زال الماضي يحكمنا .
فقط ما يمكن أن يكون جيدا هو أن يتعايش الناس وفق مقولة " كل من على دينه الله يعينه ".
ثمة مغن رجل يغني أغنية أم كلثوم " إنت عمري " .
" أنا وأنت بعيد بعيد وحدينا وخدني بحنانك خدني" و ... وعن المدينة والريف والمخيم والاحتلال والسلطة وخلاف عباس ودحلان وبشار والنصرة والتكفير أبعدني .
٢٠١٤
٣
الجيل الجديد من الأدباء والحركة النقدية :
يوم الأربعاء 18 / 3/ 2015 كنت في وزارة الثقافة ، والتقيت بالشاعر عبد السلام عطاري ، وخاض في حديث عن الحركة الأدبية ، بحضور الفاضلة آيات نزال ، ومما قاله إنه لا توجد حركة نقدية في فلسطين ، وإن ما يكتبه النقاد ما زال مقتصرا على أسماء معروفة ورموز أدبية مشهورة ، وليس هناك نقاد يتناولون الأعمال الأدبية للكتاب الجدد ، بل وللأجيال اللاحقة لجيل السبعينيات .
هل هذا الكلام صحيح ؟
أعتقد أنه ينطبق علي شخصيا ، وأنا أقر بهذا ولا أنكره ولا أجادل فيه ، فأنا ما زلت أكتب عن أسماء نشأت مع نصوصها : محمود درويش واميل حبيبي وسميح القاسم ومعين بسيسو وغسان كنفاني وأكرم هنية ومحمود شقير وتوفيق فياض ونجاتي صدقي وسميرة عزام و .. و ... وبعض الأسماء التي بدأت تكتب في فترة لاحقة ، ولم أكتب عن الأجيال الشابة إلا قليلا .
هناك سؤال يؤرقني وهو :
- هل هناك من الأسماء الشابة من تجاوز أيا من الأسماء الوارد ذكرها ؟
وأنا أحاور كثيرا من الكتاب الجدد اسألهم إن كانوا قرؤوا الأجيال السابقة وإن ساءلوا أنفسهم أين هم منها ؟ وماذا اضافوا اليها ؟ وغالبا ما يجيبونني بإنهم لم يقرؤوها .
كيف إذن يمكن متابعة كتابات الأجيال الجديدة ؟
هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فعلى هذه الأجيال أن توجد نقادها منها .
ربما أنا على خطأ ! ربما !
في الفترة الأخيرة قرأت ثلاث روايات لروائيين لكل منهم ما لا يقل عن ثلاث أربع روايات ، وعرفت منهم أنهم لم يقرؤوا من سبقهم ، وكانت أعمالهم لا تتجاوز السابق .
هل يجدر أن أتوقف أمام رواياتهم مطولا ؟
٤
اليوم هو يوم فايزة أحمد وأغنيتها " ست الحبايب " أكثر مما هو يوم الأم .
أمي ماتت وكتبت في رثائها مقالا قرأه شخص كان له تأثير كبير عليه في اتخاذ قرار حاسم ومصيري .
في يوم الأم صباح الخير يا أبي .
٢٠١٥
٥
" حالة حصار "
" حالة حصار " هو عنوان ديوان شعري لمحمود درويش كتبت عنه .
أنا أيضا أحيا حالة حصار .
حقا إنني محاصر ومراقب وموضع استجواب ، ممن يستحق وممن لا يساوي قشرة بصلة .
صرت أقل ذكاء
وأقل انسانية
وصرت ،
كما قال مظفر النواب :
" أحاذر حتى الحيطان "
فالعثة في المجتمع المتخلف تفصل بين الانسان
وبين
وبين .... الخ .. الخ
٢٠١٥
٦
فردنا قانون الأعادي :
وأنت تهييء نفسك للذهاب إلى القدس ، لا يخطر ببالك أن تكرر قول تميم البرغوثي :
" مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون الأعادي وسورها "
لماذا ؟
ببساطة لأنك تجاوزت الستين ، وأصبح قانون الأعادي لا ينطبق عليك . لم يعد القانون يسري عليك ، وهكذا تحزم أمرك وتصحو مبكرا وكلك يقين بأنك ستزور فلسطين 1948.
على معبر قلندية تكتشف أنك لا تعرف القانون جيدا ، فقانون الأعادي لا يخلو من استثناء هو أنه لا يسري يوم السبت ، وأن المنع يشمل يوم السبت من هو فوق الستين ، وستعود خائبا.
في الصباح كنت توجست فكتبت " المرق والعظم " وستجد العظم في المرق ، وسيردك قانون الأعادي .
في أثناء العودة خائبا ستتذكر توفيق صايغ وما كتبه عن الصياد الذي عاد بشبكة خاوية وسمكة مشتراة :
" أيرضيك يا صاحبي ؟ "
وسواء رضيت أو لم ترض فالقانون هو القانون .
كان تميم نجح في دخول القدس بواسطة نمرة صفراء - أي اسرائيلية ، ومع أنكم كنتم في حافلة نمرتها صفراء ، إلا أنكم لم تفلحوا في الدخول .
المتعوس متعوس ، ومتعوس البر متعوس البحر ، بقانون أو بغير قانون
21 / 3 / 2016
٧
عكا 5 : إميل حبيبي :
في شوارع عكا القديمة وفي جامع الجزار تتذكر رواية " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974
كان إميل حبيبي أتى في الجزء الأول / الكتاب الأول " يعاد " على ما جرى في العام 1948 - أي حين احتلت المدينة وعاد هو متسللا إليها فاختفى ، مع من بقوا ولم يهاجروا ، في باحة جامع الجزار وفي سراديب المدينة .
في شوارع عكا القديمة ترى بيوتا تآكلت جدرانها وبدت طوابقها الأرضية مثل سراديب . تماما كما هي بيوت البلدة القديمة في نابلس ، مع فارق هو أن كثيرا من بيوت البلدة القديمة في نابلس تبدو مهجورة أبوابها مغلقة .
في عكا يصر السكان على عدم ترك البيوت ويتمسكون بها .
بالقرب من الميناء ، حيث القوارب تقل السواح في جولة بحرية بيوت مهجورة إلى جانب كنيسة مهجورة .
البيوت بلا أبواب وكذلك الشبابيك ، وكما قيل لي فإن الناس ما زالوا يقيمون فيها حتى لا تصادر فيفقد الناس مصدر رزقهم وبيوتهم أيضا .
وأنت تتجول في عكا وتقف على الشاطيء ترى الجمال ؛ جمال البحر ، وترى البؤس ؛ بؤس المباني . يا لهذا التناقض المذهل !
في عكا تعرف لماذا أصر إميل حبيبي على الكتابة على شاهد قبره " باق في حيفا " .
هل تجد لبطله سعيد مبررا للتعامل مع الاحتلال مقابل فضيلة البقاء في الوطن ، فاضطر أن يموه فتغابى ؟
وهل عرف بيت الشعر :
" ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي ؟ "
وأنت تتجول في عكا وتقف على الشاطيء تتذكر إميل حبيبي وأيامه الأولى في الدولة الجديدة .
21 / 3 / 2017
٨
( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا )
في الزمن العربي وما يجري فيه لم يبق مال ولا بنون والله أعلم ما هي الباقيات الصالحات !
" كل يعظم دينه
ليت شعري ما الصحيح "
" المعري"
هل ما فعله ( نتنياهو ) في الصين هو الصحيح ؟
قرر ( نتنياهو ) استقدام 20 ألف عامل بناء .
هذا يعني أن ما في ذهنه هو تهجيرنا فقط .
21 / 3 / 2017
٩
أساتذة جواسيس :
لا بد من العودة إلى رواية خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " لمتابعة صورة أساتذة الجامعات العربية فيها . الصورة كارثية وهي ، للأسف ، صحيحة .
رسائل الأساتذة مشكوك فيها وأبحاثهم معادة مكرورة تصوغ ما كتب فيه صياغة رديئة ، وأحيانا تختصر دراسات سابقة وكتبا متينة ، تختصرها بشكل رديء ، وإشرافهم على الرسائل أسوأ ما يكون وليتهم يكتفون بهذا .
يتجسسون على زملائهم ويوظفون الطلاب لهذا ، وبدلا من أن يخلقوا جيلا مفكرا يربون جواسيس .
هكذا تتجسد الشخصية الفهلوية فيهم أوضح ما يكون التجسد والتجسيد .
خسارة أن يكون حملة الدكتوراه جواسيس على زملائهم .
ببساطة إنهم عرب صالحون .
21 / 3 / 2018
١٠
حول الكلاب والمساعدات الاقتصادية الغربية :
اقرؤوا ما كتبه معين بسيسو عن الكلاب الألمانية التي استخدمها النظام المصري في 50 القرن العشرين :
" الكلب البوليسي " لاكي " قد أكل قطعة اللحم في حجم رأس الدجاجة .
في الشهر الرابع كان " لاكي " يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة ،
وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجان . كان " لاكي " هدية من " ألمانية الغربية " ، ضمن برنامج المساعدة الاقتصادية وفي الواقع فقد أكل من اللحم وشرب من المرق أكثر بكثير من الذي تقدمه ألمانيا الغربية لإنعاش الفلاحين المصريين . وكما أن الكتابة تجيء في خطوط مستقيمة ، هكذا تعلمنا الكتابة . غير أن الزنزانة تعلمك كتابة جديدة . والزنزانة تفتح للمرة الثالثة قبيل الغروب . القروانة نفسها وفوقها الرغيف ويغلق باب الزنزانة بعدها حتى السادسة صباحا " .
١١
الموقع والموقف :
هل أخطأ مظفر النواب حين قال :
" إنها الماركسية أم العرافة ؟ "
لا أزعم أنني ماركسي ، ولكنني أجزم أنني أفيد من الماركسية في قراءة الأدب .
ماذا لو قرأنا ما يجري في غزة الآن في ضوء كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " ؟
وماذا لو قرأنا موقف السلطة الفلسطينية من المقاومة في ضوء قراءتنا لمواقف المنظمات الفلسطينية من أحداث أيلول وجرش في 1970 و1971 ؟
وماذا لو قرأنا أيضا موقف حزب الله والنظام السوري ممن يقاوم الآن من الجنوب والجولان ؟
المعارضة ثورية في موقع المعارضة وهي سلطة في موقع السلطة .
لست ديكا فصيحا أو الديك الأخير .
مثل ( ديكارت ) : أشاهد وأفكر وأجرب وأعرض على العقل .
21 آذار 2019
١٢
العظم في الشوربة مرة أخرى :
كان يفترض أن أكون هذا المساء في حيفا ، لأتحدث عن كتاب الأسير باسم الخندقجي " نرجس العزلة " ، ولكن ماذا أفعل وأنا محظوظ بوجود العظم في الشوربة ؟
غاب عن ذهن المحامي الأستاذ فؤاد نقارة أنه لا يسمح لأبناء الضفة الغربية ، في الأعياد اليهودية ، دخول المناطق المحتلة في العام 1948 .
اليوم عيد ال (بوريم) /المساخر .
اليوم يحتفل أبناء العمومة بمنقذة الشعب اليهودي من الذبح على يد (هامان) وزير الملك الفارسي ( احشويريش ) ، وكان هذا الملك الذي تكبرت عليه زوجته وتعالت قد تزوج من (استير) أجمل بنات اليهود ، فقد عرض (مردخاي ) مستشار الملك عليه أجمل فتيات الطائفة اليهودية في بلاد فارس .
بوحي (البوريم) كتبت في العام 1986 قصة "تلك القدس...ذلك السبت" .
أدام الله الأعياد اليهودية والمسيحية والإسلامية وحبب القلوب ببعضها وإن شاء الله تتزوج نعمة الفتاة اليهودية العربية ابنة الثانية والثلاثين من MBS وتحقق حلمها بإقامة حزب يهودي مدعوم سعوديا ، وتطلب هذه المرة من ملك إسرائيل الجديد أن يقمع وزير حربه السابق والحالي والمستقبلي .
شدي حيلك يا نعمة .
معلش زيارة حيفا مقدور عليها لاحقا.
21 آذار 2019
١٣
الست كورونا والاجتياح في ٢٠٠٢ و٢٠٠٣/ ١٧ :
" خليك بالبيت " العبارة الأكثر تداولا حتى أن صديقي الشاعر راضي عبد الجواد أرسل لي أمس رسالة عبر الماسنجر تحتوي على علبة دواء مثل علب الدواء الذي يباع في الصيدليات مكتوب عليها اسم الدواء الأنسب لعلاج كورونا " خليك بالبيت " والكتابة لا تقتصر على لغة واحدة ، فهي باللغات الثلاثة ؛ العبرية أساسا والانجليزية والعربية إن أحسنت الرؤية .
في العام ٢٠٠٢ و٢٠٠٣ اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدن الضفة الغربية وفرضت علينا منع التجول ، وكانت تمر علينا أسابيع لا نخرج فيها من بيوتنا إلا لساعات قليلة للتسوق .
لم تفرض السلطة الفلسطينية علينا حتى اللحظة منع التجول ، ولكن الحركة في نابلس تبدو ضعيفة ، ومن يعيش الآن وضعا مشابها لما عشناه في أيام الاجتياح هو مدينة روما .
أمس حول لي صديق شريط فيديو لروما في هذه الأيام . لقد فرضت الست كورونا على المدينة ضربا من منع التجول وبدت روما مثل مدينة النحاس في ألف ليلة وليلة . بدت مدينة لا أنيس فيها ولا ونيس ؛ مدينة تصفر فيها الريح ، وقد سر بعض المسلمين لهذا إذ أغلقت الملاهي والبارات واختفت ملامح العري والفسق ، وقد تكون الست كورونا إنذارا لأهل روما حتى يتعظوا وكي تنجو مدينتهم من مصير سدوم وعمورة ولكي لا يكون مآل سكانها مصير قوم لوط .
٢١ آذار ٢٠٢٠
١٤
الست كورونا وعيد الأم ١٨ :
لا ألتزم بالنصيحة " خليك بالبيت " إلا في يوم الجمعة .
اليوم السبت وهناك مناسبتان ؛ وطنية واجتماعية ، الأولى ذكرى يوم الكرامة ، والثانية عيد الأم ، وأمي ماتت في العام ٢٠١١ .
في حافلة العمومي تحدثنا عن الكورونا وتأثيرها على المناسبة الاجتماعية ، فالشوارع خالية ولا أزمة في المرور وأين هذا من العام الماضي ؟
السائق حكى عما عاناه في العام الماضي وهو يسوق . ثمة ازدحام وبطء في التنقل ، واليوم يحتاج إلى ساعة ونصف حتى يأتي دوره ليقل الركاب ، فلا ركاب لالتزام كثيرين بعبارة " خليك بالبيت " .
الباعة كانوا أيضا يقارنون بين عيد الأم في هذا العام وعيدها في العام الماضي . اليوم المتسوقون يعدون على الأصابع .
في خان التجار كان أصحاب المحلات يكشون الهواء ، ولو كان الجو حارا لكشوا الذباب . عم كانوا يتحدثون ؟
- " راحت على شيعة إيران وما نفعهم الحسن والحسين . " واحسن وحسين " وحالات الإصابة في إيران مرتفعة .
قبل أيام نظرت في شريط فيديو يظهر فيه داعية شيعي يعظ الحضور . مما قاله لهم إن موضوع الكورونا فارط ، فالقادمون إلى المقام ما إن ينزعوا أحذيتهم حتى تغدو خالية من فايروس ١٩ ، وطالما بقيت الأحذية في المقام فهي معقمة وخالية من الجراثيم على بعد كذا كيلو متر . حين تبتعد الأحذية عن المكان المقدس تمتليء بالجراثيم .
لا هدايا للأم في عيدها ولم أستمع إلى فايزة أحمد و " ست الحبايب يا حبيبة " . هل أصيبت المغنية بالكورونا أم أن الإذاعة ومذيعيها " كورنوا " .
عافانا الله واياكم .
٢١ آذار ٢٠٢٠ .
١٥
ذاكرة أمس ٢٦ : التناقض الرئيسي والتناقض الفرعي في زمن الفايروس :
أمس قرأت على صفحة أحد الأصدقاء الافتراضيين فقرة يشتم فيها أبناء شعبنا ويصفهم بأنهم وصلوا إلى درجة من البلادة لا تتصور ، فهم لم يعودوا ، حين يستشهد فلسطيني ، يحركون ساكنا ، وصاروا يتناقلون الخبر - إن تناقلوه - كما لو أن شيئا لم يحدث .
وأنا فكرت بالأمر .
في الصباح غادرت الحي الذي أقطن فيه إلى وسط المدينة . كان الإغلاق شاملا ، فالمحلات مغلقة وحتى سوق الخضار الشرقي كان شبه مهجور . عربات بيع الخضار قليلة وليس هناك حركة نشطة ، وكانت الفراولة أكثر المعروضات :
- بسبعة شواكل الكيلو .
كان أصحاب العربات ينادون على الفراولة الناضجة ، وكان لونها مثل لون الدم الأحمر القاني .
منذ منتصف النهار شددت الشرطة العسكرية على حركة السيارات ، وحين عدت في الرابعة كانت الشرطة توقف سيارات العمومي وتسأل سواقيها عن سبب تحركهم :
- لماذا تسوق وأنت تعرف أن هناك إغلاقا ؟
والسائق يكاد يحتار ولا يجيب ، لولا أن الشرطي ينقذه :
- أم معك طلب ؟
ويجيب السائق بنعم وهكذا يتركه الشرطي وشأنه . شرطتنا تتسامح مع شعبنا وتيسر له أموره ، ولو حاول شرطي التشديد فإن السائق سيبرز فورا هويته العسكرية لكي لا يخالف من زميله العسكري . هكذا عرفت ولا أقول ( تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) .
ما الذي دفع الصديق الافتراضي إلى شتم شعبنا ونعته بالبلادة ؟
أول أمس ، يوم الجمعة ، استشهد المواطن عاطف حنايشة من قرية بيت دجن شرق نابلس ، في أثناء مشاركته في مظاهرة احتجاج ضد الاستيطان . كانت الرصاصة في مكان قاتل وفقد ابن الخامسة والأربعين عاما بلحظة الحياة .
هل نحن حقا وصلنا إلى مرحلة متقدمة من البلادة أم أنه غاب عن ذهن الصديق الافتراضي أن صراعنا الرئيس الآن هو مع الفايروس لا مع الاحتلال ؟
وشر البلية ما يضحك ، فقد عدت بذاكرتي إلى أدبياتنا في سبعينيات القرن العشرين ، وإلى روايتي الكاتبة النابلسية الأردنية سحر خليفة " الصبار " و " عباد الشمس " وتنظيرات أبطالها اليساريين حول التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي ، ولطالما كرر هؤلاء مقولة الصراع الرئيسي والصراع الثانوي :
" التناقض الرئيسي في زمن الاحتلال هو مع الاحتلال وأما التناقض الطبقي فهو تناقض ثانوي " .
والآن في زمن الكورونا صار التناقض مع الاحتلال تناقضا ثانويا ، لأن التناقض الرئيس هو مع الكورونا .
هل كان التناقض بين فتح وحماس حقا تناقضا ثانويا وتناقضهما مع الاحتلال تناقضا رئيسيا ؟
٢١ آذار ٢٠٢١
١٦
" يهود اليهود " :
في رواية إلياس خوري " باب الشمس "( ١٩٩٨ ) تتردد على لسان بعض شخصياتها ، لتبيان فظاعة معاناة الفلسطينيين ، العبارة الآتية :
- " صرنا يهود اليهود " .
والعبارة تحيل إلى عالمين ؛ عالم الفلسطينيين ، منذ نكبة العام ١٩٤٨ ، وعالم اليهود في أوروبا ، تحديدا منذ حشروا ، أو انحشروا هم ، في غيتوات خاصة بهم ، وصارت كلمة يهودي شتيمة .
عانى اليهود في أوروبا ؛ عانوا في روسيا القيصرية ( البوغروم ) ، وعانوا في ألمانيا النازية ( الهولوكست ) ، وكان أن حقدوا على أعدائهم وحقدوا أيضا على من استقبلهم في بيته . ولأنهم لم يتمكنوا من مقاضاة القياصرة الروس والنازيين الألمان ، فقد رأوا فينا أولئك وهؤلاء ، وفرغوا حقدهم على الطرفين فينا . هل أراد الله أن يسلطهم علينا لأننا ، في نظر قسم منا ، أشرار ، أو لأننا ، كما يقول كل واحد فينا لا يمشي الآخرون على مزاجه ، سيئون و " بنستاهل " ؟ .
- لقد صرنا يهود اليهود .
ولأننا صرنا يهود اليهود فليس غريبا أن تزعم الحركة الصهيونية أن من قتلوا في غزة ؛ من النساء والأطفال والمسنين ، هم من اليهود ، وهكذا سيواصل الإسرائيليون الصراخ والحديث عن " الشوا " - أي المحرقة - إلى ما لا نهاية ، وقد يصدق روايتهم العالم الغربي . ألم يصدق ( جو بايدن ) الرئيس الأمريكي ما قاله له رئيس الوزراء الإسرائيلي في بداية الحرب من أن الفلسطينيين قتلوا واغتصبوا ؟
وعودة إلى رواية " باب الشمس " .
يرد في الرواية أن عددا من ضحايا شاتيلا وصبرا ، في العام ١٩٨٢ ، كانوا من اليهود ، وقد اعتمد إلياس ، فيما أورده على لسان الشخصية التي تحدثت ، على كتاب " الدماغ الحديدي " للكاتب الإسرائيلي ( امنون كابيلوك ) ، ومما ورد في الكتاب :
" فقد أحصي بين المفقودين تسع نساء يهوديات تزوجن من فلسطينيين أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين ، وتبعن أزواجهن إلى لبنان أثناء نزوح ١٩٤٨ ، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أسماء أربع منهن " .
كل شيء وارد وممكن ، وهناك من رد أسباب ما يجري الآن إلى هجوم خماس الداعشية المجرمة قطاعة الرؤوس بقارة البطون مغتصبة النساء قاتلة الأطفال ، ناسيا أو متناسيا ، غافلا أو متغافلا ، ما جرى في العام ١٩٤٨ وما تلاه من احتلال وطرد وهدم بيوت واحتقار وتعال و .. و .. وكل ما تقوم به دولة مريضة تحيا في الماضي .
الأوضاع في غزة ليست بخير إطلاقا فالقتل والتجويع والحصار في ازدياد ، وأمس ، في جنين ، ارتقى ثلاثة شباب فلسطينيين ، طاردتهم مسيرة و ... و ... .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
٢٧
قراءة نصوصنا الأدبية الفلسطينية الجديدة في ضوء منهج ( برونتير ) قد توصلنا إلى نتيجة محبطة ، فكثير من الأفكار والأساليب تبدو تكرارا .
ماذا لو قرأت رواية ابتسام عازم " سفر الاختفاء " ( ٢٠١٤ ) ورواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي "( ٢٠١٧ ) في ضوء هذا المنهج - أي في ضوء أعمال أدبية فلسطينية سابقة ؟
هل الأفكار جديدة ؟
هل الأساليب جديدة ؟
أتمنى أن أكون في قراءتي للروايتين منصفا ، وألا تكون قراءتي قراءة ذكورية ، بخاصة أن اليوم هو يوم ست الحبايب .
مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية عن رواية " سفر الاختفاء " والأحد الذي يليه عن رواية " تفصيل ثانوي " في ضوء " تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ " .
غالبا ما يوجه لي اتهام أنني لا أقرأ الأدباء الجدد ، علما بأنني أكثر من كتب عنهم ، بخاصة الروائيون .
٢١ / ٣ / ٢٠٣٤ .
١٨
نعم أنا أيضا لست بخير :
لست في غزة لأعيش قسوة الحياة ، تحت القصف ، مشردا في شارع أو مقيما في خيمة أو ينتظر دوره في طابور للحصول على رغيف أو كيس طحين مغمس بالدم ، أو ليفرغ معدته مما تمتليء به من هذا العالم أو مثانته أو ...
ولست في غزة ، ليغرق مما تجود به السماء من أمطار كانت شتاء هذا العام وفيرة غزيرة ، أو ليشعر ببرد لافتقاد التدفئة أو نقصان الملابس الشتوية التي تركها أصحابها في بيوتهم ، على أمل أن يكون النزوح ، نحو الجنوب ، قصيرا عابرا ، في حرب قصيرة عابرة ، حرب مثل الحروب السابقة أو مثل حرب حزيران ١٩٦٧ . لا الملابس عدنا إليها ولا البيوت ، فقد سويت الأخيرة بالأرض وسويت معها بالتراب الملابس والغسالات وخزانات المياه و ... و ... .
نعم لست أنا أيضا بخير ، علما بأنني أملك كل ما افتقده أهل غزة : البيت والطعام والكساء والدفء والمكتبة والنقود والمعارف والأصدقاء وإمكانية السفر وتناول لذيد الطعام وفاخر الحلوى وتوفر الإنترنت و ... .
نعم لست أنا بخير !
أحاول أن أقرأ كتابا جديدا فلا أركز .
أحاول أن أستمع إلى أغاني فيروز فلا أشعر بالرضا
أحاول أن أشاهد مباريات كأس دوري أبطال أوروبا ، كما هي العادة منذ سنوات ، فلا أقوى على متابعة مباراة واحدة . أحاول فلا تطاوعني يدي على البحث في غوغل عنها .
وأحاول أن ... فلا أشعر بالرضا . أيعقل ؟؟!!
أمشي في الشارع وأتأمل في وجوه البشر وأنظر إلى البضائع أشتري ما قل وأفاد وأبقاني على قيد الحياة .
أتابع الأخبار . أثرثر مع بعض من ألتقيهم . أبحث في صفحات معينة عن خبر يفرح . أرقام . أرقام . أرقام . أرقام . قتلى . جرحى . أسرى . عدد اللاجئين . عدد الميتين جوعا . عدد الشاحنات . محاولات الإنزال . الميناء . الدبابات الإسرائيلية . محاصرة المشافي . الاستغلال . ارتفاع الأسعار . السلع النادرة . أكل الحشائش . أرغفة الخبز المصنوع من علف الدواب . الكذب . النفاق . البطولات الحقيقة والوهمية في التلفازات .
ارتقاء " حلل يا دويري " و " الفارس الأنيق " و " الفارس الحافي ذي البنطال الستريتش " . أطفال بلا إباء . بلا أمهات . عائلات تباد . الشاعر سليم النفار وعائلته . حمزة وائل الدحدوح وعائلته . ضياع مكتبات . التحسر على الماضي .ذكريات رمضان الماضي . تكيات الطعام . شتائم الغزيين للمساعدات الجوية ومن يقومون بها : لا نريد مساعداتكم . نريد أن نعود إلى بيوتنا و ... و ... و ... و " أجمل الأمهات " اللاتي بقين في غزة يحتملن خفة الحياة التي لا تحتمل .
وأنا .. ؟!
أنا الذي ينعم بكل ما يفتقده أهل غزة ، أنا لست بخير أيضا .
كان الله في عونكم يا أهل غزة !
٢١ / ٣ / ٢٠٢٤
١٩
عبدالله إبراهيم والجامعة : الكتاب المقرر
يكتب عبدالله إبراهيم عن عمله مدرسا في جامعة قطر كتابة ذكرتني بما كتبته عندما تقاعدت من جامعة النجاح الوطنية تحت عنوان " أنا والجامعة " ( ٢٠١٩/ ٢٠٢٠ ) وما كتبته قبل عامين تقريبا عن رواية المحامي الأمريكي( ديان ديللي - DEAN DELLIY ) " فتاة نابلس " ، وبالتحديد عن طرق التدريس في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة النجاح في ثمانينيات القرن ٢٠ .
لا يلجأ عبدالله وهو يدرس في الجامعة إلى إقرار كتاب ، فيشكوه الطلاب إلى الإدارة التي تبلغه بضرورة أن يكون ٧٥ بالمائة من حديثه ومناقشاته وأسئلته من الكتاب المقرر .
لقد كان التعليم تقليديا جدا لم يحقق نتائج طمح إلى تحقيقها إلا في حدود دنيا " فتبددت الأفكار التي جهدت في تكوينها وقتا طويلا " ذلك أن أغلبية الطالبات مشغولات بغير الدراسة الجامعية التي تعد وجاهة في مجتمع استهلاكي " وكثيرات من الطالبات يمكثن في الجامعة ضعف المدة المقررة لهن فيسجلن مقررين أو ثلاثة في الفصل الدراسي ، ولا يهمهن النجاح ، فتخرجهن يعني مكوثهن أسيرات المنازل . لكن الحال بعد عقدين تغيرت .
أهم مما سبق نقرأ عن علاقته بزملائه في قسم اللغة العربية . لقد بدا لهم وافدا ضل طريقه " فالجو مملوء بالريبة ، وبسط الحذر ظلاله على العلاقات الإنسانية والعلمية بين الأساتذة " .
كان جل زملائه من خريجي دار العلوم المصرية " يتراكمون في مكتب واحد صامتين كصخور رسوبية " فلم تتشكل بينهم أية علاقة فكرية إنسانية . وفوجيء " أن الموضوعات الأدبية في الجامعة تعود إلى ما قبل منتصف القرن العشرين في مناهجها ومضامينها ؟ حتى أن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم يدرسان كمجددين في الشعر العربي الحديث ، ولا ذكر للسياب ونازك الملائكة وادونيس وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش ، ولا يوجد مقرر للرواية ، وحينما يذكر نجيب محفوظ يوصف بأنه كافر ، وأغفل ذكر المناهج الحديثة كالشكلانية والتفكيك ونظرية القراءة والتلقي . أما الدراسات السردية التي تخصصت بها فلم تطرق سمع أحد طوال وجودي في الجامعة ، واكتشفت أنني أعمل في وسط أكاديمي مثاله الأعلى مقررات الأزهر ودار العلوم " .
ويكتب أن الغلبة كانت للمصريين الذين اعتبروا الجامعة حقلا تابعا لهم " ولكن كل هذا تغير فيما بعد " .
كما يكتب عن غربته في هذا الجو الذي كل رأي فيه محط ارتياب ، وعندما طلب منه في بداية عمله أن يلقي محاضرة دخول / إثبات قدرة ، وهذه عادة متبعة في الجامعات الألمانية ، يختار طه حسين الذي كتب عنه في كتابه " الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة " يتعرض من زملائه المصريين لهجومين متناقضين ؛ أولهما التجرؤ على نقد عميد الأدب العربي ، فمقامه لا يطال ، وثانيهما اختياره كاتبا علمانيا خرب الأدب العربي الحديث .وسرعان ما شاع عنه عدم الالتزام بالموروث الإسلامي دينا وأدبا وفكرا .
لقد وجد نفسه بين عصبة ارتمت في أحضان الماضي ، فاتخذ قراره في تحاشي الاندماج في مجتمع طارد للغرباء وجماعات وافدة يشغلها التضاغن ، واعتكف على البحث والكتابة وحافظ على ذلك طوال وجوده في قطر ولم يقم علاقات اجتماعية إلا مع حفنة من اعف المقربين .
٢١ / ٣ / ٢٠٢٥
٢٠
" باسمك تحفظ في خيمة
وتعلب في خيمة . لا هوية إلا الخيام . إذا
احترقت .. ضاع منك الوطن .
وباسمك تأتي وتذهب . باسمك حطين تصبح مزرعة
للحشيش ، وثوارك السابقون سعاة بريد . وباسمك لا شيء "
( سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا . محمود درويش ).
٢١ آذار ٢٠٢٦