د. أكيف نُحلِّلُ الآية رقم 70 من سورة الإسراء، انطلاقا مما حدث من تغييرٍ في عصرنا الحاضر : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحملناهم… إلى آخِرِ الآية

الآية الكريمة التي هي جزءٌ من عنوان هذه المقالة، نصُّها الكامِل هو التالي : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء، 70).

أول شيءٍ يجب الانتباه إليه، هو أن هذه الآية تحتوي على عبارتين أعتبِرهما، أنا شخصِياً، من الأهمية بمكان. هاتان العبارتان هما : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" و "وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا".

فيما يخص العبارة الأولى، أي "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"، فعلُ "كَرَّمَ" يحمِل في طياتِه معاني التكريم والتَّعظيم والتَّشريف والتَّمييز والتَّقدير، بينما "بَنِي آدَمَ" تُفيد بأن كلام الله موجَّهٌ لجميع الناس، بغض النَّظر عن معتقداتِهم الدينية وعن انتماٌتِهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو العِرقِية أو اللغوية…

والله، سبحانه وتعالى، قال "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…" ولم يحدِّد هل هم ذكورٌ أو إناثٌ. بمعنى أن التَّكريمَ يشمل الذكور والإناث. وهذا، في حدِّ ذاتِه، شيءٌ مهمٌّ جدا، إذ يُشيرُ هذا الجزءُ من الآية الكريمة لمبدإٍ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان، ألا وهو المساواة بين الرجل والمرأة. وهذه المُساواة نلمَسُها في آيات أخرى من القرآن الكريم. فحينما يقول، سبحانه وتعالى، في آيات كثيرة "يا أيها الناس" أو "يا أيها الذين آمنوا"، فإن كلامَه مُوجَّهٌ للرجال والنساء على حد سواء.

أما فيما يخصُّ عبارة "وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا". ما يثير الانتباهَ، في هذا الجزء من الآية، هو "عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا". هذه العبارة يمكن تفسيرُها حسبَ اتِّجهاين.

الاتِّجاه الأول، المقصود منه هو المخلوقات التي خلقها اللهُ، سبحانه وتعالى، في/على سطح الأرض، مادية ومعنوية. ولهذا، ف"عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا" قد تعني جميعَ ما خلق الله، سبحانه وتعالى، من أشياء جامدة وحية. وقد تعني، فقط، الكائنات الحية، ما دام بنو آدم من الأحياء.

أما الاتِّجاه الثاني، قد يُقصَد منه كائنات أخرى في عوالمَ أخري في الكون، ما دام هذا الكون من خلق الله. والله وحدَه عنده علمُ الغيب.

وللتذكير وكما أشرتُ إلى ذلك، في عدة مقالاتٍ نشرتُها على صفحتي بالفيسبوك، إنه بعد قراءة القرآن الكريم، قراءةً مُتأنِّيةً ومُتدبَّر فيها، يتَّضِح لنا أن هذا القرآنَ، كثيرٌ من آياته صالِحٌ لكل زمان ومكان، ما دام فيه آياتُ مضمونُها يتحدَّث عن أمور وقعت في الماضي وانتهت، كالآيات التي تتحدَّث عن أزواج النبي محمد (ص) أو التي تتحدَّث عن الصحابة، بصفة عامة أو عن أقوام غابرة… لكن، من الممكِن أن تكون لهذه الآيات حِكمةٌ أو أن تكون عِبرةً للناس يتَّعظون بها في تصرُّفاتهم.

لكن، عندما يتعلَّق الأمرُ بالآيات التي مضمونُها متعلِّقٌ بالأخلاق الحميدة وبالهداية والموعظة والإرشاد والتسامح والتساكن والسلوك البشري داخل المجتمعات والتواب والمغفرة…، فهذه أشياءٌ مُلازِمة للبشر أينما حلُّوا وارتحلوا، والبشر موجودون إلى أن يرِثَ الله، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن/ما عليها.

إذن، هذه الآيات صالِحة لكل زمان ومكان وما دام سلوكُ الناس يتأرجح بين الخير والشر وما دام هؤلاء الناس في حاجة إلى مَن يقوِّم سلوكَهم وانحِرافَهم عن ما لهم فيه خيرٌ… علما أن آياتِ القرآن الكريم، الصالحة لكل زمان ومكان، تكون كلماتُها كلماتٍ جنسيةً des noms génériques، أي من الممكن أن تشملَ مسمَّياتٍ أخرى. والأمثلة، في هذا الصدد، كثيرة، أذكر من بينها، مثلاً، الشجر والشجر أنواع، النبات والنبات أنواع، الحَجِرُ والحجر أنواع، الطير والطير أنواع، الذنب والذنب أنواع، الفاكهة والفاكهة أنواع، العذاب والعذاب أنواع، الطين والطين أنواع، الحياة والحياة أنواع…

وقد تناولتُ موضوعَ صلاحية validité القرآن لكل زمان ومكانٍ في مقالتين نشرتُهما على صفحتي في الفيسبوك. الأولى تحت عنوان : "لماذا نقول ؛ القرآن الكريم صالِحٌ لكل زمان ومكان"، وذلك بتاريخ 19 مايو 2023، والثانية تحت عنوان : "ما يجعل القرآن الكريم صالِحاً لكل زمانٍ ومكانٍ : بعض الآيات كنماذِج"، وذلك بتاريخ 17 يونيو 2023.

وبعد الاطلاع على محتوى هاتين المقالتين، يتَّضِح أن مضمون هذه المقالة، له علاقة، فقط، بالآيات التي هي صالِحة لكل زمانٍ ومكانٍ. والآية الكريمة رقم 70 من سورة الإسراء، هي الأخرى، صالِحة لكل زمانٍ ومكانٍ، ولو أن أفعالَها الأربعةَ (كرمنا، حملناهم، رزقناهم وفضلناهم) مُصاغة في الماضي لماذا؟

لأن كلامَ الله، سبحانه وتعالى، في هذه الآية، له علاقة بأمورٍ ملازمة للإنسان أينما حلَّ وارتحَلَ. وهذه الأمور هي التي سأقوم بتحليلِها حسب ما وقع، في مجتمعاتِنا المعاصرة، من تغييراتٍ، أحيانا جذرية بالمقارنة مع الماضي.

أولاً، سأبدأ ب"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ".. والتَّكريم هو مصدر فعل "كَرَّمَ". وفعل "كَرَّمَ" له علاقة، كما سبق الذكرُ، بالتَّعظيم والتَّشريف والتَّمييز والتَّقدير. فما هو التغيير الذي حدث في المجتمعات المُعاصِرة وله علاقة بالتَّكريم؟ الحدث الذي له علاقة بتكريم الإنسان وحدث في المجتمعات المعاصرة، هو "التَّصريح العالمي لحقوق الإنسان" la déclaration universelle des droits de l'homme. ولو أن فعلَ "كَرَّمَ" ورَدَ في الآية الكريمة في صيغة الماضي، فكثير من أفعالِ آياتِ القرآن الكريم مُصاغة في الماضي. لكنها تدل على أمورٍ لها وجودٌ في الماضي والحاضر والمستقبل. والله، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد، في هذه الآية الكريمة، نوعيةَ التكريم. بل تركَه مفتوحا لأن هذا التكريمَ يتغيَّر ويتطوَّر حسب الزمان والمكان.

ثانياُ، أستمِرُّ في التَّحليل المعاصر لهذه الآية الكريمة وأتناول، من خلال هذا التَّحلِيل الجزء الثاني من هذه الآية الكريمة الذي هو "وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ". "وَحَمَلْنَاهُمْ" تعني يسَّرنا لهم وسيلةً تُمكِّنهم من التنقل من مكانٍ لآخرَ، براً وبحراً. في الماضي، كانت هذه الوسيلةُ، برًّا تقتصر على الدواب من خيلٍ وبغالٍ وحميرٍ وإبلٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (النحل، 8). أما وسِيلة التنقل، بحراً، فهي السفن والقوارب بشتى أنواعها. أما التنقُّل برا، فوسائلُه متعدِّدة. والبرُّ لا يستقيم بدون جو. ولهذا، فوسائل التنقُّل برّاً وجواً كثيرة، منها، الطائرة، الهيلكوبتير، الدرَّاجة الهوائية la bicyclette، الدراجة الكهربائية، الدراجة النارية، السيارة، الحافلة… علما أن استعمالَ الدواب للتَّنقُّلِ لا يزال معمولاً به في عدة مناطق من الكرة الأرضية.

أما "وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ"، فتحلِيلُهاا فيه عدة وجوه. والشرط الأساسي في استعمالِِ هذه الطيبات أن تكونَ حلالاً وفيها منفعةٌ للبلاد والعباد.

فإذا كانت "الطَّيِّبَاتِ" ما لذَّ من الأكل والشرب، فالإنسان المعاصر مبدِعٌ لا حدود له في أمور الزراعة l'agriculture والمطعمة، أي تحضير الوجبات الغذائية، سواءً داخلَ المنازل أو خارجَها.

وإذا كانت "الطَّيِّبَاتِ" هي مكاسبٌ توصَّل لها الإنسان المعاصر، بفضل التَّجربة وممارسة البحث، عن طريق استِعمال العقل، فمنجزات الإنسان المعاصِر لا تُعدُّ ولا تُحصى. وقد تمَّت هذه المنجزات عبر مراحل زمانية، إذ مرَّت هذه المراحل من أبسط الاختراعات إلى أكثرها تعقيدا، وذلك، بفضل تراكم المعرفة العلمية. وآخِرُ ما مكَّنه تراكمُ المعرفة العلمية للإنسان المعاصِر، هو اختراعُه للذكاء الاصطناعي الذي سيقلب أوجُهَ الحياة رأسا على عقِبٍ.

وإذا كانت "الطَّيِّبَاتِ" هي الأعمال الصالِحة، فالإنسان المعاصر يعيش في مجتمعاتٍ منظَّمة. وهذه المجتمعات لا يمكن أن تقوم بدون أعمالٍ صالحة (وهو ما يصطلح عليه بإعمار الأرض.دون إسرافٍ وتجاوزات)، علماً أن العملَ الصالح يكون دائما في صراعٍ مع العمل الخبيث أو العمل الشرِّير.

وإذا كانت "الطَّيِّبَاتِ" عبارة عن كل ما فيه نفعٌ أو منفعةٌ للبلاد والعباد، فالإنسان، عامةً، والإنسان المعاصِرُ، خاصةً، لهما ما يكفي من العقلانية la rationalité وبعد النظر la perspicacité، للوصول إلى أرقى المستويات من التفكير والأنتاج الفكري. وهذا يعني أن هذا الإنسانَ، بفضل هبة العقل وما انتجه هذا العقل من معارف علمية عبر العصور، يكون قد استجاب للرَّغبة الإلهية في إعمارِ الأرض. لكن هل عمَّرها بدون إسرافٍ وتجاوزات للحدود التي رسمها له الله، سبحانه وتعالى؟

لا، الإنسان لم يُعمِّر الأرضَ بدون إسراف وتجاوزات. بل عمَّرها حسب أهوائه وحسب ما أملَته وما تُمليه عليه أنانيتُه. وأنانِية الإنسان، هي التي ترتَّب عنها تغييرُ المناخ الذي تعاني منه الأرض وما تحمله من حياةٍ بشتى أنواعها، بما في ذلك حياة البشر.

والله، سبحانه وتعالى. حذَّر ألإنسانَ من الإسراف ومن استِعمالِ العقل في غير محلِّه، قائلاً في الآية رقم 151 من سورة الشعراء : "وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ". بل إن هذا التَّحذيرَ جاء في آيات قرآنية كثيرة انتهت بعبارات "أَفَلاَ تَعقلون"، "لِقَومٍ يَعقِلُونَ"، "لَعلَّكُم تَعقٍلون"، "أولي الأَلبَاب"...

والعقل، كما سبق الذكر، هو نفسُه، هِبةٌ من الله وأمانة بثَّها، سبحانه وتعالى، في أجسامِ بني آدم، قائلاً في الآية رقم 29 من سورة الحجر : "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". ما على الإنسان إلا أن يصونَ هذه الأمانة واستعمالها فيما يُرضيه ويستجيب لإرادتِه المُتمثِّلة في كونه يريد الخيرَ للبلاد والعباد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى