علي سيف الرعيني - المكان وفاء صامت!!

تتبدل الاماكن والتنقل والترحال ويبقى للمكان الاول تلك الالفة التي لاتتغير مهما تغيرالانسان
يمرّ الإنسان عبر الزمن كما تمرّ السحب في سماءٍ لا تتوقف عن التبدل يتغيّر، ينضج، ينكسر ويُعيد ترميم نفسه مراتٍ لا تُحصى، حتى يكاد لا يتعرّف على ملامحه الأولى. السنوات لا تمرّ عليه فقط، بل تعيد تشكيله من الداخل، تُبدّل قناعاته، وتُهذّب أحلامه، وتُعيد ترتيب أولوياته بصمتٍ عميق. وبين كل هذا التحوّل، يظلّ هناك شيء واحد يقاوم التغيير: المكان.

المكان لا يشيخ كما نفعل، ولا ينسى كما ننسى. يبقى واقفًا في ذاكرته الخاصة، يحتفظ بآثارنا، بنبرات أصواتنا، بخطواتنا التي مرّت يومًا على أرضه. قد نغادره، وقد نُغادر أنفسنا القديمة، لكنه يظلّ شاهدًا صامتًا على ما كنّا عليه. كأنّ الأمكنة أوعيةٌ للوفاء، لا تنكر من مرّ بها، ولا تتخلّى عن الحكايات التي سكنت جدرانها.
حين نعود إلى مكانٍ قديم، لا نعود إليه كما هو فقط، بل نعود إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا. هناك، في زاويةٍ ما، تقف ضحكةٌ نسيْناها، وعلى عتبةٍ ما يجلس حنينٌ لم نُحسن وداعه. وهنا تبدأ الرحلة الداخلية: بين ذاكرةٍ تستعيد ما كان، وثباتٍ يُذكّرنا بأنّ بعض الأشياء لا تزال في مكانها، تنتظرنا دون أن تطلب.

هذا الصراع الهادئ بين التغيّر والثبات يخلق في داخلنا حالةً فريدة؛ مزيجًا من الحنين والدهشة، من الألم والطمأنينة. ندرك أنّنا لم نعد أولئك الذين مرّوا من هنا يومًا، لكننا في الوقت نفسه نشعر أنّ شيئًا منا لا يزال عالقًا هناك، لم يغادر قط. كأنّ المكان يحتفظ بجزءٍ من أرواحنا، ليذكّرنا أننا لم نكن عابرين تمامًا

ومن هذا الإدراك، تنشأ حكمةٌ خفيّة: ليس كل ما يتغيّر يضيع وليس كل ما يبقى جامدًا بلا حياة. فالمكان، بثباته، يمنحنا مرآةً نرى فيها تحوّلاتنا بوضوح يُعلّمنا أنّ الوفاء لا يحتاج إلى ضجيج، وأنّ أصدق الذكريات هي تلك التي لا تُقال، بل تُشعر
في النهاية، ندرك أنّ الرحلة الحقيقية ليست في الانتقال بين الأماكن، بل في عبورنا الداخلي بين ما كنّا عليه وما أصبحنا عليه. وبين ذاكرةٍ تحتفظ، ومكانٍ لا ينسى، نتعلّم أن نصالح أنفسنا مع الزمن، وأن نحتضن تغيّرنا دون أن نخاف فقدان ما كان.

فالإنسان يتغيّر نعم،
لكن الأماكن تظلّ تحفظه كما كان
وتُعيده إلى نفسه، كلما احتاج أن يتذكّر !!
  • Like
التفاعلات: علي سيف الرعيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى