د. سيد شعبان 6

د. مدحت عبد الجواد - قراءة نقدية لقصص فارس السرد العربي د.سيد شعبان قصة (جاء بالله)


إذا أردت أن تستمتع بجماليات البناء السردي فعليك أن تطالع عوالم السرد، والتعرف على المكونات المختلفة للنظريات وهي تتكاتف معًا في اللوحات البديعة لفارس السرد العربي .
يسلك الفارس طرقًا جديدة؛ لإحياء الكلمات العربية؛ وإضفاء الحيوية على صور جديدة من إبداعه ، لوحات ليست مكرورة أو معتادة في العمل القصصي، بل هي من وحى إبداع وتخييل فريد يصنعه الماتع الفريد، ويحاكي به واقع لعالم الحقيقة، ويتحول معك إلى مجتمع مألوف يعشق القاريء دخوله والحياة فيه؛ ليصنع معجمًا لغويًا خاصًا ، وعوالم غير مألوفة في عالم القصص، لوحات خالدة خاصة بصاحبها؛ لتصنع علامة فارقة على طريق السرد العربي.
إن التركيز على الشكل يضر بكل من الناقد والقاص ، ومن الأفضل التحرر من الأشكال التقليدية والتخيلية، بل من الأفضل التحرر من القصص التقليدي ، وإن تنوعت التقنيات ، وهذا ناتج عن تنوع التجربة نفسها، فيعتبر القصص سجلًا حافلا للمشكلات التي تواجه الأفراد في بنية اجتماعية مستقرة، أو للمشكلات التي يواجهها الأفراد حين يتعرضون لظروف اجتماعية مختلفة ، كما يخبرنا القصص عن الأحوال النفسية والإنسانية ، كما يسجل المناورات والسلوكات الاجتماعية التي يمارسها الأفراد؛ ليحققوا أهواءهم وأغراضهم أو يخفوا نزعات أنفسهم.
جاء بالله
العنوان يأسرك منذ اللحظة الأولى، ويضعك في حيرة من أمرك، هل أنت أمام جملة فعلية ؟ ! وماذا تعني لدى القاص؟ ! يدفعك الفضول المعرفي أن تفك رموز المسألة، تتابع القراءة، لتجد نفسك في خضم التيار، تجرفك أمواج القصص لتسبح في نهر من عسل القصص ينبع من سطور المارد العملاق، عسل الكلمات وشهد اللوحات الفنية من صنع الأديب، كلما فتشت عن الأسرار زادت حيرتك.
هذه المرة يفجأنا فارس السرد العربي بالتبئير الداخلي ممتزجًا بالواقع، البطل يتحدث عن واقع عاصره وخالطه، ومنذ اللحظة الأولى يجعلنا نتعلق معه بالقصة ( طبعًا أنتم تعرفون حكايته ....)، وهذا يجعل من لايعرف يتطلع إلى المعرفة ؛ حتى لايترك نفسه فريسة للجهل، فيندفع القارئ دفعًا من داخله وبإرادته نحو مواصلة القراءة...ثم يبعث برسالة شديدة اللهجة ونقد لازع للثرثرة في الإعلام دون فائدة ( يطعمون الجوعى بكلامهم المعسول )، وكأنه يحذرهم من تكرار الأمر وينبه الناس لخطورة الأمر.
ينتقل الأديب إلى قضية أخرى، ألا وهى دور القصص و الشائعات في تشكيل فكر وثقافة العامة خاصة في الريف المصري ، وأجاد الفارس صنعًا بأن استخدم هذا التكنيك في تشكيل أبعاد شخصية البطل والنظر إليها من زوايا مختلفة ، فالحكاية صارت أعمق لأن الشخصية ظهرت أعمق من عدة زوايا ، الأولى : نظرة القاص نفسه ( أنا بدوري سمعت به ) ، والثانية : ( نظرة المجاذيب ) والثالثة: ( الدراويش ) والرابعة ( حديث الأب ) والخامسة ( دور النساء والأطفال).
لكن الأعجب أن لكل قصة أبعادًا مختلفة وظلالًا عميقة ، واستخدام الرمز والتكثيف في كل لوحة جعل من كل لوحة عالمًا قائمًا بذاته ، وتتلاقى الصور جميعها لتشكل اللوحة الكلية.
( إنه برجل واحدة ,عين واحدة ) وكأنه يحدثك عن المسيح الدجال ، ثم أنظر إلى تعارض هذا المشهد مع ( يمرح في الكفر ، ويجري ويلعب مع الصغار ) وكأنك تطالع صورة لصاحب معجزات يجري رغم أن له رجل واحدة ، أليس هذا عجيبًا لكن هذا العجب يزول إذا علمت أنها حكايات نسجت حوله ولا يستطيع القاص الجزم بصدقها.
السمكة الذهبية وهى ترمز في تفسير الأحلام للرزق الوفير الذي يصب على أهل الكفر مثل النهر.
ومما يدهشك وصفه ( بجمل السنباطي ) وهو خيال يشبه ( طلعها كأنه رؤوس شياطين ) فكما لم ير أحدنا رأس الشيطان، فينطلق الخيال؛ ليصور لصاحبه أبشع الصور ، كذلك لم ير أحدنا جمل السنباطي ولنا أن نطلق العنان للخيال وكل منا يتخيل ما يشاء حول شكل هذا الجمل.
أما صورته عند الأطفال فهى صورة مخيفة مفزعة لكن اللوحة ترمز للشقاء الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الكفر.
( البيت الأبيض ) تهب القصة رموزا وإسقاطا آخر ، ينحو بنا نحو تملك من نوع آخر ، نبع من تقديس أهل الكفر له وتطلعهم ، وهنا يأتي البعد المعبر عن نوازع النفس البشرية وأطماعها وقد سلك الرائد في ذلك مسلكا متنوعًا فجعل الأطماع متضاربة ومتشابة ، فأهل القرية الذين يطمعون في عطاياه وبركاته وهؤلاء يعبرون عن شريحة اجتماعية ( شريحة العامة )، تختلف كليًا عن أكابر الكفر الذين يتصفون بالانتهازية والاستغلال وهى أطماع من صورة أخرى تتمثل في استغلال جاء بالله واستدراجه لمنصب العمدة ليثبوا من خلفه ( طبقة اجتماعية تمثل الملاك والأثرياء) ، في الوقت ذاته تنبثق أطماعه الشخصية لتقابل أطماعهم ، وتمتزج الأطماع في لوحة فنية واحدة تمثل دون شك صراعات إنسانية من نوع جديد .
إسقاط من نوع آخر يثري الأحداث ( عار أن تكون بلدة بلا عمدة ) ولكن العمدة هنا لا يقيم العدل لكنه يعود بنا إلى عصور الريف المصري، وكأنه ينقل لنا صورة العمدة الذي اعتاد عليها الناس ولطالما جسدها القصص والتراث؛ ولذا أشار لقصص الطيب صالح في إشارة لتعميق المعنى .
ثم ينتقل ليربط القصة بالنهر الذي كان منبع الخيرعلى أهل القرية وقد جف بفضل حكمة جاء بالله وهنا يسخر من بعض عادات التبرك والتمسح التي جلبت الخراب على الكفور والقرى .
قد نجد أنفسنا أمام سرد قصصي تخييلي تحول إلى واقع من صنع المبدع ، ويعضد من قدرته على صنع عوالمه الخاصة الفهم المشترك للعادات والتقاليد بينه وبين القاريء الذي ألف مثل هذه التقاليد ، لكنه يحاكي هذه التقاليد بشكل ساخر منتقد، ويحاول تقويم سلوكات المجتمع وإعادة تشكيل الوعى ، فإذا أدركنا المقصود فإننا نتعرف على أهمية الخروج على المعايير، إن أهمية انتهاك التوقعات التقليدية في التجربة الأدبية تعادل أهمية إطاعتها ، وهذا يبرز أهمية علاقة الأدب بالحياة .
حفظ الله فارس السرد العربي وسدد خطاه.



********





أ. د. محمد عطالله - تجليات الواقع في "جو النعسان" لسيد شعبان


يُعدُّ الواقع أقوي مؤثر في حياة الإنسان، فهو أهم محدد لفكره وثقافته، ومجمل سلوكه، وتصرفاته، وتستمدُّ الواقعية في الفن عناصرها من هذا الواقع، وعلاقات الفرد به، وتتأسس على رؤية جمالية، ومن ثم لا يُضحي الفن محاكاة حرفية للواقع، بل يستمدُّ عناصره التخيُّلية منه، والأدب – باعتباره من أهم أنواع الفنون- ينأى بجانبه عن النفعية، وينحو نحو الجمالية.
والسرد من أكثر الفنون الأدبية؛ وثيقة الصلة بالواقع، من خلال بحثه عن الظروف الخارجية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نتج العمل الأدبي في ظلالها.
وعالم القص لدى سيد شعبان؛ مرآة للواقع؛ يرصده من خلال التخيُّل السردي؛ فنعاين في فضائه السردي الواقع بكل تفاصيله، سواء الواقع المَرْضِي عنه، أم المسخوط عليه.
والنص الذي بين أيدينا؛ عنوَّنه شعبان " جو النعسان "، ويشير العنوان إلى ظرف سياسي يحيط بالنص؛ يتمثَّل في السباق الانتخابي بين " جو بايدن " ورئيس أمريكا السابق " ترمب "، والعنوان يكشف عن مفارقة؛ حيث يفوز " جو النعسان " – وهذا وصف أطلقه ترمب عليه- بينما يخسر منافسه صاحب الجلبة والصياح.
ويظل الفارسان صامتين في الملفوظ السردي؛ بينما يمثل المكان البطولة في النص؛ فيتحول الصراع إلى المكان الافتراضي " كفر النوَّام " أحد كفور وسط الدلتا؛ بدلالته على الثبات والسكون العقلي، والتخلف الفكري، والمكان بمساحته الضيقة؛ يتسع – عبر المسكوت عنه؛ ليشمل الوطن العربي كله.
ويبدأ السباق في الكفر من خلال عقد مزاد؛ يعلن عنه " مُزيِّن الصحة ".."من يراهن على جو النعسان ومن يؤيد المحمر ترامب... مازال السباق ممتدًا حول من يسكن البيت الأبيض"
وهذا المزاد غريب من نوعه؛ يحاكي الواقع العربي المتردي؛ فنساء الكفر دفعن بكل ما يمتلكن؛ فجاءت إحداهن " بثلاث بطات؛ وأخرى بعنزة؛ وثالثة ساقت خلفها قردًا يتراقص "؛ بينما تُدين " فهيمة " – التي بلغت من العمر مائة عام- المجتمع الذكوري؛ الذي يراهن على " ترمب "؛ طمعًا في ابنته " إيفانكا "، ويضم السارد صوته إلى صوت فهيمة؛ ممثلًا صوت الحكمة " رغم أن المحمر لم يرسل إليهم علب اللبن المجفف، ولا فاتنات الهوى ممن يعرفن الطريق إلى الكفر؛ لكنهم يؤيدونه؛ يكفي أن لديه ابنة ذات خصر نحيل تتراقص به".
إن السرد هنا يُدين الواقع العربي، ويُبدي سوأته، ويعرِّيه، فتحتل صورة " إيفانكا " المكانَ المقدس؛ فيغطيها شيخ المسجد - الموسوم في النص بالجِعِرِّ- بسجادة مجلوبة من البلاد المقدسة، بينما يستمتع برؤية الصورة في غيبة المصلين، فالشيخ و" إيفانكا "؛ يرمزان لتدنيس كل مقدسات الوطن.
الكلُّ في جانب ترمب؛ " خضير البطاط "؛ يراهن بثلاثة جنيهات؛ كل رجال الكفر يؤكدون أنهم سمعوا " أم قويق "؛ تغرد " ميلانا.. ميلانا ".
ومن هنا فَقَدَ المزادُ مشروعيته، فلم يُبصرْ " مُزيِّن الصحة " أحدًا في الطرف الآخر؛ فدبَّ مكره في جسد النص " لا تنسوا أن جو النعسان سيهبكم أجوبة لكل الأسئلة التي عجزتم عن حلها؛ متى ستتزوج النملة اليتيمة، وكيف نصنع فأسًا تعزق الأرض وحدها؛ جو يعرف الطريق جيدًا إلى ضروع الأبقار، وحلمات النسوة اللواتي يشتكين"
انضم " مسعود الأعرج " – الذي يشتكي صغاره قلة الخبز- إلى جانب "جو بايدن"؛ مراهنًا بحماره، وخمس كيلات من الذرة؛ لكن الأعرج سيء النية؛ خبيث الطوية؛ فإن خسر " ترمب "؛ لم يجد مَنْ يقامر على ابنته؛ فتكون من نصيبه؛ لكن أَنَّى له هذا، وبلاد النفط والغاز؛ قصورها من ذهب، وبيوتها من مرجان، وفيها كل ما تشتهي " إيفانكا ".
النص ساخط على الواقع العربي؛ يدين التبعية المقيتة، ويعرِّي تَقلُّب الأمزجة، وعدم الثبات على المبادئ؛ فالسير حسب تبدُّل الأشخاص، وتغيُّر المواقف؛ فعندما انهالت الدولارات على " الشيخ الجعر"؛ نسي" إيفانكا " وصورتها، وصلَّى وابتهل؛ ليفوز" جو النعسان ".
إن الصراع الدائر في " كفر النوَّام "؛ الذي أشعلته ربَّة الدولار؛ ما هو إلا محاكاة للحروب الدائرة في العالم الثالث؛ فالمشهد الذي يتصدره ( مُزيِّن الصحة – مسعود الأعرج – الشيخ الجعر )؛ سخرية من الواقع المتشظي.
وزمن السرد؛ الزمن الحاضر؛ حيث يشير إلى حدث سياسي في الوقت الراهن؛ إلا أن المكان واللغة السردية، يعودان بالمتلقي إلى ستينيات القرن الماضي، وهذا مقصود من السارد، وإشارة إلى ثبات الواقع، وتخلفه عن ركب الحضارة؛ فالعالم متغير ومتبدل؛ بينما يقف العالم العربي عند نقطة لا يتعداها في طرحه السياسي، والفكري، والثقافي.
فهذا التخلف الفكري، والجمود العقلي؛ سيحرقان الأوطان، ويمزقان وشائج الأمة، فكانت النهاية المأسوية؛ فالنار تحرق الكفر، ويظل السامر منصوبًا، والصراع محمومًا حول الفارسين " في الجهة القبلية لكفر النوَّام تهب ريح تشتعل الدور التي تعلوها أكوام القش؛ تحترق الدور وتفرُّ أزواج الحمام؛ يتبادلون الضربات حول جو النعسان أو المحمر ترامب ".
النص باكتنازه اللفظي، وكثافته الدلالية؛ حمَّال أوجه، ويثير كثيرًا من القضايا الشائكة، والشائقة في آن واحد؛ مما يجعله نصًّا ثرًّا ثريّأ؛ يعطي جديدًا عند كل قراءة؛ مع ذلك لا يُسْلم مقاليده؛ لأية قراءة؛ فلا تملك قياده؛ إلا القراءةُ الواعية، والرؤيةُ الثاقبة.

أ. د. محمد عبد الرحمن عطاالله

*** *

أ. د. حمدي النورج - عن قصة سيدنا الخضر عليه السلام لصديقي الدكتور سيد شعبان.


(لا ينقضي فعل الحكي تمثلا شعبيا حيث تحميل الحالة الكثير من آيات الكشف والتطهر والفرار... رغبة في التسلي أو التصبر أو حتي النقد الخفي اللاذع...فكرة الاطار تبدو ثابتة كثبوت الحدث يقينيا رحلة العودة والابتعاث وحلم القفز فوق مساحات الهم ....تتشكل لوحات صديقي الافتراضي القصصية... في إطار تجسيدي حي...وعبر رحلة اختزال متقنة لتفاصيل غاية في التراثية والدقة والاحتفاء بالموروث الشعبي المتشبع بآهات الشعوب وفنونهم وعالم المشاعر الصادقة....فقصص الحب بكر كما هي منذ لمح العاشق الأول سبساب شعر محبوبته غفلة...وحينما دق البطل علي صدره وشم القوة والسيف...رحلات البطولة...وحكي الأطفال وخيال السحر وحكم الأمهات....يترك المبدع مساحات للتأول ويسمح بناؤه السريع الجامع لأشتات الصور بفعل التحفيز والتغيبر...إنها لعبة التخفي الماكرة وراء فعل الحدث الملهي...لا تنخدع بجمال الصور بقدر معاودة فعل القراءة الذي تتكشف أسراره نقطة نقطة ...تحية للصديق الذي لا يزال يمتعني دائما بجميل قصصه علي الخاص ...)....دحمدي النورج.


****


الغربي عمران - شهادة الأديب اليمني الكبير


المبدع الصديق سيد شعبان ذلك الكائن المدهش جمع بين الدراسة الأكاديمية والأبداع الجميل، بل غلب عليه صفة المبدع النشط .
ومن ذلك غزارة تواصل أعماله سردا جميلا يلفت لقضايا اجتماعية يتناولها بعمق لافت.
هنا أسمح لي صديقي أن أتطرق لمسألة الناقد الأكاديمي هل كل أكاديمي متخصص في الأدب ناقد، أم أن النقد مثل الإبداع رغبة وملكة تعززها الدراسات المتخصصة. حين نتابع بعض النقاد نجدهم كمن يجدف بين أكوام أحجار.
بالطبع شهادتي هذه القصيرة في حق صديقي المبدع الجميل د سيد شعبان لاتمت بصلة لما ذكرت حول النقد، إنما هي سانحة أشير لما يعتور مشهدنا النقدي العربي خاصة ممن لا يتركون أثرا رغم جعجعتهم. فهو مبدع أصيل، ملكته الإبداعية طغت ليظهر كنور عذب يتدفق نصا بعد آخر. يدهش من يتابعه لذلك التواصل الجميل والإصرار على تحقيق الذات إبداعيا.
من اليمن هي تحية صادقة لمجلة بصراثا لهذا الجهد المتواصل في إثراء المشهد الإدبي العربي من الخليج إلى المحيط. بالطبع ربانها أستاذ عبد الكريم العامري. الذي أشقث عليه بما يتحمله من أعباء وجهد كبير وأتصوره مؤسسة حكومية من عشرات الموظفين هذا الأديب الذي يحمل هم الثقافة العربية بتعدد أنشطته وروعتها فشكرا من القلب له.
صديقي العزيز د سيد شعبان، كم أنت بهي بما تنتجه وتبدعه وكم شرف لي أن أكون ضمن صفوف طويلة يصفقون لهذا البهاء الذي تطالعنا يوما بعد يوم . استمر أيها النجم. فمثلك خلق لينير ما حوله بروعة قلبه.


***



د. حمدي النورج والنقد الجديد!


ثمة مقالة كنت أتحين الوقت المناسب لأسطرها، فلما طالعت ما كتبه في جريدة أخبار الأدب حول رواية ' إثر حادث أليم" وجدت الباب مشرعا لأبسط الكلام معجبا بناقد يشق طريقه في ثبات وإن كان بتوءدة، يجمع مادته من بيان جزئيات العمل الأدبي، يؤكد العلاقة بين المبدع الناقد قبل أن يكون الناقد المبدع، إنه يمارس الجانب الإبداعي ممارسة وتنظيرا، له كتب ودراسات وأبحاث تربو على العشر، حين تأنس بالقراءة له، تشعر أن مدرسة جديدة يقودها حمدي النورج، هذه حقيقة لا أغالي بها، ولا أتحيف الحكم، إنه يعايش الأدب فيظهر لك أن أديبا قادم من أعماق الوجدان، يلتزم بقضية المعرفة والعرفان، تشعر أنك مع رجل يضع قلمه في شرايينه، هذه واحدة، أما الأخرى فأنت مجبر أن تطالع مقالاته التي تتوزع عبر مساحات الإبداع، حضورا في المعارض والمحافل، وعبر شاشات التلفاز!
يهتم بأبسط العلاقات الإنسانية لكنه لا يثير ضجيجا، يترك في عفلك مساحة للتفكير، هاديء العبارة، مع صخب حلو حين يشرع قلمه مناقشا!
ملامح منهجه النقدي هو العناية بالجمال: جمالية اللغة وسموها، وصدق الحكم دون تزلف، يبعد عن القولبة والتنميط، تشعر أنه يقترب من مدرسة مصطفى ناصف وإحسان عباس، بل هو عز الدين إسماعيل، صورة تقريبية لرجل يحمل أمانة اللغة فكانت رديفه في منجزه الأكاديمي، تسلح بزاد من اللغة يزاحم به غير متعالم بما آتاه الله، بل هو سابح في أوراده يشعرك أن قلبه يغرف من باب الحكمة السرمدية؛ وهل النقد إلا تجلية وتبيان لما يحمله النص من دلالات!
يمارس إبداع النقد محتفيا بإبداع النص في جديلة قلما تتوافر لأحد ممن يمتطون صهوة جواد الإبداع في عالمنا العربي، يحسن بي أن أضم صوتي إلى صوت الراحل د.مصطفى ناصف في كتابه" نحو نظرية عربية للنقد الأدبي" تنحو منحى الجرجاني في كتابيه الرائدين، نحن أمام ناقد يخط ملامح تيار مدرسي منهجي، عدته اللغة وسمته الإبداع!
إن تصدق فراستي فيه؛ نكون أمام ناقد سيحرك المياه الراكدة في نهر الإبداع؛ محتفيا بأدق التفاصيل ليصنع فسيفيساء جمالية لنافذة الأدب العربي المعاصر.
لولا كثير من الصخب الذي تضج منه الآذان وغبار ثعالب الثقافة لكان لحمدي النورج الريادة ولاحتفى به المنجز الثقافي العربي!




**********


(جَـادُو) أَمِـيـــرُ الـسَّـــرْدِ هَــذَا وَصْــفُـهُ
فَـــوْقَ الـذُّرَىٰ تِـيـهـًا تَـسَـامَـــىٰ حَــرْفُـهُ
سَـرْدُ الْـمَـعَـانِـي فِــي الْـمـبَـانِـي عِـنْــدَهُ
كَـالـنَّـــايِ أَنْـغَــــامـًــا تَـهَــادَىٰ عَــــزْفُــهُ
نَـبْــضُ الـسَّـوَاقِــي مِـلْــحُ أَرْضٍ مُـبْـدِعٌ
يَـرْجُــو كَـمَـالًا حَـيـْثُ يُـرْجَــىٰ نِـصْـفُـهُ

شعر م. أسامة حسين حامد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى