خمسون عامًا على يوم الأرض: بين ثبات الحق وتحولات الواقع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تحلّ الذكرى الخمسون لـ”يوم الأرض” بوصفها محطة تاريخية مفصلية في الوعي الوطني الفلسطيني، ليس فقط باعتبارها حدثًا احتجاجيًا على مصادرة الأرض، بل باعتبارها لحظة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، ورسّخت معادلة الصمود بوصفها خيارًا وجوديًا لا ظرفيًا.
وتأتي هذه الذكرى في سياق بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التحولات المحلية مع الإقليمية والدولية، وتزداد فيه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية على مختلف المستويات. فما يزال الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، يرزح تحت وطأة حرب مدمّرة خلّفت واقعًا إنسانيًا كارثيًا، في ظل استمرار العمليات العسكرية وما يرافقها من حصار وتدمير واسع النطاق، الأمر الذي يعمّق من معاناة السكان ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي الضفة الغربية والقدس، تتسارع وتيرة السياسات الاستيطانية، وتتزايد الاعتداءات على الأرض والإنسان، في إطار توجهات سياسية واضحة تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يهدد بشكل مباشر فرص التسوية السياسية ويقوّض الأسس القانونية لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
أما فلسطينيو الداخل، فيواجهون تحديات مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية مع السياسات التمييزية، حيث تتفاقم ظواهر الجريمة المنظمة في ظل قصور واضح في منظومة إنفاذ القانون، بالتوازي مع استمرار سياسات مصادرة الأراضي وهدم المنازل، بما يعكس إشكالية بنيوية في التعامل مع حقوقهم الجماعية والفردية.
إقليميًا، تزداد حدة التوترات، في ظل تصاعد المواجهات والتجاذبات، بما في ذلك التطورات المرتبطة بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساتها على استقرار المنطقة. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل أولويات الفاعلين الدوليين، الأمر الذي انعكس بدوره على موقع القضية الفلسطينية ضمن الأجندة الدولية، وأضعف من زخمها السياسي في بعض المحطات.
في خضم هذه التعقيدات، تكتسب ذكرى يوم الأرض دلالات متجددة، تتجاوز البعد الرمزي إلى ضرورة إعادة قراءة المسار الوطني الفلسطيني، وتقييم أدواته وآلياته، في ضوء المتغيرات المتسارعة. فالحفاظ على الأرض لم يعد مجرد فعل مقاومة تقليدي، بل بات يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، تستند إلى القانون الدولي، وتعزز صمود الإنسان الفلسطيني، وتعيد بناء المشروع الوطني على أسس من الوحدة والشراكة.
إن استحضار الذاكرة الوطنية، كما أشار الشاعر محمود درويش، ليس فعلًا استذكاريًا فحسب، بل هو التزام تجاه المستقبل، فيما يؤكد المفكر إدوارد سعيد أن الذاكرة الجماعية تمثل قوة دافعة ينبغي تفعيلها لصون الهوية ومنع التلاشي. ومن هذا المنطلق، فإن إحياء يوم الأرض يجب أن يتحول إلى برنامج عمل مستدام، لا إلى مناسبة سنوية عابرة.
وتبرز هنا الحاجة إلى مبادرات مؤسسية، من قبيل إنشاء “مؤسسة يوم الأرض” لتأطير الفعاليات والبرامج التوعوية، والعمل على تأسيس “متحف يوم الأرض” و”الأرشيف الفلسطيني العام” كمرجعيات توثيقية تحفظ الذاكرة الوطنية وتدعم البحث العلمي، بما يعزز الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.
وفي السياق ذاته، تظل قضية الأرض في جوهرها مرتبطة بحقوق أوسع، وفي مقدمتها حق العودة، الذي يشكل أحد الثوابت القانونية والسياسية للشعب الفلسطيني. ويتطلب تفعيل هذا الحق رؤية عملية تستند إلى التخطيط المؤسسي والعمل التراكمي، بعيدًا عن الشعارات، وبما يترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.
إن المرحلة الراهنة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصًا لإعادة بناء الفعل الوطني، شريطة توفر الإرادة السياسية، وتعزيز القيادة الجماعية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية. وقد أثبتت التجارب أن الحراك الشعبي الواعي قادر على إحداث تأثير حقيقي، متى ما ارتبط برؤية واضحة وأهداف محددة.
وفي المحصلة، تبقى الأرض أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ إنها جوهر الهوية ومعنى الانتماء. وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتعاظم فيه التحديات، تظل الأرض هي الثابت الذي يمنح الوجود الفلسطيني معناه واستمراريته.
إن إحياء يوم الأرض، في جوهره، ليس مجرد استذكار لماضٍ نضالي، بل هو فعل تأكيد على حق مستمر، ومسؤولية متجددة، والتزام يومي بالفعل المنظم والواعي. فاستعادة الحقوق وصونها لا تتحقق بالصدفة، بل بإرادة واعية، وعمل مؤسسي، ورؤية استراتيجية قادرة على تحويل الذاكرة إلى قوة، والمعاناة إلى فعل، والأمل إلى واقع.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تحلّ الذكرى الخمسون لـ”يوم الأرض” بوصفها محطة تاريخية مفصلية في الوعي الوطني الفلسطيني، ليس فقط باعتبارها حدثًا احتجاجيًا على مصادرة الأرض، بل باعتبارها لحظة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، ورسّخت معادلة الصمود بوصفها خيارًا وجوديًا لا ظرفيًا.
وتأتي هذه الذكرى في سياق بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التحولات المحلية مع الإقليمية والدولية، وتزداد فيه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية على مختلف المستويات. فما يزال الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، يرزح تحت وطأة حرب مدمّرة خلّفت واقعًا إنسانيًا كارثيًا، في ظل استمرار العمليات العسكرية وما يرافقها من حصار وتدمير واسع النطاق، الأمر الذي يعمّق من معاناة السكان ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي الضفة الغربية والقدس، تتسارع وتيرة السياسات الاستيطانية، وتتزايد الاعتداءات على الأرض والإنسان، في إطار توجهات سياسية واضحة تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يهدد بشكل مباشر فرص التسوية السياسية ويقوّض الأسس القانونية لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
أما فلسطينيو الداخل، فيواجهون تحديات مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية مع السياسات التمييزية، حيث تتفاقم ظواهر الجريمة المنظمة في ظل قصور واضح في منظومة إنفاذ القانون، بالتوازي مع استمرار سياسات مصادرة الأراضي وهدم المنازل، بما يعكس إشكالية بنيوية في التعامل مع حقوقهم الجماعية والفردية.
إقليميًا، تزداد حدة التوترات، في ظل تصاعد المواجهات والتجاذبات، بما في ذلك التطورات المرتبطة بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساتها على استقرار المنطقة. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل أولويات الفاعلين الدوليين، الأمر الذي انعكس بدوره على موقع القضية الفلسطينية ضمن الأجندة الدولية، وأضعف من زخمها السياسي في بعض المحطات.
في خضم هذه التعقيدات، تكتسب ذكرى يوم الأرض دلالات متجددة، تتجاوز البعد الرمزي إلى ضرورة إعادة قراءة المسار الوطني الفلسطيني، وتقييم أدواته وآلياته، في ضوء المتغيرات المتسارعة. فالحفاظ على الأرض لم يعد مجرد فعل مقاومة تقليدي، بل بات يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، تستند إلى القانون الدولي، وتعزز صمود الإنسان الفلسطيني، وتعيد بناء المشروع الوطني على أسس من الوحدة والشراكة.
إن استحضار الذاكرة الوطنية، كما أشار الشاعر محمود درويش، ليس فعلًا استذكاريًا فحسب، بل هو التزام تجاه المستقبل، فيما يؤكد المفكر إدوارد سعيد أن الذاكرة الجماعية تمثل قوة دافعة ينبغي تفعيلها لصون الهوية ومنع التلاشي. ومن هذا المنطلق، فإن إحياء يوم الأرض يجب أن يتحول إلى برنامج عمل مستدام، لا إلى مناسبة سنوية عابرة.
وتبرز هنا الحاجة إلى مبادرات مؤسسية، من قبيل إنشاء “مؤسسة يوم الأرض” لتأطير الفعاليات والبرامج التوعوية، والعمل على تأسيس “متحف يوم الأرض” و”الأرشيف الفلسطيني العام” كمرجعيات توثيقية تحفظ الذاكرة الوطنية وتدعم البحث العلمي، بما يعزز الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.
وفي السياق ذاته، تظل قضية الأرض في جوهرها مرتبطة بحقوق أوسع، وفي مقدمتها حق العودة، الذي يشكل أحد الثوابت القانونية والسياسية للشعب الفلسطيني. ويتطلب تفعيل هذا الحق رؤية عملية تستند إلى التخطيط المؤسسي والعمل التراكمي، بعيدًا عن الشعارات، وبما يترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.
إن المرحلة الراهنة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصًا لإعادة بناء الفعل الوطني، شريطة توفر الإرادة السياسية، وتعزيز القيادة الجماعية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية. وقد أثبتت التجارب أن الحراك الشعبي الواعي قادر على إحداث تأثير حقيقي، متى ما ارتبط برؤية واضحة وأهداف محددة.
وفي المحصلة، تبقى الأرض أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ إنها جوهر الهوية ومعنى الانتماء. وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتعاظم فيه التحديات، تظل الأرض هي الثابت الذي يمنح الوجود الفلسطيني معناه واستمراريته.
إن إحياء يوم الأرض، في جوهره، ليس مجرد استذكار لماضٍ نضالي، بل هو فعل تأكيد على حق مستمر، ومسؤولية متجددة، والتزام يومي بالفعل المنظم والواعي. فاستعادة الحقوق وصونها لا تتحقق بالصدفة، بل بإرادة واعية، وعمل مؤسسي، ورؤية استراتيجية قادرة على تحويل الذاكرة إلى قوة، والمعاناة إلى فعل، والأمل إلى واقع.