أ. د. محمد لبيب سالم - تأملات في آية: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ....

الإمهال الإلهي: لماذا لا يُسقط الله الناس فورًا بما كسبوا؟

من أكثر ما يلفت القلب في القرآن أن الله سبحانه لا يكتفي ببيان خطأ الإنسان، بل يكشف أيضًا عن طريقة معاملته له: لا يعاجله دائمًا، ولا يأخذه لأول زلة، ولا يهلكه عند أول معصية، بل يمهله، ويؤخره، ويفتح له أبوابًا من الزمن والفرص والمراجعة، مع أن عدله سبحانه لو جرى على الناس فورًا، لما بقي على الأرض أحد. وفي مقالٍ سابق، توقفتُ عند تنبيه الله سبحانه وتعالى الناسَ إلى ما يصنعونه من فسادٍ في البر والبحر، وإلى الفرصة التي يتركها لهم قبل أن يأتي أمره، لعلهم يرجعون إلى الفطرة، ويثوبون إلى الطبيعة السليمة، ويراجعون ما أفسدته أيديهم. وفي هذا المقال أواصل التأمل في ثلاث آياتٍ أخرى وردت في ثلاث سور، تتكرر فيها عبارة "لو يؤاخذ" في ثلاثة سياقات متقاربة في اللفظ، عميقة في الدلالة، متحدة في جوهرها على معنى واحد: أن الناس يكتسبون الظلم والمعصية، وأن الله ـ مع قدرته على مؤاخذتهم فورًا ـ يجري عليهم حلمه، ويغمرهم برحمته، ويمد لهم في الزمن، ويصبر عليهم، لعل في التأخير يقظةً، وفي الإمهال عودةً، وفي فسحة العمر مراجعةً قبل أن يأتي الموعد الذي لا مهرب منه.


وهذه من المعاني المهيبة التي تتجلى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]. ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]. ويقول جل جلاله: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: 58].

حين يتأمل الإنسان هذه الآيات، يدرك أنه يعيش كل يوم في ظل رحمة أكبر مما يظن، وفي فسحة أوسع مما يستحق، وفي تأجيل لا ينبغي أن يورثه الغفلة، بل الحياء. فالمسألة هنا ليست أن الإنسان بريء فيُترك، ولا أنه غير مذنب فلا يُحاسب، بل العكس تمامًا: لو شاء الله أن يؤاخذ الناس فورًا بما اقترفوا، لما ترك على ظهر الأرض من دابة. أي أن استمرار الحياة نفسها، وبقاء العالم على ما فيه، ليس دليل رضا مطلق، بل قد يكون في جانب منه أثرًا من آثار الإمهال الإلهي، واتساع الحلم الرباني، وسعة الرحمة التي تسبق العقوبة.

وهنا يقف العقل أمام معنى شديد الهيبة: أن الله لا يقول إن بعض الناس يخطئون، بل يقول ما معناه إن جرم الإنسان وظلمه وكسبه من الكثرة بحيث لو نزلت المؤاخذة على قدر العمل مباشرة، لما بقي مجال ممتد للحياة كما نعرفها. إننا لا نعيش فقط في عالم تحكمه السنن، بل في عالم تحيط به الرحمة، وتؤخر فيه العدالة المؤجلة أثر العدالة المعجلة، حتى تستمر الفرصة، ويظل باب العودة مفتوحًا.

وهذا من أعمق الفروق بين من يفهم تأخير العقوبة على أنه إهمال، ومن يفهمه على أنه إمهال. فالناس كثيرًا ما يسيئون قراءة الزمن. إذا لم تنزل العقوبة سريعًا، ظنوا أن الأمر هيّن، أو أن ما يفعلونه لا وزن له، أو أن قدرتهم على الاستمرار دليل على أنهم نجوا. لكن القرآن يكشف وهم هذا الفهم من جذوره. فتأخير المؤاخذة ليس نفيًا للحساب، بل هو جزء من نظام الحساب نفسه؛ وليس إسقاطًا للعدالة، بل إرجاء لها إلى حين؛ وليس غفلة عن أعمال الناس، بل هو من تمام العلم والبصر والحكمة.

ولهذا ختمت آية فاطر بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾. وكأن الآية تقول: لا تظنوا أن التأخير غياب رؤية، أو أن الإمهال نقص علم، أو أن طول الفرصة يعني سقوط التسجيل. أبدًا. الله بصير بعباده، يرى ما يفعلون، ويعلم ما يخفون وما يعلنون، ويؤخرهم لا لأنه لا يراهم، بل لأنه يراهم أكثر مما يرون أنفسهم، ويعلم متى يفتح باب التوبة، ومتى تنتهي المهلة، ومتى يحل الموعد الذي لا مهرب منه.

وفي آية الكهف يزداد المعنى جمالًا وهيبة معًا: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾. كأن القرآن يبدأ هنا من الاسمين اللذين يجب أن يُقرأ في ضوئهما تأخير العقوبة: الغفور، ذو الرحمة. فالتأخير ليس فراغًا بين المعصية والعقاب، بل هو مساحة تتحرك فيها المغفرة، ومجال تعمل فيه الرحمة، وفرصة لعل العبد يراجع نفسه قبل أن يصل إلى الموعد الذي ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. وهذا التعبير الأخير بالغ القوة؛ لأنه يذكر الإنسان أن كل أبواب النجاة الوهمية التي يلوذ بها في الدنيا قد تتهاوى دفعة واحدة حين يأتي الموعد الحق. لا نفوذ، ولا مال، ولا حيلة، ولا علم، ولا جماعة، ولا سلطان، ولا موضع فرار.

ومن أبدع ما في هذه الآيات أنها تكشف ضعف الإنسان من جهة، وتكشف عظمة الحلم الإلهي من جهة أخرى. فالإنسان يظلم، ويكسب، ويخطئ، ويتمادى، ثم يعيش مع ذلك تحت ستر واسع، وفي زمن ممتد، وعلى أرض ما زالت تحمله، وفي سماء ما زالت تظلّه، وبين نعم لم تُسحب منه كلها رغم استحقاقه للمؤاخذة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن توقظ في النفس معنى الحياء من الله، قبل معنى الخوف من عقابه.

وفي مستوى آخر، تفتح هذه الآيات بابًا لفهم ما يجري في المجتمعات والحضارات أيضًا. فالأمم قد تظلم، والدول قد تبطش، والمجتمعات قد تنحرف، والحضارات قد تسرف في القوة والاستهلاك والعدوان، ومع ذلك لا يأتي السقوط في اللحظة نفسها. وهنا يخطئ كثيرون حين يظنون أن تأخر الانهيار يعني سلامة المسار. لكن القرآن يعلمنا أن بين الفعل ونتيجته مساحة قد تطول، وأن هذا الطول ليس دائمًا علامة أمن، بل قد يكون من أخطر مراحل الاختبار. فالمهلة قد تكون رحمة، لكنها قد تكون أيضًا استدراجًا لمن لا يفيق، وإنذارًا مؤجلًا لمن لا يعتبر.

إن هذه الآيات تعيد للزمن معناه الأخلاقي. فالوقت ليس مجرد تعاقب ساعات وأيام، بل قد يكون هو نفسه بعض الرحمة. كل يوم يمر على الإنسان بعد خطئه، وكل فرصة تفتح له بعد زلته، وكل باب مراجعة يبقى قائمًا رغم إسرافه، هو علامة على أن الله لم يعاجله، وأن باب العودة لم يغلق بعد. ولذلك فإن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان ليس الذنب وحده، بل أن يخطئ في قراءة الإمهال، فيظن أن التأخير أمان، وأن طول المهلة انتصار، وأن النجاة من العقوبة السريعة براءة من الحساب.

والحقيقة أن القرآن يريد من الإنسان شيئًا آخر تمامًا: أن يفهم أن الله لو عامل الخلق بعدله المجرد من أول لحظة لما بقي أحد، لكن رحمته اقتضت الإمهال، وحكمته اقتضت التأجيل، وعدله اقتضى أن يكون هناك موعد لا يتقدم ولا يتأخر. ومن هنا يجتمع في هذه الآيات الثلاث معنى بالغ العمق: رحمةٌ تؤخر، وبصرٌ لا يغيب، وموعدٌ لا يضيع.

وهذا التوازن من أعظم ما يربي الإنسان. فلو عاش على الخوف وحده لانكسر، ولو عاش على الرجاء وحده لاغتر، لكن القرآن يجعله بين الأمرين: يرى رحمة الله في الإمهال، ويرى عدله في الموعد، ويرى بصره في كل ما بينهما. فلا يقنط، ولا يأمن، بل يظل بين الحياء والمراجعة، وبين الأمل والخشية.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا يعاجل الله الناس بعقابهم؟ بل: كيف يجرؤ الإنسان على الغفلة وهو يعلم أن تأخير العقوبة ليس غفلة عنه، بل رحمة به؟ وكيف يطمئن إلى المهلة وهو لا يعرف متى ينتهي الأجل؟ وكيف يظن أن الزمن يعمل لصالحه دائمًا، مع أن كل لحظة تمضي قد تكون جزءًا من العد التنازلي إلى موعد لا يستأخر ساعة ولا يستقدم؟

إن الإنسان لا يعيش فقط بما يستحق، بل يعيش أيضًا بما وسعته رحمة الله. ولا يقف العالم فقط على قوانين المادة، بل يقف كذلك على حلم إلهي هائل لو ارتفع، لتبدل وجه الحياة في لحظة. وهنا يفهم المؤمن أن النجاة ليست في الاغترار بطول الأمد، بل في حسن استثمار ما بقي منه؛ ليست في الاطمئنان إلى التأخير، بل في المسارعة قبل انقضاء المهلة؛ ليست في السؤال عن موعد الحساب، بل في الاستعداد له قبل أن يأتي.

وهكذا تظل هذه الآيات من أبلغ ما يوقظ الإنسان من وهم الأمان الكاذب. إنها تهمس له، وفي الوقت نفسه ترجّه: أنت مؤخر، لا متروك. وممهل، لا منسي. ومرئي، لا غائب عن البصر الإلهي. ولك موعد، فإن أحسنت في زمن الإمهال كان التأخير رحمة، وإن تماديت كان التأخير حجة عليك لا لك.

والله هو الرحمن الرحيم

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى