أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢ نيسان من كل عام

١
منام الليلة قبل الماضية :

الليلة قبل الماضية وجدتني أمام بناية في مدينة ( بامبرغ ) الألمانية تقع على ضفة النهر .
كنت أقمت في البناية بضعة أيام لا تزيد عن شهر . وجدتني أنا وشخصا آخر هو يسلم لها مخطوطة كي تترجمها له شابة ألمانية وأنا أتطلع إليهما ، وبجانبي أم صخر الألمانية التي كانت تعمل ممرضة في مخيم عسكر القديم في 60 ق 20 .
كانت أم صخر - أم ساخر - تداعب شعر رأسي - هذه الأيام أنا أصلع تماما - وتمازحني .
ما الذي ذكرني بأم صخر ؟
- هل انا كاتب ساخر ؟
كنت في الأسبوع الماضي أقرأ في الصحيفة عن جائزة الشيخ زايد - الشيخ لم يزد - وكان اسم المستشرقة الألمانية ( انجليكا نويفرت ) من ضمن ثلاثة أسماء مرشحة للجائزة - ( انجليكا ) هي من حصلت لي على المنحة الألمانية - فهي أصدرت كتابا عن القرآن الكريم صدر في 2010 في برلين ، وهي مرشحة بقوة للحصول على الجائزة التي تقدم لها 1622 مرشحا .
ماذا سأكتب عن د .( انجليكا ) - إن هي فازت بالجائزة ؟
الليلة قبل الماضية رأيت في المنام أم صخر - هل انا كاتب ساخر ؟ رأيتها تداعب شعر رأسي . أنا الآن أصلع تماما .
٢٠١٣

٢
تضيق بي اﻷرض تحشرني في الممر اﻷخير :

" تضيق بنا اﻷرض تحشرنا في الممر اﻷخير " هو سطر شعري من قصيدة لمحمود درويش ظهرت في ديوانه " ورد أقل " 1984 ويصور فيها ما تعرض له الشعب الفلسطيني بعد الخروج من بيروت في 1982 ، حيث حشر الفلسطينيون في الممر اﻷخير .
هل يمكن أن يردد هذا السطر فلسطيني في الضفة أو في غزة يعمل في مؤسسة يزعجها بكلامه ، فتستاء منه وتحاصره وتحشره ؟
هل يمكن أن تنزل إدارة مؤسسة إلى مستوى مبتذل وتلجأ إلى التشويه العلمي واﻷخلاقي والديني لتجبر هذا الموظف على الاستقالة ، كي تتخلص منه ، لأنه فضح تزويرها ولفلفتها وسوء إدارتها ودكتاتورية مسؤولها ؟مجرد سؤال خطر ببالي وأنا أصغي إلى صوت يتحدث عن المضايقات التي يتعرض لها في مؤسسته .
نحن في الثاني من نيسان ، لا في اﻷول منه . يعني هذه ليست كذبة نيسان .
أظن أن أم كلثوم غنت الليلة " فات الميعاد " . يعني راحت على الذي راحت عليه وخش السبت ب...اليهود . " فات الميعاد " .
2014 نيسان 2

٣
سفاح بغداد و " فرانكشتاين " :

هل تتذكرون رواية نجيب محفوظ " اللص والكلاب " ؟ وهل تتذكرون علام اعتمد يوم كتبها ؟
لا بد إذن من مراجعة كتاب " نجيب محفوظ ... يتذكر " .
كان ثمة شخص أزعج الحكومة المصرية في خمسينيات قرن 20 ومنه استمد محفوظ مادة روايته .
هل اختلف اﻷمر في رواية العراقي أحمد سعداوي المرشحة لبوكر هذا العام ؟
كنا نقرأ كثيرا عن سفاح بغداد ، وسنقرأ عنه مؤخرا أنه قتل في سورية .
شغلتني الفكرة اليوم وأنا أنهي قراءة الرواية ، ولعلني سأكتب عنها دفتر اﻷحد لﻷيام .
كان بعض زملائي من البروفيسورية يلمحون دائما إلى أن تخصصي أدب فلسطيني لا أدب عربي ، وقد أنهوا عملهم وهم يكررون هذه اﻷسطوانة الفارغة ، وسأكتشف أنهم لا يتقنون حتى تخصصهم هم .
ثمة مثل عربي يقول " رمتني بدائها وانسلت ".
هل أتحدث عن أساتذة النحو ؟
خربشات .. إن هي إلا خربشات

٤
أيهما على صواب : محمود درويش أم جبرا ؟
راى جبرا في القدس أجمل مدينة في العالم ، وكتب درويش في جداريته
"- عكا اجمل المدن القديمة ."
امس ، وأنا أحاضر عن القدس في النثر ، وفي أعمال جبرا ، تذكرت سطر محمود درويش .
الأمر يستحق أن يناقش .

٥
أهو خطأ مطبعي أم أنه خطأ مقصود ؟

في نص قرار المحكمة الخاص بقضيتنا ضد إدارة الجامعة هناك خطأ بخصوص تعيين أحد أعضاء هيئة التدريس حيث كتب أنه عين في 1987 لا في 1982 ، وأظن أن هذا الخطا كفيل بإلغاء قرار المحكمة .
لست خبيرا قانونيا ، ولكن ما النتائج المترتبة على خطأ كهذا ؟
أهو خطأ طباعي أم خطأ مقصود ؟
وهل يمكن نقض القرار بناء على خطأ مثل هذا ؟
أفيدوني أفادكم الله .
التفت إلى الخطأ منذ قرأت الحيثيات وصمت .
أحيانا أفعل هذا بقصد ، وأحيانا يحدث هذا ولا ألتفت إليه وهات تبعات .
4/4/2016

٦
متسول المدينة :

متسول المدينة طلب مني طلبه المعتاد وهو الشيكل . غالبا ما أنقده .
اليوم جاء يطلب وهو يدعو الله ان ينصر اسرائيل على العرب وعلى سكان المدينة ، ما جعلني أرفض إعطاءه ، وقلت له :
- خذ من اسرائيل إذن .
الطريف ليس ما سبق . الطريف ما رواه لي شاب كان ينتظر ، مثلي ، الحافلة.
قال لي الشاب إن هذا المتسول معه عشرات الآلاف ، وإنه يمارس التسول مهنة له . وروى الشاب ما هو اكثر من هذا .
قال لي إن المتسول كان مع ابنته وخطيبها في متجر ملابس نسائية ، وكان "مشخصا" ، ومع ذلك فإنه حين رأى أحد من ينقدونه ، مد يده وطلب الموعود ، ما جعل خطيب ابنته يحتج .
الشاب قال لي إن المتسول نظر إلى خطيب ابنته وقال له :
- " ألا تعرف أنني شحاد ، وهذه مهنتي؟"
أنا تذكرت ما روته أمي لي :
" - يا طاقة هات لي رقاقة ".
تزوجت البدوية المتسولة من رجل غني وأقامت في قصر ، وذات يوم وقفت على درج القصر وخاطبت الطاقة :
"- يا طاقة بدي رقاقة ".
هل يغلب الطبع التطبع ؟أشك ، فالمرء يرتقي بالتعليم والتجربة ، ومع ذلك هناك استثناءات.
2/4/2016

٧
عار البشرية :

وأنت تشاهد الأخبار وتصغي إلى بعض أهل الموصل يتحدثون عن الفقدان الناجم عن الحرب الوحشية تقول :
- يا عارنا نحن البشر !
الفتاة تصرخ : "أخوي..قطعوا أخويا "
والمرأة تصرخ :
"أخويا وابناؤه الأربعة راحوا "
والسادة السياسيون يتحدثون ويخاطبون (ترامب) :
"سيدي الرئيس ".
يا لعارنا ويا لعار السادة ويا لعار القائل :
" سيدي الرئيس ".
هم يريدون الحرب والشعب يريد الحياة ، ولهذا غدا ثلث الشعب السوري لاجئين ، وغدا أيضا نصف الشعب العراقي مشردا ، مثل شعبنا .
يا لعار البشرية !
2/4/2017

٨
التغابي يوقع بالتذاكي :

حقا لماذا يوقع التغابي بالتذاكي؟
هل لأن التغابي ضرب من الذكاء في حين أن التذاكي ليس ضربا من الذكاء ؟
لا أعرف إن كان تغابي أحيانا ناجما عن رغبة في التغابي أم أنه هروب من المواجهة التي تتطلب قدرا من الشجاعة قد تسفر عن خسارة المزيد من المعارف الذين يمكن أن يشكلوا نواة لشخصية قصصية أو روائية ؟!
وما أصدق ما قاله أبو العلاء :
"ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا /
تجاهلت حتى قيل إني جاهل "!
وقال اميل حبيبي في "المتشائل " :
"كنت احسبك حمارا فإذا أنت أحمر " .
2/4/2018

٩
رواية " الكبسولة " للأسير كميل أبو حنيش :

على هامش الندوة الاحتفالية اليوم في جامعة النجاح الوطنية بإشهار رواية كميل أبو حنيش "الكبسولة " التي ألقى فيها ثلاثة ، وهم المحامي حسن عبادي والصحفية منال الزعبي والدكتورة أمل أبو حنيش ، مداخلات حولها ، اشتريت الرواية تشجيعا وتقديرا .
لم أكتب عن الروائي من قبل لاقتناعي بأن على الدكتورة آمل أن تواصل نتاج الجيل الجديد .
ما لفت نظري أن الروائي ذكر محمود درويش في العتبة ولم يذكر غسان كنفاني ، والروائي ينتمي إلى فصيل الجبهة الشعبية . هذه خطوة متقدمة من رفاق الجبهة .
ما كان مزعجا في الندوة ، عدا القراءة السليمة جدا جدا لأشعار محمود درويش ، هو عدم التنسيق بين القائمين على الأنشطة ، وعلى ما يبدو كان هناك نشاط ثان في الجامعة ، ما أدى إلى عدم الإصغاء إلى المتكلمين جيدا ، وكان ثمة صوت مطرب شعبي يرتفع ويرتفع . وللحظة تخيلت نفسي في قاعات المحاضرات في ألمانيا ، فالضجيج وعدم التنسيق هو من صفات الألمان ، لا من صفات العرب . كيف غفل القائمون على الأنشطة عن هذا ؟

2 نيسان 2019

١٠
الست كورونا و" بروتوكولات حكماء صهيون " ٣٣ :

اليوم لم أخرج من البيت . بقيت جالسا أقرأ في رواية الياس خوري " باب الشمس " لأكتب مقال الأحد القادم . هل ربط أي دارس لروايات الكاتب بين هذه الرواية وبين رواية " الوجوه البيضاء " وقال إن الفدائي يونس هو امتداد للفدائي أبو جاسم ، وأن البطل الأسطوري آل إلى ميت سريريا ؟
كلما شعرت بالضجر أصغيت إلى شريط فيديو يأتي على الست كورونا ، ولقد صرت في حالة لا أعرف فيها كوعي من بوعي ولا رأسي من رجلي . أتمشى لأخفض نسبة السكر في الدم وأفكر فيما أصغي إليه . الكبار عبء على الاقتصاد العالمي ويجب التخلص منهم والرأسمالية متوحشة ليس لها قلب رؤوف رحيم ، وثلاثة مليارات ونصف المليار من البشر يعانون من الحجر الصحي وحالات الحمل والطلاق في ازدياد .
وأنا أصغي إلى شريط فيديو استمعت لأول مرة عن جماعة " الهاجر جونز " - إن أحسنت كتابة اسمها - وهؤلاء يشكلون ١ بالمائة من سكان المعمورة يخططون لحصر الثروة بأيديهم ولا يكترثون لبقية السكان . نعم ١ بالمائة فقط ، وقبل سنوات كنت أقرأ أن ٨٠ بالمائة من سكان الكرة الأرضية يعيشون على ٢٠ بالمائة من خيرات الكرة الأرضية ، فيما يستمتع ٢٠ بالمائة ب ٨٠ بالمائة من الخيرات . الآن سوف يحصر ١ بالمائة الثروة بأيديهم .
آخر النهار حول إلي ابن أختي شريط فيديو فيه تدعو الشرطة الإسرائيلية اليهود المتدينين إلى الالتزام ببيوتهم وعدم التجمع ، وهذا ما لم يرق للمتدينين ، ولذا أخذ هؤلاء يبصقون في وجه الشرطة ويتهمونهم بأنهم " نازي " ، وقبل يومين شاهدت شريط فيديو لرجل مسلم بيده سيخ حديد يكسر زجاج مسجد أغلق ، فالرجل يريد أداء الصلاة . كان الرجل يصرخ في وجه المسؤول عن المسجد الموجود في داخله ناعتا إياه بالشيطان وعدو الله .
٢ نيسان ٢٠٢٠

١١
أنا والجامعة 27 : رئيس الجامعة وأنا

لا أتذكر بالضبط عدد رؤساء الجامعة الذين تعاقبوا على استلام المنصب منذ بداية عملي فيها . أتذكر منذر صلاح وبهجت صبري وشريف كناعنة وشوكت زيد الكيلاني ورامي الحمدالله ، وعرفت أكثرهم معرفة لا تتعدى حدود علاقة الأستاذ الجامعي برئيس جامعته ، وربما كانت العلاقة الأكثر ودية هي علاقتي بالدكتور رامي الحمدلله والدكتور شوكت زيد ، علما بأن علاقتي مع الرؤساء الآخرين لم تكن سيئة ، وإن ساءت لفترات قليلة عابرة فإنما كان الأمر يعود إلى خلاف غير لغوي . خلاف إداري .
منذ العام ١٩٨٢ حتى العام ١٩٩٨ رأس الجامعة أربعة ورأسها الدكتور رامي بعد العام المذكور حتى العام ٢٠١٩ - يعني واحدا وعشرين عاما ، وهذه الفترة أطول من فترات رئاسة الرؤساء الأربعة السابقين معا ، وهي تتجاوز القانون الذي يقصرها على أربع سنوات قابلة للتجديد مرة أخرى فقط .
عرفت الدكتور رامي وهو رئيس قسم اللغة الانجليزية وعميد كلية الآداب ونائبا لرئيس الجامعة الدكتور منذر صلاح ، وغالبا ما كنا نتبادل التحيات والسلام العابر ، وفي العام ١٩٩٣ حين كتبت نصي القصصي " ليل الضفة الطويل " وكدت أفصل من الجامعة بسببه تبنى الدكتور موقف عمه المرحوم وحيد الحمدلله الذي كان الوحيد من الأمناء الذي رفض فصلي .
كان المرحوم وحيد الحمدلله يحسب على فصيل الجبهة الديموقراطية وكنت اعتبرت ، إلى حد ما ، ممثلا لهذه الجبهة في نقابة العاملين في العامين ١٩٨٥ و١٩٨٦ ، حتى وإن لم اترشح باتفاق معها باسمها ، ووقف المرحوم إلى جانبي لصداقتي مع ابنه عاكف المحسوب على الجبهة - آمل أن أكون دقيقا - وهكذا لم أفصل .
عندما استلم الدكتور رامي رئاسة الجامعة ذهبت لكي أبارك له - وهذا سلوك لم أقم به من قبل ولم أسلكه من بعد ، فنادرا ما ذهبت في الأعياد ، بخلاف زملائي وأكثر أعضاء هيئة التدريس لأهنيء الرئيس - قال لي بالحرف الواحد :
- أنا مثل أبو عمار ، انتقدوا كما تريدون .
ولم يكمل عبارة أبو عمار " وأنا أفعل ما أريد " .
ولقد ظللت ، خلال رئاسة الدكتور رامي انتقد الجامعة بحدة ، وليس لمن يريد التأكد من هذا إلا مراجعة صفحاتي علي الفيس بوك . هل كان صمت الدكتور على ما أكتب يعود إلى تبنيه رأي أبو عمار أم أن هناك أسبابا أخرى جعلته يصمت ؟
لا أريد أن اجتهد وأكتب عن أسباب أخمنها ولست متأكدا منها تماما ، ولكنني بقيت انتقد ، ومرة وجه إلي إنذارا باتخاذ اجراءات ضدي قد تصل إلى الفصل والحرمان من الحقوق المالية .
ليس خلافي مع رئاسة الجامعة خلافا شخصيا على الإطلاق ، ففي كل ما كتبت تجنبت الكتابة عن أمور شخصية ، وعندما فقد الدكتور رامي أفراد عائلته في حادث مروري ذهبت إلى بيت الأجر ، وعندما توفي عمه المرحوم وحيد الحمدلله ذهبت إلى الجنازة . كان خلافي مع رئاسة الجامعة وإدارتها خلافا على قضايا علمية وإدارية وقانونية .
غالبا ما كنت أكتب خربشات عن تجاوز قانون الجامعة بخصوص التمديد للدكتور رامي ، فلم تكن الآراء التي يرددها قسم من العاملين وأهمها أنه ليس هناك غيره من يشغل المنصب ، لم تكن الآراء تروق لي ، وحجتي في ذلك أن جامعة تخلو من عضو هيئة تدريس كفء لإدارتها تستحق أن تغلق ، وكنت أتساءل : هل سيخلد الرئيس ليظل يشغل منصبا فلا يوجد من هو كفء للمنصب غيره .
في الشعر العربي قال شاعر يمدح خليفة عباسيا تولى الخلافة :
" أتته الخلافة منقادة
إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها "
وقد جاءت الرئاسة إليه منقادة ، علما بأنه لم يكن برتبة أستاذ دكتور ، وكانت هناك أسماء ثلاثة برتبة أستاذ دكتور مرشحة للمنصب هي الدكتور علي زيدان والدكتور عبد الفتاح أبو الشكر والدكتور محمد حنون .
في أثناء رئاسة الدكتور رامي شغلت منصب رئيس قسم اللغة العربية ولم أواصل ولهذا قصة قد آتي عليها لاحقا ، واستمرت العلاقة الودية بيننا وكان أحيانا يأخذ بآرائي ، فقد اقترحت عليه مرة ، حين دعا أعضاء هيئة التدريس في القسم ليأخذ رأيهم في فتح برنامج دكتوراه ، اقترحت عليه أن يعيد النظر في برنامج الماجستير لضعف الرسائل وضعف الإشراف ، وهو ما عمل به في حينه .
عندما قررت إدارة الجامعة رفع العبء التدريسي لمن هم برتبة أستاذ دكتور من تسع ساعات أسبوعية إلى اثنتي عشرة ساعة أسبوعية حدث الاختلاف مع رئاسة الجامعة ، وقد لجأت أنا والدكتور عبد الفتاح أبو الشكر والدكتور جمال جودة والدكتور عبد الستار قاسم والدكتورة أفنان دروزة إلى المحكمة لتعيد لنا حقوقنا ، وقد خسرنا الدعوى ، فقد كان غريمنا صار رئيس وزراء .
في أثناء حضور جلسات المحاكمة التقيت بزميل برتبة أستاذ دكتور شهد ضدنا ، والزميل صديق لي ، وقد سألته في المحكمة السؤال الآتي :
- كيف تشهد ضدنا؟ أنت تشهد ضد جدارتك باللقب الذي تحمله .
ابتسم الزميل وأجابني :
- لا استطيع إلا أن أشهد .
ويومها وجب علي أن أعيد قراءة روايات أمريكا اللاتينية .
خلال السنوات الست التي قضاها الدكتور رامي في منصب رئاسة الوزراء كتبت باستمرار احتج على جمعه منصبين بيد واحدة ، وحجتي أن هذا يسيء للشعب الفلسطيني قبل أن يسيء للدكتور نفسه ، وما زلت عند رأيي عموما . لقد حجز المنصب لست سنوات وكانت المفارقة أن الدكتور رامي لم يعد ليشغله ، بغض النظر عن شغله منصبا آخر قد يكون أرفع ، ولا أريد أن أخوض في تفاصيل عودته.
وأنا أراجع بشأن حقوقي المالية التقيت في مبنى رئاسة الجامعة بالدكتور وحوله مجموعة من الموظفين أو الحراس وتصافحنا وقال لي :
- وأخيرا عدنا إلى مكاننا .
وقد أجبت :
- والعود أحمد .
وواصلت طريقي ، وأخمن أن لعبارته دلالتها .
عندما عين الدكتور في منصب رئاسة الجامعة وخاض الخائضون في الأمر قلت لبعض معارفي إن المنصب لا يدوم وإن الدكتور رامي ، طال به العهد في الرئاسة أم قصر ، سيعود إلى مكتبه وإلى عمله مدرسا ، وأغلب الظن أن العبارة وصلت إليه ، وقد ألمح لي بها وهو رئيس جامعة ، وأرجح أن تلفظه بها في اللقاء الأخير كان أيضا تذكيرا مع غمز هو إنني عدت ولكن أقوى وأعلى وأما أنت فقد انتهى عملك .
شخصيا لم ألتفت أبدا لمغازي العبارة ودلالاتها ان كان لها مغزى أو قصد ، فأنا دائما ما أتذكر كلام صديق لي مفاده أن لا أحد اليوم يعرف من هو رئيس الجامعة المصرية أيام كان طه حسين عضو هيئة تدريس فيها ، ولكن أكثر المتعلمين والمثقفين يعرفون من هو طه حسين .
هل أنا ند لطه حسين لأكتب هذا ؟
رحم الله طه حسين ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه !!؟؟

١٢
سهرة مع أبو إبراهيم ٨ :
" وين عقلك يا قرية "

أبو إبراهيم ريفي من قرية تل المشهورة بفاكهة التين ، عدا اللبن والحليب . في القرية نشأ ولكنه أنفق أكثر سنوات عمره خارجها بسبب دراسته في الغرب وتدريسه في جامعة بير زيت ثم عمله في المؤسسات والوزارات ، ومع ذلك فللقرية حضور لافت في قصصه ؛ شجرة التين وتفكير أهل القرية وتفاؤلهم وتشاؤمهم ، وبعض هذا ينحدر من الثقافة العربية منذ مئات السنين وقصة " و ... لحن الغربان " تتخذ من القرية مكانا لها ، وما نقرؤه فيها عرفناه في الشعر العربي .
عرف عن العرب تشاؤمهم من الغراب ، فقال أحد شعرائهم :

زعم البوارح أن رحلتنا غدا
وبذاك خبرنا الغراب الأسود

وقال شاعر آخر :

إذا كان الغراب دليل قوم
فعيب القوم لا عيب الغراب

وصار كل من ينقل خبرا سيئا يشبه بالغراب أو البوم ، وسارد قصة " و ... لحن الغربان " يروي قصة شاب رأى فيه أهل القرية طالع نحس ، حتى نعتوه بالغراب وعزوا إليه المصائب التي تلم بهم لدرجة أنه صرخ :
" وين عقلك يا قرية " .
ولكن عبثا ، فالقرية لم تنس فص الحلاق وظلت تتذكره وتتحدث عنه حتى رحل المسكين عنها ، وحين استبد به الحنين ، بعد خمسة عشر عاما ، واشتاق إليها عاد فوجد سيرة فصه تجري على ألسنتهم ( سأكتشف شخصيا أن نابلس لا تختلف عن القرية ، فالناس تلوك الحكايات ولا تملها مثل زعران السجن في قصة محمود شقير " الوطن " ) .
- ماذا يفعل المسكين الغراب حتى يغير وجهة نظر الناس المتخلفة هذه ؟
تقترح عليه أمه نعمة أن يكون ذكيا ، ويفكر هو :
- كيف أكون ذكيا ؟
في أحد أعراس القرية تأتي دورية إسرائيلية فيهاجمها مقاوم بقنبلة مولوتوف ، وهكذا تحاصر القرية ويعتقل شبابها ويهددون بالقتل إن لم يعترفوا على الفاعل ، وتكون اللحظة مناسبة للشاب ليتصرف بذكاء ، وهكذا يعترف بأنه هو من ألقى القنبلة ، فيعتقل ويعذب ، وحين يسأل عن اسمه يجيب :
- غراب .
والسجان يريد اسمه الرباعي وهو نسيه ولم يعرف له اسما إلا ما نعته به أهل قريته " غراب " ويكاد السجان يجن :
- هل هناك شخص واحد في هذه الدنيا ليس له اسم رباعي ؟
- سقراط وأفلاطون وأرسطو .
ويكاد السجان يتعقد .
هل شفع ما فعله غراب له أمام أهل القرية ؟ هل تخلوا عن مناداته بغراب ونسبوه إلى أبيه وأسرته بفضل سلوكه الذي أنقذ شباب القرية ؟ هل صار مثل فارس رتيبة في قصة محمد علي طه " وصار اسمه فارس أبو عرب ؟ ( كان مجايلو فارس ينادونه باسم أمه ولم ينادوه باسم أبيه إلا بعد أن تصدى للجنود ودافع عن أرضه ) .
سيفحم غراب الضابط الإسرائيلي وسيفحم أيضا سكان القرية بذكاء أثبت للجميع أنه ليس مسؤولا عن مصائبهم ،وسيستمعون إلى لحن جديد آت من السماء ، لحن طربوا له . إنه صوت الغربان التي وقفت إلى جانب غراب فأزعجت السجان .
أبو إبراهيم الآن رئيس وزراء ولا أظنه يسمح للغربان بأن تعزف ألحانها على إيقاع الرصاص ، وأظنه صار يؤمن ، مثل المرحوم صائب عريقات ، بأن الحياة مفاوضات .
جميعنا قبل الثلاثين كنا نرى في بنادق الفدائيين لحن الثورة ، ولكننا الآن مختلفون جدا .
بعد عقدين من ثورة الطلاب في الغرب شاعت مقولة " لا تثق بمن هو فوق الثلاثين " وأبو إبراهيم الآن مشغول بالكورونا والتغلب عليها وكلنا منذ أوسلو ، بل وقبلها ، صرنا في ورطة .
هل أنا الآن غراب " أبو إبراهيم " وغراب السلطة الفلسطينية وغراب جامعة النجاح الوطنية وغراب الاحتلال الإسرائيلي والنظام العربي ؟
كان الله في عون أبو إبراهيم ، فالمواقف تتغير ، كما يقول الماركسيون ، بتغير المواقع ، وأبو إبراهيم الآن رئيس وزراء .
صباح الخير يا أبو إبراهيم .
٢ نيسان ٢٠٢١

١٣
هل حل دال الدولة محل دال الوطن ؟

عادل الاسطة

من يقرأ الأدبيات الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ يلحظ شيوع دوال مثل الوطن والأرض والتراب والبلاد فيها ولا يقرأ دال الدولة نهائيا ، واستمر الحال تقريبا حتى العام ١٩٧٤ ، فما شاع في أدبيات المنفى بين ١٩٤٨و١٩٦٧ هو الدوال السابقة مقترنة بكلمات السليب والعودة والرجوع " الوطن السليب ، فلسطين ، فلسطين السليبة / من فلسطين ريشتي ، عائد إلى حيفا ، عائدون ، متى سنعود ، عودة الغرباء ، راجعون ، برجوعنا لبلادنا ، بلادي " وفي أدبيات الداخل " تراب ، وطن ، فلسطين / عاشق من فلسطين ، أرض " .
مع العام ١٩٧٤ وقبول الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية على المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ بدأ دال الدولة يتكرر في الخطاب السياسي الفلسطيني تكرارا لافتا حتى كادت فلسطين تغدو الضفة الغربية وقطاع غزة فقط ، فنادرا ما قصد بدال الدولة فلسطين كلها من النهر إلى البحر ، فحل الدولة العلمانية الذي اقترحته حركة فتح في العام ١٩٦٨ تراجع لتحل محله الدولة الفلسطينية المستقلة ، وربما تكررت دوال الوطن في بعض القصائد والروايات والقصص القصيرة ، وهو ما لاحظناه في أدبيات محمود درويش ومحمود شقير وأسعد الأسعد ، وربما تجدد النقاش حول دال الوطن مع كتابة محمود درويش في العام ١٩٨٨ قصيدته الشهيرة " عابرون في كلام عابر " ، فدوالها " برنا ، بحرنا ، أرضنا ، سماؤنا " أربكت الاستشراق الإسرائيلي والغربي أيضا ، إذ تساءل هذا الاستشراق عما يقصده الشاعر بأرضنا وبحرنا . هل يقصد فلسطين كلها أم يقصد الضفة الغربية وقطاع غزة ؟
وفي رد الشاعر على استفسارات صحفي اسرائيلي أجاب بطريقة وضحت الفرق بين دال الوطن ودال الدولة ، فطالب بدولتين ؛ فلسطينية وإسرائيلية ، في وطن واحد ، وقال إن فلسطين هي بلاده :
" - قل لي : ما هي بلادك ؟
- بلادي هي بلادي فلسطين .
- كل فلسطين ؟
- نعم كل فلسطين بلادي . هل خدعك أحد وقال إن فلسطين ليست بلادي ؟
- لا . إنها بلادي .
- أنت تؤمن بأن بلادك قد تمتد من النيل إلى الفرات وأنا أؤمن بأن فلسطين ، وحدها ، هي بلادي .
- ونحن ، ما هي حدودنا ؟
- عليكم أنتم أن تقولوا ما هي حدودكم في بلادنا ، لأن جزمة الجندي المحتل لا تصلح لأن تكون حدودا كما يحددها الجنرال ديان ، أما نحن فلا نسأل ما هو وطننا لأننا نعرفه تماما ، بل نسأل عن دولتنا الممكنة في أرض وطننا .... . "
هل تردد دال الوطن في أدبيات الجيل الفلسطيني الجديد الذي ولد في المنفى وماذا كان يفهم منه ؟ ماذا كانت فلسطين تعني له ؟
في كتابي " أدب العائدين ؛ تساؤلات وقراءات " كنت توقفت أمام روايتي مايا أبو الحيات " لا أحد يعرف زمرة دمه " وسامح خضر " يعدو بساق واحدة " والحق أن دال الوطن تكرر في رواية الثاني ، في حين يفهم من رواية الأولى أن وطن الإنسان هو المكان الذي نشأ فيه وانسجم ، وحين يطلب الأب من ابنتيه أن تستعدا إلى العودة إلى فلسطين تترددان وتوضحان رأيهما :
" والغريب أن كلمة عودة لا تتفق أبدا مع حالتنا أنا وجمانة ، فنحن لم نكن يوما هناك لنعود " و " فأنا لا أعرف عن فلسطين سوى ما يقوله الأستاذ خيري أستاذ التاريخ وهو يحاول أن يعلمنا " بالكندرة " شكل خريطتنا " وعن حياتها في المنفى تكتب " لكنني أحببت الحياة هنا وتأقلمت مع مزاج أبي الذي كان يشبهني في كثير من الأمور ، وكل ما أعرفه أنني لن أسمح لهم بتخريب حياتي مرة أخرى ، وهذا ما يجب أن يعرفه أبي ويقبله " وهكذا فإن وطن أبيها لا يعني لها الكثير وهو ليس وطنها ، فوطنها هو المكان الذي نشأت فيه واعتادت عليه وارتاحت إليه .
سامح خضر فصل في القول أكثر ، فبطله قاسم الذي نشأ في مصر وأحبها واعتاد على العيش فيها رأى فيها وطنه ، ولم ير فيها منفى ، وقاسم الذي ربي علي أن وطنه هو فلسطين التاريخية ، حين عاد إلى غزة ، وفق اتفاقات أوسلو ، شعر بغربة وفكر بالهجرة . لقد أدرك " أن الأوطان هي كل ما نألفه وما نعتاد عليه ، ليست بالضرورة ما ننتمي إليه حين تنتقل جنسية أهلنا لنا ، الوطن هو ما تتشكل فيه ومنه ذواتنا ."
مصر لقاسم وطن وفلسطين أيضا له وطن على الرغم من ضيقه بالحياة في الأخيرة ومن انكماش الحلم الكبير الذي " كبر فينا من تحرير إلى إعادة انتشار ومن حيفا والناقورة وعكا وطبريا وبيسان ويافا والناصرة والجليل والمثلث ودالية الكرمل وغيرها من مدن فلسطين إلى الاكتفاء بغزة وأريحا ، غزة التي لا أعرف فيها أحدا ولا أعرفها جغرافيا " ، فما أعرفه من الوطن هو غزة ولا يمكن أن تختزل فلسطين الكبيرة فيها لتقرب لي صورة الوطن " .
وثمة فارق عموما في تصور الوطن بين جيل وجيل ؛ جيل محمود درويش وجيل مايا أبو الحيات وسامح خضر ولا عجب فكل كاتب هو ابن معطيات زمانه وإن كان للوعي السياسي الفردي أثره الكبير في تشكل الصورة .
الكتابة تطول والمساحة محدودة.
٢ نيسان ٢٠٢١

١٤
ستنتهي الحرب والنقد الأدبي في العالم العربي بين قرنين : قفلة

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

أعادتني أسطر " ستنتهي الحرب " إلى عشرات الكتب والدراسات والمقالات والمقولات النقدية التي كتبت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن ٢٠ والعقدين الأولين من القرن ٢١ ، وجعلتني أمعن النظر في الفارق بين كتب النقد في قرنين مختلفين فأرى بينها ، في مجملها ، بونا شاسعا : من نقد يتوقف أمام الموضوع والقضايا السياسية والاجتماعية والفكرية ، ويربط هذا كله بموقف الكاتب ، إلى نقد يركز على قضايا شكلية تقارب العنوان والأسلوب والبناء وتهمل المؤلف والمعطيات الخارجية كلها . نقد يعطي الأولوية إلى الموضوع والإنسان ونقد يمنح الأولوية للشكل واللغة ، وقد لخص رأي نجيب محفوظ الذي أورده إبراهيم عبد المجيد ، في شهادته عن النقد الأدبي ، الفارق بين نوعي النقد :
" ماكنتش أعرف إن النقد بقى صعب كدا " ( فصول ، العدد ١٠٦ ، صفحة ٢٣٠ ) ، وسوف يعزز رأي محفوظ هذا من يقرأ مجلة فصول وكتب النقد الأدبي المنجزة في العقدين الأخيرين ويقارنها بكتب النقد الأدبي التي صدرت في القرن الماضي .
سوف يلحظ قاريء الكتب الصادرة في العقدين الأخيرين أنه يغلب على قسم كبير منها الآتي :
إنها كتب نظرية معادة مكرورة تتكيء على مناهج نصية لا يقرؤها إلا قراء قليلون جدا ، وهي تختلف عما كانت تتسم به كتب النقد في النصف الثاني من القرن الماضي التي كانت نسبة عالية من المهتمين بالأدب تقرؤها وتتفاعل معها وهي أيضا تريح أتباعها من اتخاذ موقف في حياتهم قد يزج بهم في مشاكل مع السلطة الحاكمة أو مع الأحزاب المختلفة عن حزبهم .
وربما كان الناقد الفلسطيني المرحوم حسام الخطيب من أوائل النقاد العرب الذين التفتوا إلى النقد الأدبي الجديد ، وذلك في دراسته التي نشرها في كتاب " الشعر العربي في نهاية القرن " ( ١٩٩٧ ) تحت عنوان " تقنية النص التكويني ومغامرة مع نص درويشي " .
في دراسته يتوقف الخطيب أمام مصطلحات نقدية جديدة هي النص المتشعب والنص الرافل والبطاقة المتشعبة ويقدم شرحا لها ويوضح كيف تتشكل النصوص وكيف يمكن أن تقرأ في ضوء الاستعانة بالحاسوب والمعطيات التكنولوجية الحديثة ، وربما توحي دراسته إلى أن المقطع الذي غنته كارول سماحة تشكل من نصوص مختلفة منها سطر محمود درويش " يحكون في بلادنا ، يحكون في شجن " .
يترجم الخطيب مصطلح النص المتشعب الذي صاغه Ted Nelson في العام ١٩٦٥ على النحو الآتي :
" النص المتشعب Hypertext في علم الحاسوب هو تسمية مجازية لطريقة في تقديم المعلومات يترابط فيها النص والصور والأصوات والأفعال معا في شبكة من الترابطات مركبة وغير تعاقبية مما يسمح لمستعمل النص [ القاريء سابقا ] أن يجول browse في الموضوعات ذات العلاقة دون التقيد بالترتيب الذي بنيت عليه هذه الموضوعات ، وهذه الوصلات تكون غالبا من تأسيس مؤلف وثيقة النص المتشعب أو من تأسيس المستعمل ، حسبما يمليه مقصد الوثيقة " ( صفحة ٦٩ ) ، ولتوضيح المصطلح يأتي الخطيب بمثال أدبي هو كلمة " بحيرة " التي ما إن نكتبها في غوغل ، حتى تقودنا إلى أشكال البحيرات في العالم ، ماضيا وحاضرا ، ويمكن أن تقدم لنا نموذجا لبحيرة ، وحين يكون النص معدا إعدادا أدبيا يمكن أن تقدم أسماء وربما نماذج من القصائد التي قيلت في البحيرات... إلخ .
عندما تابعت في سلسلة مقالات فكرة الانتظار والتضحية ودفع الثمن عقب الكاتب محمد مو حجيري الذي تابع قصة الأسطر وغناءها في صحيفة " المدن " اللبنانية ، عقب على ما كتبت بأن الجديد في الأسطر هو عبارة " وتصافح القادة " ، وعندما حككت ذاكرتي عن ورود هذه العبارة في الشعر العربي الحديث تذكرت قصيدة مظفر النواب " قراءة في دفتر المطر " ( ١٩٦٩ ) وفيها قال الشاعر :
" وأخيرا صافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب
ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر والجيش يحارب "
وتذكرت قصيدة أمل دنقل " لا تصالح " التي كتب فيها عن الشيوخ الشروخ الذين استطابوا الثريد وامتطاء العبيد .
وربما كانت رواية يوسف القعيد " الحرب في بر مصر " ( منشورات صلاح الدين / القدس ١٩٧٩ ) من أبرز روايات الحرب في الأدب العربي بعد ١٩٧٣ التي تجسد السطر " لا أعلم من باع الوطن ولكني رأيت من دفع الثمن " ، فالعمدة لا يرسل ابنه إلى الحرب ويقنع الخفير بأن يرسل ، نيابة عنه ، ابنه الوحيد الذي يستشهد ويظل أبوه ينتظره ، والطريف أن العمدة صار والد الشهيد ويأخذ مستحقاته المالية ، ثم يعطيها بدوره للخفير . لقد سرق منه حتى شرف أن يكون والد شهيد . ولا تبتعد رواية هدى بركات " حجر الضحك " عن الفكرة نفسها ، فالمقاتلون الشبان ينجرون إلى معارك تصب في مصلحة المنتفعين من الحرب الذين يتلقفون أنصارهم ومسلحيهم وشهداءهم من فروج أمهاتهم . ( رفيف صيداوي : النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية ، ص ٢٩١ ) .
هل نعثر في كتابات درويش على فكرة دفع الثمن وبيع الوطن مصوغة بكلمات أخرى ؟
اقرأوا ما كتبه في كتابه " وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام "( ١٩٧٤ ) :
" الشعب يعطي الدم ، والحاكم يأخذ الزينة . يحتاج إلى دم الشعب من أجل الطاعة .
- تريد أن تعرف : انتصرنا أم هزمنا ؟ منذ تشرين والناس تسأل هذا السؤال ولا أحد يجيب . هل كانت لعبة ؟ " ( ١٤٣ )
هل كانت لعبة ليتصافح القادة ؟
وبعد أربع سنوات من تشرين " صافح قادتنا الأعداء " .
لعل هذه الكتابة " قفلة " للخوض في شأن الأسطر التي نسبت إلى محمود درويش وغنتها كارول سماحة .
الأحد ٢ / ٤ / ٢٠٢٣
و
والخميس ٦ / ٤ / ٢٠٢٣
وما بينهما .

١٥
مظفر النواب : " قراءة في دفتر المطر "

أحد المهتمين بالأسطر الشعرية التي غنتها كارول سماحة ونسبت لمحمود درويش عقب بعد أن قرأ بعض مقالاتي التي تتقصى أفكار الأسطر ، عقب على ما كتبت بأن الأفكار معروفة حقا في الآداب العالمية ولكن الجديد والمختلف فيها هو " ويتصافح القادة " .
وأنا أحك ذاكراتي وأبحث عن ظهور عبارة " ويتصافح القادة " تذكرت قصيدة مظفر النواب " قراءة في دفتر المطر " ( ١٩٦٩ ) وفي أسطرها الأولى نقرأ السطر الآتي :
" وأخيرا صافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب " .
هل تذكرت ما قاله أمل دنقل في قصيدته " لا تصالح " عن الشيوخ الشروخ الذين يحبون الثريد وامتطاء العبيد ؟
شو رأي السيد محمد مو حجيري في هذا ؟
ما زالت الأسطر :
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة ... " تشغلني ، والحق كل الحق على أستاذ الأدب العربي الحديث الذي أدرجها على صفحته في الفيس بوك على أنها لمحمود درويش . لا تلوموا كارول سماحة . لوموا عادل الاسطة Adel Osta وزملاءه في قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية .
بالإضافة إلى ما سبق فإن مظفر في القصيدة نفسها يأتي على من باع لغته ومدينته وباعه :
" وسيخجل من باعوا لغتي "
" أنا رجل باعوا الليل مدينة أيامي
باعوني ككتاب يطبع ثانية "
٢ / ٤ / ٢٠٢٣ .

١٦
غزة ( ١٧٩ ) :
" ورقة من غزة " غسان كنفاني

في نابلس سارت الحياة اليوم كالمعتاد . الناس يتبضعون استعدادا لعيد الفطر باحثين عما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ، وكعك العيد بدأ يعد ويجهز ، والأيام العشرة الأخيرة من الشهر الفضيل لها أجواؤها الخاصة .
تراجعت أخبار غزة ولم يعد أصحاب بعض المحلات يصغون إلى آخر الأخبار من بعض الفضائيات كالجزيرة والعربية ، وفي الحافلات بالكاد تستمع إلى صوت مذيع يقرأ الأخبار أو يقدم برنامجا حواريا حول آخر المستجدات .
فقط في وسائل التواصل الاجتماعي تقرأ آخر أخبار الحرب وتشاهد بعض أشرطة فيديو تصور ما ألم بمجمع الشفاء الطبي ، فتحزن وتتساءل إن كان أصل الفوهرر الألماني ( أدولف هتلر ) فلسطينيا لاجئا غزاويا اتخذ من مجمع الشفاء مقرا له . ربما ! ربما !
صارت الطفلة ، بعد ارتقاء أمها ، أما . تشاهد شريط فيديو لطفلة تتحدث عن أمها وقيامها هي الآن بدورها . تحتضن أخاها الصغير وترعاه ، وهي غير مهيأة لهذا الدور . تمدح الطفلة أمها وتحكي عن حنانها وحبها لها ولأخواتها وإخوانها وتقول إنها أدركت ما معنى القول :" الدنيا أم " .
جرأة في الحكي وفصاحة تفوق الفصاحة وثقة بالذات عجيبة لا يسبغها الأطفال على الحكام العرب ، ولذلك صاروا يحفظون قصائد جلد الذات عن ظهر قلب . " سنبيعكم .. لكن : لمن !؟ " تقرأ طفلة قصيدة لشاعر يمني انتشرت انتشار النار في الهشيم ، انتشار قصيدة مظفر النواب " وتريات ليلية " . تتحرك دكة غسل الموتى ، أما أنتم !؟" .
في قصة غسان كنفاني " ثلاث أوراق من فلسطين " في " ورقة من غزة " ( ١٩٥٦ ) نقرأ :
" لقد خرجت إلى شوارع غزة ، شوارع يملؤها ضوء الشمس الساطع . لقد قالوا لي إن ناديا فقدت ساقها عندما ألقت بنفسها فوق إخوتها الصغار تحميهم من القنابل واللهب وقد أنشبا أظفارهما في الدار . كان يمكن لناديا أن تنجو بنفسها .. أن تهرب .. أن تنقذ نفسها ، لكنها لم تفعل .
لماذا ؟"
وكان يمكن لغزة أن تنجو بنفسها .. أن تظل تنتظر تصاريح العمل وحقيبة العمادي .. أن ..
ويبدو أن قدر غزة هو ما جرى فيها ... .
هل صار الواحد منا قدريا ؟
مشهد الدمار لا يحتمل وعلينا أن نفتش عن جينات ( أدولف هتلر ) فينا ؟
كل الحق على المفتي
٢ / ٤ / ٢٠٢٤

١٧
غزة ( ١٨٠ ) :

أكاد أجزم أن لسان حال أهل غزة في هذه الأيام هو قول الشاعر الفلسطيني العروبي ابن دورا الخليل يوسف الخطيب :

" أكاد أقسم من شك ومن ريب هذي الجماهير ليست أمة العرب "
وليس بعيدا عنه قول مظفر النواب في " وتريات ليلية " :

هل عرب أنتم ؟!
٣ / ٤ / ٢٠٢٤

١٨
.لسنا بخير :

لا في غزة نحن بخير ، ولا في الضفة نحن بخير ، ولا في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ نحن بخير .
يعيش أهل قطاع غزة منذ ثمانية عشر عاما الحصار ، وهم منذ السابع من أكتوبر أمام خيارين : الإبادة أو الهجرة ، وكان الشاعر إبراهيم طوقان تنبأ بهذا المستقبل لشعبنا كله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة "
وأمس اكتمل المشهد بإطلاق النار ، بلا رحمة وبلا محاكمة ، على شرطي قتل مواطنا عن طريق الخطأ ، كما في بعض الروايات . وأمس تم تعميم منشور وردت فيه أسماء عشرة غزاويين ، مناهضين لحماس ، اتهموا بالتعاون مع الاحتلال .
غزة تعيش ليلها الطويل والتخوين هناك ضرب أطنابه ، وما أسرع ما نتهم من يخالفنا الرأي ، أو من لا يعجبه رأينا ، بالخيانة .
وأمس ارتقى من ارتقى وأمس وأمس وأمس تواصل النزوح الذي تعدد وتكرر .
وأمس في الضفة الغربية هاجم المستوطنون ، بحماية جيش الاحتلال ، قرية دوما القريبة من نابلس ، فأحرقوا البيوت والسيارات واعتدوا على المواطنين ، وفي فجر هذا اليوم اقتحموا نابلس و .. وللتو قرأت خبر إعدام الشاب النابلسي حمزة محمد سعيد الخماش في منزله ( ٣٣ عاما ) .
وأما الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني فيكفيهم ما هم فيه وعليه . الرعب والخوف من المستقبل والجريمة الداخلية التي غطت عليها حرب الإبادة منذ ٧ أكتوبر .
ويبدو أن الحدود الشمالية ستشتعل من جديد ! يبدو ! " ولست أنا النبي لأدعي وحيا " والسطر لمحمود درويش من " جدارية " .
لسنا بخير و ... .
حالة تعبانة يا ليلى !
٢ / ٤ / ٢٠٢٥

١٩
لدوا للموت وابنوا للخراب
فكلكم يصير إلى تباب / ذهاب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى