{لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: ٨]
(لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ …)
في معنى الصدق وطبقات السؤال
-----------
الصدق في اللغة: القول المطابق للواقع والحقيقة، وهو ضد الكذب.
والصدق اصطلاحًا: مطابقة الشيء المنقول، أو الوصف، أو الحدث المعيّن لواقع الحال.
لكن الصدق –في جوهره الأعمق– ليس لفظًا يُقال، بل مقامٌ يُعاش؛
ليس مجرد تطابق خبرٍ مع واقع، بل تطابق باطنٍ مع ظاهر،
واتساق سرٍّ مع علن، وانقياد فعلٍ لحقٍّ يشهد له الضمير قبل أن يشهد له اللسان.
فإذا قيل: الصدق، فليس المقصود خبرًا صائبًا، بل إنسانًا صار هو نفسه خبرًا عن الحقيقة.
لكن يبرز هنا سؤال يوقظ الفكر:
إذا كان الله -سبحانه- قد وصفهم بالصادقين، فكيف يسألهم عن صدقهم؟!
أليس في الوصف كفاية؟
قال المفسرون:
(لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) أي: أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين عن صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة. والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيتُ من أُرسلوا إليهم.
وقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله -عز وجل-.
وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم.
بالإضافة إلى ما ورد عن المفسّرين، والله أعلم، نقول:
ليس الحكم في ميزان الشرع كلمةً تُلقى، ولا رأيًا يُرتجل،
بل هو معنى يقوم على أصلٍ، ويستند إلى إذن.
فلا قولَ بلا مرجعيةٍ تُثبّته، ولا حكمَ بلا إجازةٍ تُبيحه، ولا بيانَ إلا إذا اتصل بمصدره، وانضبط بحدّه.
ومن هنا يلوح معنى الميثاق في الآية التي تسبقها من نفس السورة:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ… وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)
إن الميثاق هنا ليس مجرد عهد، بل تأسيسٌ للصدق، وإقامةٌ لميزانٍ تُوزن به النوايا قبل الأعمال.
ميثاقٌ ليس لتوكيد صدقٍ معلوم، بل لتثبيت مقامٍ مرسوم، وربط كلمةٍ بمصدرها، حتى لا تنفصل عن الحق، ولا تميل بها الأهواء.
فكان هذا الميثاق أصلًا تُردّ إليه الأقوال، ونورًا تُقاس به الأفعال، ومرجعًا يطمئن إليه القلب إذا اضطربت به السبل.
ثم كان إذنًا كريمًا في مقام البلاغ؛ إذ ليس كل صادقٍ يُؤذَن له أن يتكلم، ولا كل حقٍّ يُقال يُباح له أن يُنشر.
فقد يصدق الإنسان، ويغيب الحق، وقد يصحّ الخبر، ولا يصحّ إظهاره، كما في الغيبة والنميمة؛ حيث يلتقي الصدقُ مع الخلل، ويغيب العدل.
أما الأنبياء والرسل، فقد اجتمع لهم الصدق والإذن، فكانت كلمتهم هدى، وبيانهم نورًا، ودعوتهم طريقًا لا يضلّ سالكه.
ومن هنا يسكن القلب إلى ما جاءوا به، ويعلم أن اتباعهم ليس تصديقًا بالقول، بل تحوّلًا في الوجود، وانقيادًا يجعل الصدق فعلًا يُرى، لا دعوى تُقال.
ثم يمتدّ المعنى.. فلا يقف عند الرسل، بل يعبر إلى من صدّقوهم.
فيُسأل الأنبياء:
هل أدّيتم كما عاهدتم؟
سؤال إتمامٍ، لا سؤال اتهام، وإظهارٍ، لا استعلام.
ثم يُسأل الذين صدّقوا:
هل شهدتم لهم بالبلاغ كما هو؟
فيجيء الجواب ساكنًا مطمئنًا: بلى.
لكن السؤال لا يقف عند الشهادة.. بل يتجاوزها إلى الحقيقة الأعمق:
هل صار ما صدّقتم به حياةً فيكم؟
هل وافق القلبُ اللسانَ؟
وهل صدّق العملُ ما عقد عليه الضمير؟
وهنا ينكشف الصدق على مراتبه:
قولًا يُقال، وقصدًا يُراد، وعملًا يُجسّد، وثباتًا لا يتبدّل.
وكلما رقّ الصدق، خفّ حضوره في النفس، حتى يغيب الادّعاء، ولا يبقى إلا الحق.
وعندها، يكون السؤال نورًا يكشف، لا ثقلًا يُرهق، ويكون الجواب حالًا يُرى، لا لفظًا يُقال.
ثم يكون الجزاء.. بقدر ما وافق الصدقُ الحق، وبقدر ما التقت في الإنسان كلمته مع قلبه، وقلبه مع عمله، وعمله مع ما أراد الله.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على الصادق الأمين، الذي كان صدقه نورًا، وكلامه هدى، وحاله بيانًا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طارق حنفي
(لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ …)
في معنى الصدق وطبقات السؤال
-----------
الصدق في اللغة: القول المطابق للواقع والحقيقة، وهو ضد الكذب.
والصدق اصطلاحًا: مطابقة الشيء المنقول، أو الوصف، أو الحدث المعيّن لواقع الحال.
لكن الصدق –في جوهره الأعمق– ليس لفظًا يُقال، بل مقامٌ يُعاش؛
ليس مجرد تطابق خبرٍ مع واقع، بل تطابق باطنٍ مع ظاهر،
واتساق سرٍّ مع علن، وانقياد فعلٍ لحقٍّ يشهد له الضمير قبل أن يشهد له اللسان.
فإذا قيل: الصدق، فليس المقصود خبرًا صائبًا، بل إنسانًا صار هو نفسه خبرًا عن الحقيقة.
لكن يبرز هنا سؤال يوقظ الفكر:
إذا كان الله -سبحانه- قد وصفهم بالصادقين، فكيف يسألهم عن صدقهم؟!
أليس في الوصف كفاية؟
قال المفسرون:
(لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) أي: أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين عن صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة. والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيتُ من أُرسلوا إليهم.
وقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله -عز وجل-.
وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم.
بالإضافة إلى ما ورد عن المفسّرين، والله أعلم، نقول:
ليس الحكم في ميزان الشرع كلمةً تُلقى، ولا رأيًا يُرتجل،
بل هو معنى يقوم على أصلٍ، ويستند إلى إذن.
فلا قولَ بلا مرجعيةٍ تُثبّته، ولا حكمَ بلا إجازةٍ تُبيحه، ولا بيانَ إلا إذا اتصل بمصدره، وانضبط بحدّه.
ومن هنا يلوح معنى الميثاق في الآية التي تسبقها من نفس السورة:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ… وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)
إن الميثاق هنا ليس مجرد عهد، بل تأسيسٌ للصدق، وإقامةٌ لميزانٍ تُوزن به النوايا قبل الأعمال.
ميثاقٌ ليس لتوكيد صدقٍ معلوم، بل لتثبيت مقامٍ مرسوم، وربط كلمةٍ بمصدرها، حتى لا تنفصل عن الحق، ولا تميل بها الأهواء.
فكان هذا الميثاق أصلًا تُردّ إليه الأقوال، ونورًا تُقاس به الأفعال، ومرجعًا يطمئن إليه القلب إذا اضطربت به السبل.
ثم كان إذنًا كريمًا في مقام البلاغ؛ إذ ليس كل صادقٍ يُؤذَن له أن يتكلم، ولا كل حقٍّ يُقال يُباح له أن يُنشر.
فقد يصدق الإنسان، ويغيب الحق، وقد يصحّ الخبر، ولا يصحّ إظهاره، كما في الغيبة والنميمة؛ حيث يلتقي الصدقُ مع الخلل، ويغيب العدل.
أما الأنبياء والرسل، فقد اجتمع لهم الصدق والإذن، فكانت كلمتهم هدى، وبيانهم نورًا، ودعوتهم طريقًا لا يضلّ سالكه.
ومن هنا يسكن القلب إلى ما جاءوا به، ويعلم أن اتباعهم ليس تصديقًا بالقول، بل تحوّلًا في الوجود، وانقيادًا يجعل الصدق فعلًا يُرى، لا دعوى تُقال.
ثم يمتدّ المعنى.. فلا يقف عند الرسل، بل يعبر إلى من صدّقوهم.
فيُسأل الأنبياء:
هل أدّيتم كما عاهدتم؟
سؤال إتمامٍ، لا سؤال اتهام، وإظهارٍ، لا استعلام.
ثم يُسأل الذين صدّقوا:
هل شهدتم لهم بالبلاغ كما هو؟
فيجيء الجواب ساكنًا مطمئنًا: بلى.
لكن السؤال لا يقف عند الشهادة.. بل يتجاوزها إلى الحقيقة الأعمق:
هل صار ما صدّقتم به حياةً فيكم؟
هل وافق القلبُ اللسانَ؟
وهل صدّق العملُ ما عقد عليه الضمير؟
وهنا ينكشف الصدق على مراتبه:
قولًا يُقال، وقصدًا يُراد، وعملًا يُجسّد، وثباتًا لا يتبدّل.
وكلما رقّ الصدق، خفّ حضوره في النفس، حتى يغيب الادّعاء، ولا يبقى إلا الحق.
وعندها، يكون السؤال نورًا يكشف، لا ثقلًا يُرهق، ويكون الجواب حالًا يُرى، لا لفظًا يُقال.
ثم يكون الجزاء.. بقدر ما وافق الصدقُ الحق، وبقدر ما التقت في الإنسان كلمته مع قلبه، وقلبه مع عمله، وعمله مع ما أراد الله.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على الصادق الأمين، الذي كان صدقه نورًا، وكلامه هدى، وحاله بيانًا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طارق حنفي