أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٣ نيسان من كل عام

١
أيا شام ...
أيا شام فلتستعدي :

كل صباح .. كل مساء .. أشاهد نشرة الأخبار . ماذا أرى فيها ؟
الدم العربي السوري في الشوارع . البيوت الشامية التي تغنى نزار بياسمينها في حدائق البيوت مدمرة . أرى الجرحى والقتلى . أصغي إلى المذيعة في الجزيرة تقرا الأخبار بحياد تام ، كأن لا شيء يحدث في الشام . هل يفعل مذيع فضائية النظام السوري الشيء نفسه ؟
كأن الحرب تجري بين كائنات فضائية لا تمت لنا بصلة . هل عرب نحن ؟
كل صباح وكل مساء أتابع نشرة الأخبار وأصغي مساء كل يوم لبرنامج يبثه مذيع أرعن مثل فيصل القاسم هذا الاضحوكة الاكذوبة الذي لا يهمه سوى راتبه على ما يبدو ويبدو مثل قرد يرقص قردة .
هل عرب نحن ؟
تقتلني الشام كل مساء . لا أنا مع النظام ولا أنا مع اللحى القادمة . أنا مع الشام ومع الجامع الأموي ونزار قباني وحتى مع ياسين بقوش .
هل أخطأ مظفر النواب حين كتب :
" أيا شام فلتستعدي
لأن العدو يعد
وحاكم قطر ونجد يعد "
وكانت الشام تعد ولكنها كانت تعد للحرب داخل وطنها لا خارجه .. أما كان الأجدر بالرئيس بشار أن يستقيل ؟ هل أخذ عبارة درويش على محمل الجد " فإما الكراسي و اما المآسي "
قم يا حافظ الأسد وانهض من قبرك وانظر مأساة التوريث وحين نعترض على الرئيس الأبدي نشتم ونتهم بأننا
" أيا شام .. يا شام كل صباح تقتلنا أخبارك ونبكي ..
٢٠١٣

٢
سميح القاسم " ملعقة سم صغيرة ثلاث مرات يوميا " :

وأنا أقرأ في حكاية سميح الاوتوبيوغرافية لاحظت إشارته إلى الغابة السوداء ومعسكر ( بوخنفالد ) النازي وزيارته له ، ما جعلني أتساءل :
- هل هناك غابة سوداء في ( برلين ) ؟
أنا زرت الغابة السوداء في جنوب المانيا ، قرب ( فرايبورغ ) ، وحين زرت ( برلين ) لم يحدثنا أحد عن غابة سوداء فيها .
سميح أشار إلى أن المعسكر يقع في ( برلين ) - أي معسكر ( بوخنفالد ) لإبادة اليهود .
لعل الأمر يحتاج إلى التأكد منه .
هل تركت الحالة الصحية للكاتب أثرها على أسلوب نصه ؟
آمل ألا يغضب شاعر الغضب ، فأنا أعجبت بنصه " إلى الجحيم أيها الليلك " أكثر من إعجابي بنصه الأخير ، اسلوبا ولغة .
هل أنا على صواب ؟
إنني أحاول أن أجد تفسيرا للأمر .
ترى هل تركت الحالة الصحية لسميح أثرها على أسلوب الكتابة ؟
لقد قرأت بعد كتابة مقالتي في الأيام 1\4\2012 ما كتبه الناقد نبيه القاسم . هل كررت ما كتب ؟
يخيل إلي أن الصديق الناقد لم يتخلص من طريقة كتابته النقدية التي غلبت على كتاباته منذ بدأ يكتب ، فما زال يكتب بالأسلوب نفسه ، علما أنه أعد رسالة دكتوراه عن عبد الرحمن منيف في الجامعات الإسرائيلية وبدا فيها مختلفا .
٢٠١٢

٣
مثل ناجي العلي :

يبدو أنني ، مع بعض الكتاب ، مثل ناجي العلي في آخر أيامه .
هل انا في آخر أيامي ؟ لماذا أجلب الأعداء لي ؟ لماذا لا أفعل ما فعله ناقد مصري ؟
حين كان العمل لا يروق ليوسف الشاروني كان يغض النظر عنه ويبقى صديقا للكاتب .
هل في بقاياي ناقد ماركسي ؟ علما بأنني قرأت المنهج الاجتماعي الماركسي ، لأنه منهج نقدي ، لا لأنني ماركسي ابن ماركسي ابن ماركسية .
الناقد الماركسي لا بد من أن يثمن ولا بد من أن يصدر حكم قيمة .
لا أعرف ربيع جابر وأفكاره ومواقفه . قرأت له رواية " اعترافات " فراقت لي ، فكتبت عنها مقالا في الأيام الفلسطينية . كان هذا قبل أن تصدر روايته " أمريكا " التي حاولت قراءتها وسأقرأها لاحقا ، فلماذا أكتب عن فوزه بجائزة بوكر كتابة قد تجعله خصما لي ، إن كان ذا صدر يضيق بالنقد . لست أدري !
أنا الآن أقرأ روايته " دروز بلغراد " وأظن أنني لست مرتاحا لقرار اللجنة ، علما بأنني أقول لربيع جابر مبروك .
ما الأسباب التي جعلت اللجنة تمنح الجائزة لهذه الرواية ؟ لا اللغة ولا الجرأة في الطرح ولا جماليات المكان ولا ..ولا .. ولا ...
يا لي من شخص أحمق . لأترك الأمر للجنة ، لكنني أصدقككم القول إنني أفكر مليا في لجان بوكر التي تنحاز لروايات تاريخية ، علما بأن هناك روايات واقعية جريئة وممتعة ومشوقة ويكتب أصحابها فيها عن عوالم يعرفونها ولا يفتعلون عوالم لا تمت لعالمهم الآن بصلة .
ثمة تفكك في اللغة ولا صياغة تشد القاريء وثمة فكرة قديمة تذكر ب ( فرانز كافكا ) و " السيد يوسف . ك " ، وتذكر بعزيز نيسين وروايته " الطريق الوحيد " لكنها تفتقد السخرية والتشويق .
مرة قرأت فصلا من عزيز نيسين ، وهو الألماني المسلم ، فضحكت وأخذت أقرأ الرواية كلها ، ولم أكتف بذلك ، فتابعت أعماله ، وقرأت ما تيسر لي منها . هكذا أحببت عالم هذا الكاتب ، فهل تحقق رواية فازت بجائزة البوكر هذا الشرط ؟
أحيانا أقول لعلها الذائقة .
لعلها !
وليس أمامي إلا أن أكرر : مبروك ربيع جابر ولا تغضب . لم ترق لي روايتك هذه ، كما راقت لي " الاعترافات " . ثمة تفكك وعدم ترابط في اللغة ، وبالتالي ليس ثمة ما يشد لمواصلة القراءة ولكن .... ولكن لا بد من إنهاء الرواية .
٢٠١٢

٤
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديقا لما بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) صدق الله العظيم .
اليوم كان عبد الباسط يقرأ سورة يوسف من " أجيال "، والآن تغني فيروز :
" أنا لحبيبي وحبيبي إلي / يا عصفورة بيضا لا تسألي / لا يعتب حدا ولا يزعل حدا " .
إن كان هناك خطأ ما في الطباعة فيرجى تصحيحه .
الليلة لعب ريال مدريد وفاز على دورتموند ،
كله لعب بلعب ، مثل لعب النرد ولاعب النرد ،
" انا لحبيبي وحبيبي الي " ،

٥
(عوزي لانداو ) :
"سيدفع الفلسطينيون الثمن عاليا ، و...غاليا"

من إذاعة أجيال أصغيت إلى الخبر :
"هل سيذهب الفلسطينيون الى المنظمات والهيئات الدولية إذا فشلت المفاوضات ؟"
(عوزي لانداو) كتب على موقع أبي مازن يهدد :
يعرف الفلسطينيون أنهم سيدفعون الثمن غاليا إذا ذهبوا إلى المنظمات والهيئات الدولية ".
هذا هو سلام الذئب والحمل ، وكما كتب محمود درويش في "خلاف ، غير لغوي ، مع امريء القيس" :
"انتصروا ، عبروا أمسنا كله ،
أغلقوا المشهد
تاركين لنا فسحة للرجوع إلى غيرنا
ناقصين . صعدنا على شاشة السينما
باسمين ، كما ينبغي أن نكون على
شاشة السينما . وارتجلنا كلاما أعد
لنا سلفا ، آسفين على فرصة
الشهداء الأخيرة . ثم انحنينا نسلم
أسماءنا للمشاة على الجانبين وعدنا
الى غدنا ناقصين "

ترى ما الثمن الذي سندفعه أكثر ؟غيتوات ، ابارتهايد ، مدن وقرى معزولة ، تقسيم الضفة إلى سبع دويلات ، عودة إلى العام2003 وما تلاه ، أم أنهم سيحضرون لنا الشاحنات كما فعلوا في العام 1948 ، ليرحلونا إلى جزر هونولولو ؟
رحم الله أبا عمار الذي أخطأ حين قبل باوسلو ، ووقع ليعود رئيسا لدولة محتلة .
هل سيسلم الرئيس أبو مازن مفاتيح غرناطة وينجو؟
طبعا لا أقصد مفاتيح سينما غرناطة في نابلس التي كانت تعود لآل الشكعة ، وغدت خرابة ، مع علمي أن السيد غسان الشكعة لن يتردد في إعطاء المفاتيح لأبي مازن ، ليسلمها ، رمزيا ، إلى (عوزي لانداو) .

خربشات ، إن هي إلا خربشات ، وأما رئيس الوزراء فسيعود رئيسا للجامعة ، ولهذا ما زال متمسكا بمنصبه .
والله نحن الفلسطينيون ، فرجة ونكتة ، أي والله . دائما نحفظ خط الرجعة.
2014

٦
فضول أبناء شعبنا :

قال لي صديقي :
- اليوم كنت أجلس في شقتي ، وإذا بالجرس يقرع . فتحت الباب وإذا بأحد سكان العمارة ومعه مواسرجي يريدان ، كما زعما كاذبين طبعا ، أن يصلحا خللا في المواسير ، فالمياه تنقط ليلا وتزعجه .
أنا لا شأن لي بالأمر وفاتورة مياهي هي الحد الأدنى .
يبدو أن جاري يريد أن يشاهد بأم عينيه ماذا أفعل بالشقة ، وهل هناك زوار عندي ، فاخترع الحكاية ، ولطالما اخترع من قبل حكايات ، مثله مثل غيره ، ممن يراقبون الغادي والرائح .
ماذا افعل في شقتي وحيدا ؟
هذا حير مرة زميلا لي من حملة الدكتوراه ، فقال لي : نفسي أعرف ماذا تفعل في شقتك وحيدا .
يا له من حامل دكتوراه !
وتابع صديقي :
- المهم أنني أخذت الأمر بطريقة شخص لا مبال ، ولما لاحظت جاري يتفلسف ويتكلم بطريقة مبتذلة مثله ، وزاد الطين بلة أن المواسرجي كسر ماسورة لا شأن له بها ، ما أزعجني ، فقد اضطررت أن أطرد الجار والمواسرجي ومعاونه أيضا ، ولما أخذت المياه تسيل ، فقد رن الجار طالبا مني أن أسمح له وللمواسرجي بالدخول لإصلاح العطب ، ولكني ، قال لي صديقي ، ولكني رفضت السماح له بالدخول ، واتصلت بالمواسرجي الذي يعرف خبايا داري ليصلح العطب ، وهذا ما كان .
وقد كلفتني المزحة السمجة من جاري الذي يصلي في الصف الأول ، خمسين شيكلا .
جاري فضولي ، قال لي صديقي ، وتابع : وليست هذه هي المرة الأولى التي يدفعه الفضول لارتكابها ، فقد ارتكب مرارا سلوكا غبيا مثل هذا وكنت أتظاهر بأنني ساذج ، لأنني أريد أن أمشيها .
قلت لصديقي :
- كان الله في عونك على جارك وبخاصة إذا كان يصلي ، فهؤلاء فضوليون ، ولدي مثلهم أيضا . قال يقولون : ابعد عن الشر وغن لهو. هؤلاء هم الشر بعينه...
خربشات بعد أخذ حبة مهديء حتى لا تكون الكتابة عند درجة الصفر
2014

٧
مزاج معكر :

مزاجي ليس على ما يرام ، وأغلب الظن أنني لن أفلح هذا المساء بكتابة مقال اﻷحد .
كنت هيأت نفسي منذ أمس للكتابة ولكن الرياح تجري بما لا يشتهي المزاج ، فهناك من يعكر عليك نهارك ومساءك . بعضنا مثل دولة اسرائيل ،
تكون مهمته اﻷولى في الحياة تنغيص هدوء الآخرين .
اﻷجواء باردة والمساء حزين وأنا بعض هذا المساء ، ولا رغبة حتى في الاستماع ﻷم كلثوم .
"وكما يسخر البرهماني جسده للحشرات ، فكذلك أنا ." (هاينرش هاينة)
يا لبؤس الحياة السيزيفية.
"ما لبعض الناس يرميني بسكري في هواك
وهو سكران عمارات يسميها رضاك
يا ابن جيبين حراما إنني أسكر
كي أحتمل الدنيا التي فيها أراك " مظفر النواب .
٢٠١٤

٨
قصيدة القدس :
" سميح القاسم : هل كتب قصيدة قدس ؟ومتى كتبها ؟ "

السؤال الذي يثيره قاريء أشعار سميح القاسم هو :
- هل كتب الشاعر قصيدة قدس ؟ ومتى كتبها ؟
في فهارس د . عبدالله الخباص التي رصد فيها أسماء الشعراء الذين كتبوا عن القدس ، يرد اسم الشاعر سميح القاسم مرتين ، في الفصل الثالث ، وهو الفصل الذي كان عنوانه " القدس في الشعر ،المرحلة الثالثة ، من نكسة حزيران 1967حتى عام 1984 ، والمرتان تردان تحت عنوان " الشعر الوطني القومي " ، ويذكر الخباص في ص 105 اسم سميح ضمن قصائد الصنف الأول من الشعر الوطني ، ويذكر قصيدته " سقوط الأقنعة " ، كما يذكره في ص 110 تحت قصائد الصنف الثاني ، ويذكر له قصيدة " أفكار ازدحمت بدون ترتيب " ، ويرى الخباص أن قصائد الصنف الثاني أكثر عناية واهتماما بالقدس وما يتصل بها من قصائد الصنف الأول ، فما هو رأي الشاعر سميح القاسم في كتابته عن القدس ؟
في العام 2010 صدر عن بيت الشعر الفلسطيني ( وزارة الثقافة الفلسطينية ) كتاب عنوانه " كتاب القدس" وهو لسميح القاسم ، ويفهم من هذا ان سميح /ا هو الذي أعده ، فماذا أورد من قصائد له رأي فيها أنها تدرج تحت باب " شعر القدس "
بقية المقال الأحد في الأيام الفلسطينية 5/4/2015

٩
دراستي عن القدس في شعر سميح القاسم كنت ألقيتها في مساق القدس في الأدب العربي قبل أسبوعين من الآن - يعني في الأسبوع التاسع من الفصل الثاني من العام 2014/2015 .
ولمن يهتم بالأمر فهي مصورة ومدرجة على موقع جامعة النجاح الوطنية في التعليم المصور .

١٠
في نيسان :

في نيسان تجلس في الصباح على الشرفة وتراقب ميلاد شجرة الجوز ونمو أوراقها رويدا رويدا وتخضر الحياة .
لو كانت اعضاؤنا تتجدد كل عام ! لو ! .
لو غدة البنكرياس وأشياء أخرى مثل العنقاء/تموز / طائر الفينيق .لو ...
لكن عودة الإنسان هي المستحيل الرابع الذي لم يذكره الشاعر .
حياة ثم موت ثم نشر
حديث خرافة يا أم عمرو
أهي رابع المستحيلات ؟ تموز والعنقاء والفينيق .
ولو أن الحياة تبقى لحي !
أجواء ربيعية حقا .
3 / 4 / 2016

١١
العودة إلى عبد الرحمن منيف :

سيعقد قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية يوم الخميس 13/4/2017 مؤتمرا يتمحور حول أدب السجون .
اخترت شخصيا رواية "عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط "لأتحدث عنها .
هل أنا مصيب في اختياري ؟ ألم يكتب عن صورة السجن فيها ؟ وماذا سأقول؟
ربما سيقول قسم منا إنها "ورقة من أوراق أهل الكهف " لن تصلح لأن يشترى بها الأزكى طعاما !
في العام 1998 كتب المرحوم منيف مقدمة للطبعة 12 من روايته أثار فيهاالسؤال السابق وكانت المقدمة تحت عنوان "تقديم متأخر لكنه ضروري "
أعتقد أن المقدمة التي كتبها منيف ستسهم في تقديم ورقة لا تعد مع أوراق أهل الكهف .
٢٠١٧

١٢

فلسطين :

من بيع بعض الفلسطينيين لبعض أراضيها بالمفرق إلى بيع بريطانيا لها بالجملة . السعودية تسير على خطى بلفور ، ومن قبل طبعا بعض القيادات الفلسطينية .
هناك ( بلفور ) سعودي يعزز ( بلفور ) البريطاني وتنازل بعض القيادات الفلسطينية دون أن تحصل على بلح الشام ولا تمر العراق . يعني لا غزة ولا أريحا ولا ضفة ولا دولة .
كتاباتي أغضبت عادل الحصيني ويبدو أنه سعودي فنعتني بالغباء .
السعودية منذ مؤسسها وافقت على بيع فلسطين ومثلها دول عربية أخرى .
هم فقراء فلسطين من لم يبيعوا لأنهم لا يملكون شيئا يبيعونه أصلا . لقد دفعوا دمهم ثمنا لاسترداد ما ضاع .
هل أخطأ ناصر بن سعيد ؟
هل أخطأ مظفر النواب ؟
3 / 4 / 2018

١٣
يا صاحب هذا الفلك المتعب أنت تسميه المركب

لا بأس عليك تفاءل ما شئت

أطلق ما شئت من الأسماء عليه

و" صيف " و" بغا " متفقان على نفط البصرة

و" المتوكل " مشغول عن ذاك بشامة حسن في خصيته

فدع الريح تهدهد هذا المركب شيئا

واسترخ فما تلك نهاية هذا العالم
( مظفر النواب ) 1976
" خليفة في قفص
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
كما تقول الببغا "

١٤
الست كورونا تحشرنا في البيوت ٣٤ :

وأنا أتابع ذكريات الفيس بوك لاحظت أنني كتبت تحت عنوان " تضيق بي الأرض تحشرني في الممر الأخير " والسطر مأخوذ من قصيدة محمود درويش " تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير " - تضمين غير حرفي - .
اليوم لم أخرج من البيت إلا لإلقاء القمامة في الحاوية ، ولم أفعل أي شيء آخر . فقط نظفت رفوف خزانة المطبخ ولاحظت أغراضا لم أستخدمها منذ عقدين وأكثر ؛ قسم منها من الألمنيوم وقد علاه الصدأ . لعله فايروس الكورونا قلت وقررت أن أتخلص منها .
ما إن انتهيت من التنظيف وجلست أنظر في أشرطة الفيديو أو الرسائل المرسلة لي عبر الماسنجر حتى تذكرت مقالا للصحفي حسن الكاشف نشره في جريدة " الحياة الجديدة " ، وكان ذلك قبل أحد العيدين ، يثني فيه على الصين ، فقد جعلت الفقراء ، في حينه ، أيضا يحتفلون بالمناسبة ، على الرغم من قلة الدخل ونصف الراتب ، فمن الصين يأتي كل شيء ؛ الكورونا و ...
الشريط يري بعض أهل الصين وقد أصيبوا بمرض جديد هو " الكلبنة " . ثمة صينيون يعوون وقد ألم بهم صرع ، ومن الصين يأتي كل عجيب غريب ، واطلبوا العلم ولو من الصين .
اللهم احمنا !!
٣ نيسان ٢٠٢٠

١٥
صورة الفلسطيني في الرواية العربية : " باب الشمس " وصورة الفدائي (1من2 ) :

عادل الاسطة

صدرت الطبعة الأولى من رواية الياس خوري " باب الشمس " في ١٩٩٨ - أي بعد ١٧ عاما من " الوجوه البيضاء " ( الأيام الفلسطينية بتاريخ ٢٢ و ٢٩ / آذار ٢٠٢٠ ) و٥ سنوات من " مملكة الغرباء " ( موقع رمان ٣ نيسان ٢٠٢٠ ) ، ولاحظنا في الروايتين السابقتين تحولات في صورة الفدائي يمكن إجمالها بالآتي :
- الفدائي البطل / الأسطورة المقاوم السري للاحتلال الاسرائيلي قبل ١٩٦٧ والملاحق من النظام العربي
- الفدائي بعد ١٩٦٧ في لحظات تحوله من السر إلى العلن وانجراره إلى صراع ثانوي في البلدان العربية / الحرب الأهلية في لبنان ومن قبل في الأردن .
- الفدائي بعد العام ١٩٨٢ واقتتاله مع أخيه الفدائي في حرب المخيمات .
فهل غاب الفدائي في " باب الشمس " التي أنجزت بعد اتفاق " أوسلو " وقيام السلطة الفلسطينية وقبل انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠ ؟
وهل ثمة صلة بين " باب الشمس " والروايات السابقة للكاتب التي قارب فيها الموضوع الفلسطيني ؟
من المؤكد أن مقاربة الموضوع الفلسطيني في روايات الياس خوري يتطلب النظر إليه في ضوء الوقائع والمتغيرات التي مرت بها القضية الفلسطينية .
كانت بدايات المقاومة في ٦٠ ق ٢٠ سرية وسرعان ما تحولت ، بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ إلى علنية ، وما إن قويت واشتدت حتى اصطدمت بالنظام العربي في البلدان التي كانت فيها ، وفرضت عليها معارك جانبية خاضتها في العام ١٩٧٠ في الأردن وفي العام ١٩٧٥ في لبنان ، وقد أسفرت عن خروجها من عمان أولا ومن بيروت ثانيا ، وعندما عاد قسم منها إلى لبنان اشتعلت حرب المخيمات بين الفصائل الفلسطينية ، وقد اختلفت وجهات النظر في ما جرى . وعموما يمكن القول إن روايات الياس خوري الوارد ذكرها رصدت هذه التغيرات والتطورات التي عاشتها الثورة الفلسطينية .
والسؤال الذي يثيره القاريء وهو يتابع الروايات الثلاثة - وأيضا روايات الياس خوري اللاحقة - هو :
- هل من صلة بينها ؟ وهل يستطيع الناقد أن يبرهن أنها ، على الرغم من تنوع موضوعاتها ، صادرة عن مبنى ذهني واحد ؟
إن أحد تعريفات البنيوية هو " الصلة بين " ، وهذا دفع بالنقاد البنيويين إلى دراسة أعمال أدبية مختلفة لكاتب واحد للبحث عن الصلة بينها ( ميخائيل ريفاتيري وكمال أبو ديب ) ، بل إنهم ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك ، فقاربوا أعمالا أدبية مختلفة لكتاب مختلفين ، في عصر واحد أو في عصور مختلفة ، ليروا الصلة بينها .
لن أطيل الكتابة هنا في التنظير النقدي الذي طالما أتيت عليه في نقدي التطبيقي وأنا أدرس أدباء كثرا . ما يهمني هنا هو البحث عن " الصلة بين " روايات الياس خوري الثلاثة ، وتحديدا فيما يخص صورة الفلسطيني ، وتحديدا هنا صورة الفدائي .
هل من صلة بين أبو جاسم في " الوجوه البيضاء " وعلي أبو طوق في " مملكة الغرباء " ويونس في "باب الشمس " ؟
وهل نلحظ أيضا تطورات طرأت على صورة الفدائي في الروايات الثلاثة ؟
كان أبو جاسم فدائيا يسعى إلى تحرير فلسطين وامتاز بالصلابة والنقاء ، ولأجل تحقيق مهمته ضحى بنفسه وتسلل إلى فلسطين ليقاوم وتعرض لملاحقة المكتب الثاني في لبنان وظل وفيا لما نشأ عليه .
هل يختلف علي أبو طوق عن أبو جاسم ؟
عرف عن علي ، كما لاحظنا ، الصلابة والقوة والنقاء والإخلاص للثورة ودافع عنها حتى استشهد . الفرق الوحيد بينه وبين أبو جاسم يكمن في أنه سيق إلى حرب أهلية وانشغل عن تحرير فلسطين ، والقيام بمهمات قتالية في داخلها ، بحرب بين الأشقاء أنفسهم .
يتشابه يونس في " باب الشمس " مع أبو جاسم في أنه كان يتسلل إلى فلسطين ويشارك في المقاومة ، ولا نعرف إلام انتهى أبو جاسم ، فرواية " الوجوه البيضاء " نشرت في ١٩٨١ وكانت الثورة الفلسطينية مازالت في بيروت وقوية في الوقت نفسه ، وتحتلف " باب الشمس " في هذا الجانب ، فالثورة ضعفت في لبنان وانشغل من تبقى من الفدائيين ، بعد خروج المقاتلين في ١٩٨٢ ، بحرب بين الفلسطينيين أنفسهم تدعم كل جهة جهة عربية . وفي ٩٠ ق ٢٠ وصلت أحوال المخيمات إلى أسوأ مرحلة .
يونس الشخصية الفلسطينية المحورية في " باب الشمس " ينتهي إلى شخص ميت سريريا ينتظر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ليدفن في مقبرة في بيروت بعيدا عن ثرى فلسطين .
هل يعد المآل الذي آل إليه يونس هو ما يمكن أن يكون آل إليه أبو جاسم في " الوجوه البيضاء " ؟ وكما دفن يونس ، وهذا ما افترضه ، في لبنان ، إذ لم تسمح إسرائيل إطلاقا لفلسطيني مقاتل من مقاتلي المنفى ، مات في المنفى ولم يعد إثر اتفاق أوسلو ، أن يدفن في فلسطين . إن يونس مثله مثل الشخصيات الأربعة في " مملكة الغرباء " دفن في لبنان ، وهو في هذا مثل مئات آلاف الفلسطينيين في المنافي .
لقد انتهى زمن الفدائي البطل الأسطوري وهو ما ينطق به الدكتور خليل الملاحق المختبيء في المشفى الذي يرقد فيه يونس :
" هل تذكر يوم جئتني حزينا وقلت إن الناس سئموا منك ، وأنا لم أستطع إزاحة الحزن عن وجهك الأبيض المستدير . ماذا أقول ؟ هل أقول إن زمنك راح فعلا أو لم يأت بعد . كنت ستزعل أكثر ، وأنا لم أستطع أن أكذب عليك ، فأنا حزين أيضا ، وحزني ثقب عميق في روحي لا يمكن سده لكني والله لا أريدك أن تموت ."
لقد انتهى الفلسطيني في لبنان ما بين ميت سريريا وملاحق مطلوب يخشى الاعتقال . إنه مآل يبعث على الحزن حقا .

2 - يهود اليهود :

يفصح لنا الياس خوري في أثناء كتابته في الموضوع الفلسطيني عن مصادره ومراجعه وتتجسد في الآتي :
- صلته بحركة المقاومة بعد العام ١٩٦٧ وعمله لاحقا في مؤسساتها وتعرفه إلى أبرز رموزها الأدبية
- قراءته الأدبيات الفلسطينية بشكل عام والكتابة عن أهمها والتخصص فيها تقريبا (كنفاني وحبيبي وجبرا ودرويش وادوارد سعيد وراشد حسين ) وهنا يمكن الموازنة بين صورة الفلسطيني في الرواية الفلسطينية وصورته في روايات خوري وملاحظة التشابه والاختلاف .
- زيارته للمخيمات الفلسطينية في لبنان والإصغاء إلى سكانها والتعرف إلى عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم ، وحين نصغي هنا إلى الفلسطينيين يتكلمون فإنما نصغي إلى الفلسطيني يتحدث عن نفسه بلسانه ويقدم تصوره هو لنفسه ( ينظر تذييلاته لرواياته ومنها " باب الشمس " و " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
- قراءة الأدبيات الإسرائيلية التي تناولت الموضوع الفلسطيني ، وبالتالي قراءة تصور الطرف الآخر للذات الفلسطينية ( عوز ويهوشع وسميلانسكي .ي وكانيوك وغروسمان ) .
- المخيلة والكذب الروائي .( حول هذا انظر كتابي " أسئلة الرواية العربية ، دار الآداب بيروت ٢٠١٨ ).
ولا شك أن مراجعه ومصادره وتجربته لم تتح لكثير من الأدباء العرب الذين قاربوا الموضوع الفلسطيني ، عدا تصور خاص به لشكل العلاقة بين الفلسطينيين واللبنانيين سوف أقاربه حين أكتب عن روايته " كأنها نائمة " .
هذا الثراء في المصادر والمراجع جعل تصوره للذات الفلسطينية ، كما ذكرت ، يبدو أحيانا جزءا من تصور الذات لذاتها ، وهنا قد نقرأ في كتاباته ما قرأناه في بعض روايات غسان كنفاني وبعض أسطر محمود درويش ، ويتجسد هذا في فكرة " ضحية الضحية " و "تبادل الأدوار " وهو ما اخترته عنوانا لهذه الكتابة .

الفلسطينيون صاروا يهود اليهود :

ترد عبارة " يهود اليهود " في " باب الشمس " على لسان نهيلة المرأة الفلسطينية المقيمة في الجليل الفلسطيني والمتزوجة من الفدائي يونس ، وعلى الرغم من الحدود الفاصلة بين لبنان وإسرائيل (؟) واستحالة قيام حياة أسرية سوية إلا أن الصلة بين الزوج المقيم في المنفى والزوجة الصامدة على أرضها لم تنقطع ، مع أنها محفوفة بالمخاطر ومحكومة بالفشل ، فحالة العداء بين إسرائيل والعالم العربي في ٦٠ ق ٢٠ كانت تحول دون علاقات عادية بين الزوجين . ونظرا لأن خوري لم يعش في الأرض المحتلة فإن شخصية نهيلة هنا شخصية متخيلة بالدرجة الأولى وإن كان لها أصول واقعية ، وقد تكون أكثر شخصية كان للخيال دور في خلقها ، وبالتالي فإنها تمثل تصور الكاتب للمرأة الفلسطينية في الأرض المحتلة ، وهي تختلف عن شخصية أم حسن اللاجئة الفلسطينية التي تعيش في مخيمات لبنان التي التقى خوري بسكانها .
يلاحق الإسرائيليون الفدائي يونس ويسعون للقبض عليه ومحاكمته والزج به في السجن ، ويضيقون على زوجته التي تنكر أية صلة بينهما ، وإنكارها لا يقنع الإسرائيليين الذين يلجأون إلى تهديدها والضغط عليها بتشويه سمعتها ، بإشاعة أنها تنجب أولادها بالزنا ، لا من زوجها يونس الفدائي المتسلل .
في " الوجوه البيضاء " تمثلت المرأة الفلسطينية في سمر التي تنتمي إلى الثورة ثم تتزوج من تاجر وتنسحب من الشأن العام ، وفي " مملكة الغرباء " طالعتنا صورة المرأة العاملة التي يقتلها الكتائبيون بلا شفقة ، وتختلف نهيلة هنا عنهما ، فهي ليست الفلسطينية اللاجئة ، وإنما هي الفلسطينية المتشبثة بأرضها والراعية لأسرتها في ظل غياب زوجها الفدائي . إنها الفلسطينية التي تتحمل الحياة في ظل أوضاع صعبة تحت الاحتلال الإسرائيلي ، وهي التي تحاكم الإسرائيليين حين يتحدثون عن الأخلاق :
" مخجل ! سرقتم البلاد وطردتم أهلها ، وتأتون لتعطوني دروسا في الأخلاق . يا سيدي نحن أحرار ، ولا يحق لأحد أن يسألني عن حياتي الجنسية " ، ويرد على لسانها ، في أثناء الحديث عن( كاترين ) الفرنسية المتعاطفة مع الفلسطينيين ، أن نهيلة قالت للضابط الإسرائيلي " نحن يهود اليهود " .
يروي السارد عن رغبة الفرنسية في تمثيل مسرحية ( جان جينيه ) ثم تراجعها ، لأن المسرحية تحفل بقدر كبير من المآسي :
" طلبت لها فنجان قهوة تركية ، فشربته دفعة واحدة ، وانكمش وجهها لأن القهوة أحرقت لسانها. جلست صامتة ، ثم سألتني لماذا يكره الناس الفلسطينيين؟ احترت ماذا أقول. أخبرها عن تمزق الحرب الأهلية ، أم أقول لها ما قالته نهيلة للضابط الإسرائيلي " نحن يهود اليهود " والآن سوف نرى ما يفعله اليهود بيهودهم ؟ " ويتابع الراوي مبديا رأيه فيما نسب إلى نهيلة من قول :
" أنا لا أوافق على هذه التعابير التي نستخدمها في حياتنا اليومية بسهولة. أستطيع أن أفهم نهيلة ، لأنها هناك. وهناك يجد الفلسطيني نفسه مواجهة بعنصرية تشبه العنصرية التي واجهها اليهود في أوروبا ، أما هنا فلا ، نحن في بلد عربي ونتكلم اللغة نفسها ." .
هل كلام الراوي خليل هو كلامه أم أنه كلام الياس خوري نفسه ؟ وبم يختلف عما قرأناه في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " عن الموقف من اليهود الأوروبيين ؟
إن خوري يعد نفسه خارجا من معطف أدباء فلسطين الكبار الذين كتب عنهم في رواياته ، مع فارق أن كتاباته لا تخلو من نقد للثورة الفلسطينية لم تقرؤه في كتاباتهم ، وربما يعود السبب إلى موقعه وإلى أنه عاش في مراحل لاحقة آلت فيها الثورة الفلسطينية إلى مآلات لا تسر صديقا .وفكرة أن الفلسطينيين أصبحوا يهود اليهود انتبه إليها خوري وهو يقرأ ( يزهار سيميلانسكي ) ( راجع مقالي في الأيام الفلسطينية ١٠ نيسان ٢٠١٦ )
في الصفحات الأولى من " باب الشمس " كتابة عن أن قصة يونس الفدائي وجب أن يكتبها غسان كنفاني ، فقد أوصى الحكيم جورج حبش يونس أن يذهب إلى غسان وأن يقص عليه حكايته ليكتبها في رواية ، وما لم يكتبه غسان أنجزه الياس .
إن الكتابة عن صورة الفلسطيني في " باب الشمس " تتطلب ، عموما ، حيزا آخر ، فالرواية كلها عن الفلسطينيين .

*********

ملاحظة : حول مقاربة أخرى لصورة الفلسطيني في رواية الياس خوري " باب الشمس " أنظر مقاربة رشا عبد الله سلامة في موقع " القيادي " بتاريخ ١٦ / ٦ / ٢٠١٦ إذ تقارب الصورة مع رواية جنى فواز الحسن " طابق ٩٩ " . تاريخ الزيارة ٥ نيسان ٢٠٢٠ .
( أنجز المقال في ٤ نيسان ٢٠٢٠ )
نشر المقال في جريدة الأيام الفلسطينية على حلقتين بتاريخ ٥ و ١٢ نيسان ٢٠٢٠ .
ملاحظة ثانية :
نبهني الشاعر فاروق مواسي إلى أن شخصية يونس شخصية حقيقية وهي والد الكاتب محمد علي سعيد المقيم في طمرة وقرأت خبرا عن محمد علي سعيد عبد الهادي الأسدي نشر في " القدس العربي " بتاريخ ٣ / ٦ / ٢٠١٣ عن احتفال بالرواية وبطلها ، ومن خلال ما قاله محمد في مقابلة مصورة معه عن والده ووالدته ، فإن هناك تشابها بين يونس ووالده وبين والدته ونهيلة .

١٦
سهرة مع أبو إبراهيم ٩ :
الموت وقوفا

القصة التاسعة من قصص أبو إبراهيم عنوانها " الموت وقوفا " وإن شاء الله يظل أبو إبراهيم واقفا مثل معين بسيسو صاحب ديوان " الأشجار تموت واقفة " ، فالموت واقفا يعني أن تموت دون أن يتمكن منك المرض فيهزمك . ( " إن عشت فعش حرا أو مت كالأشجار وقوفا ، وقوفا كالأشجار " كما يغني الفنان السوري سميح شقير ) .
تموت أم سليمان في الحقل واقفة بعد أن لسعتها حشرة ، فيترمل زوجها ، وفي تموز حين يرى الريفيين في الحقل يحصدون لا يحصد معهم ويعيش على الذكرى .
يتأمل أبو سليمان هذه الحياة ويسأل المهندس كميل :
" - أنت مهندس زراعي ! ألا يمكنك وضع حد لهذه المخلوقات التي لا يطالها القانون ؟ "
ويجيبه المهندس :
- لو لم يكن البيدر ممتلئا بالحشرات لما امتلأ بالزرع ، ولما كنا نشرب الشاي ."
لقد حصد الموت ، بفعل حشرة ، أم سليمان ، ولكي تستمر الحياة فلا بد من الحشرات وإلا فالمجاعات .
الحشرات ضرورة مزعجة ، وأبو سليمان حين يفتقد زوجته لا يفهم هذا . إنه يريد محاكمة الحشرات بالقانون . هل ثمة دلالات رمزية في القصة ؟
القصة التي لا تغيب عن شخصيتها فكرة التحولات / المسخ تأتي على أم سليمان أخرى هي أم سليمان التي تغني لها فيروز " تك تك تك يا أم سليمان. تك تك زوجك وين كان ؟ تك تك تك كان بالحقلة ، عم بقطف خوخ ورمان " ( هل قرأ أبو سليمان قصة كافكا " المسخ " ؟ ).
وبينما يشاهد أبو سليمان الحصادين في البيدر تحط على يده أم سليمان الحشرة ، فهل حلت روح زوجته فيها ؟
" أشك أن الموت حصدها ، ثم أعادها خنفساء . ليت الموت يعيدك إلي يا أم سليمان !"
ويخاطب المتعلمين :
"- مش قادرين تضعوا حدا لهؤلاء الخارجين عن القانون ؟! "
كميل المهندس حين يشاهد " أبو سليمان " يتأمل كيف تموت الحشرات على ظهرها يقول :
"- هذه آخرتها " ويذهب لمشاهدة رقصة السامبا في قناة الموضة " بث حي مباشر من ريو دي جانيرو ، أحسن من الكلام عن البق والجنادب والصراصير ، تأملوا رقصات السامبا بدل هذه الحشرات وأحلامها في الموت وقوفا " ( منذ عام وأكثر لا حديث لنا إلا عن الفايروس واللقاح والكمامة والتباعد والعطس والفطس وعدد الإصابات والسلالات الجديدة المتحولة والمتطورة و " خللي الوداع من غير قبل " ) .
يبقى أبو سليمان في الحقل ، فتقف على يده أم سليمان " تعرض له معطفها الجديد ، برتقالي مرقط بالسواد .
ابتسم : لعل الموت لا يرسل إلا الخنافس .
عموما أقبلك حتى لو كنت خنفساء. " ( نيالك يا أم سليمان ) .
هل صار الفلسطينيون مثل " أبو سليمان " يقبلون أي شيء ، حتى لو كان حكما ذاتيا هزيلا أو إدارة بلديات ؟ أما أبو إبراهيم فليس محظوظا على الإطلاق ، فقد شغل تفكيره ذات يوم بقصة " أبو سليمان " وأم سليمان زوجته وأم سليمان الحشرة وبموت الحشرات على ظهورها ، وعندما صار رئيس وزراء لم يجعل شعبه ينشغل برقصة السامبا البرازيلية ، بل انشغل هو وشعبه أيضا بالفايروس غير المرئي كوفيد ١٩ وبتوفير الأكسجين والأسرة في المستشفيات وباللقاحات وبوضع الناطق الإعلامي ابراهيم ملحم يده في جيب بنطاله في أثناء عقد مؤتمر صحفي وبالإغلاقات والكمامات ونظافة الحمامات وعقد المؤتمرات و ... وكان الله في عونه - عون أبو إبراهيم - وأطال في عمره وعمر أم إبراهيم ، ليظل واقفا حتى يهلك الفايروس اللعين وينجو شعب الجبارين ، فلا تدمي مقلته بعوضة أو كورونا .
قبل أن يغدو أبو إبراهيم رئيس وزراء شغلته الحشرات ، فلما صار رئيس وزراء شغله الفايروس والله يسترنا إن أصبح رئيس دولة .
صباح الخير يا أبو إبراهيم
٣ نيسان ٢٠٢١ .

١٧
ماذا لو تتبعت دال الخبز / الرغيف / الطحين في شعر محمود درويش ؟
ما دلالة قول راشد حسين :
" أنا لو عصرت رغيف خبزك في يدي لرأيت منه دمي يسيل على يدي "
رغيف خبز العدو !!
عجن العجين بدم الأغيار !!
القصة الدلالة .
محمود درويش :
يصير البدر رغيفا والعصافير نجوم .
فاذهب عميقا في دمي أذهب عميقا في الطحين
قصيدة الخبز
" كلوا من رغيفي واشربوا من نبيذي / من " ورد أقل " والسطر في قصة سميرة عزام خبز الفداء .
غريب عسقلاني " الجوع " .

١٨

" أثر الفراشة "

محمود درويش " في الرباط " :

" في مدينة الرباط ، المرفوعة على أمواج
الأطلسي العالية ، يمشي الشاعر على الشارع
بحثا عن مصادفة المعنى وعن معنى المصادفة .
يعرف النخيل جيدا ، ويسأل المارة عن
أسماء الأشجار الأخرى ، حاملة الخمر ، دون
أن يحصل على جواب واحد ، كما لو أن
الشجر وجهة نظر أو استعارة . لكن المارة يسألونه عن
وجهة نظر الاستعارة في قصيدة
ما نسي أنه كاتبها ، فلا يقدم جوابا واحدا ، كما لو أن الاستعارة شجرة مجهولة الاسم ،
من تحية إلى تحية يمشي الشاعر على الشارع كأنه يمشي في قصيدة غير مرئية ،
يفتتحها شيخ مغربي ينحني على كسرة خبز ...
....
.....
وللمغاربة أن يقولوا نحن من أوحى إليه !" .

أحيانا أسأل عما يقصده محمود درويش في قصيدة ما .
مرة ، في السكاكيني ، سألته عن قصيدة " طوبى لشيء لم يصل " من ديوانه " محاولة رقم ٧ " ومناسبة قولها ، فأجابني بأنه لم يعد يذكر .
قلت له :
في رثاء شهداء عملية فردان في بيروت في نيسان ١٩٧٣ ، فهم المقصودون في أسطر القصيدة .
قال لي :
- لم أعد أذكر .
تذكرت الحوار بيننا وأنا أقرأ قصيدته " في الرباط " من يوميات " أثر الفراشة " ولأن صديقنا الدكتور نبيل طنوس درس مؤخرا قصيدة قديمة للشاعر " الدانوب ليس أزرق " واستفسر عن ظروف نشأتها .
لعل في أسطر الشاعر المقتبسة ما يقلل من مقولة " قصد الشاعر " النقدية ويعزز من مقولة " المعنى في بطن القاريء " مقولة نظرية التلقي الألمانية ، ولكن مهلا :
- ماذا لو قرأ نقاد عديدون القصيدة قراءات متعددة وقد يكون أكثرها لم يدر بخلد الشاعر
٣ / ٤ / ٢٠٢٤

١٩
غزة ( ١٨١ ) :
" خبز معفن "

Adel Al-osta

انتظر أهل غزة ، في أشهر الحرب الأولى ، المساعدات فجاءتهم الأكفان ، وتذكروها مؤخرا فعقبوا ساخرين سخرية مرة تعبر عن ألم عميق :
- كانوا يعرفون أن عدد القتلى سيكون مرتفعا ، فأرسلوا الأكفان ، وبألوان تناسب العمر والجنس ، فلا بارك الله فيهم وفي مساعداتهم . هذا ما يتمناه لنا بعض العرب .
ومرت الأيام فصارت المساعدات ، لحظة وصولها برا ، طعما لاصطياد طالبيها . هكذا اصطاد القناصة والمسيرات والمدفعية الساعين إلى المساعدات ، وصرنا ، نحن متابعي الحرب ، نسمع بأسماء جديدة ، مثل الدوار الكويتي ودوار النابلسي . مات كثيرون وجرح آخرون واختلط الدم بالطحين والطحين بالتراب .
وجاء وقت ألقيت فيه المساعدات ، جوا ، في البحر ، فسبح الغزيون ، للحصول عليها ، وغرق قسم منهم . ماتوا هذه المرة في البحر غرقا ، لا في خزان غسان كنفاني اختتاقا ، وكم غزاوي مات قبل ٧ أكتوبر ، أيضا غرقا ، وهو ينشد الهجرة ، هربا من جحيم الحصار .
أمس كان الفتى الغزاوي اليافع يفتح صناديق المساعدات وينظر فيها ويحكي وهو يعرض ما حوته :
- شوفوا ! شوفوا ! إنها ربطات خبز معفن .
وكان يلقيها في القمامة .
في العام ٢٠٠١ شاركت في مؤتمر ، في الجامعة الأردنية ، عن العلاقات الآسيوية العربية وكتبت عن صورة الأتراك في رواية بلاد الشام ، ودفعني الشغف بالموضوع إلى البحث عن روايات جديدة لم أدرسها ، فاقتنيت رواية الكاتب السوري ممدوح عدوان " أعدائي " ، لأنها تأتي على واقع بلاد الشام في الحرب العالمية الأولى ، وكانت تحت الحكم العثماني . لفت نظري في الرواية شخصية يهودي اسمه ( ألتر ليفي ) كان ، في بداية الحرب ، يظهر دعمه للجيش العثماني ، فيتبرع له ، وكان مما تبرع به مواد زراعية وملابس نسائية لجيش لا نساء تحارب فيه . وكان يفعل ذلك متكئا على غباء الأتراك وتذاكيه ويفخر بذلك .
يعلم الله أن بعض ما تبرع به ، لأهل غزة ، ليس سوى بضاعة فاسدة أو انتهى مفعولها أو تاريخ صلاحيتها ، وهي فائض وعبء ، على أصحابها ، ينبغي التخلص منه ، ولو في مكبات النفايات .
- لا نريد مساعداتكم .
قال مواطن ، وأضاف :
- نريد أن نعود إلى بيوتنا ونعمل في أرضنا و " الله لا يخلف عليكم " .
٤ / ٤ / ٢٠٢٤

٣نيسان ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى