سيد أحمد رضا - جعفر الديري يوثّق ذاكرة «أسرة الأدباء والكتاب» في إصدارٍ جديد

صدر حديثًا كتاب «أسرة الأدباء والكتاب.. أنشطة ثقافية مختارة» للشاعر والكاتب جعفر الديري، موثقًا مسار المؤسسة الثقافية الأقدم في البحرين، منذ تأسيسها عام 1969، وما راكمته من فعالياتٍ ونقاشاتٍ وتحولاتٍ فكرية، ليقدّم من خلال توثيقه قراءةً في الوعي الجمعي الذي صاغته «الأسرة» بوصفها فضاءً تأسيسيًا للثقافة البحرينية الحديثة، ونموذجًا عربيًا لتفاعل الأدب مع المجتمع والفكر والإنسان.

الكتاب الذي يقع في ثلاثة أبوابٍ رئيسة، يقدّم أرشيفًا حيًّا لفعالياتٍ ونقاشاتٍ ومقالاتٍ شكلت ملامح الحركة الثقافية في البحرين والعالم العربي، عبر أكثر من نصف قرنٍ من عمر «الأسرة». وقد جمع الديري هذه المواد من متابعاتٍ ولقاءاتٍ وتقاريرٍ نشرها في الصحف المحلية، إلى جانب موادٍ من ملحق فضاءات أدبية الصادر عن أسرة الأدباء، بإشراف الدكتور عبد القادر المرزوقي، عضو مجلس الإدارة ورئيس لجنة المطبوعات والنشر.

ويقدم هذا الإصدار قراءة بانورامية لواحدةٍ من أعرق المؤسسات الثقافية في المنطقة، تلك التي تأسست عام 1969، حيثُ ارتبط نشاطها بالحراك الاجتماعي، واتخذت شعارًا راسخًا هو «الكلمة من أجل الإنسان»، لتصبح منذ ذلك الحين عضوًا فاعلًا في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وفي الاتحاد العام للكتاب الأفروآسيويين. ومن خلال هذا الامتداد، أسهمت الأسرة في ترسيخ قيم الإبداع والبحث، وتشجيع الدراسات الفكرية والأدبية، والعناية بالتراث العربي على المستويين المحلي والقومي، متخذة من الأدب وسيلةً لبناء الوعي الاجتماعي ورعاية الفكر المتجدد.

وضم الكتاب ثلاثة أقسامٍ رئيسة: الأول «المتابعات»، ويحتوي على مقالاتٍ وقراءاتٍ في قضايا ثقافية عربية وعالمية، منها: الرواية البحرينية تتكون، فوكو: المؤسسة الجامعية توشك أن تتماهى مع المؤسسة الأدبية، الغانم: أمضت عمري أكتوي بمصطلح الحداثة، عثمان: مشروع الجابري الجهد الأكبر لصالح الإجابة عن سؤال النهضة، فيرنيه: فرنسا تجدد علاقتها بالشعر الكلاسيكي، أسرة الأدباء تشعل منصة أصيلة شعرًا وأصالةً، الشيخة مي آل خليفة: الثقافة مركب من المفردات المكتسبة، وغيرها من المتابعات التي تمزج بين النقد والتوثيق والرصد الثقافي الحيوي.

أما الباب الثاني، «التحقيقات والاستطلاعات»، فيضم حواراتٍ ومناقشاتٍ فكرية من بينها: الاحتفاء بأسرة الأدباء تخليد للمشهد الثقافي الخليجي، شعراء شباب: القصيدة ظلنا نمده كي يسع العالم، مبدعون: المؤسسات الثقافية مطالبة باستقطاب المواهب المتشظية؛ وهي موضوعات تكشف نبض المشهد الثقافي الخليجي والعربي، كما تعكس تداخله مع التحولات الفكرية والاجتماعية في زمنٍ يزداد فيه القلق على مصير الثقافة ودورها.

ويُخصص الباب الثالث «الحوارات» لعددٍ من اللقاءات مع أعلام الأدب والفكر في البحرين والوطن العربي، أبرزهم: حمدة خميس، خليفة العريفي، تقي البحارنة، نوره المليفي، زينب حفني، عبد الرزاق الربيعي وعدنان الصائغ، روضة الحاج، وغيرهم من الأسماء التي أسهمت في تكوين الوعي الأدبي والفكري العربي المعاصر.

في هذه الحوارات تتقاطع التجارب، وتُستعاد أسئلة الكتابة، من معنى الإبداع، إلى جدلية التراث والحداثة، ومن علاقة الشعر بالهوية إلى مصير الإنسان العربي في زمن التحولات. إذ يؤكد الديري، في تقديمه للكتاب، أن الغاية من هذا العمل ليست مجرد التوثيق، بل إعادة قراءة المشهد الثقافي البحريني في مراياه التاريخية والفكرية، حيث تتبدى أسرة الأدباء والكتاب بوصفها الذاكرة الجماعية للثقافة البحرينية الحديثة، وواحدةً من أهم فضاءات الحوار والتنوير في الخليج العربي. فهي، كما يقول، "لم تكن مؤسسةً معزولة عن زمنها، بل حاضنةً لأحلام الشعراء والمفكرين، وورشةً مفتوحة لإنتاج المعنى والجمال".

وبذلك يستعيد الديري حضور «الأسرة» في الوعي العربي العام، إذْ كانت منبرًا لعبور المثقفين البحرينيين إلى المشهد العربي، وجسرًا تفاعليًا بين الأجيال، حيثُ تمازجت فيها الأصوات النقدية والقصصية والشعرية لتصوغ خطابًا ثقافيًا متنوعًا، يعبّر عن البحرين في بعدها الإنساني والحضاري.



المصدر: سيد أحمد رضا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى