طارق حنفي - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾

﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾
من الخلق إلى الهداية: تأمّلات في معنى الربوبية ومسار المعرفة الإلهية.
-------

(ليست الربوبية صفةً تُحدّ، بل فعلٌ يتجدّد في كل لحظة وجود.)
تُعدّ هذه الآية الكريمة من سورة طه بيانًا مكثّفًا لمعنى الربوبية في بعدها الوجودي والمعرفي معًا؛ فهي لا تكتفي بإثبات فعل الخلق، بل تتجاوزه إلى تقرير الهداية بوصفها امتدادًا لازمًا لذلك الخلق. ومن ثمّ، فإنها تُقدّم تعريفًا مركّبًا للربوبية يجمع بين الإيجاد والتوجيه، وبين الإعطاء والإرشاد.

(حين سأل فرعون: «من ربكما يا موسى؟»، كان السؤال عن اسمٍ يُحاط به، فجاءه الجواب عن معنى لا يُحاط.)
حين سأل فرعون: «من ربكما يا موسى؟»، لم يكن السؤال بريئًا، بل كان يحمل في طيّاته تصورًا للربوبية بوصفها سلطة تُمارس، وهيمنة يُتوهم امتلاكها. فجاء الجواب لا ليُبطل الدعوى فحسب، بل ليحوّل الرؤية من أساسها، من مجرّد نفيٍ إلى كشفٍ.
وذلك لأن فرعون مُدَّعٍ للربوبية، مما استوجب على سيدنا موسى محاورته وتفنيد ما ادّعاه باطلًا؛ فكان ردّه تعريفًا صحيحًا لمعنى الربوبية، وفي الوقت نفسه هدمًا لما ادّعاه لنفسه.
فليست هذه الآية مجرّد جوابٍ عن سؤالٍ تاريخي، بل إعادة تأسيسٍ لمعنى الربوبية نفسها، وكشفٌ لطبيعتها كما تتجلّى، لا كما تُدَّعى.
فهي لا تقدّم الربوبية بوصفها سلطةً قهرية أو دعوى سيادية، بل بوصفها فعلًا إلهيًا شاملًا يبدأ بمنح الوجود، ويكتمل بمنح الغاية والمسار:
﴿ربُّنا الذي أعطى كلَّ شيءٍ خلقه ثم هدى﴾.

(في البدء كان عطاء، دون استحقاق، دون سؤال.)
إن وجود الإنسان في عالم الوجود مِنّة من الله، وإعطاءه كمال الخلق مقتضى كمال الله الخالق سبحانه؛ فأعطى الله لكل شيءٍ كمال خلقه ليؤدي وظيفته.
ومنح كل شيء خلقه لا يُفهم على أنه مجرد إعطاء صورة أو هيئة، بل هو إمداد بالكمال الوظيفي الذي يؤهّله لأداء دوره في نظام الوجود.
ومن هذا المنطلق، فإن الكمال في المخلوقات ليس ترفًا زائدًا، بل ضرورة تقتضيها صفة الكمال في الخالق؛ إذ لا يُتصوّر أن يصدر عن الكامل إلا ما يوافق كماله.
وعليه، فإن ما يُظن نقصًا في بعض مظاهر الوجود - كالمرض مثلًا - إنما هو نقص نسبي في نظر الإنسان، لا في بنية الشيء ذاته؛ إذ هو في موقعه ووظيفته جزء من نظام محكم، يؤدي دورًا محددًا في شبكة الغايات الكبرى.

(من العطاء إلى الهداية.. سرّ الطريق.)
وإذا كان الخلق يمنح الشيء وجوده وكماله البنيوي، فإن الهداية تمنحه اتجاهه ومعناه.
ومن ثمّ، فإن قوله تعالى: ﴿ثم هدى﴾ لا يُعدّ إضافة منفصلة، بل استكمالًا ضروريًا لمسار العطاء الإلهي.
فالإنسان - بوصفه مخلوقًا مختارًا - لا يكتفي بكمال الخلق، بل يحتاج إلى بيانٍ متجدّد يهديه إلى كيفية توظيف هذا الكمال في سبيل معرفة الله.

(فتح الله لهم بابًا إليه، وترك لهم خطوة العبور، لكنهم وقفوا عند العطاء، أنسوا بالنعم، وغفلوا عن المنعِم، جمعوا الإشارات ولم يقرأوا الرسالة.. وهنا بدأ التيه؛ رأوا ولم يُبصروا، أُعطوا ولم يعرفوا.)
تكشف التجربة التاريخية لبني إسرائيل عن خللٍ جوهري في تلقي هذا العطاء؛ إذ توقّفوا عند حدود الخلق المادي ونعمه الظاهرة، دون أن ينفذوا إلى ما وراءه من دلالات معرفية وروحية.
فكانت النتيجة قصورًا في إدراكهم لمعنى الألوهية، وعدم تقديرهم لله حقّ قدره.

(جاء ميلاد سيدنا عيسى على غير ما ألفوا، ليقول لهم: إن الذي أعطى الأشياء خلقها، لا تُقيّده طريقتكم في الفهم.)
لم يُطِع بنو إسرائيل أوامر الله، فوقفوا في معرفتهم عند ظاهر الخلق وعطائه، وانشغلوا بالماديات، ولم يعرفوا عن الله المزيد من أسمائه وصفاته؛ فكانت النتيجة أنهم لم يقدروه سبحانه حقّ قدره.
فجاءت ولادة سيدنا عيسى عليه السلام على نحوٍ خارجٍ عن المألوف، كصدمة تقوّض هذا التصور المادي الضيق، وتعيد تعريف العلاقة بين القدرة الإلهية وقوانين العالم.
كما جاء خطابه مركّزًا على البعد الروحي والملكوتي، في محاولة لإعادة توجيه الوعي من ظاهر الخلق إلى باطن دلالته.
لم يأتِ ليزيدهم علمًا، بل ليخلخل ما ظنّوه علمًا، ويُعيد توجيههم إلى المعنى.
غير أن هذا المسار - على أهميته - لم يكتمل بمنهج تفصيلي شامل يضمن استمرارية المعرفة وتراكمها، فظلّ النقص قائمًا في إدراك حقيقة العلاقة بالله وسبل عبادته.

(حتى جاءت اللحظة التي لم يعد فيها المعنى فكرة، بل صار منهجًا يُعاش.)
في ضوء سنّة التدرّج في بناء المعرفة وتصحيحها، جاءت الرسالة المحمدية بوصفها طور الاكتمال؛ إذ جمعت بين البيان العقدي، والتشريع العملي، والنموذج الإنساني المتحقق في شخص النبي ﷺ.
فلم تعد المعرفة بالله مجرّد تأملات أو إشارات، بل صارت منهجًا متكاملًا للحياة، يربط بين العبادة والسلوك، وبين الروح والمادة.
لم تعد المعرفة بالله ومضاتٍ متفرقة، بل صارت نسقًا يربط بين الصلاة والحياة، بين القلب والفعل، بين ما تؤمن به وما تعيشه.
وهنا يكتمل المشهد: عطاءٌ يُنشئ، وهدايةٌ تُرشد، ومنهجٌ يُجسّد.
فلا يكفي أن ترى نعمة الخلق، ولا أن تسمع نداء الهداية، بل أن تمشي في الطريق.

(إن المسار الذي ترسمه الآية الكريمة - من الخلق إلى الهداية - ليس وصفًا للحظةٍ ماضية، بل هو قانونٌ مستمر يحكم علاقة الإنسان بالله؛ فكل توقّف عند أحد البعدين دون الآخر يُفضي إلى اختلالٍ في الفهم، وقصورٍ في العبادة.
ومن ثمّ، فإن كمال المعرفة الإلهية لا يتحقق إلا بالجمع بين إدراك نعمة الخلق، والاستجابة لهداية الخالق، في مسارٍ مفتوحٍ نحو تعميق الوعي بالله ومعرفته حقًّا.)

صلاة الله وسلامه على موسى وعيسى ومحمد، وعلى جميع النبيين والمرسلين، مَن اصطفاهم وفضّلهم على العالمين، والحمد لله حمد الحامدين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى