حتى أواخر القرن التاسع عشر ، حسب سوسيولوجية الأدب "روبيرا اسكاربيب" كان يُعرّف الناقد الأدبي و الفني ، ذاك الرجل الذي يخشاه الناشرين و يهابه المؤلفين.
أخيرا كفّ الناقد عن مجاراة تاريخ اقتفاء أثر الأثر (...) ايجابا أم سلبا، تسلية أم لهوا ، فكرا أم فعلاء بغية اجلاء اللبس و الغموض عن شغل استولى على مخيلته مما جعله يجلس بإتجاهه في هلع آسر لمدة طويلة و قد تتجاوز ثلاثون سنة ، ثلاثون شتاء كحالة "هيرودياد" عند ملارميه ، حتى سُميّت "شتاءات ملارميه".
لا يهم الزمن عند الناقد و ان طالت سلامته ، نفي اللحظة أو أية وحدة زمانية ممكنة.
أخيرا صار الناقد فنانا ، مبدعا مبدعا خالقا ، صانعا (داندي) Dandy لتقرير مصير ما ، ليس للكاتب الأديب المؤلف الإنسان فحسب انما بيئته ايضا ، الحيوان و قوقعته.يقبض على (اللحظة المسحورة) ، تلك اللحظة التي يقبض عليها الرجل في مجرى الزمن و التاريخ فيخطها على الورق كتابة أو يرسمها لوحة فنية أو ينقشها على الحجر. يلقي القبض عليها الناقد و يحولها الى كتابة على كتابة (ميتا أو جاما) أو فكرة على فكرة حتى تسطع الفضيلة على فضيلة اخرى. فكرة أخرى و حلم آخر و فعل آخر لم تكن في الحسبان أصلا..
"أنا أجد لا أبحث" كما قال (بيكاسو).
يرى كما يرى الإنسان الفنان بالكلمات شعرا أو مقالة ، يرى بالألوان كما يراها الرسام لوحة فنية تسر الناظرين ، تتجلى في اعلى متكإ لها ، يرى بالحجوم - نسبة و تناسب - كما يراها النحاث قصيدة متحجرة ، حديث بألف صوت في رحم الزمن. ، يرى وفق الإنطباعات المعاشة رواية كبديل عن الفناء أو الموت ، رواية "فكرة الأبدية" ، لا تقرر مصيرا كما هو (القضاء و القدر) الأرسطي ، أنما تثبته. رواية تحمل مجتمعا بأكمله في ذهن مؤلفها كما هي عند (بلزاك) الإله ، أو رواية تقذف بالمجتمع الى عصرهم مع (كافكا) ، أو يرى وفق المعرفة ككاهن (الكهانة) ، أو كجندي محارب فعل القتل مع نابليون بونابرت (أوديب ملكا) لفرنسا أو مع ميشال ذي سيرفانتيس الأسير الشاعر الروائي الإسباني المغامر على أرض الجزائر 1575.
كل هذه الرؤى و الأفعال اهلت الناقد المعاصر أن يكون رجل أدب في المقام الأول ، رجل سلطة (مانا) Mana نسبة الى "الماناليزمية" Manaleisme في المقام الثاني , الناقد فنانا حسب أسطورة فنان (الشاعر / الشعر - الكاهن / الكهنوتية - الجندي المحارب / الحرب).
مثله مثل أي فن زمكاني يراجعه المجتمع فيما يتعلق بحياتهم اليومية.
يبدأ الناقد فنانا كاتبا ثم ينتهي نابغة فيلسوفا ، عالما. تعاهد الفكر ليكتب من ذاكرة المستقبل.
هذه الصفات جميعها مكنت الناقد الإنسان و على طرفي نقيض أن يكون دكتاتورا مخيفا بهذا الشكل ، اذ مجرد كلمات معدودات يكتبها الناقد في جريدة ما ، سواء كانت تنتمي الى الفئة الإنتلجمسيا أو الى الدوائر الشعبية حتى تندلع بالمقابل حربا أدبية فنية ، فيها من يُساء و فيها من يُسر !
فيها من تبقيه غلى درب المراس و فيه من ترده الى ججمه الحقيقي حيث اقبل اول مرة
الناقد شأنه شأن الطبيب الجينيكولوجي من تعود اليه الكلمة الاخيرة في (الحمل) أهو حقيقيا أم حملا كاذبا ، و ان كان كذلك اهو جنينا سليما يستحق الرعاية الصحية أن هو حملا مشوها !
الطبيب في هذه الحالة هو الناقد المنقد ، بينما الأثر الأدبي هو المولود المحتمل ، و الأديب المبدع هو الوالد أو الأب.
ذاك أن مدخلات و متفاعلات و مخرجات العملية الإبداعية شبيهة بحالة الولادة الطبيعية عند البشر.
كلمات يكتبها ناقد في حق أديب أو نص جيد ترفعه و تصنفه في مسرد الأدباء الذين خلقوا ليحسنوا من هذا العالم و العكس صحيح.
تقربه اكثر من القراء مما تنعكس كلمته الاخيرة في اديب ما على الجانب الإقتصادي ، تزيد في مببعات مؤلفه أو تحيله الى التكديس و البوار المعرفي الفني الثقافي. حين يذوب الإستغلال الفني الادبي في الإستغلال الإقتصادي التجاري.
لا غرو اذن ان جاءت مقولة نابليون بونابرت التاريخية 1792 ؛"جريدة واحدة تعادل مئة حرب " !.
كان هذا الناقد عندما كانت الجريدة و المجلة ز الصحافة الورقية عموما احد أسلحتة الخفيفة الإستراتيجية فيها الخبر مقدس و التعليق واجب،
الناقد / السلطة الرابعة.
كان خوف الناشرين و المؤلفين حينها مبررا ، في نفس الوقت هذا (الخوف) و هذه (الرهبة) ليست مرضا رُهّابا أو فوبيا ، انما وُجَاء مكنت العرب في يوم ما من أدب و فن و جمال ينتقل من الادب المحلي الى الأدب العالمي - بقدر ما تكون محليا بقدر ما تكون عالميا (روجو) - أن توجت هذه الحالة الديكتاتورية الأدبية ، تماما كما ووصف عالميا (المخرج) المسرحي ز السينمائي بالديكاتور العمل الفني ، اذ من دون الصرامة و التقييم و التقويم المستمرين الحازمين لا يمكن التنظيم و التحكم الصارم بالعملية برمتها و بلوغ الهدف المسطر .هذه الحركة النقدية و قوة الناقد ، و قدرة الإعلام في نقل الكتاب الادبي و الجريدة مَن مكنت الأدب من النجاح الفني الثقافي الفكري. كللت تغذيته الراجعة بجائزة نوبل للعرب للأديب العربي نجيب محفوظ 1988.
ذاك فيض من غيظ ، مردها
تلك الحركة النقدية و ما قبلها مكنت العالم العربي على حسب التقسيم الأدبي الفني و ليس التاربخي الإقتصادي الجغرافي الى ثلاث مناطق ابداعية : مصر تؤلف ، لبنان الطبع و النشر ، و المغرب النقد و نقد النقد !.
و لو أن هذه التقسيمات ضيّقت مُتسعا ، لا تتماشى و حجم الوطن العربي من الماء الى الماء ساكنة و سكانا و مقدرات بشرية مالية مادية برا بحرا جوا و فضاءا . إلا أنها بالمقابل على قلتها حافظت على هيبة ووقار و سلطة الناقد الأدبية.
هل عرفت و شهدت الحضارة الإغريقية الفنية نقدا أدبيا معينا يتابع و يرافق كل هذا الازدهار و النماء الدرامي الفكري !؟
تشير جل الدراسات و البحوث الأدبية الفنية الفلسفية ، كل من فلاسفة الحياة الألمان : هيجل ، شليجل ، شوبنهور و على رأسهم (جوته) GOtHe على أن مسرحية (ملهاة الضفادع) Batrachoi / The frogs ق؛(- 405) ق.م. أعتبرها أول نص عالمي درامي (نقدي) توجه الملهاة الكوميدية الإغريقية للمأساة التراجيديا ، كما أعتبر أرستوفانز أكبر شاعر ناقد عظيم ، يوجه ضربة قوية بأسلوب ساخر فيه الكثير من الغمز و اللمز و الهمز الى شعراء التراجيديا الثلاث العظام (أسخيلوس -صوفوكليس - يوريوبيدس).
كان النقد في البدء ، كما كان في البداية (دينيا و دنيويا) ، سماويا و أرضيا ، آلهة و بشر ، تاريخيا و شبيها للتاريخ ، يراجعونه الناس فيما يتعلق بحياتهم الإجتماعية و الأدبية.
لكن منذ ظهور فكرة فصل الأدب عن المجتمع ، ظاهرة "الأدب الهروب" و كف أديب بمدرسته الخاصة، و الشعراء بإخراج مسرحياتهم
و منذ أن طرح السيرياليون (1919 - 1939) سؤالهم المفخخ المفجع ؛ لماذا هذه السيريالية ؟!
ادرك العالم الأدبي أنداك ، لا سيما عندما تم انفصالهم عن "الدادائية" عندما عجزت التعبير عن كل امالهم و أمانيهم و خيباتهم ابان الحرب و السلم ، أدركوا يقينا أنهم أمام نهاية مروعة صادمة ، بل سلسلة نهايات !
ظل الحال الترقب الشك ينتاب الجميع ، عنوان مرحلة ، قائما الى غاية صدور مقالة المفكر رولان بارت 1968 ينذر فيها بموت المؤلف.
يومذاك أدرك المتتبعون أيضا أن وراء هذه الميتة يتبعها موت رجلا آخر من نفس الجنس و النوع!
ليفاجئ الجميع المفكر ذو الجذور الاسيوية فوكو ياما بفكرة "نهاية التاريح" أي نهاية القيّم !
ليعيش و يشاهد أمام مرأى الجميع كبف تتهاوى تلك المقدسات التي ضحى من أجلها و دفعت الإنسانية القرابين الدماء ليستيقظوا على أكبر أكذوبة عرفها التاريخ : العقد الإجتماعي ، العلاقات الإنسانية ، حوار الحضارات ، حوار الاديان ، حقوق الإنسان ، ااحضارة ااديمقراطية ، السلم في حدود انتشار ثقافة التسامح....
هكذا فاض الجو الثقافي و الفكري ز الفني و الأدبي لأشباه ، أنصاف و أشباح المفكرين يمجدون و يمدحون و يكرمون بعضهم بعضا. لقد اختفى ذاك الرجل الشهم الأشم الذي كان حضورهم يلغي وجودهم ، يخيفهم ، يرعبهم ، يتلعثمون ، يتلكؤون ، يتلجلجون ، من دونه لا تتم و لا ترسم و لا تسن أية حركة أدبية.
لقد مات (الناقد) ليس في عصر هذه النهايات الشبحية الفرط صوتية المتشظية ، و لكن منذ طرح ارسطو السؤال ؛ هل الجريمة تفيد ؟
هل القانون يجب أن يكون مناهضا للعدالة ؟
منذ طرح السيرياليون سؤالهم هذا :
لماذا هذه السيريالية !؟
منذ أن طرح التعبيريون الى من يتوجه الناس طلبا للعدل !
منذ ام طرح الوجوديون سؤالهم الوجودي : الى أي حد تعتبر نظرية العقد الإجتماعي اكبر أكذوبة عرفها التاريخ فيرعز نهاية التاريخ و كذا الصفر التاريخي ؟
لم تعد ثمة اسئلة أخرى تتطلب استدعاء و استشراف فك لغز أثينا مجددا ، السؤال الإنسان الذي خلص المدينة من هول السؤال نفسه !. لقد مات بدوره الناقد شهيدا ، و ما بقي على طاولة (المحاكمة) "الناريسيوسية" إلا مجموعة من (...) يشعرونك منذ اللمحة الاولى للنظرة الأولى قوم وضِّعوا على مسطرة واحدة ، و على مقاس واحد و على لسان كورس واحد (يقرأون) عوضا عن ينتفدون ، النقد (قراءة) ، و صار الناقد (قارئ) ! مجرد شخصية لا تحضى بأي حبور ، و هكذا عندما يغيب الكبار يحضر الصغار يكسرون حاجز الوقار !
...من هب و دب صار شاعرا ، من هب و دب صار روائيا ، و من هب دب صار ممثلا....حاملا لصكوك الغفران تمنعه عن أية مساءلة ؛ من أين جاء و الى أين يتجه ، حتى يأتي الفأس بالرأس !
انتهت الجرائد الورقية و أنتهى معها دور الناقد دون رجعة
مما عم الكساد و الفساد و سادت الرداءة.
على قبر مجهول كتب على شاهده : هنا يرقد الناقد الملتزم بسلام ، ضاربين موعدا في الموسم القادم على قراءات اخرى (...) اخرى تليق على عظمة رجل ميت.
لا تسأل عن الجمهور حسب رأيهم الجمهور بدوره يكون قد مات فلتسعد الكراسي الشاغرة ان لم يسعف الحال . ما بقي إلا الإعلان الرسمي الإكلينيكي القضائي عن الوفاة و من بعدها لكل حادث حديث !
ليبقى السؤال معلقا
من قتل الناقد وقتئذ !؟
أخيرا كفّ الناقد عن مجاراة تاريخ اقتفاء أثر الأثر (...) ايجابا أم سلبا، تسلية أم لهوا ، فكرا أم فعلاء بغية اجلاء اللبس و الغموض عن شغل استولى على مخيلته مما جعله يجلس بإتجاهه في هلع آسر لمدة طويلة و قد تتجاوز ثلاثون سنة ، ثلاثون شتاء كحالة "هيرودياد" عند ملارميه ، حتى سُميّت "شتاءات ملارميه".
لا يهم الزمن عند الناقد و ان طالت سلامته ، نفي اللحظة أو أية وحدة زمانية ممكنة.
أخيرا صار الناقد فنانا ، مبدعا مبدعا خالقا ، صانعا (داندي) Dandy لتقرير مصير ما ، ليس للكاتب الأديب المؤلف الإنسان فحسب انما بيئته ايضا ، الحيوان و قوقعته.يقبض على (اللحظة المسحورة) ، تلك اللحظة التي يقبض عليها الرجل في مجرى الزمن و التاريخ فيخطها على الورق كتابة أو يرسمها لوحة فنية أو ينقشها على الحجر. يلقي القبض عليها الناقد و يحولها الى كتابة على كتابة (ميتا أو جاما) أو فكرة على فكرة حتى تسطع الفضيلة على فضيلة اخرى. فكرة أخرى و حلم آخر و فعل آخر لم تكن في الحسبان أصلا..
"أنا أجد لا أبحث" كما قال (بيكاسو).
يرى كما يرى الإنسان الفنان بالكلمات شعرا أو مقالة ، يرى بالألوان كما يراها الرسام لوحة فنية تسر الناظرين ، تتجلى في اعلى متكإ لها ، يرى بالحجوم - نسبة و تناسب - كما يراها النحاث قصيدة متحجرة ، حديث بألف صوت في رحم الزمن. ، يرى وفق الإنطباعات المعاشة رواية كبديل عن الفناء أو الموت ، رواية "فكرة الأبدية" ، لا تقرر مصيرا كما هو (القضاء و القدر) الأرسطي ، أنما تثبته. رواية تحمل مجتمعا بأكمله في ذهن مؤلفها كما هي عند (بلزاك) الإله ، أو رواية تقذف بالمجتمع الى عصرهم مع (كافكا) ، أو يرى وفق المعرفة ككاهن (الكهانة) ، أو كجندي محارب فعل القتل مع نابليون بونابرت (أوديب ملكا) لفرنسا أو مع ميشال ذي سيرفانتيس الأسير الشاعر الروائي الإسباني المغامر على أرض الجزائر 1575.
كل هذه الرؤى و الأفعال اهلت الناقد المعاصر أن يكون رجل أدب في المقام الأول ، رجل سلطة (مانا) Mana نسبة الى "الماناليزمية" Manaleisme في المقام الثاني , الناقد فنانا حسب أسطورة فنان (الشاعر / الشعر - الكاهن / الكهنوتية - الجندي المحارب / الحرب).
مثله مثل أي فن زمكاني يراجعه المجتمع فيما يتعلق بحياتهم اليومية.
يبدأ الناقد فنانا كاتبا ثم ينتهي نابغة فيلسوفا ، عالما. تعاهد الفكر ليكتب من ذاكرة المستقبل.
هذه الصفات جميعها مكنت الناقد الإنسان و على طرفي نقيض أن يكون دكتاتورا مخيفا بهذا الشكل ، اذ مجرد كلمات معدودات يكتبها الناقد في جريدة ما ، سواء كانت تنتمي الى الفئة الإنتلجمسيا أو الى الدوائر الشعبية حتى تندلع بالمقابل حربا أدبية فنية ، فيها من يُساء و فيها من يُسر !
فيها من تبقيه غلى درب المراس و فيه من ترده الى ججمه الحقيقي حيث اقبل اول مرة
الناقد شأنه شأن الطبيب الجينيكولوجي من تعود اليه الكلمة الاخيرة في (الحمل) أهو حقيقيا أم حملا كاذبا ، و ان كان كذلك اهو جنينا سليما يستحق الرعاية الصحية أن هو حملا مشوها !
الطبيب في هذه الحالة هو الناقد المنقد ، بينما الأثر الأدبي هو المولود المحتمل ، و الأديب المبدع هو الوالد أو الأب.
ذاك أن مدخلات و متفاعلات و مخرجات العملية الإبداعية شبيهة بحالة الولادة الطبيعية عند البشر.
كلمات يكتبها ناقد في حق أديب أو نص جيد ترفعه و تصنفه في مسرد الأدباء الذين خلقوا ليحسنوا من هذا العالم و العكس صحيح.
تقربه اكثر من القراء مما تنعكس كلمته الاخيرة في اديب ما على الجانب الإقتصادي ، تزيد في مببعات مؤلفه أو تحيله الى التكديس و البوار المعرفي الفني الثقافي. حين يذوب الإستغلال الفني الادبي في الإستغلال الإقتصادي التجاري.
لا غرو اذن ان جاءت مقولة نابليون بونابرت التاريخية 1792 ؛"جريدة واحدة تعادل مئة حرب " !.
كان هذا الناقد عندما كانت الجريدة و المجلة ز الصحافة الورقية عموما احد أسلحتة الخفيفة الإستراتيجية فيها الخبر مقدس و التعليق واجب،
الناقد / السلطة الرابعة.
كان خوف الناشرين و المؤلفين حينها مبررا ، في نفس الوقت هذا (الخوف) و هذه (الرهبة) ليست مرضا رُهّابا أو فوبيا ، انما وُجَاء مكنت العرب في يوم ما من أدب و فن و جمال ينتقل من الادب المحلي الى الأدب العالمي - بقدر ما تكون محليا بقدر ما تكون عالميا (روجو) - أن توجت هذه الحالة الديكتاتورية الأدبية ، تماما كما ووصف عالميا (المخرج) المسرحي ز السينمائي بالديكاتور العمل الفني ، اذ من دون الصرامة و التقييم و التقويم المستمرين الحازمين لا يمكن التنظيم و التحكم الصارم بالعملية برمتها و بلوغ الهدف المسطر .هذه الحركة النقدية و قوة الناقد ، و قدرة الإعلام في نقل الكتاب الادبي و الجريدة مَن مكنت الأدب من النجاح الفني الثقافي الفكري. كللت تغذيته الراجعة بجائزة نوبل للعرب للأديب العربي نجيب محفوظ 1988.
ذاك فيض من غيظ ، مردها
تلك الحركة النقدية و ما قبلها مكنت العالم العربي على حسب التقسيم الأدبي الفني و ليس التاربخي الإقتصادي الجغرافي الى ثلاث مناطق ابداعية : مصر تؤلف ، لبنان الطبع و النشر ، و المغرب النقد و نقد النقد !.
و لو أن هذه التقسيمات ضيّقت مُتسعا ، لا تتماشى و حجم الوطن العربي من الماء الى الماء ساكنة و سكانا و مقدرات بشرية مالية مادية برا بحرا جوا و فضاءا . إلا أنها بالمقابل على قلتها حافظت على هيبة ووقار و سلطة الناقد الأدبية.
هل عرفت و شهدت الحضارة الإغريقية الفنية نقدا أدبيا معينا يتابع و يرافق كل هذا الازدهار و النماء الدرامي الفكري !؟
تشير جل الدراسات و البحوث الأدبية الفنية الفلسفية ، كل من فلاسفة الحياة الألمان : هيجل ، شليجل ، شوبنهور و على رأسهم (جوته) GOtHe على أن مسرحية (ملهاة الضفادع) Batrachoi / The frogs ق؛(- 405) ق.م. أعتبرها أول نص عالمي درامي (نقدي) توجه الملهاة الكوميدية الإغريقية للمأساة التراجيديا ، كما أعتبر أرستوفانز أكبر شاعر ناقد عظيم ، يوجه ضربة قوية بأسلوب ساخر فيه الكثير من الغمز و اللمز و الهمز الى شعراء التراجيديا الثلاث العظام (أسخيلوس -صوفوكليس - يوريوبيدس).
كان النقد في البدء ، كما كان في البداية (دينيا و دنيويا) ، سماويا و أرضيا ، آلهة و بشر ، تاريخيا و شبيها للتاريخ ، يراجعونه الناس فيما يتعلق بحياتهم الإجتماعية و الأدبية.
لكن منذ ظهور فكرة فصل الأدب عن المجتمع ، ظاهرة "الأدب الهروب" و كف أديب بمدرسته الخاصة، و الشعراء بإخراج مسرحياتهم
و منذ أن طرح السيرياليون (1919 - 1939) سؤالهم المفخخ المفجع ؛ لماذا هذه السيريالية ؟!
ادرك العالم الأدبي أنداك ، لا سيما عندما تم انفصالهم عن "الدادائية" عندما عجزت التعبير عن كل امالهم و أمانيهم و خيباتهم ابان الحرب و السلم ، أدركوا يقينا أنهم أمام نهاية مروعة صادمة ، بل سلسلة نهايات !
ظل الحال الترقب الشك ينتاب الجميع ، عنوان مرحلة ، قائما الى غاية صدور مقالة المفكر رولان بارت 1968 ينذر فيها بموت المؤلف.
يومذاك أدرك المتتبعون أيضا أن وراء هذه الميتة يتبعها موت رجلا آخر من نفس الجنس و النوع!
ليفاجئ الجميع المفكر ذو الجذور الاسيوية فوكو ياما بفكرة "نهاية التاريح" أي نهاية القيّم !
ليعيش و يشاهد أمام مرأى الجميع كبف تتهاوى تلك المقدسات التي ضحى من أجلها و دفعت الإنسانية القرابين الدماء ليستيقظوا على أكبر أكذوبة عرفها التاريخ : العقد الإجتماعي ، العلاقات الإنسانية ، حوار الحضارات ، حوار الاديان ، حقوق الإنسان ، ااحضارة ااديمقراطية ، السلم في حدود انتشار ثقافة التسامح....
هكذا فاض الجو الثقافي و الفكري ز الفني و الأدبي لأشباه ، أنصاف و أشباح المفكرين يمجدون و يمدحون و يكرمون بعضهم بعضا. لقد اختفى ذاك الرجل الشهم الأشم الذي كان حضورهم يلغي وجودهم ، يخيفهم ، يرعبهم ، يتلعثمون ، يتلكؤون ، يتلجلجون ، من دونه لا تتم و لا ترسم و لا تسن أية حركة أدبية.
لقد مات (الناقد) ليس في عصر هذه النهايات الشبحية الفرط صوتية المتشظية ، و لكن منذ طرح ارسطو السؤال ؛ هل الجريمة تفيد ؟
هل القانون يجب أن يكون مناهضا للعدالة ؟
منذ طرح السيرياليون سؤالهم هذا :
لماذا هذه السيريالية !؟
منذ أن طرح التعبيريون الى من يتوجه الناس طلبا للعدل !
منذ ام طرح الوجوديون سؤالهم الوجودي : الى أي حد تعتبر نظرية العقد الإجتماعي اكبر أكذوبة عرفها التاريخ فيرعز نهاية التاريخ و كذا الصفر التاريخي ؟
لم تعد ثمة اسئلة أخرى تتطلب استدعاء و استشراف فك لغز أثينا مجددا ، السؤال الإنسان الذي خلص المدينة من هول السؤال نفسه !. لقد مات بدوره الناقد شهيدا ، و ما بقي على طاولة (المحاكمة) "الناريسيوسية" إلا مجموعة من (...) يشعرونك منذ اللمحة الاولى للنظرة الأولى قوم وضِّعوا على مسطرة واحدة ، و على مقاس واحد و على لسان كورس واحد (يقرأون) عوضا عن ينتفدون ، النقد (قراءة) ، و صار الناقد (قارئ) ! مجرد شخصية لا تحضى بأي حبور ، و هكذا عندما يغيب الكبار يحضر الصغار يكسرون حاجز الوقار !
...من هب و دب صار شاعرا ، من هب و دب صار روائيا ، و من هب دب صار ممثلا....حاملا لصكوك الغفران تمنعه عن أية مساءلة ؛ من أين جاء و الى أين يتجه ، حتى يأتي الفأس بالرأس !
انتهت الجرائد الورقية و أنتهى معها دور الناقد دون رجعة
مما عم الكساد و الفساد و سادت الرداءة.
على قبر مجهول كتب على شاهده : هنا يرقد الناقد الملتزم بسلام ، ضاربين موعدا في الموسم القادم على قراءات اخرى (...) اخرى تليق على عظمة رجل ميت.
لا تسأل عن الجمهور حسب رأيهم الجمهور بدوره يكون قد مات فلتسعد الكراسي الشاغرة ان لم يسعف الحال . ما بقي إلا الإعلان الرسمي الإكلينيكي القضائي عن الوفاة و من بعدها لكل حادث حديث !
ليبقى السؤال معلقا
من قتل الناقد وقتئذ !؟