يحيى بركات - حين يتقدّم السينمائي...ويتراجع الخطاب

عن جعفر بناهي… حين تصبح الصورة وطنًا

1775647797239.png

أنت لا تقرأ خبرًا.
أنت تدخل مشهدًا.
رجلٌ يعبر الحدود…
لا ليهرب،
بل ليعود إلى حكمٍ ينتظره.
رجلٌ يعرف أن السجن جاهز،
وأن اسمه ليس عابرًا في تقارير الأمن،
وأن خلافه مع السلطة ليس سوء تفاهم…
ومع ذلك يقول، بهدوءٍ لا يشبه أحدًا:
“سأذهب إلى بلدي… لأموت فيها.”
هذه ليست جملة.
هذه لقطة افتتاحية
لفيلم لا يحتمل القطع.
دعني آخذك خطوة أبعد…
نحن، كجمهور، اعتدنا أن نصفّق للسياسي حين يرفع صوته،
وللثائر حين يشتبك في الشارع،
لكننا ننسى أو نتناسى
أن هناك نوعًا آخر من الاشتباك…
اشتباك لا يُرى،
لكنه يعيد تشكيل كل ما نراه.
هذا الاشتباك اسمه: السينما.
وهنا يظهر
جعفر بناهي
لا كمخرج…
بل كمعيار.
السياسي يقول لك: هذه هي الحقيقة.
الثائر يقول لك: هذه هي المعركة.
أما السينمائي الحقيقي…
فيجلس بهدوء،
ويجعلك ترى الاثنين… دون أن يشرح.
وهنا تكمن الخطورة.
بناهي لم يكن يومًا معارضًا بالمعنى الذي تفهمه نشرات الأخبار،
لم يؤسس حزبًا،
ولم يرفع شعارًا.
لكنه فعل ما هو أخطر من ذلك بكثير:
فضح الواقع… بالصورة.
وفي عالمٍ تُدار فيه السلطة عبر التحكم بما يُرى وما لا يُرى،
تصبح الكاميرا… فعل تهديد.
حين مُنع من الإخراج…
لم يتوقف.
حين مُنع من السفر…
وصل.
حين حُوصر في بيته…
حوّل الجدران إلى شاشة،
وصنع This Is Not a Film،
وهرّبه إلى
مهرجان كان السينمائي
داخل كعكة.
هنا…
لم تعد السينما فنًا.
صارت فعل تهريب للحرية.
اسمح لي أن أكون واضحًا معك—لا ككاتب، بل كمخرج يرى المشهد من داخله:
السينمائي الحقيقي لا يقل عن الثائر…
بل يتفوق عليه.
لأن الثائر يواجه السلطة في لحظة،
أما السينمائي… فيواجهها في الزمن.
الثائر قد ينتصر أو يُهزم،
لكن السينمائي—إذا كان صادقًا—
يترك أثرًا لا يُمحى.
في Taxi Tehran…
هو لا يقود سيارة.
هو يقود بلدًا كاملًا داخل لقطة.
كل راكب حكاية،
كل حكاية طبقة،
كل طبقة صدع في جدار الرواية الرسمية.
هذا ليس فيلمًا…
هذا تحقيق بصري في معنى المجتمع.
والآن…
توقف هنا.
هذه اللحظة هي قلب النص:
قرار العودة.
كل التحليلات السياسية ستقول لك:
توقيت… مخاطرة… حسابات…
لكن بعين السينمائي…
المشهد لم يكتمل.
كان يمكن له أن يبقى في الخارج—
حيث الجوائز،
حيث التصفيق،
حيث الأمان الذي لا يطلب منك ثمنًا.
لكنه رفض.
لأنه يعرف شيئًا لا يُقال في البيانات:
أن الفيلم الحقيقي…
لا يُصوَّر من الخارج.
أن تختلف مع السلطة…
لكن لا تختلف مع الوطن.
أن تعارض…
لكن لا تبيع.
أن ترى العطب…
لكن لا تغادر الجسد.
هذه ليست شعارات.
هذه فلسفة انتماء.
الوطن، في تعريفه السياسي،
قد يتحول إلى نظام.
لكن الوطن، في تعريفه السينمائي،
يبقى إنسانًا:
وجهًا،
شارعًا،
تفصيلًا صغيرًا لا يظهر في الخطب.
وهنا…
ينحاز بناهي.
ليس للسلطة،
ولا ضدها فقط…
بل إلى الناس.
وهنا تبدأ رؤيتي—أنا—كمخرج وكاتب:
لقد أخطأنا طويلًا
حين وضعنا السياسي في قمة الهرم،
وجعلنا السينمائي شاهدًا.
الحقيقة… بالعكس.
السياسي يكتب قرارًا،
لكن السينمائي يكتب ذاكرة.
والأمم لا تُبنى بالقرارات فقط…
بل بما تتذكره عن نفسها.
في زمن تُدار فيه الحروب بالصورة…
من يملك الكاميرا
لا يقل شأنًا عمّن يملك القرار.
بل ربما… يتفوق عليه.
لأن القرار يغيّر واقعًا،
أما الصورة… فتعيد تشكيل الوعي.
لهذا…
حين عاد بناهي،
لم يكن مجرد رجل عاد إلى بلده…
كان سؤالًا عاد.
سؤالًا لنا جميعًا:
ما معنى أن تنتمي؟
هل أن تصفق؟
أم أن ترى؟
أم أن تبقى… حتى حين يكون البقاء مؤلمًا؟
أنا لا أكتب هنا عن “مخرج إيراني”.
أنا أكتب عن معيار.
عن سقف يجب أن يُقاس به كل من يدّعي الانتماء،
سواء كان سياسيًا،
أو مثقفًا،
أو حتى… ثائرًا.
لأن الحقيقة التي نحاول الهروب منها بسيطة:
ليس كل من عارض… وطني.
وليس كل من صمت… خائن.
لكن من رأى الحقيقة…
واختار أن يبقى داخلها…
هذا هو الذي يستحق أن يُسمع.
ولهذا…
لا تبحث عمّن كان على حق،
ولا عمّن امتلك المنبر،
ولا عمّن رفع صوته أعلى.
ابحث عمّن جعلك ترى.
لأن ما يُقال… يذوب،
وما يُرى… يترسّب في الوعي
ويتحوّل—ببطءٍ لا يُلاحظ—إلى حقيقة.
السياسي يعبر اللحظة،
ولو بدا أنه يملكها.
أما السينمائي الحقيقي…
فهو من يترك فيها أثرًا
لا يمكن محوه… ولا التفاوض عليه.
وهنا… دون إعلان،
ودون تصفيق،
ودون بيانات رسمية…
تتبدّل المواقع:
يتراجع الخطاب،
ويتقدّم من كان يُظنّ أنه مجرد شاهد.
ليس لأنه قال أكثر…
بل لأنه رأى أعمق.
ومن يرى…
لا يعود إلى الخلف.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
8/4/2026

1775647907624.png

1775647875296.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى