محمد شعير - في ذكرى مـــــيلاده الأبنودي.. صوت الشعب.. المحارب بالشعر

◙ اعتبره خيري شلبي أحد أهم الحقول الخصبة في الشعر العربي الحديث
◙ جمعته صداقة خاصة للغاية بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بدأت منذ الستينيات


من هنا بدأت الحكاية.. شاب في الثامنة عشرة يتدرب مع زملائه في فناء المدرسة على حمل السلاح للاشتراك في المعركة ضد العدوان الثلاثي عام 1956 على مدينة بورسعيد الباسلة، وبعد أيام من التدريب بحماس فوجئ باختياره وصديقه الأقرب للعمل في الدفاع المدني!

عمَّ الحزن الصديقين لأنهما لن يحاربا، وأرادا التعبير عن حزنهما فكتب كل منهما قصيدة بالفصحى وقرأها لصديقه، ليكتشفا عندئذ أنهما يمكن أن يكونا شاعريْن. وقتها؛ قالا معًا قولًا واحدًا، صار عهدًا ووعدًا وعنوان عمرٍ ورحلة: «مادام شالوا منا السلاح يبقى حنحارب بالشعر».. كان الشاب وصديقه هما عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل.

ظل «عبدالرحمن» طالب الثانوي يكتب الشعر بالفصحى، لكنه - وفقًا لرواية الكاتب محمد توفيق في كتابه «الخال»- عندما عاد إلى قريته وقرأ شعره على رفاقه أحس بأنه غريبٌ بينهم، وأحسوا هم بأنه تغيَّر، كأن جدارًا منيعًا صار يفصله عنهم.

بعدها؛ جاء إلى مدرسته من القاهرة «الأستاذ توفيق حنا مدرس الفرنساوي»، الذي كان يحكي للطالبين «عبدالرحمن وأمل» عن عالم مجهول تمامًا بالنسبة لهما، هو عالم الأدباء والمثقفين في القاهرة، وكانا ينصتان بشغف، لكن الأستاذ شاهد عبدالرحمن يومًا عند «جامع سيدي عبدالرحيم القناوي» فأشار له إلى عمال يعملون في الترعة، وقال له: «يعني انتَ لما تهرَّج وأنت راجل موهوب وتسيب دول ما تعبرش عنهم، مش دي تبقى جريمة؟!».

غدت كلمات «الأستاذ توفيق حنا» نقطة تحول ومفترق طريق في حياة «الشاب عبدالرحمن»، الذي قرر لحظتها ألا يكتب كلمة إلا باللهجة التي يفهمها أبناء قريته، وكانت أول قصيدة له بالعامية بعنوان «النعش طار».

ومن يومها؛ طار نجم الشاب الصغير وعلا، لينطلق في الآفاق، ويغدو ملء الأسماع والأبصار، ليس في مصر وحدها إنما في شتى الأصقاع، ليصير هو عبدالرحمن الأبنودي، الشاعر الكبير، الإنسان البسيط، القريب من الطيبين، بنقاء كلماته وعذوبة ضحكته، ابن صعيد مصر، الذي عبَّر بالشعر عن البسطاء، دافع عنهم وانحاز لهم، وبكلمات نابعة من طين الأرض، بسيطة سهلة مثلهم، قدَّم لهم حكمته في الحياة، ليغدو فيلسوف الشعب، المحارب بالشعر، الذي نحتفي بذكرى ميلاده في الحادي عشر من أبريل عام 1938.

هذا هو «الخال» كما عرفته؛ يقول الكاتب محمد توفيق في كتابه من محصلة جلسات طويلة شهدت حوارات ونقاشات بالساعات مع الأبنودي، إنه.. «مزيج من الصراحة الشديدة والغموض الجميل، من الفن والفلسفة، من غاية التعقيد وقمة البساطة، من مكر الفلاح وشهامة الصعيدي، من ثقافة المفكرين وطيبة البسطاء.. هو السهل الممتنع، الذي ظن البعض - وبعض الظن إثم- أن تقليده سهل وتكراره ممكن».

«أنا الدرويش أبو الدراويش/ جناحات قلبي من غير ريش/ وحاوريني/ صعيدي بس قولي إيه؟ فلسطيني/ ومصري بس قلبي إيه؟ فلسطيني/ وعربي بس حلمي إيه؟ فلسطيني».. لم يكن هناك أي تناقض بين انغماس الأبنودي العميق في التربة المصرية وتحليقه في آفاق المنطقة العربية وقضاياها المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي كتب عنها ديوانا كاملًا بعنوان «الموت على الأسفلت».

وقد جمعت عبدالرحمن الأبنودي صداقة خاصة للغاية بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بدأت منذ الستينيات، وصفتها الإعلامية نهال كمال أرملة الأبنودي في مذكراتها الصادرة عام 2020 بعنوان «ساكن في سواد النني» بأنها لم تكن صداقة نادرة فقط بل استثنائية، قائلة: «شاء قدري وحظي السعيد أن أكون شاهدةً وحاضرةً ومشاركةً في الأوقات والساعات التي التقيا فيها سواء في منزلنا بالمهندسين أو في الأمسيات الشعرية».

كان الأبنودي يقول لها عن درويش بعد أن يدعوه إلى «أكلة ملوخية وحمام» خلال زياراته إلى مصر: «محمود بيحب بيتنا وبيبقى على طبيعته وبيتخلى عن شخصيته المتحفظة»، أما درويش فقد عبَّر عن رأيه في الأبنودي عندما قال له أحد الصحفيين في تونس: «أنت أكبر شاعر في الوطن العربي»، فجاء رده: «لا يجوز أن تقول إني أكبر شاعر وفي مصر شاعر اسمه عبدالرحمن الأبنودي»!

الأبنودي.. «إنه - دون أدنى مبالغة- يمثل أحد أهم الحقول الخصبة في الشعر العربي الحديث»، هكذا رآه الأديب الكبير خيري شلبي معتبرًا أننا «نظلمه ظلمًا فادحًا إن قلنا إنه مجرد شاعر كبقية شعراء جيله، ونرتكب جرمًا في حقه - كدارسين للشعر- إذا اتخذنا من العامية ذريعةً للانتقاص من قيمته، فإذا كنا أسوياء حقًّا، منصفين حقًّا، قلنا إن الأبنودي يوضع في كفة، وجميع شعراء جيله - فصحى وعامية على السواء- في كفة.. إنه نَفَسٌ شعريٌّ خاص، تيار كامل، مدرسة، لا أقول إنه موهوب بل أقول إنه الشعر ذاته، خلقه الله أصلًا ليكون شاعرًا».

هكذا هم الكبار بحق؛ يعرفون أقدار بعضهم البعض، في الفصحى أو العامية، في الشعر أو الرواية. لذلك أراني الآن أقول لهم ذات كلمات الأبنودي المحارب بالشعر، الحالم بالجمال: «يا ما نِفسي أعيش العمر معاكم تحت الشمس/ نشرب من ريق النيل راحتين/ أتعشى معاكم تحت النجم ببتَّاوتين/ وأسمع موال يهمس في جرحي همس/ تسحبني يا ليل وتجيبني يا عين».

لكن.. لكل شيء نهاية، ومع كل فرحٍ حزن، على هذا تسير الحياة وتستمر، فكما نحتفل في الغد بذكرى ميلاد فيلسوف الشعب، تحل أيضًا بعد أيام في الحادي والعشرين من أبريل ذكرى الرحيل.

لا بأس. لا حزن. يموت الشاعر ويحيا الشعر. لكن الألم الحقيقي هو.. الخوف.. أو كما قال الأبنودي بنفسه: «حاقولها بالمكشوف/ خايف أموت من غير ما أشوف/ تغير الظروف/ تغير الوشوش/ وتغير الصنوف/ والمحدوفين ورا/ مبتسمين في أول الصفوف/ خايف أموت وتموت معايا الفكرة/ لا ينتصر كل اللي حبيته../ ولا ينهزم كل اللي كنت أكره../ اتخيلوا الحسرة»!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى