١
الرجل الضرورة :
الحديث الآن هو عن الرجل الضرورة .
الرجل الضرورة هو الذي لم تلد مثله النساء ولا الجراء ولا الأفاعي ولا الدببة ولا النمل ولا حتى الضبع والثعلب والجراء .
لماذا لا تطبق أمريكا مقولتها " الرجل لضرورة " على ( كلينتون ) و ( بوش ) و ( أوباما ) ؟
لماذا لا يطبق الغرب هذا على ( هولاند ) و ( ساركوزي ) و ( تاتشر ) - المرأة الضرورة - و ( بلير ) و ..و ..و ..؟
لماذا يطبق الغرب هذا على العالم العربي وبلدان العالم الثالث وحسب ؟
ويطبقونها فقط حين يكون " الرجل الضرورة " في خدمة مصلحتهم .
لماذا يصبح الرجل الضرورة " الرجل الشر " حين تنتهي مهمته ؟
عجيب منطق أمريكا والغرب هذا ! وأعجب منه منطق حكام العالم العربي ومنطق المسؤؤلين عن المؤسسات فيه !
وحتى المؤسسات الجامعية أمرها عجيب .
هل يعقل أنه لم يكن هناك مثيل لمبارك والقذافي وصدام والأسد وبن علي وبن عليين وبن ثلاثة عليين أيضا ؟
وجامعات العالم العربي ومنه جامعاتنا ، ألا يكون " الرجل الضرورة " إلا - أحيانا كثيرة - إلا تابعا في المطلق؟
ربما أنا على صواب و ربما أنا على خطأ !
أنا لست " الرجل الضرورة " ولا أريد . أعطوني خريجا حديثا لأدربه - إن كانت لديه الرغبة - ليكون - ليصبح - أفضل مني وأراهنكم .
ربما نحتاج إلى مليون ( برناردشو ) ليسخر من طبقته وشعبه والعالم الرأسمالي ، وطبعا من العالم الثالث البائس الاشتراكي ، وحتى من ( فيديل كاسترو ) نفسه .
مساء الخير فقد آن وقت الظهيرة .
٢٠١٢
٢
الدنيا مقامات :
للتو اشتريت صندوق مياه معدنية من السوبرماركت الصغير .
الصندوق صغير الحجم وأستطيع حمله بسهولة . الموظف محترم وخدوم ويحب أن يخدم أساتذة الجامعة ، ولهذا عرض علي أن يحمل الصندوق إلى مكتبي الذي يبعد عن السوبر ماركت عشرة أمتار فقط .
أنا رفضت وقلت له :
- أنا أحمل حاجتي ، فالرسول قال صاحب الحاجة أولى بحملها - لاحظوا .
ما قلته له جعله يردد على مسامعي - هو وزميلته أيضا - العبارة " الدنيا مقامات " .
حقا الدنيا مقامات ولكن ماذا ينتقص من مقامي حين أحمل حاجتي أو حين أجلس في مقهى شعبي أو حين استقل سيارة عمومية أو حين أركب في الباص ؟ ما دمت أحترم نفسي فلا مشكلة ، ومادام الآخرون يحترمون أنفسهم فلا مشكلة ، وحين يقل أشخاص ما أدبهم ، فإنهم ينتقصون من مقامهم هم .
٢٠١٢
٣
حول الترجمة الفضلى لقصيدة ( غونتر غراس ) للعربية :
حتى اللحظة نقلت أربعة ترجمات للقصيدة إلى العربية - أو هذا ما اطلعت عليه أنا حتى اللحظة . أنصح من يرغب في قراءة القصيدة ، أو نشرها على موقع ما ، أن يقرأ أو أن يعيد نشر ترجمة سمير جريس ، فترجمة فخرية صالح هي الأسوأ في الترجمات الأربعة .
هذا اقتراح واجتهاد .
٢٠١٢
٤
أمريكا والدكتور سلام فياض :
هل تريد أمريكا أن تسيء إلى الدكتور سلام فياض بإصرارها على أنه الرجل الكفء الضرورة ؟
هل تستغبينا أمريكا وتظن أننا ثور لله في برسيمه ؟
هل ترى أن الشعب الفلسطيني لم ينجب سوى الدكتور سلام ؟
هل الديمقراطية لا تليق إلا بالغرب الكافر والغرب المؤمن ؟
هل يخلو الشعب الفلسطيني من رجل آخر كفء مثل الدكتور سلام فياض ؟
أمريكا هي أمريكا وهي عدوتنا منذ 1945 وربما قبل ولكن ...
ولكن أليس من المعيب أن نمارس نحن ما تمارسه أمريكا .
من الجبهة الديمقراطية إلى حماس إلى الجبهة الشعبية من قبل إلى فتح أيام المرحوم ياسر عرفات إلى جامعاتنا إلى .. إلى .. ونحن نمارس أيضا ما تطلبه أمريكا منا الآن " الرجل الكفء .. الرجل الضرورة ".
أطرف ما في الموضوع أن أحد أساتذة جامعة ما ، قال في حفل تخرج أن رئيس جامعته هو الرجل الكفء ، وأن لا أحد غيره يملأ الكرسي الذي يجلس عليه .
هل نلوم أمريكا أم أننا نحن كلنا أمريكا ؟
لأمريكا ولنا " سنحفر ظلنا ونشخ مزيكا ".
صباح لخير يا محمود درويش . كلنا أمريكا .
كيف أحوال الطقس هناك في الأبدية ؟
٢٠١٣
٥
أخلاق جاره / 2 :
يحدثني عن جاره .
يقول لي جاري ذكي جدا وأنا بسيط جدا ، فماذا أفعل حتى أحتمل ثقل ظل جاري ؟
يسير في الشارع ساعات المساء . هو يريد أن يحرق فائض السكر في دمه ، السكر الذي رفع جار آخر ، أيضا ذكي وفصيح ، نسبته في دمه ، دم محدثي طبعا .
" ابعد عن الشر وغن له " تلازمه العبارة ، ولا يعرف أن الشر مثل أمريكا : " طاعون " ، ومثل بوش : " مليون حذاء قليلة لضربه بها " .
من بعيد يرى جاره ، ولم ينجح في تجنب لقائه . قال لي :
- جاري أيضا حرباء ، مثل حرباوات كثر يلتقي المرء بهم ، وبهن ،في النهار .
كيف سيتصرف جاره ، حين يتقابلان ؟
يلقي الجار عليه تحية المساء ، فيرد بمثلها :
- مساء الخير أستاذ .
- مساء الخير استاذ .
ثم يضع جاره رأسه في الأرض ويرفع الكلفة بينهما ويخاطبه باسمه.
مثل حرباوات كثيرات جاره ، مثل زملاء كثر له . تنعدم أخلاقهم ، ويتصرفون تصرفات صبيانية .
هل يتذكر ما قاله أحمد شوقي :
" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت "
أم يتذكر قول رسوله :
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
وجاره الحرباء يتلون في ذات اللحظة ، وفي أقل من ثانية ، مثل أصدقاء له على الفيس، يخاطبهم باحترام ، وحين لا يروق لهم موقف له من موضوع ما ، هكذا يرفعون الكلفة بينهم و...
مرة قال لي :
- إنها الفصائل التي أفسدت الأخلاق ، ثم اكتشف أن الخراب شامل . " عام وطام " .
الفصائل ترسل صبيانها له وتطلب منهم أن يتصرفوا أمامه تصرفات لا أخلاقية ، ويكرر :
" وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق " ، ولا أخلاق لكثيرين ممن أدوا الصلاة قبل قليل .
أمس قال لي :
- لقد ضجرت من الجميع و..و..والبقية عندك .
قلت له :
- فلنصغ إلى أم كلثوم تغني " رباعيات الخيام "
- هبوا املأوا ...الخ..الخ" .
٢٠١٣
٦
عرب فلسطين المحتلة في العام 1948 وتوفيق فياض :
اعتقد ان ما كتبه توفيق فياض في قصته " أبو جابر الخليلي " من مجموعة البهلول 1978 ، وأورده على لسان ( أبو جابر الخليلي ) يمكن أن يقرأ أكثر من قراءة ، ويمكن أن يقرأ أيضا في ضوء كتاب صدر قبل عامين ثلاثة لمستشرق يهودي عن عرب فلسطين الباقين ، ويمكن أن يقرأ أيضا على ضوء شخصية المتشائل في رواية اميل حبيبي ، بل ويمكن أن يقرأ في ضوء ما قاله بعض الفلسطينيين هناك عن عزمي بشارة بعد تركه فلسطين واستقراره في قطر .
مرة كنت عند المكوجي أبو حسين وكان هناك عربي من صفورية أو من كفر كنة وأتينا على رحيل د . عزمي بشارة ، وقال يومها ، على لسان أبيه ، كلاما خطيرا عن عزمي ، ولم يكن أحد يصدقه ، وكان يعتبر من باب التشويه . الآن وفي ضوء علاقة قطر باسرائيل واستقرار عزمي هناك أتذكر ما قاله الشاب ، لا لأعتقد به ، وإنما لأقرأه في ضوء الوقائع ، وفي ضوء إعادة قراءة قصة توفيق فياض وما أورده على لسان أبي جابر .
خلطة كلام تستحق أن أكتب فيها بحثا ، ولا أنسى كتاب خضر محجز عن اميل حبيبي " اميل حبيبي بين الوهم والواقع " .
أحيانا نبدو مرتبكين أو..
Tawfik Fayad
٧
إلياس خوري وبنيامين تموز :
"أولاد الغيتو "و" منافسة سباحة "
هل رواية إلياس خوري "أولاد الغيتو:اسمي آدم"فسيفساء من نصوص الآخرين؟
لما تسلم محمود درويش جائزة من هولندا ،وأجريت معه مقابلة سئل فيها عن أشعاره قال:" إن أشعاري هي فسيفساء من نصوص الآخرين"،وأظن أن هذا الرأي ينطبق على أشعاره منذ :"لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ "(1995)،إلى حد ما .
خوري هو توأم درويش ،أو توأم روحه ، وأظن أن التعبير لدرويش نفسه،وأجزم أن هناك تقاطعات كثيرة بين الاثنين ، تبرز أكثر ما تبرز في الرواية اﻷخيرة لإلياس . ثمة (موتيفات) تتكرر هي الضحية/الجلاد ، الذاكرة ، كتابة الحكاية ، النص المتكون من النصوص .
هناك عبارات دالة في رواية إلياس سأقتبس بعضها .
في ص127 ترد فقرة مهمة جدا :
"وضعت الميراث في حقيبتي ومضيت،وعندما قرأته في الغرفة الضيقة ، حيث أقمت داخل كراج الخواجة غبريال أحسست ﻷول مرة أنني أشبه شخصية في رواية ، ولست إنسانا حقيقيا " ، وهو ما لاحظناه في رواية "العاشق" ل (أ.ب.يهوشغ) .
وفي ص 151 يقول آدم : " فأنا كاتب ممتليء بالنصوص التي قرأتها ، وأتعامل معها بوصفها حقيقية ، موظفا خيال الآخرين ، من أجل خدمة خيالي ."
وأظن أن التعبير هذا ينطبق ، /
بقية المقال اﻷحد 17/4/2016في اﻷيام الفلسطينية
٨
شفيق الحوت وأمه واليهود الغلابا المساكين :
مرة أصغيت إلى شفيق الحوت ، ابن يافا ، يتحدث عن يافا ونكبة 1948. ربما كان ذلك من خلال فضائية الجزيرة .
أتى شفيق على نشاطه ضد الصهيونية وتخوفاته من المستقبل وطرد السكان العرب ، وقد تكلم بالأمر أمام أمه ، فضحكت الأم وقالت :
- من هؤلاء ؟ إنهم مساكين .
في قصة ( بنيامين تموز ) " منافسة سباحة " 1951 تدعو المرأة الفلسطينية ، وهي من يافا ولها بيارة ، تدعو الممرضة اليهودية التي عالجتها واهتمت بها إلى البيارة ، لتبيت عندها وتقضي بضعة أيام .
تلبي الممرضة الدعوة وتستجيب لطلب المرأة الفلسطينية التي تقضي الصيف في البيارة ، وتذهب الممرضة مع ابنها . في البيارة يلتقي الولد مع نهيدة الطفلة الفلسطينية ومع عمها عبد الكريم الذي كان يخشى من الهاغاناة ، كما يتنافس الطفل اليهودي مع عبد الكريم في السباحة ، في بركة البيارة ، وفي المعلومات .
يفوز عبد الكريم في السباحة ولا يفوز في المعلومات .
الطفل اليهودي حين يغدو شابا يقيم أياما مع عائلة فلسطينية ثانية هي عائلة ابو النمر ، وتعامله العائلة معاملة محترمة ايضا ، كما لو أنه من أفرادها ، وتمر الأيام .
في حرب 1948 يشارك الشاب اليهودي في الحرب فقد غدا جنديا ، وفي إحدى المعارك القريبة من البيارة يقترب من البيارة والبيت الذي أقام فيه زائرا ، ويدخل إلى المكان ، وهناك يقتاد الجنود عبد الكريم أسيرا ، وفيما كان صديق طفولته يسبح يطلق الجنود النار على عبد الكريم ويردونه شهيدا .
مقالي الأحد في الأيام عن قصة مشابهة في رواية الياس خوري .
المهم أن والدة شفيق الحوت لم تصدق ما قاله لها ابنها عن اليهود والحركة الصهيونية إلا عندما استشهد لها ابن وعندما طردت من يافا .
اليوم أعدت قراءة قصة ( بنيامين تموز ) " منافسة سباحة " وهي قصة مترجمة إلى العربية ، وكنت قرأتها بالألمانية في كتاب يضم مختارات من الأدب العبري عنوانه ( Ich ging durch meer und steine )
1989 ) ItaKaufmann )
وبسذاجة أهلنا وبساطتهم ضعنا وضاعت فلسطين . أو بطيبتنا ، وكما قال محمود درويش في " طللية البروة :
" كنا طيبين وسذجا "
وهذا جزاء مجير أم عامر
15 /4 / 2016
٩
كلب الأثر اختارني :
الليلة ، في المنام ، وجدتني أسير ، مع زميلين ، أحدهما شعره أبيض ، نسير في شوارع المدينة .
كان ثمة مظاهرة لأهالي الشهداء يطالبون فيها بعدم ملاحقة الأسرى والتوقف عن التنسيق الأمني مع الاحتلال .
كنا نحن الثلاثة نرقب المشهد من بعيد ، فلم نقترب من المسيرة النسوية .
فجأة جاءت الشرطة وأخذت تفرق المظاهرة وتلاحق المشاركين . ووجدتني مع زميلي نغادر المكان مسرعين ، ومع ذلك فقد لاحقتنا الشرطة والكلاب ، ووجدتني ملقى على الأرض وقد تشمم كلب الأثر قدمي اليسرى معطيا إشارة بأنني كنت مشاركا في المظاهرة .
الغريب أن الشرطة وقفت إلى جانبي ترفض اعتقالي ، غير أن الضابط ، وكان بزي مدني أصر على اعتقالي ، فيما أخذت أصرخ في وجهه :
- عندي محاضرات وأنت تتحمل المسؤولية .
تفقدت حقيبتي فلم أجدها .
لي زميل يرتعب من الحقيبة ، ما جعلني مرة أكتب مقالا عن المرحوم إحسان عباس والكيس الذي كان بيده دائما .
قلت :
- هذه عصاي اتوكأ عليها ولي فيها مآرب أخرى .
2017/ 4/15
١٠
أحمد دحبور و لوعة القلب :
قرأت مقال فاروق وادي عن أحمد دحبور وأدرجته على صفحتي .
لي رأي في أشعار أحمد دحبور الصادرة عن تجربة ومعاناة ، وتلك التي كتبها ولم تكن صادرة عن تجربة ومعاناة .
كتبت رأيي في 2003 ونشرته " أحمد دحبور : هل يهدم القصيدة أم يبنيها ؟ "
ولي مقال جديد يدور في الدائرة نفسها سينشر قريبا " أحمد دحبور..مجنون حيفا ".
أعتقد أن عبارة " لوعة القلب " التي قالها أبو نواس واعتمدها فاروق وادي هي لب الأمر.
2017/ 4/15
١١
جنون أن تكون فلسطينيا :
مرة كتب محمود درويش مقالا عنوانه "جنون أن تكون فلسطينيا " .
ربما يقول السوريون الآن " جنون أن تكون سوريا " والعراقيون " جنون أن تكون عراقيا ".
****
سجل أنا .......
2017/ 4/15
مساء الخير لسورية والعراق و...و...
١٢
كل يروي حكايته :
يخيل إلي أن أسلوب وجهات النظر في القص (points of view ) هو الأسلوب الأمثل للقص .
للأسف إن استخدام هذا الأسلوب نادر جدا.
يلخص شعبنا أهمية هذا الأسلوب وجدواه ببساطة متناهية حين يصغي الحاكم للمشتكي دون أن يصغي للمشتكى عليه .
يقول الناس لمن يصغي إلى المشتكي قبل أن يستمع إلى المشتكى عليه : "قد يكون هذا فقد عينه ولكن انتظر فقد يكون الآخر فقد عينيه ".
يدافع المنتفعون من إدارة مؤسسة ما عنها لما تمنحه لهم من امتيازات . وماذا يقول غير المنتفعين الذين يعاقبون ؟
الأخيرون هم الاصدق غالبا.
يقول المثل :
"اطعم الفم تستح العين " .
أكثر مؤسساتنا في العالم العربي فاسدة من " الساس للراس " .
للغنى رب غفور ، كما يقول عروة بن الورد ، والناس شرهم الفقير .
طبعا فساد الرأس في العالم الثالث ليس بعيدا عن إفساد العالم المتمدن له .
طز في الحاكم العربي وطز في أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيران وروسيا معا .
راحت على الشعوب العربية
15/ 4/2018
١٣
أنا مطبع على رأي زياد اليرموك البيروتي :
شخص ما اسمه زياد اليرموك من بيروت عقب على مقال لي عن محمود درويش ذاهبا إلى أننا صنعنا منه صنما وأنني من دعاة التطبيع وربط اسمي بجامعة النجاح الوطنية في هذا .
يبدو أنه لم يشاهد عشرات الحلقات التي بثها التلفزيون الاسرائيلي عن لقاءاتي بوفود إسرائيلية في نابلس وفي جامعة تل أبيب .
ماذا لو شاهد تلك الحلقات ؟
ماذا لو رآني كل سبت أسير في شوارع نابلس مع وفود من اليهود الصهاينة أطعمهم الكنافة من حلويات أسعد و آخذهم إلى درج اليهود أريهم الأماكن التي تذهب إسرائيل إلى أنها لها .
يا عزيزي زياد اليرموك - بيروت :
- أبي كان له صديقات يهوديات قبل 1948 ومن شابه اباه فما ظلم أمه .
شو أعمل ؟
ربما يكون لي إخوة من صديقات أبي .
ألم تقرأ ما كتبه محمود درويش في" حالة حصار " 2002 عن الجندي الإسرائيلي الذي قتل فلسطينيا ربما كان هذا الفلسطيني يحب فتاة يهودية ، وربما لو كتب له عمر لكان أنجب منها طفلا يكون الطفل يهوديا بالوراثة. ؟
بالمصرية أقول :
" - جاتني نيلة لأنني مطبع " وأما أنت " فجتك نيلة لأنك لست مطبعا ".
هلا بك يا زياد اليرموك - بيروت ، في فلسطين وفي يافا بلدنا قبل قيام دولة إسرائيل - " جتها أيضا نيلة " .
15/ 4/2018
١٤
أخلاق : " كم أنا مغفل "
كلما اشتريت بضاعة ما وثقت ببائعها وغالبا ما أكتشف أنني أحمق لأنني وثقت ، وكان ينبغي أن أتعلم من تجاربي .
- هل لديك بلاطين بجامات قطن؟
- طبعا.
- هل هي قطن مائة بالمائة ؟
- طبعا .
وأنقد البائع السعر الذي طلبه ، وفي البيت لا في المتجر أقرأ ما كتب لأكتشف أنني مغفل .
لاحقا أمر على التاجر وأشكره لصدقه وآخذ بنطالا واقرأ معه المكتوب ، وبكل ثقة يجيب التاجر :
- لا تنظر إلى ال ( ليبل ) .هذا مجرد كلام والبضاعة قطن مائة بالمائة .وقد أستعين بخبير اسأله لأعرف الحقيقة .
لا أتذكر من رواية أماني الجندي "قلادة فينوس " إلا المثل الذي أوردته تبدي رأيها في التجار .
أمس اشتريت مذياعا وسألت التاجر عن منشأ البضاعة ، فأجاب :
- تركيا
واليوم صباحا نظرت إلى مكان المنشأ فقرأت :" Made in China "
هل لا أعرف الانجليزية أم أن التاجر قرأ بطريقة مختلفة ؟
كم أنا مغفل !
15 نيسان 2019
١٥
موتيفات وأفكار في الأدب
يافا : في ذكرى النكبة
عادل الاسطة
آخر مرة زرت فيها يافا كانت في العام 1987 . وكنت زرتها في نهاية 60 وبداية 70 ق 20 مرارا .
منظر المدينة ، كلما استرجعتها ، لا يفارقني : التلة والبحر والميناء القديم . ولكن عدم زيارة المكان عيانا لم يحل دون زيارته في النصوص الأدبية.
لم أقرأ الأدبيات كلها التي كتبت عن يافا في العقدين الأخيرين ، أو أنني لم أقرأ كتابة لافتة عنها تركت أثرا في نفسي . وربما كانت قصة أكرم هنية "دروب جميلة" و
رواية عاطف أبو سيف " حياة معلقة " آخر ما قرأت عن المدينة ، ومع أن روايته "الحاجة كريستينا " تعود إلى يافا لتكتب عنها كما أخبرني إلا أنني لم أكمل قراءتها ، ربما لأنني لاحظت فيها استطرادا وتكرارا ، وهو ما لاحظته في روايته الأسبق "حياة معلقة" وفي كتابة عاطف أبو سيف عن يافا ما يدفع بعد الاستماع إليه إلى المتابعة ، فهو ينحدر من هناك وزار المدينة وأقام فيها فترة لا بأس بها . وأشير إلى كتاب المتوكل طه " وريث يافا " الذي أخذت أقرأ فيه ولكنني للأسف لم أواصل .
لا أعرف كتابا من يافا ما زالوا يقيمون فيها أو أقاموا فيها في 50 و 60 القرن 20 . لقد كانت المدينة شبه مهجورة من سكانها وتركزت الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية بعد النكبة وحتى الآن في حيفا والناصرة وعكا.
غابت الحياة الأدبية والفكرية في يافا بعد النكبة ، ولكن المدينة لم تغب ، فقد حضرت في أدبيات المنفى حضورا لافتا وربما حضرت في 50 القرن العشرين حضورا يفوق حضور حيفا وعكا والناصرة ولم تحضر أي من المدن الثلاثة حضورا بارزا طاغيا إلا في 70 القرن العشرين بعد أن توهجت أشعار محمود درويش وأحمد دحبور ابني المدينة لعلاقتهما المتميزة بها ؛ الأول بعد مغادرتها وشعوره بأنه ، مثل آدم ، خرج من فردوسه فندم ندما شديدا وآخذ يستعيد ولو في الشعر ذلك الفردوس ، والثاني من خلال بؤس حياة أهله في المنفى ومحاولة الأم تعويض أطفالها عن واقعهم بالحديث عن الجنة المفتقدة والمنتظرة في الوقت نفسه ، فلقد استحضرت الأم المدينة كلما سألها أحمد عن قسوة حياته في المخيم .
لم يتهيأ ليافا في الوطن أو في المنفى من أبنائها كاتب أو شاعر كما تهيأ لحيفا وعكا . لقد تهيأ لحيفا اميل حبيبي ومحمود درويش وأحمد دحبور ، والكاتب الذي عاش في يافا قبل 1948 وغادرها وهو في الثانية عشرة من عمره ، ولم يكن من يافا أصلا ، هو غسان كنفاني ابن عكا ، وعلاقته بيافا تختلف عن علاقة درويش وحبيبي بحيفا .
لقد حضرت يافا في شعر شعراء المنفى بين 1948 و 1967 باعتبارها رمزا لفلسطين كلها ، ولقد كتب عنها شعراء أقاموا فيها وشعراء كثر لم يقيموا فيها وإنما نظروا إليها ، كما ذكرت ، رمزا للوطن السليب كله .
وعلى الرغم مما سبق تبقى هناك نصوص شعرية وروائية ونثرية تبقى عالقة في الذاكرة ومنها قصيدة راشد حسين
"الحب...والغيتو " 1963 . يفتتح راشد قصيدته بمقطع عنوانه
" يافا مدينتي " يقول فيه :
" مدافن الحشيش في "يافا " توزع الخدر
والطرق العجاف حبلى...بالذباب والضجر
وقلب يافا صامت...أغلقه حجر
وفي شوارع السماء...جنازة القمر
؟!؟!؟!؟!
؟!؟!؟!
يافا بلا قلب إذن! ؟
يافا بلا قمر !؟
يافا..دم على حجر ؟! "
ويافا التي رضع الشاعر من أثدائها حليب البرتقال تعطش وكانت أمواجها تسقي المطر . لقد شلت ذراعها هي المدينة التي كانت حديقة أشجارها الرجال . ولقد مسخت محششة توزع الخدر .
ولمن يجهل يافا فإنها كانت مدينة مهمتها " تصدير برتقال " ولكنها هدمت وحول الإسرائيليون مهنتها إلى مهنة تصدير لاجئين .
لقد زار راشد يافا ورآها مدينة أنقاض تنتشر فيها الجثث ، فالقتلى بلا رؤوس وبلا ركب .
وفي يافا يتعرف راشد على يافا الفتاة اليهودية التي هربت من النازي ونجت من المحرقة .
في 30/12/1966 نشر سميح القاسم في جريدة " الاتحاد " الحيفاوية تقريرا عن زيارة قام بها إلى يافا .
يفتتح سميح تقريره بالآتي :
"ريبورتاج من أقبية الحشيش وبار "المسجد " !
المعذبون في يافا "
يكتب سميح بأنه قدر عليه أن يذهب إلى يافا ليكتب عن مآسينا
" يافا التي كان اسمها مرادفا للعزة والسعادة والحياة...يافا التي كانت طيبة وشهية وغنية كالبرتقال..لماذا تصبح مثارا للشفقة ومنجما الحزن؟ " (ص 289 من السيرة الذاتية لسميح "إنها مجرد منفضة ").
الصورة التي تظهر في التقرير للمدينة تبدو قاتمة ، فالبيوت مهجورة وأهل المدينة الباقون عاطلون عن العمل والمخدرات منتشرة بينهم والوضع التعليمي في الحضيض والمدرسة الباقية للخمسة آلاف الباقين ، وهي مدرسة حسن عرفة ، تخرج لصوصا و :
" هانذا في يافا التي كانت أسماء شوارعها شعارات خصبة من تراثنا الخصب ، وكانت لافتاتها معرضا مشرقا للخطوط العربية ..من الكوفي إلى الرقعة إلى الديواني ..هذه يافا الباقية ..لافتات لامعة من النيون والفسفور على لافتات شاحبة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ".
ويدخل سميح إلى بيوت السكان في حي العجمي ليرى طبيعتها ، فالضيق والرطوبة والإهمال ، ومثل البيوت المقاهي والمقابر والمساجد .
مرة قلت إن الأدب الفلسطيني هو الوريث الحقيقي للشعر العربي القديم فيما يخص ظاهرة الوقوف على الأطلال ، وكتبت مقالا عن هذا واقترحته موضوعا لرسالة ماجستير .
إن تقرير سميح القاسم ، على أية حال ، يصلح أن يدرس تحت الموضوع المقترح .
ينهي سميح تقريره بالآتي :
"هذه هي يافا الباقية ..هذه هي المدينة التي كانت واحة خير وجمال على شاطيء البحر المتوسط .أصبحت حذاء عتيقا في مزبلة النظام القائم على العنصرية وكراهية العرب ودوس كرامتهم وإهانة موتاهم وتاريخهم ..ولكنها - كما قال مردخاي نمير - وصمة عار في جبين حكام إسرائيل "(299)
صورة يافا المشرقة قبل 1948 كتب عنها القاص أكرم هنية في قصته "دروب جميلة " ، وقد خصصتها قبل سنوات بمقالة خاصة لا أرى ضرورة لإعادة الكتابة عنها ثانية ، فهي مدرجة على موقع ديوان العرب وفي مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية .
طبعا هناك عملان مهمان لكاتبين طالما كتبت عنهما لم تغب عنهما يافا ؛ الأول هو رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا "1969 والثاني هو عنوان قصيدة محمود درويش في رثاء "أبو علي إياد " "عائد إلى يافا" 1971 .
حضور يافا في رواية كنفاني كان موازيا لحضور حيفا ولكنه كان حضورا ثانويا ولذلك غاب عن الذاكرة وظل الحضور الأبرز لحيفا ، وأما في قصيدة درويش فقد كان التركيز على المرثي لا على المكان كون القصيدة قصيدة رثاء شخص بالدرجة الأولى ، وفيها تكون يافا " حقائب منسية في قطار ".
الكتابة عن يافا يطول وكان الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قد زار المدينة قبل العام 1948 وخصها بقصيدة .
لا بد من صنعا وإن طال السفر ولا بد من زيارة يافا.
الأربعاء 17 نيسان 2018
١٦
الست كورونا والمال ووسخ اليدين ٤٨ :
مثل أمس كان اليوم . لا جديد . ممارسة الطقوس نفسها والتزود بفيتامين D من أشعة الشمس مباشرة ، غير أنني اخترت جلسة لا تعرضني للشبهات ، فتجعل مني بصاصا وقليل حياء ، علما بأن الأصل أن يجلس من في البيت أو على الشرفة بما يقيه من العيون البصاصة .
في ٩٠ ق ٢٠ كتبت قصة " البصاص " عن تجربة حدثت معي في الأردن . إننا على الرغم مما نعاني منه ما زلنا ننصرف إلى الصغائر .
الشريط اللافت الذي شاهدته في الصباح أرسله إلي ابن خالتي محسن القوقا ، وهو بالانجليزية ، وإن فهمته فإن العالم في طريقه إلى التخلص من الأوراق النقدية ليتعامل ببطاقات الائتمان ، فالأوراق النقدية مليئة بالأوساخ وتنقل الأمراض ، والست كورونا تنتقل عبرها . قبل يومين كان الصيدلاني يعقمها ملتزما بالتعليمات .
في حياتنا غالبا ما نردد " المال وسخ ايدين / أيدي " ولكننا في الوقت نفسه نكرر " إنه يعادل الروح " و .. .
إذا كان المال حقا وسخ يدين فلماذا نقتتل بسبب هذا الوسخ ؟ ولماذا نسرق ؟
وعلى الرغم من أن الست كورونا تفتك بنا ، وقد تبعث الاكتئاب في النفس ، إلا أن صديقا أرسل إلي شريطا يبعث الفرح عن فلسطينيين صاروا رؤساء دول في أميركا الجنوبية ، مثل السلفادور . في الانتخابات هناك كان المرشحان اللذان يمثلان حزبي اليمين واليسار فلسطينيين من بيت لحم ، إلا أن أهل كل منهما في بيت لحم ، حين سئلوا لمن ينحازون من المرشحين انحازوا عشائريا لا ايديولوجيا . وقد تذكرت رواية الكاتبة العراقية أنعام كجه جي " النبيذة " وبطلها منصور البادي الذي صار مستشارا للرئيس الفنزويلي السابق ( هوغو شافيز ) .
الأشرطة التي يرى بعض المواطنين فيها أن الست كورونا عقاب رباني وانتقام من أميركا والغرب كثيرة و ..
وصباح الخير
خربشات
١٥ نيسان ٢٠٢٠
Wardia Shamass
١٧
صورة الفلسطيني في الرواية العربية : الفلسطيني المقاوم والفلسطيني المحايد " كأنها نائمة "
ا . د عـــــــادل الأسطــــــة
( فصل من كتاب " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " الذي طبع في تركيا ومتوفرة نسخ منه في مكتبة الشركة العربية ومكتبة موزاييك في اسطنبول Khoury Elias )
بعد روايته " باب الشمس " بأربع سنوات أصدر الياس خوري رواية " يالو "( ٢٠٠٢ ) وهي تأتي على الحرب الأهلية في لبنان ، واللافت أن الكتابة عن الفلسطيني فيها غير لافتة . وهذا يدفع الدارس إلى التساؤل عن السبب :
- أيعود إلى أن الرواية رواية شخصية بالدرجة الأولى ؟ أم إلى أن يالو بطلها كان منشعلا بنفسه وقصته وقصة رفاقه وأنه لم يذهب إلى الحرب عن قناعة وأن الفلسطينيين ليسوا أعداءه أصلا وأنه قد لا يكون التقى بهم فلم يأت على عالم لا يعرفه ، عدا أنه ، عندما ذهب للقتال ، كان فتى يافعا ليس لديه وعي سياسي ؟
بعد " يالو " أصدر خوري رواية " كأنها نائمة " ( ٢٠٠٧ ) ، وهي رواية صلتها بموضوع الحرب صلة هامشية ، ثم إنها تقارب بإيجاز سريع الثورة في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ - يعني إن المقاربة الهامشية للحرب لا تتعلق بالحرب الأهلية في لبنان .
يرتد الزمن الروائي في الرواية إلى الأعوام ١٩٤٦ - ١٩٤٨ ، وتجري الأحداث في لبنان وفلسطين ، وشخصيات الرواية شخصيات فلسطينية ولبنانية معا ، حيث يتزوج الفلسطيني منصور من اللبنانية ميليا ويقيمان معا في مدينة الناصرة ، والرواية التي يختلط فيها الواقعي بالخيالي ويمتزجان معا تتكيء بالدرجة الأولى على " المنامات " / الرؤى والأحلام . إنها رواية منامات بامتياز ؛ منامات تسير الحياة على إيقاعها أو أن الحياة تهجس للشخوص ، وتحديدا لميليا ، بها .
في كتابة لي سابقة تحت عنوان " صورة الفلسطيني في الرواية العربية : " كأنها نائمة " سؤال الهوية " ( أنظر موقع " نخيل عراقي " بتاريخ ١٤ نيسان ٢٠٢٠ ) اقتبست عبارة لافتة وردت على لسان ميليا " ايش يعني لبنانيين وغير لبنانيين هيدي بلاد الشام " ، فمن أسس الناصرة كانوا من لبنان أصلا ، فهل الكتابة عن الفلسطينيين في الرواية تعني الكتابة عن اللبنانيين ؟
أيا كان الأمر فإنني هنا سأتوقف أمام ثلاث شخصيات فلسطينية من يافا هي شخصيتا منصور وأخيه أمين وشخصية أمهما .
الفلسطيني المقاوم والفلسطيني المحايد :
لمنصور أخ اسمه أمين يعمل في مصنع خردوات تركه أبوهما لهما وصارت أمهما تديره .
انتمى أمين إلى جماعة الحاج أمين الحسيني وقد سخر مصنعه الذي ورثه عن أبيه لصنع طلقات البواريد الانجليزية ، وبدأ " يخطط لتصفيح السيارات من أجل أن يمتلك الفلسطينيون سلاحا ثقيلا في مواجهة آلة الحرب الصهيونية المتفوقة " .
استشهد أمين في سياق موجة متفجرات ضربت يافا عام ١٩٤٧ ويبدو أن ثرثرته قادته إلى الهلاك ، فقد كان أخوه منصور " مقتنعا بأن شقيقه مات من كثرة الحكي " " أمين كان ثرثارا ويحب المنظرة " ، ولأنه كان ، في نظر أخيه ، كذلك فقد اختلف الشقيقان ، واختلفا أيضا لأن أمين استأثر بالمصنع لنفسه ، وربما لهذا ، أو لسبب آخر هو شعور منصور بأن أمه لا تحبه .
كانت أمه تنتظر من الله ابنة فرزقت بصبي ثان ظلت تتعامل معه بوصفه طفلة صغيرة " أطالت شعر الصبي وعقدت ضفائره ، وصارت تخاطبه بتاء التأنيث " ، وحاول أمين أن يلعب اللعبة نفسها مع أخيه ونقلها إلى المدرسة حيث بدأ منصور يستمع إلى رفاقه يخاطبونه بتاء مضافة إلى اسمه ، ما جعله يقوم بردود أفعال عنيفة ، يتصرف كالصبيان الأشقياء ويتعرض للضرب من أقرانه .... وعندما كبر وجد نفسه في عائلة عربية تديرها أم حديدية لا ترحم .
وفي حين كان أمين ذا ميول وطنية وسخر مصنع العائلة لخدمة الوطن ، ودفع حياته ثمنا لذلك ، كان منصور لا يكترث للسياسة ولفكرة الدفاع عن الوطن . كان الأول ملتزما ، وإن من باب المنظرة ، وكان الثاني لا يهتم بالسياسة والقضية الوطنية . وفضل منصور الابتعاد عن الجو ، كي يتحنب وجع الرأس ، فترك يافا ليقيم مع زوجته ميليا في الناصرة ، لكن وجع الرأس لحق به إلى هناك .
حين سمع منصور خبر
استشهاد أخيه عاد إلى يافا ، وهنا يتغير ويلبس صورة أمين . يتقمصه ." صار منصور رجلا آخر " وقرر العودة إلى يافا ، فلا يمكن ترك المعمل لأن الأم لا تستطيع إدارته وحدها .
نحن أمام أخوين مختلفين ولكن الظروف تدفع الثاني المحايد إلى تقمص شخصية الأول ، وتغيره من محايد غير ملتزم إلى ملتزم يسير على خطى أخيه .
صورة المرأة :
اللافت في الرواية التي تأتي على الواقع الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ هو صورة المرأة الفلسطينية فيها . إن النموذج النسوي الفلسطيني يتجسد في شخصية الأم الفلسطينية .
والدة أمين ومنصور تبدو امرأة متسلطة وحديدية " لا تفكر إلا في جمع المال " ولهذا ترك لها منصور قبل استشهاد شقيقه كل شيء وغادر يافا ولم يرد العودة إليها وإلى رائحة الدم التي تنتشر فيها . ولكنه عاد .
هل تختلف المرأة الفلسطينية هنا عنها في روايات الياس خوري السابقة ؟
في " الوجوه البيضاء " طالعتنا سمر الثورية المتحمسة التي سرعان ما تتزوج من تاجر وتصبح ربة بيت .
وفي " مملكة الغرباء " قرأنا عن المرأة الفلسطينية المتعلمة التي تعمل في مؤسسات الثورة وتستسهد ، وفي " باب الشمس " كانت نهيلة نموذج المرأة القوية الصلبة التي تتعرض لمضايقات الاحتلال ولكنها تصبر وتعمل في غياب زوجها لتربي أبناءها ، وهو ما تكون عليه والدة أمين ومنصور في " كأنها نائمة " على الرغم من وصفها بأنها امرأة متسلطة .
ما لا ينبغي أن يغيب عن الذاكرة في أثناء قراءة الرواية هو أن أحداثها تجري في مكان لم يقم فيه الكاتب وفي زمان لم يكن شاهدا عليه . إن ذلك لا شك قد يجعل الصورة التي ترتسم للفلسطيني صورة متخيلة أكثر مما هي صورة حية ملموسة . فماذا عن الفلسطينيين ويافا بعامة ؟
مرايا يافا وتجسد :
يعود منصور إلى يافا ليستقر فيها ، وتعود معه زوجته لتضع طفلها هناك ، على غير رغبة منها ، فيافا التي يمجدها أبناؤها بخاصة والفلسطينيون بعامة ويرسمون لها صورة جميلة جدا ويفاخرون ببرتقالها ورائحته وبياراتها لا تروق لميليا . لقد ترددت في الذهاب إليها وحين قالت لزوجها إنها تكره المدينة أجابها إن يافا عروس المتوسط .
ما زاد من عدم تقبل ميليا ليافا أنها ذهبت إليها في فترة حرجة من حياة المدينة :
" كل الناس يحبون رائحة البرتقال ، ويسكرون برائحة زهر النارنج ، وميليا أيضا تحب هذه الرائحة التي تشبه المخمل ، لكنها هنا في يافا شمت رائحة الدم . قالت له إن مدينته تشبه طرابلس في شمال لبنان " وكانت زارت طرابلس مرة واحدة وهي في السابعة . " كأني بطرابلس .. ساحة الساعة هنا تشبه التل هناك " ، وأنها لا تحب المكان ، لأنها تشم رائحة غريبة . رأت كيف أدارت تل أبيب ظهرها للبحر وفتحت فمها من أجل أن تفترس يافا " .
ترصد الرواية على لسان شخوصها بعض ما عرف عن أهل يافا . لقد عرف عنهم حبهم لشرب الشاي فشاع هذا المشروب في مدينتهم بدلا من القهوة ، ما أثار استغراب ميليا ودهشتها " حدا يستبدل القهوة العربية بالشاي ؟ " ، وقد شاع شرب الشاي مع الانتداب البريطاني وصار كأنه مشروب قومي فلسطيني . تماما كما عرف عن أهل يافا خروجهم ونسائهم إلى مقام النبي روبين للتخييم هناك . " يا روبني يا طلقني " تقول المرأة الفلسطينية إلى زوجها . " لم يسبق لمنصور أن أخذ أحدا إلى موسم النبي روبين . يذكر الموسم في طفولته . يذكر الخيام المنصوبة وحلقات الذكر ، والعلم الأبيض الذي كتب عليه :" لا إله إلا الله وروبين نبي الله "،يذكر المسيرة التي تنطلق من الجامع الكبير في وسط المدينة إلى العجمي . يذكر النساء يتروبن في الخامس عشر من أيلول ، لكنه لا يعرف من هو هذا النبي الذي يملك نهرا صغيرا إلى الجنوب من يافا .لم يفهم لماذا يمضي أهل يافا شهرا كاملا في خيام روبين حيث يستعدون لاستقبال الخريف ". إن نصب الخيام في خريف العام ١٩٤٨ لم يتحقق قرب نهر روبين ولكنه تحقق في المنافي العربية ، حيث صارت " الخيام في كل مكان " ما يثير دهشة ميليا ويجعلها تتساءل " لماذا نصبتم الخيام هنا ؟ " .
ترصد الرواية أيضا مطاعم المدينة الشهيرة في حينه .
يافا المدينة المزدهرة تؤول في أيار ١٩٤٨ إلى خراب ، فالدم في الشوارع ومعمل العائلة هدم وصارت الآلات الحديدية معجونة بالدم والأشلاء .
إلام آل منصور الذي تقمص شخصية أخيه وتحول من غير منتم إلى منتم وحمل البندقية ؟
يغادر منصور المدينة عبر البحر ، بعد أن رمى بندقيته ، فقبله فعل المتطوعون العراقيون الشيء نفسه " زتوا سلاحهم لأن قائدهم انطرد ، وقال ما بياخدوا أوامر إلا من الحاج مراد اليوغوسلافي " . ولواء يافا - اللد تفكك ، ومن تبقى من المجاهدين شردوا إلى الميناء . وهنا تبدأ رحلة الاغتراب .
غير أن ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن في تتبع شخصية منصور أنه يمثل ابن المدينة الفلسطينية . إنه الانسان المثقف قاريء الشعر ومتذوقه ، وهو الذي يحفظ الشعر العربي ويستحضره ويتبارى في حفظه وتذوقه مع زوجته اللبنانية . إن حضور الشعر عموما يبدو لافتا في روايات عديدة لالياس خوري ، ما يجعلنا نخمن أن منصور هنا في هذا الجانب ليس سوى صدى للكاتب نفسه أو أن الكاتب يسقط شخصيته على بطله ، مع أن يافا امتازت بأنها مدينة علم وثقافة .
وهناك سمة أخرى لمنصور تعكس صورة ابن المدينة الفلسطينية الغني ، وهي طريقة تعامله مع زوجته ميليا ، فهو زوج محب صبور يرفض الاستبداد ، وكما ذكرنا فإنه غادر يافا هربا من أمه المتسلطة .
تجسدات المسيح في الفلسطيني :
في رواية " مملكة الغرباء " حضر المسيح كأول غريب في مملكة هذا العالم ، فهل غاب حضوره في " كأنها نائمة " ؟
يذهب ( يونغ ) إلى أن الأعمال الأدبية إن هي إلا صدى لأساطير قديمة تتردد في حياة البشر ، ويرى البنيويون أن الثنائيات في هذا الكون شبه ثابتة ، وأن الأنساق محدودة . إن قصة ( أوديب ) وقصة ( هاملت ) وقصة كامل رؤبة لاظة في " السراب " تتشابه في خطوطها العامة ، فهل تتشابه تجربة الفلسطيني المعاصر مع تجربة المسيح ؟ وهل يحمل الفلسطيني المعاصر صليبه على ظهره ويسير في طرقات هذا العالم معذبا مشردا ؟
في " مملكة الغرباء " كلهم غرباء ، وفي " كأنها نائمة " يأتي الياس خوري على قصة ذبح الأب ابنه .
قبل أن أخوض في هذا ألفت النظر إلى فكرتين أساسيتن هما " التقمص " ، كما تقمص منصور شخصية أخيه امين ، وفكرة اختلاط الناس في ميليا حتى أنها لم تعد تعرف من هي وقد أكد لها الراهب طانيوس أن هذا حدث مع المسيح وهو " رايح على الصليب ، حس أن هو مش هو ، حس أن كل الناس صاروا جزء منه . حاول أن يتذكر الإشيا فشاف كل شيء ، صار هو الأم والأب والست والسيد والخروف ، من شان هيك ما عاد يقدر يحكي ، إذا حكى شو بيقول، وإذا قال مين رح يفهم عليه، وإذا فهم مين راح يصدق "؟ .
أليس ما سبق هو ما حدث مع الفلسطيني منذ العام ١٩٤٨ ؟
تنتهي رواية " كأنها نائمة " بموت ميليا وهي تلد ، وكان موتها موازيا لموت يافا وضياعها ، ولاحظنا من قبل أن الفلسطينيين في " مملكة الغرباء " ويونس في " باب الشمس " آلوا إلى النهاية نفسها ؛ القتل أو الموت في المشفى . ومع ذلك فإن " الخروف الصغير على صدرها ، وصوت بكاء طفل يأتي " يأتي من البعيد .
نابلس الأربعاء ١٥ / ٤ / ٢٠٢٠
١٨
( فإن لم تأتوني به ، فلا كيل لكم عندي ولا تقربون )
من سورة يوسف بصوت عبد الباسط عبد الصمد من إذاعة " أجيال " هذا الصباح .
١٩
" أم الياسمين " : لقاء عابر مع الفران أبو نادر
كانت حلقة الليلة ٢٤ من أم الياسمين تضيء إضاءة سريعة قضايا عديدة شهدها المجتمع الفلسطيني قبل ١٩٣٥ وتوقف أمامها الشاعر إبراهيم طوقان في أشعاره التي لم يستشهد ، في حلقة الليلة ، بأي منها :
- القاضي الغريم وهو بطبيعة الحال الإنجليز
- بيع الأراضي أو الاحتيال لمصادرتها ، وتم ذكر قصة أرض وادي الحوارث التي ملك بعضها ملاكون عرب غير فلسطينيين
- البحث عن مخبرين فلسطينيين ينقلون أخبار المقاومين إلى سلطة الانتداب ومن يعمل معها من الشرطة مثل شكري .
- السامر الشعبي الذي مرت الإشارة إليه مرورا عابرا .
في العام ١٩٩٨ / ١٩٩٩ أنجزت بحثا عن الإنجليز في الأدب الفلسطيني ونشرته في مجلة جامعة النجاح الوطنية ، وبدت صورتهم فيه بشكل عام سلبية : الوقوف إلى جانب الحركة الصهيونية وملاحقة المقاومين والتسلط وإرهاق الفلسطينيين بالضرائب و ... و ... .
لم نر في المسلسل من الإنجليز إلا العسكر وكان هؤلاء قساة وهكذا برزت صورتهم في أشعار طوقان وأبو سلمى ، والأخير قال معبرا عن مدى كراهيته لهم :
" لو كان ربي إنجليزيا
دعوت إلى الجحود " .
غاب أبو نادر عن حلقة الليلة وما عوض ذلك أنني التقيت به في شارع النصر ، فسألته عن الشارع في المسلسل ، وعن بقية الحلوى وتناقشنا نقاشا سريعا في بعض إشكاليات المسلسل .
سألته إن كان ما زال في نابلس شخصيات مثل الشخصية التي يمثلها - الفران أبو نادر - ، فأجاب بأنها ما زالت موجودة و ... .
هل سينجح شكري في إيجاد شخصيات من المدينة ، بناء على طلب الضابط اندرسون ، تكون عينا على أبنائها ؟
يرشح شكري بك ، بعد أن فشل في تجنيد أبو أدهم ، يرشح سعيد النمام المتذاكي ليكون عينا ، وسوف ننتظر ونرى .
حقا لماذا لم يتم استحضار بعض أشعار إبراهيم طوقان في القضايا المشار إليها . لقد كانت أشعاره تنتشر في نابلس منذ بداية الثلاثينيات ، والطريف أنه لم يظهر في المسلسل مع أنه حقق لنابلس شهرة توازي الشهرة التي حققتها لها صناعة الصابون وحلوى الكنافة ؟!!
مجرد تساؤلات وملاحظات .
١٥ / ٤ / ٢٠٢٣ .
٢٠
غزة والضفة الغربية ( ١٩٢ ) :
١٩٤٨ ثانية
ما تشهده غزة والضفة الغربية يذكر بما حدث في العام ١٩٤٨ .
قبل يومين تواصلت مع الكاتب توفيق فياض المقيم في تونس ، عبر الماسنجر ، بعد أن أرسلت له شريط فيديو لما يجري في قرية المغير ، حيث قتل مستوطن يهودي ، فقال لي إن هناك غباشا في عينيه . إنه لم يعد يقرأ ما أكتبه له جيدا ، وعندما طلبت منه أن يريح عينيه من القراءة قال لي :
- لم تفهمني !
كان سبب الغباش امتلاء عينيه بالدموع ، فقد ذكره منظر احتراق بيوت في قرية المغير بما جرى في قرية زرعين القريبة من قريته المقيبلة ومن قريتي صندلة والجلمة Tawfik Fayad .
للتو أدرجت على صفحتي شريط فيديو لشاب فلسطيني من قرية دوما يخاطبنا فيه واصفا ما يجري في القرية ويطلب منا أن نعمم الشريط .
المستوطنون يهاجمون بيوت دوما ويحرقونها ويصيبون العديد من سكانها والشاب يصف ما يجري بأنه حرب شوارع حقيقية .
هل قتل المستوطن بأيد يهودية ليتم ترحيل سكان القرى الواقعة في المنطقة ج ؟
في الأعوام ١٩٤٨ و ١٩٤٩ أحرقت العصابات الصهيونية الكنس اليهودية في بغداد والقاهرة لتهجير اليهود العرب إلى دولة إسرائيل الناشئة . هل قتل مستوطن من مستوطنين مستغرب إذن ؟
مخيم النصيرات أمس مساء يهاجم بطائرات الكواد كابتر ، والطائرات تصدر أصوات امرأة وأطفال يستغيثون حتى يهب الشباب لمساعدتهم فتنقض الطائرات عليهم وتصفيهم .
" انتبهوا " يخاطب كاتب المنشور أهالي المخيم .
وأما أنا فأجلس في البيت شاعرا بالحزن والعجز غير قادر على فعل شيء وأفكر في أيامنا القادمة وأتساءل إن كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس ( أبو مازن ) يدري بما يجري وما هو رأيه ، وأتابع أيضا ما يكتب عن الدول العربية المجاورة التي تصدت للطائرات المسيرة وللصواريخ الإيرانية حفاظا على سيادتها ، وكله بامية على ملوخية والحق كل الحق على انشراح واللي جاي مثل اللي راح .
صباح الخير يا غزة ويا دوما
١٥ / ٤ / ٢٠٢٤
( للكاتب صافي صافي رواية عنوانها " زرعين " Safi Ismail safi
٢١
عجز عن الكتابة :
أعجز عن الكتابة فأقرأ في " مديح الظل العالي " ل محمود درويش :
" يخرج الفاشي من جسد الضحية
يرتدي فصلا من التلمود : أقتل - كي تكون
عشرين قرنا كان ينتظر الجنون
عشرين قرنا كان سفاحا معمم
عشرين قرنا كان يبكي ... كان يبكي
كان يخفي سيفه في دمعته
أو كان يحشو بالدموع البندقية
عشرين قرنا كان ينتظر الفلسطيني في طرف المخيم
عشرين قرنا كان يعلم
أن البكاء سلاحه ... " .
١٥ / ٤ / ٢٠٢٥
١٥ / ٤ / ٢٠٢٦
الرجل الضرورة :
الحديث الآن هو عن الرجل الضرورة .
الرجل الضرورة هو الذي لم تلد مثله النساء ولا الجراء ولا الأفاعي ولا الدببة ولا النمل ولا حتى الضبع والثعلب والجراء .
لماذا لا تطبق أمريكا مقولتها " الرجل لضرورة " على ( كلينتون ) و ( بوش ) و ( أوباما ) ؟
لماذا لا يطبق الغرب هذا على ( هولاند ) و ( ساركوزي ) و ( تاتشر ) - المرأة الضرورة - و ( بلير ) و ..و ..و ..؟
لماذا يطبق الغرب هذا على العالم العربي وبلدان العالم الثالث وحسب ؟
ويطبقونها فقط حين يكون " الرجل الضرورة " في خدمة مصلحتهم .
لماذا يصبح الرجل الضرورة " الرجل الشر " حين تنتهي مهمته ؟
عجيب منطق أمريكا والغرب هذا ! وأعجب منه منطق حكام العالم العربي ومنطق المسؤؤلين عن المؤسسات فيه !
وحتى المؤسسات الجامعية أمرها عجيب .
هل يعقل أنه لم يكن هناك مثيل لمبارك والقذافي وصدام والأسد وبن علي وبن عليين وبن ثلاثة عليين أيضا ؟
وجامعات العالم العربي ومنه جامعاتنا ، ألا يكون " الرجل الضرورة " إلا - أحيانا كثيرة - إلا تابعا في المطلق؟
ربما أنا على صواب و ربما أنا على خطأ !
أنا لست " الرجل الضرورة " ولا أريد . أعطوني خريجا حديثا لأدربه - إن كانت لديه الرغبة - ليكون - ليصبح - أفضل مني وأراهنكم .
ربما نحتاج إلى مليون ( برناردشو ) ليسخر من طبقته وشعبه والعالم الرأسمالي ، وطبعا من العالم الثالث البائس الاشتراكي ، وحتى من ( فيديل كاسترو ) نفسه .
مساء الخير فقد آن وقت الظهيرة .
٢٠١٢
٢
الدنيا مقامات :
للتو اشتريت صندوق مياه معدنية من السوبرماركت الصغير .
الصندوق صغير الحجم وأستطيع حمله بسهولة . الموظف محترم وخدوم ويحب أن يخدم أساتذة الجامعة ، ولهذا عرض علي أن يحمل الصندوق إلى مكتبي الذي يبعد عن السوبر ماركت عشرة أمتار فقط .
أنا رفضت وقلت له :
- أنا أحمل حاجتي ، فالرسول قال صاحب الحاجة أولى بحملها - لاحظوا .
ما قلته له جعله يردد على مسامعي - هو وزميلته أيضا - العبارة " الدنيا مقامات " .
حقا الدنيا مقامات ولكن ماذا ينتقص من مقامي حين أحمل حاجتي أو حين أجلس في مقهى شعبي أو حين استقل سيارة عمومية أو حين أركب في الباص ؟ ما دمت أحترم نفسي فلا مشكلة ، ومادام الآخرون يحترمون أنفسهم فلا مشكلة ، وحين يقل أشخاص ما أدبهم ، فإنهم ينتقصون من مقامهم هم .
٢٠١٢
٣
حول الترجمة الفضلى لقصيدة ( غونتر غراس ) للعربية :
حتى اللحظة نقلت أربعة ترجمات للقصيدة إلى العربية - أو هذا ما اطلعت عليه أنا حتى اللحظة . أنصح من يرغب في قراءة القصيدة ، أو نشرها على موقع ما ، أن يقرأ أو أن يعيد نشر ترجمة سمير جريس ، فترجمة فخرية صالح هي الأسوأ في الترجمات الأربعة .
هذا اقتراح واجتهاد .
٢٠١٢
٤
أمريكا والدكتور سلام فياض :
هل تريد أمريكا أن تسيء إلى الدكتور سلام فياض بإصرارها على أنه الرجل الكفء الضرورة ؟
هل تستغبينا أمريكا وتظن أننا ثور لله في برسيمه ؟
هل ترى أن الشعب الفلسطيني لم ينجب سوى الدكتور سلام ؟
هل الديمقراطية لا تليق إلا بالغرب الكافر والغرب المؤمن ؟
هل يخلو الشعب الفلسطيني من رجل آخر كفء مثل الدكتور سلام فياض ؟
أمريكا هي أمريكا وهي عدوتنا منذ 1945 وربما قبل ولكن ...
ولكن أليس من المعيب أن نمارس نحن ما تمارسه أمريكا .
من الجبهة الديمقراطية إلى حماس إلى الجبهة الشعبية من قبل إلى فتح أيام المرحوم ياسر عرفات إلى جامعاتنا إلى .. إلى .. ونحن نمارس أيضا ما تطلبه أمريكا منا الآن " الرجل الكفء .. الرجل الضرورة ".
أطرف ما في الموضوع أن أحد أساتذة جامعة ما ، قال في حفل تخرج أن رئيس جامعته هو الرجل الكفء ، وأن لا أحد غيره يملأ الكرسي الذي يجلس عليه .
هل نلوم أمريكا أم أننا نحن كلنا أمريكا ؟
لأمريكا ولنا " سنحفر ظلنا ونشخ مزيكا ".
صباح لخير يا محمود درويش . كلنا أمريكا .
كيف أحوال الطقس هناك في الأبدية ؟
٢٠١٣
٥
أخلاق جاره / 2 :
يحدثني عن جاره .
يقول لي جاري ذكي جدا وأنا بسيط جدا ، فماذا أفعل حتى أحتمل ثقل ظل جاري ؟
يسير في الشارع ساعات المساء . هو يريد أن يحرق فائض السكر في دمه ، السكر الذي رفع جار آخر ، أيضا ذكي وفصيح ، نسبته في دمه ، دم محدثي طبعا .
" ابعد عن الشر وغن له " تلازمه العبارة ، ولا يعرف أن الشر مثل أمريكا : " طاعون " ، ومثل بوش : " مليون حذاء قليلة لضربه بها " .
من بعيد يرى جاره ، ولم ينجح في تجنب لقائه . قال لي :
- جاري أيضا حرباء ، مثل حرباوات كثر يلتقي المرء بهم ، وبهن ،في النهار .
كيف سيتصرف جاره ، حين يتقابلان ؟
يلقي الجار عليه تحية المساء ، فيرد بمثلها :
- مساء الخير أستاذ .
- مساء الخير استاذ .
ثم يضع جاره رأسه في الأرض ويرفع الكلفة بينهما ويخاطبه باسمه.
مثل حرباوات كثيرات جاره ، مثل زملاء كثر له . تنعدم أخلاقهم ، ويتصرفون تصرفات صبيانية .
هل يتذكر ما قاله أحمد شوقي :
" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت "
أم يتذكر قول رسوله :
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
وجاره الحرباء يتلون في ذات اللحظة ، وفي أقل من ثانية ، مثل أصدقاء له على الفيس، يخاطبهم باحترام ، وحين لا يروق لهم موقف له من موضوع ما ، هكذا يرفعون الكلفة بينهم و...
مرة قال لي :
- إنها الفصائل التي أفسدت الأخلاق ، ثم اكتشف أن الخراب شامل . " عام وطام " .
الفصائل ترسل صبيانها له وتطلب منهم أن يتصرفوا أمامه تصرفات لا أخلاقية ، ويكرر :
" وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق " ، ولا أخلاق لكثيرين ممن أدوا الصلاة قبل قليل .
أمس قال لي :
- لقد ضجرت من الجميع و..و..والبقية عندك .
قلت له :
- فلنصغ إلى أم كلثوم تغني " رباعيات الخيام "
- هبوا املأوا ...الخ..الخ" .
٢٠١٣
٦
عرب فلسطين المحتلة في العام 1948 وتوفيق فياض :
اعتقد ان ما كتبه توفيق فياض في قصته " أبو جابر الخليلي " من مجموعة البهلول 1978 ، وأورده على لسان ( أبو جابر الخليلي ) يمكن أن يقرأ أكثر من قراءة ، ويمكن أن يقرأ أيضا في ضوء كتاب صدر قبل عامين ثلاثة لمستشرق يهودي عن عرب فلسطين الباقين ، ويمكن أن يقرأ أيضا على ضوء شخصية المتشائل في رواية اميل حبيبي ، بل ويمكن أن يقرأ في ضوء ما قاله بعض الفلسطينيين هناك عن عزمي بشارة بعد تركه فلسطين واستقراره في قطر .
مرة كنت عند المكوجي أبو حسين وكان هناك عربي من صفورية أو من كفر كنة وأتينا على رحيل د . عزمي بشارة ، وقال يومها ، على لسان أبيه ، كلاما خطيرا عن عزمي ، ولم يكن أحد يصدقه ، وكان يعتبر من باب التشويه . الآن وفي ضوء علاقة قطر باسرائيل واستقرار عزمي هناك أتذكر ما قاله الشاب ، لا لأعتقد به ، وإنما لأقرأه في ضوء الوقائع ، وفي ضوء إعادة قراءة قصة توفيق فياض وما أورده على لسان أبي جابر .
خلطة كلام تستحق أن أكتب فيها بحثا ، ولا أنسى كتاب خضر محجز عن اميل حبيبي " اميل حبيبي بين الوهم والواقع " .
أحيانا نبدو مرتبكين أو..
Tawfik Fayad
٧
إلياس خوري وبنيامين تموز :
"أولاد الغيتو "و" منافسة سباحة "
هل رواية إلياس خوري "أولاد الغيتو:اسمي آدم"فسيفساء من نصوص الآخرين؟
لما تسلم محمود درويش جائزة من هولندا ،وأجريت معه مقابلة سئل فيها عن أشعاره قال:" إن أشعاري هي فسيفساء من نصوص الآخرين"،وأظن أن هذا الرأي ينطبق على أشعاره منذ :"لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ "(1995)،إلى حد ما .
خوري هو توأم درويش ،أو توأم روحه ، وأظن أن التعبير لدرويش نفسه،وأجزم أن هناك تقاطعات كثيرة بين الاثنين ، تبرز أكثر ما تبرز في الرواية اﻷخيرة لإلياس . ثمة (موتيفات) تتكرر هي الضحية/الجلاد ، الذاكرة ، كتابة الحكاية ، النص المتكون من النصوص .
هناك عبارات دالة في رواية إلياس سأقتبس بعضها .
في ص127 ترد فقرة مهمة جدا :
"وضعت الميراث في حقيبتي ومضيت،وعندما قرأته في الغرفة الضيقة ، حيث أقمت داخل كراج الخواجة غبريال أحسست ﻷول مرة أنني أشبه شخصية في رواية ، ولست إنسانا حقيقيا " ، وهو ما لاحظناه في رواية "العاشق" ل (أ.ب.يهوشغ) .
وفي ص 151 يقول آدم : " فأنا كاتب ممتليء بالنصوص التي قرأتها ، وأتعامل معها بوصفها حقيقية ، موظفا خيال الآخرين ، من أجل خدمة خيالي ."
وأظن أن التعبير هذا ينطبق ، /
بقية المقال اﻷحد 17/4/2016في اﻷيام الفلسطينية
٨
شفيق الحوت وأمه واليهود الغلابا المساكين :
مرة أصغيت إلى شفيق الحوت ، ابن يافا ، يتحدث عن يافا ونكبة 1948. ربما كان ذلك من خلال فضائية الجزيرة .
أتى شفيق على نشاطه ضد الصهيونية وتخوفاته من المستقبل وطرد السكان العرب ، وقد تكلم بالأمر أمام أمه ، فضحكت الأم وقالت :
- من هؤلاء ؟ إنهم مساكين .
في قصة ( بنيامين تموز ) " منافسة سباحة " 1951 تدعو المرأة الفلسطينية ، وهي من يافا ولها بيارة ، تدعو الممرضة اليهودية التي عالجتها واهتمت بها إلى البيارة ، لتبيت عندها وتقضي بضعة أيام .
تلبي الممرضة الدعوة وتستجيب لطلب المرأة الفلسطينية التي تقضي الصيف في البيارة ، وتذهب الممرضة مع ابنها . في البيارة يلتقي الولد مع نهيدة الطفلة الفلسطينية ومع عمها عبد الكريم الذي كان يخشى من الهاغاناة ، كما يتنافس الطفل اليهودي مع عبد الكريم في السباحة ، في بركة البيارة ، وفي المعلومات .
يفوز عبد الكريم في السباحة ولا يفوز في المعلومات .
الطفل اليهودي حين يغدو شابا يقيم أياما مع عائلة فلسطينية ثانية هي عائلة ابو النمر ، وتعامله العائلة معاملة محترمة ايضا ، كما لو أنه من أفرادها ، وتمر الأيام .
في حرب 1948 يشارك الشاب اليهودي في الحرب فقد غدا جنديا ، وفي إحدى المعارك القريبة من البيارة يقترب من البيارة والبيت الذي أقام فيه زائرا ، ويدخل إلى المكان ، وهناك يقتاد الجنود عبد الكريم أسيرا ، وفيما كان صديق طفولته يسبح يطلق الجنود النار على عبد الكريم ويردونه شهيدا .
مقالي الأحد في الأيام عن قصة مشابهة في رواية الياس خوري .
المهم أن والدة شفيق الحوت لم تصدق ما قاله لها ابنها عن اليهود والحركة الصهيونية إلا عندما استشهد لها ابن وعندما طردت من يافا .
اليوم أعدت قراءة قصة ( بنيامين تموز ) " منافسة سباحة " وهي قصة مترجمة إلى العربية ، وكنت قرأتها بالألمانية في كتاب يضم مختارات من الأدب العبري عنوانه ( Ich ging durch meer und steine )
1989 ) ItaKaufmann )
وبسذاجة أهلنا وبساطتهم ضعنا وضاعت فلسطين . أو بطيبتنا ، وكما قال محمود درويش في " طللية البروة :
" كنا طيبين وسذجا "
وهذا جزاء مجير أم عامر
15 /4 / 2016
٩
كلب الأثر اختارني :
الليلة ، في المنام ، وجدتني أسير ، مع زميلين ، أحدهما شعره أبيض ، نسير في شوارع المدينة .
كان ثمة مظاهرة لأهالي الشهداء يطالبون فيها بعدم ملاحقة الأسرى والتوقف عن التنسيق الأمني مع الاحتلال .
كنا نحن الثلاثة نرقب المشهد من بعيد ، فلم نقترب من المسيرة النسوية .
فجأة جاءت الشرطة وأخذت تفرق المظاهرة وتلاحق المشاركين . ووجدتني مع زميلي نغادر المكان مسرعين ، ومع ذلك فقد لاحقتنا الشرطة والكلاب ، ووجدتني ملقى على الأرض وقد تشمم كلب الأثر قدمي اليسرى معطيا إشارة بأنني كنت مشاركا في المظاهرة .
الغريب أن الشرطة وقفت إلى جانبي ترفض اعتقالي ، غير أن الضابط ، وكان بزي مدني أصر على اعتقالي ، فيما أخذت أصرخ في وجهه :
- عندي محاضرات وأنت تتحمل المسؤولية .
تفقدت حقيبتي فلم أجدها .
لي زميل يرتعب من الحقيبة ، ما جعلني مرة أكتب مقالا عن المرحوم إحسان عباس والكيس الذي كان بيده دائما .
قلت :
- هذه عصاي اتوكأ عليها ولي فيها مآرب أخرى .
2017/ 4/15
١٠
أحمد دحبور و لوعة القلب :
قرأت مقال فاروق وادي عن أحمد دحبور وأدرجته على صفحتي .
لي رأي في أشعار أحمد دحبور الصادرة عن تجربة ومعاناة ، وتلك التي كتبها ولم تكن صادرة عن تجربة ومعاناة .
كتبت رأيي في 2003 ونشرته " أحمد دحبور : هل يهدم القصيدة أم يبنيها ؟ "
ولي مقال جديد يدور في الدائرة نفسها سينشر قريبا " أحمد دحبور..مجنون حيفا ".
أعتقد أن عبارة " لوعة القلب " التي قالها أبو نواس واعتمدها فاروق وادي هي لب الأمر.
2017/ 4/15
١١
جنون أن تكون فلسطينيا :
مرة كتب محمود درويش مقالا عنوانه "جنون أن تكون فلسطينيا " .
ربما يقول السوريون الآن " جنون أن تكون سوريا " والعراقيون " جنون أن تكون عراقيا ".
****
سجل أنا .......
2017/ 4/15
مساء الخير لسورية والعراق و...و...
١٢
كل يروي حكايته :
يخيل إلي أن أسلوب وجهات النظر في القص (points of view ) هو الأسلوب الأمثل للقص .
للأسف إن استخدام هذا الأسلوب نادر جدا.
يلخص شعبنا أهمية هذا الأسلوب وجدواه ببساطة متناهية حين يصغي الحاكم للمشتكي دون أن يصغي للمشتكى عليه .
يقول الناس لمن يصغي إلى المشتكي قبل أن يستمع إلى المشتكى عليه : "قد يكون هذا فقد عينه ولكن انتظر فقد يكون الآخر فقد عينيه ".
يدافع المنتفعون من إدارة مؤسسة ما عنها لما تمنحه لهم من امتيازات . وماذا يقول غير المنتفعين الذين يعاقبون ؟
الأخيرون هم الاصدق غالبا.
يقول المثل :
"اطعم الفم تستح العين " .
أكثر مؤسساتنا في العالم العربي فاسدة من " الساس للراس " .
للغنى رب غفور ، كما يقول عروة بن الورد ، والناس شرهم الفقير .
طبعا فساد الرأس في العالم الثالث ليس بعيدا عن إفساد العالم المتمدن له .
طز في الحاكم العربي وطز في أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيران وروسيا معا .
راحت على الشعوب العربية
15/ 4/2018
١٣
أنا مطبع على رأي زياد اليرموك البيروتي :
شخص ما اسمه زياد اليرموك من بيروت عقب على مقال لي عن محمود درويش ذاهبا إلى أننا صنعنا منه صنما وأنني من دعاة التطبيع وربط اسمي بجامعة النجاح الوطنية في هذا .
يبدو أنه لم يشاهد عشرات الحلقات التي بثها التلفزيون الاسرائيلي عن لقاءاتي بوفود إسرائيلية في نابلس وفي جامعة تل أبيب .
ماذا لو شاهد تلك الحلقات ؟
ماذا لو رآني كل سبت أسير في شوارع نابلس مع وفود من اليهود الصهاينة أطعمهم الكنافة من حلويات أسعد و آخذهم إلى درج اليهود أريهم الأماكن التي تذهب إسرائيل إلى أنها لها .
يا عزيزي زياد اليرموك - بيروت :
- أبي كان له صديقات يهوديات قبل 1948 ومن شابه اباه فما ظلم أمه .
شو أعمل ؟
ربما يكون لي إخوة من صديقات أبي .
ألم تقرأ ما كتبه محمود درويش في" حالة حصار " 2002 عن الجندي الإسرائيلي الذي قتل فلسطينيا ربما كان هذا الفلسطيني يحب فتاة يهودية ، وربما لو كتب له عمر لكان أنجب منها طفلا يكون الطفل يهوديا بالوراثة. ؟
بالمصرية أقول :
" - جاتني نيلة لأنني مطبع " وأما أنت " فجتك نيلة لأنك لست مطبعا ".
هلا بك يا زياد اليرموك - بيروت ، في فلسطين وفي يافا بلدنا قبل قيام دولة إسرائيل - " جتها أيضا نيلة " .
15/ 4/2018
١٤
أخلاق : " كم أنا مغفل "
كلما اشتريت بضاعة ما وثقت ببائعها وغالبا ما أكتشف أنني أحمق لأنني وثقت ، وكان ينبغي أن أتعلم من تجاربي .
- هل لديك بلاطين بجامات قطن؟
- طبعا.
- هل هي قطن مائة بالمائة ؟
- طبعا .
وأنقد البائع السعر الذي طلبه ، وفي البيت لا في المتجر أقرأ ما كتب لأكتشف أنني مغفل .
لاحقا أمر على التاجر وأشكره لصدقه وآخذ بنطالا واقرأ معه المكتوب ، وبكل ثقة يجيب التاجر :
- لا تنظر إلى ال ( ليبل ) .هذا مجرد كلام والبضاعة قطن مائة بالمائة .وقد أستعين بخبير اسأله لأعرف الحقيقة .
لا أتذكر من رواية أماني الجندي "قلادة فينوس " إلا المثل الذي أوردته تبدي رأيها في التجار .
أمس اشتريت مذياعا وسألت التاجر عن منشأ البضاعة ، فأجاب :
- تركيا
واليوم صباحا نظرت إلى مكان المنشأ فقرأت :" Made in China "
هل لا أعرف الانجليزية أم أن التاجر قرأ بطريقة مختلفة ؟
كم أنا مغفل !
15 نيسان 2019
١٥
موتيفات وأفكار في الأدب
يافا : في ذكرى النكبة
عادل الاسطة
آخر مرة زرت فيها يافا كانت في العام 1987 . وكنت زرتها في نهاية 60 وبداية 70 ق 20 مرارا .
منظر المدينة ، كلما استرجعتها ، لا يفارقني : التلة والبحر والميناء القديم . ولكن عدم زيارة المكان عيانا لم يحل دون زيارته في النصوص الأدبية.
لم أقرأ الأدبيات كلها التي كتبت عن يافا في العقدين الأخيرين ، أو أنني لم أقرأ كتابة لافتة عنها تركت أثرا في نفسي . وربما كانت قصة أكرم هنية "دروب جميلة" و
رواية عاطف أبو سيف " حياة معلقة " آخر ما قرأت عن المدينة ، ومع أن روايته "الحاجة كريستينا " تعود إلى يافا لتكتب عنها كما أخبرني إلا أنني لم أكمل قراءتها ، ربما لأنني لاحظت فيها استطرادا وتكرارا ، وهو ما لاحظته في روايته الأسبق "حياة معلقة" وفي كتابة عاطف أبو سيف عن يافا ما يدفع بعد الاستماع إليه إلى المتابعة ، فهو ينحدر من هناك وزار المدينة وأقام فيها فترة لا بأس بها . وأشير إلى كتاب المتوكل طه " وريث يافا " الذي أخذت أقرأ فيه ولكنني للأسف لم أواصل .
لا أعرف كتابا من يافا ما زالوا يقيمون فيها أو أقاموا فيها في 50 و 60 القرن 20 . لقد كانت المدينة شبه مهجورة من سكانها وتركزت الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية بعد النكبة وحتى الآن في حيفا والناصرة وعكا.
غابت الحياة الأدبية والفكرية في يافا بعد النكبة ، ولكن المدينة لم تغب ، فقد حضرت في أدبيات المنفى حضورا لافتا وربما حضرت في 50 القرن العشرين حضورا يفوق حضور حيفا وعكا والناصرة ولم تحضر أي من المدن الثلاثة حضورا بارزا طاغيا إلا في 70 القرن العشرين بعد أن توهجت أشعار محمود درويش وأحمد دحبور ابني المدينة لعلاقتهما المتميزة بها ؛ الأول بعد مغادرتها وشعوره بأنه ، مثل آدم ، خرج من فردوسه فندم ندما شديدا وآخذ يستعيد ولو في الشعر ذلك الفردوس ، والثاني من خلال بؤس حياة أهله في المنفى ومحاولة الأم تعويض أطفالها عن واقعهم بالحديث عن الجنة المفتقدة والمنتظرة في الوقت نفسه ، فلقد استحضرت الأم المدينة كلما سألها أحمد عن قسوة حياته في المخيم .
لم يتهيأ ليافا في الوطن أو في المنفى من أبنائها كاتب أو شاعر كما تهيأ لحيفا وعكا . لقد تهيأ لحيفا اميل حبيبي ومحمود درويش وأحمد دحبور ، والكاتب الذي عاش في يافا قبل 1948 وغادرها وهو في الثانية عشرة من عمره ، ولم يكن من يافا أصلا ، هو غسان كنفاني ابن عكا ، وعلاقته بيافا تختلف عن علاقة درويش وحبيبي بحيفا .
لقد حضرت يافا في شعر شعراء المنفى بين 1948 و 1967 باعتبارها رمزا لفلسطين كلها ، ولقد كتب عنها شعراء أقاموا فيها وشعراء كثر لم يقيموا فيها وإنما نظروا إليها ، كما ذكرت ، رمزا للوطن السليب كله .
وعلى الرغم مما سبق تبقى هناك نصوص شعرية وروائية ونثرية تبقى عالقة في الذاكرة ومنها قصيدة راشد حسين
"الحب...والغيتو " 1963 . يفتتح راشد قصيدته بمقطع عنوانه
" يافا مدينتي " يقول فيه :
" مدافن الحشيش في "يافا " توزع الخدر
والطرق العجاف حبلى...بالذباب والضجر
وقلب يافا صامت...أغلقه حجر
وفي شوارع السماء...جنازة القمر
؟!؟!؟!؟!
؟!؟!؟!
يافا بلا قلب إذن! ؟
يافا بلا قمر !؟
يافا..دم على حجر ؟! "
ويافا التي رضع الشاعر من أثدائها حليب البرتقال تعطش وكانت أمواجها تسقي المطر . لقد شلت ذراعها هي المدينة التي كانت حديقة أشجارها الرجال . ولقد مسخت محششة توزع الخدر .
ولمن يجهل يافا فإنها كانت مدينة مهمتها " تصدير برتقال " ولكنها هدمت وحول الإسرائيليون مهنتها إلى مهنة تصدير لاجئين .
لقد زار راشد يافا ورآها مدينة أنقاض تنتشر فيها الجثث ، فالقتلى بلا رؤوس وبلا ركب .
وفي يافا يتعرف راشد على يافا الفتاة اليهودية التي هربت من النازي ونجت من المحرقة .
في 30/12/1966 نشر سميح القاسم في جريدة " الاتحاد " الحيفاوية تقريرا عن زيارة قام بها إلى يافا .
يفتتح سميح تقريره بالآتي :
"ريبورتاج من أقبية الحشيش وبار "المسجد " !
المعذبون في يافا "
يكتب سميح بأنه قدر عليه أن يذهب إلى يافا ليكتب عن مآسينا
" يافا التي كان اسمها مرادفا للعزة والسعادة والحياة...يافا التي كانت طيبة وشهية وغنية كالبرتقال..لماذا تصبح مثارا للشفقة ومنجما الحزن؟ " (ص 289 من السيرة الذاتية لسميح "إنها مجرد منفضة ").
الصورة التي تظهر في التقرير للمدينة تبدو قاتمة ، فالبيوت مهجورة وأهل المدينة الباقون عاطلون عن العمل والمخدرات منتشرة بينهم والوضع التعليمي في الحضيض والمدرسة الباقية للخمسة آلاف الباقين ، وهي مدرسة حسن عرفة ، تخرج لصوصا و :
" هانذا في يافا التي كانت أسماء شوارعها شعارات خصبة من تراثنا الخصب ، وكانت لافتاتها معرضا مشرقا للخطوط العربية ..من الكوفي إلى الرقعة إلى الديواني ..هذه يافا الباقية ..لافتات لامعة من النيون والفسفور على لافتات شاحبة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ".
ويدخل سميح إلى بيوت السكان في حي العجمي ليرى طبيعتها ، فالضيق والرطوبة والإهمال ، ومثل البيوت المقاهي والمقابر والمساجد .
مرة قلت إن الأدب الفلسطيني هو الوريث الحقيقي للشعر العربي القديم فيما يخص ظاهرة الوقوف على الأطلال ، وكتبت مقالا عن هذا واقترحته موضوعا لرسالة ماجستير .
إن تقرير سميح القاسم ، على أية حال ، يصلح أن يدرس تحت الموضوع المقترح .
ينهي سميح تقريره بالآتي :
"هذه هي يافا الباقية ..هذه هي المدينة التي كانت واحة خير وجمال على شاطيء البحر المتوسط .أصبحت حذاء عتيقا في مزبلة النظام القائم على العنصرية وكراهية العرب ودوس كرامتهم وإهانة موتاهم وتاريخهم ..ولكنها - كما قال مردخاي نمير - وصمة عار في جبين حكام إسرائيل "(299)
صورة يافا المشرقة قبل 1948 كتب عنها القاص أكرم هنية في قصته "دروب جميلة " ، وقد خصصتها قبل سنوات بمقالة خاصة لا أرى ضرورة لإعادة الكتابة عنها ثانية ، فهي مدرجة على موقع ديوان العرب وفي مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية .
طبعا هناك عملان مهمان لكاتبين طالما كتبت عنهما لم تغب عنهما يافا ؛ الأول هو رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا "1969 والثاني هو عنوان قصيدة محمود درويش في رثاء "أبو علي إياد " "عائد إلى يافا" 1971 .
حضور يافا في رواية كنفاني كان موازيا لحضور حيفا ولكنه كان حضورا ثانويا ولذلك غاب عن الذاكرة وظل الحضور الأبرز لحيفا ، وأما في قصيدة درويش فقد كان التركيز على المرثي لا على المكان كون القصيدة قصيدة رثاء شخص بالدرجة الأولى ، وفيها تكون يافا " حقائب منسية في قطار ".
الكتابة عن يافا يطول وكان الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قد زار المدينة قبل العام 1948 وخصها بقصيدة .
لا بد من صنعا وإن طال السفر ولا بد من زيارة يافا.
الأربعاء 17 نيسان 2018
١٦
الست كورونا والمال ووسخ اليدين ٤٨ :
مثل أمس كان اليوم . لا جديد . ممارسة الطقوس نفسها والتزود بفيتامين D من أشعة الشمس مباشرة ، غير أنني اخترت جلسة لا تعرضني للشبهات ، فتجعل مني بصاصا وقليل حياء ، علما بأن الأصل أن يجلس من في البيت أو على الشرفة بما يقيه من العيون البصاصة .
في ٩٠ ق ٢٠ كتبت قصة " البصاص " عن تجربة حدثت معي في الأردن . إننا على الرغم مما نعاني منه ما زلنا ننصرف إلى الصغائر .
الشريط اللافت الذي شاهدته في الصباح أرسله إلي ابن خالتي محسن القوقا ، وهو بالانجليزية ، وإن فهمته فإن العالم في طريقه إلى التخلص من الأوراق النقدية ليتعامل ببطاقات الائتمان ، فالأوراق النقدية مليئة بالأوساخ وتنقل الأمراض ، والست كورونا تنتقل عبرها . قبل يومين كان الصيدلاني يعقمها ملتزما بالتعليمات .
في حياتنا غالبا ما نردد " المال وسخ ايدين / أيدي " ولكننا في الوقت نفسه نكرر " إنه يعادل الروح " و .. .
إذا كان المال حقا وسخ يدين فلماذا نقتتل بسبب هذا الوسخ ؟ ولماذا نسرق ؟
وعلى الرغم من أن الست كورونا تفتك بنا ، وقد تبعث الاكتئاب في النفس ، إلا أن صديقا أرسل إلي شريطا يبعث الفرح عن فلسطينيين صاروا رؤساء دول في أميركا الجنوبية ، مثل السلفادور . في الانتخابات هناك كان المرشحان اللذان يمثلان حزبي اليمين واليسار فلسطينيين من بيت لحم ، إلا أن أهل كل منهما في بيت لحم ، حين سئلوا لمن ينحازون من المرشحين انحازوا عشائريا لا ايديولوجيا . وقد تذكرت رواية الكاتبة العراقية أنعام كجه جي " النبيذة " وبطلها منصور البادي الذي صار مستشارا للرئيس الفنزويلي السابق ( هوغو شافيز ) .
الأشرطة التي يرى بعض المواطنين فيها أن الست كورونا عقاب رباني وانتقام من أميركا والغرب كثيرة و ..
وصباح الخير
خربشات
١٥ نيسان ٢٠٢٠
Wardia Shamass
١٧
صورة الفلسطيني في الرواية العربية : الفلسطيني المقاوم والفلسطيني المحايد " كأنها نائمة "
ا . د عـــــــادل الأسطــــــة
( فصل من كتاب " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " الذي طبع في تركيا ومتوفرة نسخ منه في مكتبة الشركة العربية ومكتبة موزاييك في اسطنبول Khoury Elias )
بعد روايته " باب الشمس " بأربع سنوات أصدر الياس خوري رواية " يالو "( ٢٠٠٢ ) وهي تأتي على الحرب الأهلية في لبنان ، واللافت أن الكتابة عن الفلسطيني فيها غير لافتة . وهذا يدفع الدارس إلى التساؤل عن السبب :
- أيعود إلى أن الرواية رواية شخصية بالدرجة الأولى ؟ أم إلى أن يالو بطلها كان منشعلا بنفسه وقصته وقصة رفاقه وأنه لم يذهب إلى الحرب عن قناعة وأن الفلسطينيين ليسوا أعداءه أصلا وأنه قد لا يكون التقى بهم فلم يأت على عالم لا يعرفه ، عدا أنه ، عندما ذهب للقتال ، كان فتى يافعا ليس لديه وعي سياسي ؟
بعد " يالو " أصدر خوري رواية " كأنها نائمة " ( ٢٠٠٧ ) ، وهي رواية صلتها بموضوع الحرب صلة هامشية ، ثم إنها تقارب بإيجاز سريع الثورة في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ - يعني إن المقاربة الهامشية للحرب لا تتعلق بالحرب الأهلية في لبنان .
يرتد الزمن الروائي في الرواية إلى الأعوام ١٩٤٦ - ١٩٤٨ ، وتجري الأحداث في لبنان وفلسطين ، وشخصيات الرواية شخصيات فلسطينية ولبنانية معا ، حيث يتزوج الفلسطيني منصور من اللبنانية ميليا ويقيمان معا في مدينة الناصرة ، والرواية التي يختلط فيها الواقعي بالخيالي ويمتزجان معا تتكيء بالدرجة الأولى على " المنامات " / الرؤى والأحلام . إنها رواية منامات بامتياز ؛ منامات تسير الحياة على إيقاعها أو أن الحياة تهجس للشخوص ، وتحديدا لميليا ، بها .
في كتابة لي سابقة تحت عنوان " صورة الفلسطيني في الرواية العربية : " كأنها نائمة " سؤال الهوية " ( أنظر موقع " نخيل عراقي " بتاريخ ١٤ نيسان ٢٠٢٠ ) اقتبست عبارة لافتة وردت على لسان ميليا " ايش يعني لبنانيين وغير لبنانيين هيدي بلاد الشام " ، فمن أسس الناصرة كانوا من لبنان أصلا ، فهل الكتابة عن الفلسطينيين في الرواية تعني الكتابة عن اللبنانيين ؟
أيا كان الأمر فإنني هنا سأتوقف أمام ثلاث شخصيات فلسطينية من يافا هي شخصيتا منصور وأخيه أمين وشخصية أمهما .
الفلسطيني المقاوم والفلسطيني المحايد :
لمنصور أخ اسمه أمين يعمل في مصنع خردوات تركه أبوهما لهما وصارت أمهما تديره .
انتمى أمين إلى جماعة الحاج أمين الحسيني وقد سخر مصنعه الذي ورثه عن أبيه لصنع طلقات البواريد الانجليزية ، وبدأ " يخطط لتصفيح السيارات من أجل أن يمتلك الفلسطينيون سلاحا ثقيلا في مواجهة آلة الحرب الصهيونية المتفوقة " .
استشهد أمين في سياق موجة متفجرات ضربت يافا عام ١٩٤٧ ويبدو أن ثرثرته قادته إلى الهلاك ، فقد كان أخوه منصور " مقتنعا بأن شقيقه مات من كثرة الحكي " " أمين كان ثرثارا ويحب المنظرة " ، ولأنه كان ، في نظر أخيه ، كذلك فقد اختلف الشقيقان ، واختلفا أيضا لأن أمين استأثر بالمصنع لنفسه ، وربما لهذا ، أو لسبب آخر هو شعور منصور بأن أمه لا تحبه .
كانت أمه تنتظر من الله ابنة فرزقت بصبي ثان ظلت تتعامل معه بوصفه طفلة صغيرة " أطالت شعر الصبي وعقدت ضفائره ، وصارت تخاطبه بتاء التأنيث " ، وحاول أمين أن يلعب اللعبة نفسها مع أخيه ونقلها إلى المدرسة حيث بدأ منصور يستمع إلى رفاقه يخاطبونه بتاء مضافة إلى اسمه ، ما جعله يقوم بردود أفعال عنيفة ، يتصرف كالصبيان الأشقياء ويتعرض للضرب من أقرانه .... وعندما كبر وجد نفسه في عائلة عربية تديرها أم حديدية لا ترحم .
وفي حين كان أمين ذا ميول وطنية وسخر مصنع العائلة لخدمة الوطن ، ودفع حياته ثمنا لذلك ، كان منصور لا يكترث للسياسة ولفكرة الدفاع عن الوطن . كان الأول ملتزما ، وإن من باب المنظرة ، وكان الثاني لا يهتم بالسياسة والقضية الوطنية . وفضل منصور الابتعاد عن الجو ، كي يتحنب وجع الرأس ، فترك يافا ليقيم مع زوجته ميليا في الناصرة ، لكن وجع الرأس لحق به إلى هناك .
حين سمع منصور خبر
استشهاد أخيه عاد إلى يافا ، وهنا يتغير ويلبس صورة أمين . يتقمصه ." صار منصور رجلا آخر " وقرر العودة إلى يافا ، فلا يمكن ترك المعمل لأن الأم لا تستطيع إدارته وحدها .
نحن أمام أخوين مختلفين ولكن الظروف تدفع الثاني المحايد إلى تقمص شخصية الأول ، وتغيره من محايد غير ملتزم إلى ملتزم يسير على خطى أخيه .
صورة المرأة :
اللافت في الرواية التي تأتي على الواقع الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ هو صورة المرأة الفلسطينية فيها . إن النموذج النسوي الفلسطيني يتجسد في شخصية الأم الفلسطينية .
والدة أمين ومنصور تبدو امرأة متسلطة وحديدية " لا تفكر إلا في جمع المال " ولهذا ترك لها منصور قبل استشهاد شقيقه كل شيء وغادر يافا ولم يرد العودة إليها وإلى رائحة الدم التي تنتشر فيها . ولكنه عاد .
هل تختلف المرأة الفلسطينية هنا عنها في روايات الياس خوري السابقة ؟
في " الوجوه البيضاء " طالعتنا سمر الثورية المتحمسة التي سرعان ما تتزوج من تاجر وتصبح ربة بيت .
وفي " مملكة الغرباء " قرأنا عن المرأة الفلسطينية المتعلمة التي تعمل في مؤسسات الثورة وتستسهد ، وفي " باب الشمس " كانت نهيلة نموذج المرأة القوية الصلبة التي تتعرض لمضايقات الاحتلال ولكنها تصبر وتعمل في غياب زوجها لتربي أبناءها ، وهو ما تكون عليه والدة أمين ومنصور في " كأنها نائمة " على الرغم من وصفها بأنها امرأة متسلطة .
ما لا ينبغي أن يغيب عن الذاكرة في أثناء قراءة الرواية هو أن أحداثها تجري في مكان لم يقم فيه الكاتب وفي زمان لم يكن شاهدا عليه . إن ذلك لا شك قد يجعل الصورة التي ترتسم للفلسطيني صورة متخيلة أكثر مما هي صورة حية ملموسة . فماذا عن الفلسطينيين ويافا بعامة ؟
مرايا يافا وتجسد :
يعود منصور إلى يافا ليستقر فيها ، وتعود معه زوجته لتضع طفلها هناك ، على غير رغبة منها ، فيافا التي يمجدها أبناؤها بخاصة والفلسطينيون بعامة ويرسمون لها صورة جميلة جدا ويفاخرون ببرتقالها ورائحته وبياراتها لا تروق لميليا . لقد ترددت في الذهاب إليها وحين قالت لزوجها إنها تكره المدينة أجابها إن يافا عروس المتوسط .
ما زاد من عدم تقبل ميليا ليافا أنها ذهبت إليها في فترة حرجة من حياة المدينة :
" كل الناس يحبون رائحة البرتقال ، ويسكرون برائحة زهر النارنج ، وميليا أيضا تحب هذه الرائحة التي تشبه المخمل ، لكنها هنا في يافا شمت رائحة الدم . قالت له إن مدينته تشبه طرابلس في شمال لبنان " وكانت زارت طرابلس مرة واحدة وهي في السابعة . " كأني بطرابلس .. ساحة الساعة هنا تشبه التل هناك " ، وأنها لا تحب المكان ، لأنها تشم رائحة غريبة . رأت كيف أدارت تل أبيب ظهرها للبحر وفتحت فمها من أجل أن تفترس يافا " .
ترصد الرواية على لسان شخوصها بعض ما عرف عن أهل يافا . لقد عرف عنهم حبهم لشرب الشاي فشاع هذا المشروب في مدينتهم بدلا من القهوة ، ما أثار استغراب ميليا ودهشتها " حدا يستبدل القهوة العربية بالشاي ؟ " ، وقد شاع شرب الشاي مع الانتداب البريطاني وصار كأنه مشروب قومي فلسطيني . تماما كما عرف عن أهل يافا خروجهم ونسائهم إلى مقام النبي روبين للتخييم هناك . " يا روبني يا طلقني " تقول المرأة الفلسطينية إلى زوجها . " لم يسبق لمنصور أن أخذ أحدا إلى موسم النبي روبين . يذكر الموسم في طفولته . يذكر الخيام المنصوبة وحلقات الذكر ، والعلم الأبيض الذي كتب عليه :" لا إله إلا الله وروبين نبي الله "،يذكر المسيرة التي تنطلق من الجامع الكبير في وسط المدينة إلى العجمي . يذكر النساء يتروبن في الخامس عشر من أيلول ، لكنه لا يعرف من هو هذا النبي الذي يملك نهرا صغيرا إلى الجنوب من يافا .لم يفهم لماذا يمضي أهل يافا شهرا كاملا في خيام روبين حيث يستعدون لاستقبال الخريف ". إن نصب الخيام في خريف العام ١٩٤٨ لم يتحقق قرب نهر روبين ولكنه تحقق في المنافي العربية ، حيث صارت " الخيام في كل مكان " ما يثير دهشة ميليا ويجعلها تتساءل " لماذا نصبتم الخيام هنا ؟ " .
ترصد الرواية أيضا مطاعم المدينة الشهيرة في حينه .
يافا المدينة المزدهرة تؤول في أيار ١٩٤٨ إلى خراب ، فالدم في الشوارع ومعمل العائلة هدم وصارت الآلات الحديدية معجونة بالدم والأشلاء .
إلام آل منصور الذي تقمص شخصية أخيه وتحول من غير منتم إلى منتم وحمل البندقية ؟
يغادر منصور المدينة عبر البحر ، بعد أن رمى بندقيته ، فقبله فعل المتطوعون العراقيون الشيء نفسه " زتوا سلاحهم لأن قائدهم انطرد ، وقال ما بياخدوا أوامر إلا من الحاج مراد اليوغوسلافي " . ولواء يافا - اللد تفكك ، ومن تبقى من المجاهدين شردوا إلى الميناء . وهنا تبدأ رحلة الاغتراب .
غير أن ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن في تتبع شخصية منصور أنه يمثل ابن المدينة الفلسطينية . إنه الانسان المثقف قاريء الشعر ومتذوقه ، وهو الذي يحفظ الشعر العربي ويستحضره ويتبارى في حفظه وتذوقه مع زوجته اللبنانية . إن حضور الشعر عموما يبدو لافتا في روايات عديدة لالياس خوري ، ما يجعلنا نخمن أن منصور هنا في هذا الجانب ليس سوى صدى للكاتب نفسه أو أن الكاتب يسقط شخصيته على بطله ، مع أن يافا امتازت بأنها مدينة علم وثقافة .
وهناك سمة أخرى لمنصور تعكس صورة ابن المدينة الفلسطينية الغني ، وهي طريقة تعامله مع زوجته ميليا ، فهو زوج محب صبور يرفض الاستبداد ، وكما ذكرنا فإنه غادر يافا هربا من أمه المتسلطة .
تجسدات المسيح في الفلسطيني :
في رواية " مملكة الغرباء " حضر المسيح كأول غريب في مملكة هذا العالم ، فهل غاب حضوره في " كأنها نائمة " ؟
يذهب ( يونغ ) إلى أن الأعمال الأدبية إن هي إلا صدى لأساطير قديمة تتردد في حياة البشر ، ويرى البنيويون أن الثنائيات في هذا الكون شبه ثابتة ، وأن الأنساق محدودة . إن قصة ( أوديب ) وقصة ( هاملت ) وقصة كامل رؤبة لاظة في " السراب " تتشابه في خطوطها العامة ، فهل تتشابه تجربة الفلسطيني المعاصر مع تجربة المسيح ؟ وهل يحمل الفلسطيني المعاصر صليبه على ظهره ويسير في طرقات هذا العالم معذبا مشردا ؟
في " مملكة الغرباء " كلهم غرباء ، وفي " كأنها نائمة " يأتي الياس خوري على قصة ذبح الأب ابنه .
قبل أن أخوض في هذا ألفت النظر إلى فكرتين أساسيتن هما " التقمص " ، كما تقمص منصور شخصية أخيه امين ، وفكرة اختلاط الناس في ميليا حتى أنها لم تعد تعرف من هي وقد أكد لها الراهب طانيوس أن هذا حدث مع المسيح وهو " رايح على الصليب ، حس أن هو مش هو ، حس أن كل الناس صاروا جزء منه . حاول أن يتذكر الإشيا فشاف كل شيء ، صار هو الأم والأب والست والسيد والخروف ، من شان هيك ما عاد يقدر يحكي ، إذا حكى شو بيقول، وإذا قال مين رح يفهم عليه، وإذا فهم مين راح يصدق "؟ .
أليس ما سبق هو ما حدث مع الفلسطيني منذ العام ١٩٤٨ ؟
تنتهي رواية " كأنها نائمة " بموت ميليا وهي تلد ، وكان موتها موازيا لموت يافا وضياعها ، ولاحظنا من قبل أن الفلسطينيين في " مملكة الغرباء " ويونس في " باب الشمس " آلوا إلى النهاية نفسها ؛ القتل أو الموت في المشفى . ومع ذلك فإن " الخروف الصغير على صدرها ، وصوت بكاء طفل يأتي " يأتي من البعيد .
نابلس الأربعاء ١٥ / ٤ / ٢٠٢٠
١٨
( فإن لم تأتوني به ، فلا كيل لكم عندي ولا تقربون )
من سورة يوسف بصوت عبد الباسط عبد الصمد من إذاعة " أجيال " هذا الصباح .
١٩
" أم الياسمين " : لقاء عابر مع الفران أبو نادر
كانت حلقة الليلة ٢٤ من أم الياسمين تضيء إضاءة سريعة قضايا عديدة شهدها المجتمع الفلسطيني قبل ١٩٣٥ وتوقف أمامها الشاعر إبراهيم طوقان في أشعاره التي لم يستشهد ، في حلقة الليلة ، بأي منها :
- القاضي الغريم وهو بطبيعة الحال الإنجليز
- بيع الأراضي أو الاحتيال لمصادرتها ، وتم ذكر قصة أرض وادي الحوارث التي ملك بعضها ملاكون عرب غير فلسطينيين
- البحث عن مخبرين فلسطينيين ينقلون أخبار المقاومين إلى سلطة الانتداب ومن يعمل معها من الشرطة مثل شكري .
- السامر الشعبي الذي مرت الإشارة إليه مرورا عابرا .
في العام ١٩٩٨ / ١٩٩٩ أنجزت بحثا عن الإنجليز في الأدب الفلسطيني ونشرته في مجلة جامعة النجاح الوطنية ، وبدت صورتهم فيه بشكل عام سلبية : الوقوف إلى جانب الحركة الصهيونية وملاحقة المقاومين والتسلط وإرهاق الفلسطينيين بالضرائب و ... و ... .
لم نر في المسلسل من الإنجليز إلا العسكر وكان هؤلاء قساة وهكذا برزت صورتهم في أشعار طوقان وأبو سلمى ، والأخير قال معبرا عن مدى كراهيته لهم :
" لو كان ربي إنجليزيا
دعوت إلى الجحود " .
غاب أبو نادر عن حلقة الليلة وما عوض ذلك أنني التقيت به في شارع النصر ، فسألته عن الشارع في المسلسل ، وعن بقية الحلوى وتناقشنا نقاشا سريعا في بعض إشكاليات المسلسل .
سألته إن كان ما زال في نابلس شخصيات مثل الشخصية التي يمثلها - الفران أبو نادر - ، فأجاب بأنها ما زالت موجودة و ... .
هل سينجح شكري في إيجاد شخصيات من المدينة ، بناء على طلب الضابط اندرسون ، تكون عينا على أبنائها ؟
يرشح شكري بك ، بعد أن فشل في تجنيد أبو أدهم ، يرشح سعيد النمام المتذاكي ليكون عينا ، وسوف ننتظر ونرى .
حقا لماذا لم يتم استحضار بعض أشعار إبراهيم طوقان في القضايا المشار إليها . لقد كانت أشعاره تنتشر في نابلس منذ بداية الثلاثينيات ، والطريف أنه لم يظهر في المسلسل مع أنه حقق لنابلس شهرة توازي الشهرة التي حققتها لها صناعة الصابون وحلوى الكنافة ؟!!
مجرد تساؤلات وملاحظات .
١٥ / ٤ / ٢٠٢٣ .
٢٠
غزة والضفة الغربية ( ١٩٢ ) :
١٩٤٨ ثانية
ما تشهده غزة والضفة الغربية يذكر بما حدث في العام ١٩٤٨ .
قبل يومين تواصلت مع الكاتب توفيق فياض المقيم في تونس ، عبر الماسنجر ، بعد أن أرسلت له شريط فيديو لما يجري في قرية المغير ، حيث قتل مستوطن يهودي ، فقال لي إن هناك غباشا في عينيه . إنه لم يعد يقرأ ما أكتبه له جيدا ، وعندما طلبت منه أن يريح عينيه من القراءة قال لي :
- لم تفهمني !
كان سبب الغباش امتلاء عينيه بالدموع ، فقد ذكره منظر احتراق بيوت في قرية المغير بما جرى في قرية زرعين القريبة من قريته المقيبلة ومن قريتي صندلة والجلمة Tawfik Fayad .
للتو أدرجت على صفحتي شريط فيديو لشاب فلسطيني من قرية دوما يخاطبنا فيه واصفا ما يجري في القرية ويطلب منا أن نعمم الشريط .
المستوطنون يهاجمون بيوت دوما ويحرقونها ويصيبون العديد من سكانها والشاب يصف ما يجري بأنه حرب شوارع حقيقية .
هل قتل المستوطن بأيد يهودية ليتم ترحيل سكان القرى الواقعة في المنطقة ج ؟
في الأعوام ١٩٤٨ و ١٩٤٩ أحرقت العصابات الصهيونية الكنس اليهودية في بغداد والقاهرة لتهجير اليهود العرب إلى دولة إسرائيل الناشئة . هل قتل مستوطن من مستوطنين مستغرب إذن ؟
مخيم النصيرات أمس مساء يهاجم بطائرات الكواد كابتر ، والطائرات تصدر أصوات امرأة وأطفال يستغيثون حتى يهب الشباب لمساعدتهم فتنقض الطائرات عليهم وتصفيهم .
" انتبهوا " يخاطب كاتب المنشور أهالي المخيم .
وأما أنا فأجلس في البيت شاعرا بالحزن والعجز غير قادر على فعل شيء وأفكر في أيامنا القادمة وأتساءل إن كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس ( أبو مازن ) يدري بما يجري وما هو رأيه ، وأتابع أيضا ما يكتب عن الدول العربية المجاورة التي تصدت للطائرات المسيرة وللصواريخ الإيرانية حفاظا على سيادتها ، وكله بامية على ملوخية والحق كل الحق على انشراح واللي جاي مثل اللي راح .
صباح الخير يا غزة ويا دوما
١٥ / ٤ / ٢٠٢٤
( للكاتب صافي صافي رواية عنوانها " زرعين " Safi Ismail safi
٢١
عجز عن الكتابة :
أعجز عن الكتابة فأقرأ في " مديح الظل العالي " ل محمود درويش :
" يخرج الفاشي من جسد الضحية
يرتدي فصلا من التلمود : أقتل - كي تكون
عشرين قرنا كان ينتظر الجنون
عشرين قرنا كان سفاحا معمم
عشرين قرنا كان يبكي ... كان يبكي
كان يخفي سيفه في دمعته
أو كان يحشو بالدموع البندقية
عشرين قرنا كان ينتظر الفلسطيني في طرف المخيم
عشرين قرنا كان يعلم
أن البكاء سلاحه ... " .
١٥ / ٤ / ٢٠٢٥
١٥ / ٤ / ٢٠٢٦