مكيدة الذاكرة وانقسام الذات في رواية "أسود دانتيل"

مكيدة الذاكرة وانقسام الذات في رواية "أسود دانتيل"

أحمد رجب شلتوت

تقدم رواية "أسود دانتيل" للكاتبة حريّة سليمان بانوراما متشظية عن علاقات النساء بالرجال، وعن الجسد كساحة للرغبة والسيطرة، وعن الذاكرة كقدر لا يمكن الهروب منه. يعكس التناقض بين مفردتي العنوان طبيعة التجربة التي تعيشها البطلة. أما العنوان الفرعي (عن مكيدة الذاكرة)، فيحيل إلى تصور خاص للذاكرة بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل الماضي وفق الحاجات الراهنة للذات، وبالتالي يصبح عرضة للانتقاء والحذف وربما التضخيم، كما يعكس تشظّي التجربة. أما "المكيدة" هنا تكمن في أن "جورية" تبدو وكأنها تعترف، بينما هي تعيد تدوير ذكرياتها بما يجعلها تخفي بقدر ما تكشف.

انقسام الذات

يتجلى انقسام الذات بداية من التصدير: "أنت نصف يغرق، أنا نصف يحترق، لماذا لا ننقذنا معًا"، فنصف الذات غارق والنصف الآخر محترق، والسؤال: "لماذا لا ننقذنا معًا؟"، يوحي بإمكانية الخلاص عبر الآخر، لكنه سياق الرواية يكشفه بوصفه وهمًا حيث يكون الحب سببا لإعادة إنتاج الألم.

ويتجلى الانقسام كذلك في بنية الرواية المتشظية، فالسرد ينتقل بين زمن الطفولة والمراهقة في الحي الشعبي، وزمن الحاضر حيث تعيش جورية مستقلة في شقة بروكسي. هذا التشظي يعكس حالة "جورية" النفسية، تقول الراوية: "أعاني هستيريا صور عشتها في زمن لا أعرفه، وأعتقدها دوماً تخص امرأة غيري؛ لذا فأنا على قناعة تامة أنني أسكن جسد امرأة أخرى، وربما أنها تبحث عني لنتبادل الأجساد، وتعود كل منا لحياتها"، هكذا تكشف جورية عن أزمة الهوية التي تعاني منها.

الجميع متشابهون

تكتشف "جورية" جسدها من خلال علاقتها مع جارها الشاعر "علي"، في تجربة معقدة تجمع بين اللذة والخوف والشعور بالذنب. "صدمتني علامات أصابعه حمراء غائرة بجلدي تتوسطها علامة بنفسجية مدممة، ابتعدت، استندت بجسدي للجدار البارد وبكيت"، هنا تتجلى ازدواجيتها، فالعلامات هي أثر للرغبة واللذة، لكنها تتحول إلى جرم يحتاج إلى التطهير، مما يدفعها للاغتسال عدة مرات في محاولة لمسح أثر الرجل من جسدها.

أيضا تتأمل "جورية" جسد أمها الذي يحمل علامات العنف الزوجي، وتكتشف تشابهاً بينه وبين جسدها هي، وحتى في علاقتها بـعبد الرحمن المثقف الثوري، تكتشف أن جسدها هو أيضاً ساحة لصراع القوى، حيث تحاول أن تحافظ على استقلاليتها بينما يسعى هو لامتلاكها.

كل الرجال في الرواية متشابهون في جوهرهم وإن اختلفوا في الظاهر، فالأب المستبد زوج خائن، وعلي في جوهره صياد يستغل براءة جورية، ولا يختلف عنهما عبد الرحمن أو خالد، تكشف "جورية" عن ذلك بقولها: "كلهم يدعون لفكرة ما، كلهم وطني ومتدين وماركسي، لكن بالنهاية كل منهم يفكر فيما بين فخذيه "، وفي المقابل، تقدم الرواية نساء متشابهات في معاناتهن رغم اختلاف تفاصيل حياتهن. أم جورية التي تحتمي بالصمت والمرض، و"رضوى" التي تختار الزواج المبكر كنوع من الهروب، و"نيفين" التي تستخدم جسدها للحفاظ على زواجها، و"غيداء" التي تعاني من هجر زوجها، و"مريم" ابنة حارس العقار التي تنتهي في الشارع. حتى جورية نفسها، التي تبدو ظاهريا مختلفة عنهن، تحب "خالد" لكنها تكتشف أنها مجرد "فجوة في حياته، بين عمله وبيته، فجوة يقذف بجوارها سائله ويمر".

المكان كذاكرة

تقوم الرواية على ثنائية مكانية: الحي الشعبي حيث عاشت جورية طفولتها ومراهقتها، ويحمل أيضاً تاريخ العنف الصامت، وصراعات الأب والأم، واستغلال "علي" لها، عندما تعود إلي بيت صباها في نهاية الرواية، تجده قد اختلف: "كان البيت الواطئ ذو الشبابيك الخشبية والباب ذو الضلفتين قد تحول لعمارة شاهقة" تحول المكان هو انعكاس لتحول الذات، لكنه أيضاً دليل على استحالة العودة إلى الماضي.

وفي المقابل، تمثل شقة روكسي والشيخ زايد محاولة للهروب من هذه الذاكرة. لكن سرعان ما تكتشف جورية أن الهروب مستحيل، فالذاكرة تنتقل معها في كل مكان، فيظل الماضي حاضراً، يتسلل حتى إلى كوابيسها.

التحرر المستحيل

تنتهي الرواية بخاتمة مفتوحة تناسب تماما طبيعتها المتشظية. فبعد أن تعلن جورية انتهاء علاقتها بـخالد وتقول له "ابق بعيداً كي أمارس متعة البحث عن مستحيل جميل"، تنتهي الرواية بقصيدة وديع سعادة التي تقول: "الأكثر جمالاً بيننا.. الغائب". فالحب، كما جسدته الرواية، لا يكتمل إلا في الغياب، والبحث عن الآخر هو الهدف وليس الوصول إليه. وإذا كانت "جورية" قد تخلصت من علاقاتها، لكنها تظل محاصرة داخل نسيج الذاكرة الذي حاولت تفكيكه طوال الرواية. ربما يكون التحرر الحقيقي هو في القدرة على مواجهة هذا الماضي بسرد جديد، وهذا ما فعلته "جورية" (والكاتبة حريّة سليمان) عندما أهدتنا هذه الرواية الجميلة.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى