أ. د. عادل الاسطة - غابرييل غارسيا ماركيز.. ذكريات

أتذكّر أول مرة قرأت فيها غابرييل غارسيا ماركيز، كان ذلك في العام 1981 تقريباً.

يومها كنت أدرس في الجامعة الأردنية، في مرحلة الماجستير، وغالباً ما كنت أتسكّع في شوارع العاصمة وأتردّد على مكتباتها: كشك أبو علي، ومكتبة دار شروق لفتحي البس، ومكتبة المحتسب، وكان اسم غابرييل غارسيا ماركيز ينتشر بين القرّاء والكتّاب الذين التقيت بهم في رابطة الكتّاب الأردنيين، ويومها اشتريت له "مائة عام من العزلة" التي قرأتها وسحرت بها، وهي الرواية التي حاز بها على جائزة نوبل للآداب في ذلك الوقت.

لم أعد أملك تلك النسخة من رواية "مائة عام من العزلة"، فقد أهديت ما كان لدي من أعمال الكاتب لأصدقاء في السجن طلبوا مني أن أشتري لهم ما توفر من روايات ماركيز، ولعلّ من ينظر في مكتبة سجن نابلس المركزي الذي أهدي إلى مكتبة بلدية نابلس، لعلّه سيقرأ اسمي على تلك النسخ.

في تلك السنوات كنت أكتب القصة القصيرة وأنشرها على صفحات الشعب، ولا أظن أن ما كتبته خلا من التأثر بأعمال ماركيز، وتحديداً قصة "هكذا إذن يا فاطمة" التي كتبتها بمناسبة استشهاد مختار مخيم بلاطة "أبو دراع"، فالقصة فيها من التخييل ما فيها، لكن ما لفت نظري في تلك الأوقات هو رواية سليم بركات "فقهاء الظلام" التي نشرتها له مجلة الكرمل ضمن سلسلة كتاب الكرمل، ولاحظت أنها كلها قائمة على التخييل، فمحيميد بطل الرواية يولد ويتزوج وينجب ويموت في يوم واحد.

إنه يقيم في القرية ولا يغادرها، مثله مثل سكان قرية ماركيز الذين، لعزلتهم، تنتهي حياتهم بأن يخلفوا طفلاً له ذنب خنزير.

أذكر أنني يومها كتبت مقالاً قصيراً قارنت فيه بين "مائة عام من العزلة" و"فقهاء الظلام" وذهبت فيه إلى أن سليم بركات تأثر بماركيز، وقد سحرتني رواية بركات كما سحرتني رواية ماركيز، وكلتاهما يمكن إدراجهما ضمن الواقعية السحرية، المدرسة التي شارع اسمها وارتبط بأدب أميركا اللاتينية.

سأقرأ لماركيز في تلك الأيام روايته القصيرة "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، ويبدو أن عنوانها لا ينسى، وقد نسيت أحداث الرواية، ولكن عنوانها الذي يلخصها ويلخص فكرتها أبداً لا ينسى، وهو أكثر عناوين ماركيز تأثيراً فيّ، وربما في غيري من القرّاء، فكم من مقال قرأته لأنه استعار عنوان رواية ماركيز.

الجنرال، حين يتقاعد، لا يجد من يكاتبه، ولم أكن ذات يوم جنرالاً، لكنني وأنا في الغربة، حيث أنفقت أربع سنوات في ألمانيا، كنت كل صباح أذهب إلى صندوق البريد، باحثاً عن رسالة، في ذلك الزمن الذي كانت فيه الرسائل وسيلة مهمة من وسائل التواصل، فلم يكن الفيس بوك، ولا البريد الإلكتروني معروفاً وشائعاً، ولم يكن من السهل إرسال البرقيات أيضاً. وكلما وجدت صندوق البريد فارغاً كررت عنوان رواية ماركيز: ليس لدى الكولونيل من يراسله. هكذا غدوت، لفترات، مثل الكولونيل، وفي الأيام التي كنت أعثر في صندوق بريدي على رسائل، كنت أكرر: اليوم ثمة من يراسل الكولونيل. اليوم يجد الكولونيل من يكاتبه، هل فكرت بإعادة قراءة "مائة عام من العزلة، و"ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"؟

بعد العام 1991، بعد أن عدت من ألمانيا اشتريت ثانية رواية "مائة عام من العزلة"، ولما صدرت عن دار الهلال، وكان حجمها صغيراً، تساءلت إن كانت الرواية كاملة، ولم يجب عن تساؤلي إلاّ مقال كتبه الشاعر علي الخليلي أتى فيه على ترجمات دار الهلال، وما يحدث بها وعليها.

وسيظل مقال علي الخليلي حاضراً في ذهني، حتى إذا ما كتبت في تلك الأيام مقالي: وقع الحافر على الحافر أتيت فيه على الترجمات المختلفة للرواية: ترجمة سامي الجندي وإنعام الجندي (دار الكلمة، 1979) وترجمة محمود مسعود (1984/ دار الهلال/ مصر) وترجمة د. محمد الحاج خليل (المؤسسة العربية للدراسات، 1993)، لألاحظ الفارق الواضح بينها، ولأعرف أن دار الهلال ترجمت أجزاء من الرواية.

في ألمانيا، اشتريت "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" ثانية، لأقرأها بالألمانية، ويبدو أن الترجمة كانت صعبة، فتبرعت بالنسخة لأحد معارفي الألمان، ولكني ما زلت أذكر العنوان بالألمانية "لا أحد يكاتب الكولونيل" هكذا.

والنسخة العربية التي أملكها هي الصادرة عن منشورات صلاح الدين في القدس 1981، الدار التي أصدرت له، قبل عام من إصدار "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" كتاب "عملية كارلوتا الكوبية: ثورة وتضامن في أنغولا"، وقد عبرت الضفة في تلك الأعوام "حكاية بحار غريق" الصادرة عن دار ابن رشد (1980) من ترجمة محمد علي اليوسفي.

وأما "قصة موت معلن" التي قرأنا فيها عن العربي "سانتياغو نصار" فقد رأيتها في عمان، ولم أعد أذكر إن أعيد نشرها في فلسطين.

أن يكون عربيا، وأن يكون العربي فلسطينيا، ذلك هو ما دفعني وغيري لقراءة "قصة موت معلن"، فكيف إذا دار الأمر حول الشرف الرفيع الذي لا بد أن يراق الدم على جوانبه.

في منتصف 80 ق20 ستعرف قصة "خريف البطريرك"/ لا خريف البطريك، وأرجو أن تظل خريف البطريرك، / وسيأسرنا أسلوب السرد فيها، ولكن السرد ليس هو فقط ما أسر قراءها العرب، وإنما ما أسرهم هو موضوعها الذي يتمحور، كما يقول عنوانها، حول البطريرك/ الرئيس، وقد أوحت هذه الرواية، وروايات أخرى من أدب أميركا اللاتينية، لمحمود درويش فكرة كتابة "خطب الدكتاتور الموزونة" التي نشرها في حينه على صفحات مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس، وأعاد أكرم هنية، رئيس تحرير الشعب، كما أعادت الاتحاد الحيفاوية، نشرها، وأبرزها هي خطبة الدكتاتور، وأتى محمود درويش على فكرة كتابتها، ورأى فيها مدخلاً للرد على الدكتاتور العربي الذي أطلق عليه نباح كلابه.. وكتابه. نعم سيكون لأدب ماركيز تأثير على أبرز شعرائنا، ولو من خلال الإيحاء.

في ألمانيا كنت التقيت بمبعوثين عرب جاؤوا ليدرسوا الطب، ومنهم الدكتور ماهر الذي لا أعرف أين حطت به الرحال.

كان ماهر طبيباً، ولكنه كان قارئاً نهماً للرواية، وعرفت منه أن قرأ أعمال ماركيز التي نقلت إلى العربية/ وسحرته "الحب في زمن الكوليرا".

هكذا لم يكن ماركيز حكراً على قراء الأدب، فقد كان جمهوره عريضاً، وكانت دور النشر تقوم على نشر أعماله وتتسابق عليها وتعيد نشرها.

ما زلت أذكر (فرايبورغ) وحواراتي مع الطبيب السوري د. ماهر.

ويبدو أن ليس عنوان قصته الطويلة "ليس لدى الكولونيل من يخاطبه" هو العنوان الوحيد الذي أثر في الأدب العربي، مثله مثل بعض موضوعات ماركيز، ومثل أسلوبه وعنصر الخيال لديه، فثمة عنوان آخر كان له أيضاً تأثيره، وهو عنوان "الحب في زمن الكوليرا" وأظن أن هناك غير عنوان، لأكثر من رواية، نسج على منوال هذا العنوان، وإن لم تخني الذاكرة، فثمة رواية لنوال السعداوي المصرية، وأخرى لصبحي فحماوي الفلسطيني سار على درب هذا العنوان: الحب في زمن النفط، والحب في زمن العولمة.. إلخ.

"جميل أن تسكر في حانة وألاّ يلتفت إليك أحد" هذه عبارة أدرجت أسفل صورة في كتاب عن حياته، وأما سيرته فقد ترجمت غير ترجمة "أعيش لأروي" أو أعيش لأكتب، وقد يتذكر المرء واسيني الأعرج: عشتها كما اشتهتني. ثمة أثر واضح تركته عناوين كتبه على عناوين الكتب العربية، وهو ما يعرف بالمناص، وثمة أثر أيضاً في الأسلوب، ولا أنسى كم تذكرته الشهر الماضي وأنا أقرأ رواية خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" و .. و .. و .. .

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى