لا صمتَ يعلو على صمتِ الأحزاب السياسية أمامَ مُعاناة الشعب المغربي من مشاكل اجتماعية واقتصادية لا تُعدُّ ولا تُحصى. وما يزيد في الطين بلَّةً، هو صمتُ الحكومة القاتل أمامَ تدهور القدرة الشرائية للمواطنين (رجالاً ونساءً). وما زاد ويزيد في مقتلة (قتلٌ بطيء بدون سيلٍ للدماء) الصمت القاتل، هو أن أحزابَنا السياسية، منذ أن أعلنت وزارة الداخلية عن موعد الانتخابات التشريعية للدخول في ولاية تشريعية جديدة تكون، عادةً ومنطقيا، أحسن من سابقتِها، بدأت هذه الأحزاب تُحضِّر نفسَها لهذه الاستِحاقات، ولم تعد تهتم إلا بأمر واحدٍ أوحد، وهو الظفر بهذه الانتخابات، ومن تمة الظفر بكراسي السلطة.
لا شيءَ يعلو على الصمت القاتل، في هذه الظروف القاسية التي زادت وتزيد من حدَّتِها الحرب القائمة بين إيران، من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة أخرى.
الحكومة صامتة، والأحزاب السياسية المُشكِّلة للأغلبية البرلمانية والحكومية صامتة، والبرلمان، بغُرفتيه صامت. بل إن الأغلبية البرلمانية العَددِية تساند صمتَ الحكومة وتُحبِط محاولةَ المعارضة لإحداث لجنة تقصي الحقائق. والصمتُ، في هذه المقالة، ليس هو السكوت. بل إنه مُرادِف لعدم قيام الحكومة الحالية بأي إجراء ملموس يُخفِّف من معاناة الشعب المغربي من مشاكل غلاء المعيشة.
إذن، الشعب المغربي متروكٌ لحالِه (لوحده) يتخبَّط، بدون مساعدة لا حزبية ولا برلمانية ولا حكومية، أمامَ مشاكل المعيشة التي تزداد صعوبةً، وخصوصا، أن الشعبَ المغربي مُقبِلٌ على مناسبة دينية حُرِم من القيام بها، السنة الماضية، بسبب سوء التدبير الحزبي، البرلماني والحكومي.
عندما تصمتُ الأحزاب السياسية ومعها البرلمان والحكومة، ولم يبق للانتخابات التشريعية المُقبِلة إلا بضعةُ شهور، فهذا صمتٌ يُنذِر بموت السياسة. غير أن السياسةَ قد ماتت منذ زمان. والأحزاب السياسية هي التي كانت ولا تزال سببا في موتِها. والسياسة، بمعناها النبيل، إن لم تُحرِّكها الأحزابُ السياسيةُ، فمَن سيُحرِّكها؟ ولهذا عنونتُ هذه المقالة ب"أحزابُنا السياسية عندما تتخلَّى عن مهامها الدستورية". إنه، فعلاً، صمت قاتلٌ وكأن البلادَ خالية من المشاكل وكل شيءٍ فيها يسير على ما يُرام. علماً إن أحسن البلدان رفاهِيةً وديمقراطيةً، كسويسرا والبلدان الاسكندنافية تعاني من مشاكل عدة مثل الفوارق الاجتماعية وغلاء المعيشة والشيخوخة… فما بالك ببلدان سائرة في طريق النمو pays en développement أو صاعدة pays émergents؟
عادةً، عند اقتراب الانتخابات التَّشريعية الجديدة، تكون الأحزاب السياسية في غليانٍ ليس له مثيل، حيث تضاعف هذه الأحزاب السياسية أنشطتَها للظفر، عن جذارة، بهذه الانتخابات، علما أن الدستورَ المغربي ينص على أن جلالةَ الملك يُعيِّن رئيسَ الحكومة من الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التَّشريعية.
لكن أحزابَنا السياسيةَ، عوض أن ترى في مشاكل الشعب المغربي فرصةً للاستجابة لها واقتراح حلولٍ لها في حملاتِها الانتخابية المُقبِلة، بدأت في المناورات الانتِخابية منذ الآن. وأهم عناصر هذه المناورات، البحث عن الأعيان لترشيحِهم للانتخابات التشريعية المُقبِلة. لماذا؟
لأن الأعيان، بحكم نفوذهم داخلَ المجتمع وبحكم امتلاكِهم للمال، قادرون على شراء كل شيء، بما في ذلك النفوس البشرية. إذن، هؤلاء الأعيان يُعدّون بمثابة ضمانة للنجاح في الانتخابات التَّشريعية sont une garantie de succès aux élections législatives.
أما ثاني عنصُرٍ من عناصر المناورات الانتخابية والتي لها الأولوية على مشاكل الشعب المغربي، فهي التِّرحال من حزبٍ إلى آخر la transhumance politique. وما يُثير العجبَ والتعجُّب، هو أن هؤلاء الأعيانَ هم أنفسُهم مَن يقوم بهذا التِّرحال. وهذا يعني أن انخراطَ الأعيان في الأحزاب السياسية ليس نابِعا من قناعة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية… لكن من تربُّصٍ للفرص être aux aguets ou à l'affût des occasions لاختيار ما هو مُربِحٌ profitable منها.
ولهذا، فكل جهة تعرف أين توجد مصلحتُها. الأحزاب السياسية تري في الأعيان ضماناً لنجاحها في الانتخابات التَّشريعية. بينما الأعيان يرون في الأحزاب السياسية فرصةً لتقوية نفوذهم وملءِ "شْكَايْرْهُمْ"، بالمال كيفما كانت طريقةُ الوصولِ إلى هذا المال. في هذه الحالة، أين تتموقَع مشاكل الشعب المغربي؟
مشاكل الشعب المغربي تبقى مُعلَّقة، ما دامت لا تشغل لا بالَ الأحزاب السياسية ولا بالَ الأعيان. كان من المفروض أن تكونَ هذه المشاكل هي الهاجس الأول والأخير للأحزاب السياسية. هذه الأخيرة أعطت وتعطي الأولويةَ لقضايا حزبية des questions partisanes على حساب كل ما يُعانيه الشعب المغربي.
ولهذا، فأحزابُنا السياسية، عوضَ أن تتنافس، في حملاتها الانتخابية، من خلال برامج، تقترِح فيها حلولا للمشاكل المتراكِمة منذ عقود، من بينها الأمية l'analphabétisme الفسادُ la corruption، الفقر la pauvreté، البطالة le chômage…، فإنها اختزلت العملَ السياسي في التَّسابق نحو كراسي السلطة.
فإذا كان هذا التسابق نحو كراسي السلطة أمراً مشروعاً une affaire légitime دستوريا وقانونيا، فإن الطريقةَ المُتَّبعة من طرف الأحزاب السياسية غير مشروعة، وخصوصا، عندما يُستَعمَل المالُ كمُحفِّزٍ للتَّصويت لصالح هذا الحزب أو ذاك.
ولهذا، لم يعد هناك فرق بين هذا الحزب أو ذاك. فجلُّ أحزابِنا السياسية لا يختلِف بعضُها عن البعض الآخر إلا بالتسميات الرنانة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. الحزب اليميني يشبِه الحزب اليساري والحزب الوسطي يُشبِه الحزب المتطرف والحرب الليبرالي يشبه الحزب الاشتراكي، وأحزاب المعارضة سلوكها السياسي غامض… وأحزابُنا السياسية تخلَّت عن مهامها الدستورية.
وفي هذا الصدد، فأين هو تأطير المواطنين؟ وأين هي التمثيلية la représentativité الحقيقية التي تحمل على عاتِقِها همومَ الشعب؟ وأين تتموقَع همومُ الشعب في المشهد السياسي؟ وأين هي الديمقراطية الداخلية لأحزابنا السياسية؟ في أي خندق تضع أحزابُنا السياسية همومَ الشعب، هل في خندق الإهمال والنسيان أم في خندق التَّسويف la procrastination؟ وأين هو النِّضال le militantisme الذي اشتهرت به الأحزاب الوطنية في صيغتِها الماضية؟ فأين هي مصداقية crédibilité الستِّنيات والسبعينيات والثمنينيات؟ فأين هي شفافية العمل السياسي؟ وأين هي التَّعدُّدية الحزبية البنَّاءة؟ هل الاختلاف في الآراء شيءٌ طبيعي أم مدعاةٌ لإنشاء حزب جديد؟ ما هي أسباب الطلاق الحاصل اليوم بين الشعب المغربي والأحزاب السياسية؟ وأخيرا، ألم يحِنْ موعد إعادة النظر في المشهد السياسي الحزبي بهذا البلد السعيد؟
لا شيءَ يعلو على الصمت القاتل، في هذه الظروف القاسية التي زادت وتزيد من حدَّتِها الحرب القائمة بين إيران، من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة أخرى.
الحكومة صامتة، والأحزاب السياسية المُشكِّلة للأغلبية البرلمانية والحكومية صامتة، والبرلمان، بغُرفتيه صامت. بل إن الأغلبية البرلمانية العَددِية تساند صمتَ الحكومة وتُحبِط محاولةَ المعارضة لإحداث لجنة تقصي الحقائق. والصمتُ، في هذه المقالة، ليس هو السكوت. بل إنه مُرادِف لعدم قيام الحكومة الحالية بأي إجراء ملموس يُخفِّف من معاناة الشعب المغربي من مشاكل غلاء المعيشة.
إذن، الشعب المغربي متروكٌ لحالِه (لوحده) يتخبَّط، بدون مساعدة لا حزبية ولا برلمانية ولا حكومية، أمامَ مشاكل المعيشة التي تزداد صعوبةً، وخصوصا، أن الشعبَ المغربي مُقبِلٌ على مناسبة دينية حُرِم من القيام بها، السنة الماضية، بسبب سوء التدبير الحزبي، البرلماني والحكومي.
عندما تصمتُ الأحزاب السياسية ومعها البرلمان والحكومة، ولم يبق للانتخابات التشريعية المُقبِلة إلا بضعةُ شهور، فهذا صمتٌ يُنذِر بموت السياسة. غير أن السياسةَ قد ماتت منذ زمان. والأحزاب السياسية هي التي كانت ولا تزال سببا في موتِها. والسياسة، بمعناها النبيل، إن لم تُحرِّكها الأحزابُ السياسيةُ، فمَن سيُحرِّكها؟ ولهذا عنونتُ هذه المقالة ب"أحزابُنا السياسية عندما تتخلَّى عن مهامها الدستورية". إنه، فعلاً، صمت قاتلٌ وكأن البلادَ خالية من المشاكل وكل شيءٍ فيها يسير على ما يُرام. علماً إن أحسن البلدان رفاهِيةً وديمقراطيةً، كسويسرا والبلدان الاسكندنافية تعاني من مشاكل عدة مثل الفوارق الاجتماعية وغلاء المعيشة والشيخوخة… فما بالك ببلدان سائرة في طريق النمو pays en développement أو صاعدة pays émergents؟
عادةً، عند اقتراب الانتخابات التَّشريعية الجديدة، تكون الأحزاب السياسية في غليانٍ ليس له مثيل، حيث تضاعف هذه الأحزاب السياسية أنشطتَها للظفر، عن جذارة، بهذه الانتخابات، علما أن الدستورَ المغربي ينص على أن جلالةَ الملك يُعيِّن رئيسَ الحكومة من الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التَّشريعية.
لكن أحزابَنا السياسيةَ، عوض أن ترى في مشاكل الشعب المغربي فرصةً للاستجابة لها واقتراح حلولٍ لها في حملاتِها الانتخابية المُقبِلة، بدأت في المناورات الانتِخابية منذ الآن. وأهم عناصر هذه المناورات، البحث عن الأعيان لترشيحِهم للانتخابات التشريعية المُقبِلة. لماذا؟
لأن الأعيان، بحكم نفوذهم داخلَ المجتمع وبحكم امتلاكِهم للمال، قادرون على شراء كل شيء، بما في ذلك النفوس البشرية. إذن، هؤلاء الأعيان يُعدّون بمثابة ضمانة للنجاح في الانتخابات التَّشريعية sont une garantie de succès aux élections législatives.
أما ثاني عنصُرٍ من عناصر المناورات الانتخابية والتي لها الأولوية على مشاكل الشعب المغربي، فهي التِّرحال من حزبٍ إلى آخر la transhumance politique. وما يُثير العجبَ والتعجُّب، هو أن هؤلاء الأعيانَ هم أنفسُهم مَن يقوم بهذا التِّرحال. وهذا يعني أن انخراطَ الأعيان في الأحزاب السياسية ليس نابِعا من قناعة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية… لكن من تربُّصٍ للفرص être aux aguets ou à l'affût des occasions لاختيار ما هو مُربِحٌ profitable منها.
ولهذا، فكل جهة تعرف أين توجد مصلحتُها. الأحزاب السياسية تري في الأعيان ضماناً لنجاحها في الانتخابات التَّشريعية. بينما الأعيان يرون في الأحزاب السياسية فرصةً لتقوية نفوذهم وملءِ "شْكَايْرْهُمْ"، بالمال كيفما كانت طريقةُ الوصولِ إلى هذا المال. في هذه الحالة، أين تتموقَع مشاكل الشعب المغربي؟
مشاكل الشعب المغربي تبقى مُعلَّقة، ما دامت لا تشغل لا بالَ الأحزاب السياسية ولا بالَ الأعيان. كان من المفروض أن تكونَ هذه المشاكل هي الهاجس الأول والأخير للأحزاب السياسية. هذه الأخيرة أعطت وتعطي الأولويةَ لقضايا حزبية des questions partisanes على حساب كل ما يُعانيه الشعب المغربي.
ولهذا، فأحزابُنا السياسية، عوضَ أن تتنافس، في حملاتها الانتخابية، من خلال برامج، تقترِح فيها حلولا للمشاكل المتراكِمة منذ عقود، من بينها الأمية l'analphabétisme الفسادُ la corruption، الفقر la pauvreté، البطالة le chômage…، فإنها اختزلت العملَ السياسي في التَّسابق نحو كراسي السلطة.
فإذا كان هذا التسابق نحو كراسي السلطة أمراً مشروعاً une affaire légitime دستوريا وقانونيا، فإن الطريقةَ المُتَّبعة من طرف الأحزاب السياسية غير مشروعة، وخصوصا، عندما يُستَعمَل المالُ كمُحفِّزٍ للتَّصويت لصالح هذا الحزب أو ذاك.
ولهذا، لم يعد هناك فرق بين هذا الحزب أو ذاك. فجلُّ أحزابِنا السياسية لا يختلِف بعضُها عن البعض الآخر إلا بالتسميات الرنانة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. الحزب اليميني يشبِه الحزب اليساري والحزب الوسطي يُشبِه الحزب المتطرف والحرب الليبرالي يشبه الحزب الاشتراكي، وأحزاب المعارضة سلوكها السياسي غامض… وأحزابُنا السياسية تخلَّت عن مهامها الدستورية.
وفي هذا الصدد، فأين هو تأطير المواطنين؟ وأين هي التمثيلية la représentativité الحقيقية التي تحمل على عاتِقِها همومَ الشعب؟ وأين تتموقَع همومُ الشعب في المشهد السياسي؟ وأين هي الديمقراطية الداخلية لأحزابنا السياسية؟ في أي خندق تضع أحزابُنا السياسية همومَ الشعب، هل في خندق الإهمال والنسيان أم في خندق التَّسويف la procrastination؟ وأين هو النِّضال le militantisme الذي اشتهرت به الأحزاب الوطنية في صيغتِها الماضية؟ فأين هي مصداقية crédibilité الستِّنيات والسبعينيات والثمنينيات؟ فأين هي شفافية العمل السياسي؟ وأين هي التَّعدُّدية الحزبية البنَّاءة؟ هل الاختلاف في الآراء شيءٌ طبيعي أم مدعاةٌ لإنشاء حزب جديد؟ ما هي أسباب الطلاق الحاصل اليوم بين الشعب المغربي والأحزاب السياسية؟ وأخيرا، ألم يحِنْ موعد إعادة النظر في المشهد السياسي الحزبي بهذا البلد السعيد؟