أحمد رجب شلتوت - عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية

يمثّل عبد الرحمن الأبنودي حالة خاصة في شعر العامية المصرية، فهو أحد أولئك الذين تجاوزوا حدود القصيدة إلى حدود الوعي الجمعي، وصار شعره جزءًا من الصوت الوطني ومكوّنًا من مكونات ما يسمّيه النقّاد "الذاكرة الثقافية". في كتابه "عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية" يرى د. رضا عطية أن الشاعر صاغ ملامح الشخصية المصرية عبر طبقاتها الثقافية والاجتماعية وتاريخها ومكانها، وعبّر عنها صوتًا وتخييلاً وتجربة، ومنذ الصفحات الأولى يؤكّد الناقد أنّ الأبنودي "شديد الارتباط بتمثّلات الهوية المصرية" وأن شعره جسّد الملامح البارزة للشخصية المصرية في حضورها التاريخي.

في التمهيد، يقدّم الناقد لوحة سريعة لبروز الأبنودي في الستينيات، ويوضّح كيف شكّل شعره جزءًا مما يسميه "رأس مال الشخصية المصرية" عبر أغنياته وقصائده، وهكذا يؤسس لتصنيف الأبنودي بوصفه شاعر هوية، إذ إن الهوية لا تُكتب بمعزل عن الناس، بل عبر تأثير الشعر فيهم.

التمازج الهويّاتي بين الريف والمدينة

يرى عطية أن هوية الأبنودي هوية مزدوجة، جذور ريفية صعيدية من أبنود، وتجربة مدينية جديدة في القاهرة التي ارتحل إليها "فاتحًا المدينة" مع رفيقيه أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله، وهذا التمازج بين الريف والمدينة هو، مفتاح أساسي لفهم الهوية المصرية التي تتشكّل دائمًا عبر جدل بين الهامش والمركز، وبين الموروث والحداثة، وبين الصعيد والقاهرة، وقد أبرز الأبنودي هذه الثنائية بوضوح، سواء في قصائد الحنين إلى الصعيد، أو في نقد المدينة، من خلال تركيزه على تمثلات المكوّن الريفي في مقابل تمثلات المكوّن المديني، وهو ما يجعل شعره مرآة لطبقات الهوية المصرية ولصراعها وتفاعلها.

تمثيل الطبقات الشعبية

يصف عطية الشاعر بأنه "صوت صادر من ضمير الشعب"، مستشهدا بمقطع شعري يقول فيه:

"إتأكدوا إنّه صوتي ده وصدر مني

أنا مش عميل حد

أنا شاعر… جاي من ضمير الشعب".

وقد قدّم الأبنودي صورًا اجتماعية متنوعة الطبقات المهمّشة، من "حراجي القط" إلى العامل البسيط إلى المرأة التي تتحمل الفقر والقهر، كما استثمر القوالب الدرامية والحوارية كي يعبّر عن صوت الجماعة وليس صوت الفرد، وأنه طوّر قصيدة العامية لتصبح أكثر قدرة على تمثيل تعدّدية الأصوات الاجتماعيّة، بالاستفادة من المسرح، والدراما، والبنية السردية، هذا النزوع نحو البوليفونية هو ما يجعل شعره معرضًا للهوية الاجتماعية بمختلف أبعادها.

كتابة التحوّلات الوطنية

أسهمت التحوّلات السياسية الكبرى، ثورة يوليو، بناء السد العالي، هزيمة 67، حرب الاستنزاف، نصر أكتوبر، الانفتاح الاقتصادي، ثورة يناير، في نسج جزء كبير من هوية المصريّين، والأبنودي، بحسب الكتاب، كان شاهدًا شعريًا على كل هذه التحوّلات، فصار شعره مرآة لها، لقد حلم مع الناس، وغنّى للانتصارات وللانكسارات، وكتب السجن والمقاومة، وشارك في صناعة الوعي الوطني عبر الكلمات التي أصبحت جزءًا من الخطاب الجمعي.

وفي هذا السياق يمتاز الكتاب بكونه يعالج الهوية الوطنية بوصفها متغيّراً لا ثابتاً، ويبرز كيف كان الأبنودي صوتًا للتغيّر الاجتماعي والسياسي. كما يركّز على اشتباك الأبنودي مع السياسة، من الهزيمة إلى الثورة. ويحلّل القصائد التي تمثّل هذا الاشتباك، ويبيّن كيف صاغ الشاعر صورة الوطن وانتماء المواطن إليه.

شاعر الهوية

يبني عطية أطروحته عبر ثلاثة فصول رئيسية، يجمع فيها بين التحليل الثقافي والتأويل الجمالي. ويمكن تلخيص مبرراته في ست نقاط محورية، أولها المكان بوصفه حجر الأساس في تشكيل الهوية، وقد تشكل

شعر الأبنودي عبر علاقة جدلية بين المكان والذات، وبين الذاكرة الجغرافية والتحولات الاجتماعية،

خصوصًا في "حراجي القط" حيث يظهر العمال المغتربون عن أهاليهم، وينشد الريفي الذي يشعر بالعزلة "رعشة ضل" كصورة للحضور الهشّ في المدينة.

وفي قصيدة "المشروع والممنوع" يعيد المكان تشكيل الهوية، كما في قول الشاعر: "مصر اللي شالتني… وخلقتني… ودتني اسمي".

وفي النقطة الثانية يرصد عطية تمثّلات الزمن عند الأبنودي، فيرى أنها شديدة الحساسية ومستندة إلى شعور بالتحوّل والتبدّل الاجتماعي والنفسي، وأنها مقترنة بالمكان دائمًا، حيث يترك تسارع الزمن أثرًا نفسيًا يعبّر عن تضيق المكان وضيق العيش، والأبنودي يكتب هذا الزمن في قصائده بوصفه تاريخًا وجدانيًا.

وفي النقطة الثالثة يقدّم الناقد تحليلاً مهمًا للبنية الدرامية والحوارية التي اعتمدها الأبنودي، مؤكدا على أن هذا التحول من الغنائية الفردية إلى البوليفونية الجماعية، يمثل انتقالًا نوعيًا في شعر العامية، يعكس رغبة الأبنودي في كتابة هوية الناس وليس فقط هوية الشاعر..

يبني الناقد على ذلك مؤكدا أن الأبنودي أحدث ثورة بنيوية في قصيدة العامية حين تجاوز النموذج العمودي والرباعيات، وكتب قصيدة العامية بالتفعيلة الواحدة وبنَفَس طويل، وبصور رمزية ومشهدية جديدة، هذا التطوير التقني يشكل تعبيرا عن هوية فنية جديدة للعامية المصرية في العصر الحديث، وهو ما يجعل الأبنودي في موقع المؤسس لتقليد جديد.

ثم يتوقف الكتاب طويلا عند لغة الأبنودي، ويوضح أنها مزيج من العامية الصعيدية، والعامية القاهرية، بالإضافة إلى تركيبات فصيحة، وهي لغة غنائية، تحمل صورا رمزية، ومشبعة بالبيئة الشعبية، لكنها أيضًا قادرة على التعبير الفلسفي والسياسي، كما في صوره التي تعبّر عن اغتراب العامل أو تناقضات المثقف. وهكذا تصبح اللغة عنده منبعا للهوية.

وفي النقطة السادسة يخصّص رضا عطية حيزًا واسعًا لصورة المرأة في شعر الأبنودي، الأم، الزوجة،

الحبيبة، الفقيرة، والمرأة المقاومة، حيث تظهر المرأة كركن شعوري وإنساني وثقافي، وبالتالي يمثل هذا التناول للمرأة جزءًا من هوية المجتمع المصري.

بعد قراءة الكتاب واستعراض مبرراته، يمكن القول إن وصف الأبنودي بـشاعر الهوية المصرية، هو وصف يستحقه عن جدارة، لأن شعره يمثل الذاكرة الجمالية للمصريين، لأنه نقل العامية من لهجة إلى خطاب هوياتي، وهنا يقول الكتاب: "لم تعد العامية عنده أداة للتعبير اليومي، بل أصبحت صياغة جديدة لشعر العامية المصرية تمثّل روح الشعب، وتنقل وعيه وتجربته وتاريخه"، وأيضا لأنه كتب مصر عبر المكان والزمان.



أخيرا وعلى الرغم من قوة الكتاب وعمقه، يمكن تسجيل بعض الملاحظات، أولها أن الناقد منح

التحولات السياسية حيزًا واسعًا. ورغم أهمية ذلك إلا أنه طغى أحيانا الجوانب الإنسانية والشعرية الخالصة. أيضا لم يتناول الكتاب البنية اللغوية للأبنودي بالتحليل التفصيلي، فيما عدا إشارات عابرة، رغم أنها حجر أساس في هويته الشعرية، كذلك كان يمكن للكتاب أن يصبح أكثر ثراء لو قارن بين الأبنودي ورواد العامية الآخرين: بيرم، جاهين، فؤاد حداد، لأن المقارنة تساعد في تحديد خصوصية الهوية لدى الأبنودي.

هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الكتاب المهم الذي استند فيه مؤلفه إلى منهج ثقافي وجمالي يربط الشعر بالهوية، وأسس لأطروحة راسخة وقابلة للدفاع عنها بقوة، سواء عبر النصوص أو عبر أثر شعر الأبنودي في الوجدان العام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى