من دمعة في القلب يسطر المعنى، ويرتق رغبة النص وشهوته للإنطلاق، قصائد يهش بها على قلق خجول يفتح أفق المعنى ليعجنه بماء القصائد وقد شمر عن قلق وجودي لنكتشف المسافة الفاصلة بين ذاكرته وصلصال الحنين، حين يخط صمت قلبه وعذاب دمائه يقتفي أثر أنكيدو وجلجامش، لينمو النص جنيناً ويرتفع النبض ريحا تلقح قصائده لتولد من بردة الليل لهفته البيضاء، التي اختار لها الشاعر نمر سعدي من الأسماء “ساعي بريد اللهفة” والصادر عن "دار النهضة للطباعة والنشر" في الناصرة، يحتوي على 45 قصيدة موزَّعة على 72 صفحة.
والجميل في هذه المجموعة أن الشاعر جمع فيه تجربته على مدى سنوات إلى تمكنه من كتابة الأنماط الشعرية المختلفة لتنكشف الهوة المفتعلة التي تكبل رؤية الشاعر وفق حدود وضوابط شكلية والتي لم يعد لها أي دور في شعرية النص، فالشعر يمكن تشبيهه بالحديقة التي تتسع لجميع الأزهار بمختلف أنواعها وألوانها وبذلك فالشعر يتسع لكل الأنماط والألوان الشعرية. حيث ينتقل بمهارة فائقة بين الشعر الموزون بأنواعه سواء التفعيلة أو العمودي وبين قصيدة النثر، مما يكشف عن تمكن شعري شامل ونضج في تجربته على مدى سنوات من الكتابة.
فالشاعر نمر سعدي ينحت تجربة شعرية مختلفة بكل أحاسيسه وعمقه الشعري وهي محاولة منه لإثبات مشروعه – إن صح التعبير- الذي يرمي منه إلى نحت كتابة شعرية حديثة تقطع مع الماضي، وبذلك يؤسس موقفاً مما كتب ويكتب حتى الآن بالساحة الأدبية العربية. مستدعيا لذلك عدد من الشخصيات التاريخية والأدبية العربية والعالمية، موظفا إياها توظيفا غايته التعبير عن أفكار وأراء يريد بثها للمتلقي في شكل رسائل سرية تشكل ما يشبه السيرة الذاتية، حين تتقاطع أحاسيس الشاعر الذاتية بأحاسيس المتلقي.
لننطلق بادئ الأمر من عتبة العنوان، وهو عنوان دال لا يخلو من الشاعرية والتصوير الحي. فـ"ساعي بريد" تعني لحظة انتظار، انتظار الحب والعاطفة وهي لحظة إرسال الحب ولحظة وصوله. أما "اللهفة" فهي تلك الكلمات الدافئة والعبارات الأكثر شوقا، هي ذلك القلق العاطفي الذي يجعل الإنسان يكتب لأنه يجعل من الصمت مطية لنسخ ذلك الصمت، كما أنه يستطيع أن يعجن الكلمات ويشكلها جسدا شعريا يعبر عن حالة الحب والدفء ويفتح نوافذ الفرح والشوق.
ومن خلال قراءتنا الأولى للمجموعة الشعرية نلاحظ ذلك الصمت الذي يعبر عن الدهشة والكلام الذي يعبر عن قدرة الشاعر في صناعة المعنى وصيد الكلمات. حين تستمع وأنت تعبر بقلبك القصائد إلى موسيقى يستهويك لحنها وتشدك إليها نغمات الحب على أوتارها لتتجسد اللغة وجعا وحريقا عاطفيا كإحتراق فراشة بالضوء وقد همست للشاعر أن يستنجد بالريح والعشب والماء والهواء.
يعتمد الشاعر على تقنية مختلفة إتجه إليها أغلب شعراء هذا العصر من خلال تقنية الانفتاح على نصوص وأجناس أخرى، والذي يمكن التعبير عنه بالنص الفسيفسائي الذي يتشكل من خلال تمازج نصي يولد من نص آخر يعبر عن الواقع ويحاكيه. فالشاعر يجعل من القصيدة الشعرية قصيدة منفتحة على مسالك البوح العديدة، تتنازعها الخطابات المختلفة، من صوفية وسريالية وأسطورية وواقعية وخيالية، فهو كالطفل يمارس جوعه للكتابة يراقب لعبته يجعلنا قابعين في متاهة التأويل غايته أسر القارئ من خلال مسار النص على المستوى الصوتي المرتبط بالبعد الإيقاعي المؤثِّر في المتلقي.
فالشاعر نمر سعدي يستحضر صورة الآخر في شعره لا يفصل ذاته أبدا عن واقعه ليكون الصدق الفني والعاطفي طريقا يسكن ملامح شعره الذي كانت غايته استجلاء الواقع وتلمس حقائق الذات الإنسانية من خلال التعبير عن آلامه وأحزانه وبذلك التعبير عن أحزان الآخرين.
كما يسلط الشاعر الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، من خلال تقنية التكرار، وهو من أبسط ألوان التكرار، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يتكئ إليه الشعراء في محاولتهم تهيئة الجو الموسيقي لقصائدهم، ليحصل الانسجام والتكامل والإيقاع والمعنى.
من خلال تكرار ثيمة (الليل)، بمختلف اشتقاقاتها اللفظية دون اعتبار المفردات الدالة عليه أكثر من 31 مرة في أغلب نصوص المجموعة باعتبار الليل ملاذاً آمناً للشعراء، للتعبير عن خلجات الصدر ومكنونات الروح، فهوالقادر على نقل حزمة الأحاسيس إلى رؤى وإيحاءات وصور بلاغية، فهو خازن للهموم، ومحقق الراحة والهدوء، ورمز للقهر والاستعباد والجهل والتخلف، وهو يظهر أحيانا متخفيًا بأضداده، أوبألفاظ قريبة منه في المعنى، حين يقول: " الصمتُ أغنيةُ الطريقِ، الصمتُ وردةُ أغنياتي، زرقةٌ عمياءُ في فجرٍ خريفيِّ الضبابِ ".
فعندما يهبط الليل تهبط معه الهموم الثقال والأحزان والمناجاة والتوجد، وذلك في قوله أيضا:" الليلُ إذ تتفتَّحُ الروحُ الغريبةُ فيهِ، حقلٌ واسعٌ تلهو فراشاتُ النهارِ بهِ، سأمحو ما كتبتُ، سأشطبُ الآنَ القصيدةَ، فالقصيدةُ لا تقولُ الصدقَ في هذا الزمانِ الوغدِ، أو هيَ ذرُّ ملحٍ فوقَ جرحِ الروحِ أو رشُّ الرذاذِ السكريِّ على المنونِ، هيَ الكتابةُ كالكآبةِ حينما في البحرِ تحرثُ... "
فالتكرار الذي يعتبر من علامات الجمال البارزة، يعرفه السجلماسي بأنه: “إعادة اللفظ الواحد بالعدد أو النوع، أو المعنى الواحد بالعدد أو النوع، في القول مرتين فصاعدا، وهي اسم لمحمول يشابه به شيء شيئا في جوهره.” (المنزع البديع، ص. 476.) وهذا التكرار جاء تكرارا تأكيديا يراد به إثارة التوقع لدى المتلقي، وتأكيد المعاني وترسيخها في ذهنه، وقد اعتمد الشاعر هنا على تكرار جملة من الكلمات.
حيث نجد كلمة مثل (القصيدة) التي تكررت بمختلف اشتقاقاتها اللفظية حوالي (37 مرة) والتي جاءت في الكثير من المواضع في صيغة المفرد كما جاءت في صيغة الجمع، فالقصيدة أنثى عاشقة لشاعرها، واللهفة قصيدة تنادي لهفة الشاعر.
" ساعي بريدِ الحبِّ أو ساعي بريدِ اللهفةِ الأولى
إلى مدنِ النساءِ ".
إنه تكرار فني، يستدعي التأويل، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثر الدرامي أو من خلال استجابات القراءة، حيث ينبع من إيقاع ذاتي، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر، لتتحقق لهفة الشاعر و لهفة القارئ.
كما اعتمد الشاعر تقنية التوظيف لشخصيات فكرية وأدبية (أبو ذر الغفاري/ الحلاج / الصعاليك / امرؤ القيس / جون كيتس/ مالك ابن الريب / لوركا / نزار قباني / شكسبير/ طاغور...)، لبث أفكار وقضايا وهموم يريد نقلها للمتلقى بطريقة مختلفة مع الإيحاء والترميز أحيانا والتصريح أحيانا أخرى حول هذه الشخصيات، فليس بغريب عن الشعراء أن تكون الشخصيات الأدبية والفكرية هي الأكثر توظيفا في شعرهم خاصة وأنها الأقرب من نفوس الشعراء ووجدانهم.
"كانَ الحلَّاجُ كنرجسةٍ عمياءَ
على ثلجٍ مشتعلٍ مصلوباً فوق صليب الريحْ
يتنهَّدُ: للرغبة ديكٌ أزرق فوق رماد الليل يصيحْ".
بالاضافة إلى توظيف الشخصيات التاريخية الأسطورية والدينية وكشخصية: أنكيدو وزليخة وملحمة جلجامش.
"لأكتشف المسافة بين ذاكرتي وصلصال الحنين؟
صادقت أنكيدو وعشبَ الليلِ
عشتُ مع الصعاليكِ الذين تناثروا
في الحبِّ والأحلامِ والصحراء..."
كما وظَّف شخصيات فنية كشخصية: بيكاسو وسلفادور دالي. وذلك للعلاقة المحورية القائمة بين الشعر والرسم ولا ننسى في هذا الموضع عبارة بيكاسو الشهيرة إن الشعر رسم بالكلمات. حيث يرى عبد القادر الجرجاني بأن الشعر يربط الرسم والتصوير بالفنون الأخرى، فيفترض أن الشاعر مثل الرسام يقدم المعنى بطريقة حسية فيرسم مشاهد يراها المتلقي عن طريق اللغة التي تترجم صوراً في ذهنه.
بالاضافة إلى شخصيات من الأدب العالمي كشخصية شهريار وشهرزاد وشخصية جولييت. حين يقول:" من تمثال جولييتَ المصابِ برعشةٍ زرقاءَ". وهو توظيف مرده عوامل ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وكذلك عوامل نفسية.
لتتوهج الكلمات وتتفاعل الشخصيات وقد أبحر عبر الزمن ليعيش الشاعر في نصوصه في اللا زمن، ليضع أسئلة موصدة بعلامات استفهام ويحاول جاهدا أن يشاكس المعنى للوصول الى إجابات للخلاص، الخلاص من لهفة النص المغلق ويفتح أجنحة القصيدة نحو لهفة أرحب لهفة الخلاص فهذه الشخصيات مشحونة بمعنى التمرد والانعتاق، لتنطلق القصيدة نحو أزمنة متعددة ومشاهد سريالية تعبر عن فنتازيا شعرية أجاد الشاعر نمر سعدي تصويرها تصويرا سينمائيا، حين يجمع قبسات شعرية يهش بها قلق الشاعر القابع في المتلقي وهو ما يمكن وصفه بالمحاكاة التي تهدف إلى نقل صورة الواقع وما يحيط بالشاعر والتأثير في المتلقي واحساسه وانفعالاته.
فمن خلال هذه اللهفة الشعرية تطل علينا الأمكنة التي تثير في القارئ ذلك القلق الشعري بذكر أمكنة متخيلة وأخرى حقيقية تشير إلى المنفى وتنسخ خيوط الحنين : حيفا والقدس والجليل وغرناطة.
فالوطن من أهم محاور الشاعر في مجموعته الشعرية، من خلال تأملات الشاعر وانشغاله بقضاياه، ودلالاتها النفسية التي تكشف عن حس وطني غني وعميق.
فالشاعر عموما هو أكثر الناس قدرة على التعبير عن معاناة وطنه، وعن حالة اللامنطق واللامعقول الذي يعيشه وما أستجد فيه من أحداث مأساوية. فهو يعتمد لغة إيحائية رمزية تصويرية عندما يعبر عن هذه المعاني من أجل تكثيف دلالة الوطن والتعبير عن قضاياه.
إنها تراتيل روح عاشقة تحاول أن تنزع الغيوم عن قصيدة وأن ينحت تماثيل القصائد حينا ويزرعها حينا آخر لتنمو ونارا تدفء الأطفال و الشعراء.
"ليت القصائدَ تنمو في الثرى لأرى
ظلا يفكُّ لقمصان الشموس عرى
ليت القصائد ناراً في الشتاءِ لكي
يأوي إلى دفئها الأطفالُ والشعرا"
فهو يخاطب الشعر ككائن.. كأنثى، يتساءل عن جدواه، عن قدرته على مواجهة قسوة العالم، ويجعل القارئ يعيش لحظة القلق الشعري. ففي شعره حضور مكثف لضجيج الحياة والوجع النفسي المتخم بالآهات المتمردة، في صور شعرية مركبة تجمع ما بين الأشياء ومدلولاتها، تعبر عن الذات وهمومها وردة فعل الواقع الذي يعج بالمتناقضات.
وقد تميزت المجموعة الشعرية بعدة خصائص فنية ساهمت في إثراء النص من خلال عمق تناوله الفلسفي لقضايا وجودية من خلال رسائل الوجد التي يحملها ساعي بريد اللهفة نمر سعدي بالاضافة إلى رهافة التركيب وطريقة الطريح والإيحاء في التصوير والتحليق في سماء المعاني المتعددة لنصوصه، ليجس بأفكاره وكلماته قضايا مهمة وشحها بأسلوب جميل يساعد في كشف خطوط نصوصه المحورية، ليترك لنا جانبا من التخيل في الجمل والمعاني التي يحس بها ويبثها فينا كلما انتقلنا من نص إلى آخر.
وفي الختام يمكن القول أن نصوص الشاعر نمر سعدي لا تؤمن بالحدود فهي نصوص مفتوحة على عدة قراءات فكلما قرأت نصا إلا ووجدت فيه معنى جديدا وروحا جديدة بحلة متنوعة فيها الكثير من الحبكة الشعرية والتوظيف المحكم للشخصيات التاريخية والأسطورية وهنا يتقاطع الزمان بالمكان وتتقاطع الأحداث والشخصيات بمختلف مشاربها وأزمنتها.
والجميل في هذه المجموعة أن الشاعر جمع فيه تجربته على مدى سنوات إلى تمكنه من كتابة الأنماط الشعرية المختلفة لتنكشف الهوة المفتعلة التي تكبل رؤية الشاعر وفق حدود وضوابط شكلية والتي لم يعد لها أي دور في شعرية النص، فالشعر يمكن تشبيهه بالحديقة التي تتسع لجميع الأزهار بمختلف أنواعها وألوانها وبذلك فالشعر يتسع لكل الأنماط والألوان الشعرية. حيث ينتقل بمهارة فائقة بين الشعر الموزون بأنواعه سواء التفعيلة أو العمودي وبين قصيدة النثر، مما يكشف عن تمكن شعري شامل ونضج في تجربته على مدى سنوات من الكتابة.
فالشاعر نمر سعدي ينحت تجربة شعرية مختلفة بكل أحاسيسه وعمقه الشعري وهي محاولة منه لإثبات مشروعه – إن صح التعبير- الذي يرمي منه إلى نحت كتابة شعرية حديثة تقطع مع الماضي، وبذلك يؤسس موقفاً مما كتب ويكتب حتى الآن بالساحة الأدبية العربية. مستدعيا لذلك عدد من الشخصيات التاريخية والأدبية العربية والعالمية، موظفا إياها توظيفا غايته التعبير عن أفكار وأراء يريد بثها للمتلقي في شكل رسائل سرية تشكل ما يشبه السيرة الذاتية، حين تتقاطع أحاسيس الشاعر الذاتية بأحاسيس المتلقي.
لننطلق بادئ الأمر من عتبة العنوان، وهو عنوان دال لا يخلو من الشاعرية والتصوير الحي. فـ"ساعي بريد" تعني لحظة انتظار، انتظار الحب والعاطفة وهي لحظة إرسال الحب ولحظة وصوله. أما "اللهفة" فهي تلك الكلمات الدافئة والعبارات الأكثر شوقا، هي ذلك القلق العاطفي الذي يجعل الإنسان يكتب لأنه يجعل من الصمت مطية لنسخ ذلك الصمت، كما أنه يستطيع أن يعجن الكلمات ويشكلها جسدا شعريا يعبر عن حالة الحب والدفء ويفتح نوافذ الفرح والشوق.
ومن خلال قراءتنا الأولى للمجموعة الشعرية نلاحظ ذلك الصمت الذي يعبر عن الدهشة والكلام الذي يعبر عن قدرة الشاعر في صناعة المعنى وصيد الكلمات. حين تستمع وأنت تعبر بقلبك القصائد إلى موسيقى يستهويك لحنها وتشدك إليها نغمات الحب على أوتارها لتتجسد اللغة وجعا وحريقا عاطفيا كإحتراق فراشة بالضوء وقد همست للشاعر أن يستنجد بالريح والعشب والماء والهواء.
يعتمد الشاعر على تقنية مختلفة إتجه إليها أغلب شعراء هذا العصر من خلال تقنية الانفتاح على نصوص وأجناس أخرى، والذي يمكن التعبير عنه بالنص الفسيفسائي الذي يتشكل من خلال تمازج نصي يولد من نص آخر يعبر عن الواقع ويحاكيه. فالشاعر يجعل من القصيدة الشعرية قصيدة منفتحة على مسالك البوح العديدة، تتنازعها الخطابات المختلفة، من صوفية وسريالية وأسطورية وواقعية وخيالية، فهو كالطفل يمارس جوعه للكتابة يراقب لعبته يجعلنا قابعين في متاهة التأويل غايته أسر القارئ من خلال مسار النص على المستوى الصوتي المرتبط بالبعد الإيقاعي المؤثِّر في المتلقي.
فالشاعر نمر سعدي يستحضر صورة الآخر في شعره لا يفصل ذاته أبدا عن واقعه ليكون الصدق الفني والعاطفي طريقا يسكن ملامح شعره الذي كانت غايته استجلاء الواقع وتلمس حقائق الذات الإنسانية من خلال التعبير عن آلامه وأحزانه وبذلك التعبير عن أحزان الآخرين.
كما يسلط الشاعر الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، من خلال تقنية التكرار، وهو من أبسط ألوان التكرار، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يتكئ إليه الشعراء في محاولتهم تهيئة الجو الموسيقي لقصائدهم، ليحصل الانسجام والتكامل والإيقاع والمعنى.
من خلال تكرار ثيمة (الليل)، بمختلف اشتقاقاتها اللفظية دون اعتبار المفردات الدالة عليه أكثر من 31 مرة في أغلب نصوص المجموعة باعتبار الليل ملاذاً آمناً للشعراء، للتعبير عن خلجات الصدر ومكنونات الروح، فهوالقادر على نقل حزمة الأحاسيس إلى رؤى وإيحاءات وصور بلاغية، فهو خازن للهموم، ومحقق الراحة والهدوء، ورمز للقهر والاستعباد والجهل والتخلف، وهو يظهر أحيانا متخفيًا بأضداده، أوبألفاظ قريبة منه في المعنى، حين يقول: " الصمتُ أغنيةُ الطريقِ، الصمتُ وردةُ أغنياتي، زرقةٌ عمياءُ في فجرٍ خريفيِّ الضبابِ ".
فعندما يهبط الليل تهبط معه الهموم الثقال والأحزان والمناجاة والتوجد، وذلك في قوله أيضا:" الليلُ إذ تتفتَّحُ الروحُ الغريبةُ فيهِ، حقلٌ واسعٌ تلهو فراشاتُ النهارِ بهِ، سأمحو ما كتبتُ، سأشطبُ الآنَ القصيدةَ، فالقصيدةُ لا تقولُ الصدقَ في هذا الزمانِ الوغدِ، أو هيَ ذرُّ ملحٍ فوقَ جرحِ الروحِ أو رشُّ الرذاذِ السكريِّ على المنونِ، هيَ الكتابةُ كالكآبةِ حينما في البحرِ تحرثُ... "
فالتكرار الذي يعتبر من علامات الجمال البارزة، يعرفه السجلماسي بأنه: “إعادة اللفظ الواحد بالعدد أو النوع، أو المعنى الواحد بالعدد أو النوع، في القول مرتين فصاعدا، وهي اسم لمحمول يشابه به شيء شيئا في جوهره.” (المنزع البديع، ص. 476.) وهذا التكرار جاء تكرارا تأكيديا يراد به إثارة التوقع لدى المتلقي، وتأكيد المعاني وترسيخها في ذهنه، وقد اعتمد الشاعر هنا على تكرار جملة من الكلمات.
حيث نجد كلمة مثل (القصيدة) التي تكررت بمختلف اشتقاقاتها اللفظية حوالي (37 مرة) والتي جاءت في الكثير من المواضع في صيغة المفرد كما جاءت في صيغة الجمع، فالقصيدة أنثى عاشقة لشاعرها، واللهفة قصيدة تنادي لهفة الشاعر.
" ساعي بريدِ الحبِّ أو ساعي بريدِ اللهفةِ الأولى
إلى مدنِ النساءِ ".
إنه تكرار فني، يستدعي التأويل، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثر الدرامي أو من خلال استجابات القراءة، حيث ينبع من إيقاع ذاتي، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر، لتتحقق لهفة الشاعر و لهفة القارئ.
كما اعتمد الشاعر تقنية التوظيف لشخصيات فكرية وأدبية (أبو ذر الغفاري/ الحلاج / الصعاليك / امرؤ القيس / جون كيتس/ مالك ابن الريب / لوركا / نزار قباني / شكسبير/ طاغور...)، لبث أفكار وقضايا وهموم يريد نقلها للمتلقى بطريقة مختلفة مع الإيحاء والترميز أحيانا والتصريح أحيانا أخرى حول هذه الشخصيات، فليس بغريب عن الشعراء أن تكون الشخصيات الأدبية والفكرية هي الأكثر توظيفا في شعرهم خاصة وأنها الأقرب من نفوس الشعراء ووجدانهم.
"كانَ الحلَّاجُ كنرجسةٍ عمياءَ
على ثلجٍ مشتعلٍ مصلوباً فوق صليب الريحْ
يتنهَّدُ: للرغبة ديكٌ أزرق فوق رماد الليل يصيحْ".
بالاضافة إلى توظيف الشخصيات التاريخية الأسطورية والدينية وكشخصية: أنكيدو وزليخة وملحمة جلجامش.
"لأكتشف المسافة بين ذاكرتي وصلصال الحنين؟
صادقت أنكيدو وعشبَ الليلِ
عشتُ مع الصعاليكِ الذين تناثروا
في الحبِّ والأحلامِ والصحراء..."
كما وظَّف شخصيات فنية كشخصية: بيكاسو وسلفادور دالي. وذلك للعلاقة المحورية القائمة بين الشعر والرسم ولا ننسى في هذا الموضع عبارة بيكاسو الشهيرة إن الشعر رسم بالكلمات. حيث يرى عبد القادر الجرجاني بأن الشعر يربط الرسم والتصوير بالفنون الأخرى، فيفترض أن الشاعر مثل الرسام يقدم المعنى بطريقة حسية فيرسم مشاهد يراها المتلقي عن طريق اللغة التي تترجم صوراً في ذهنه.
بالاضافة إلى شخصيات من الأدب العالمي كشخصية شهريار وشهرزاد وشخصية جولييت. حين يقول:" من تمثال جولييتَ المصابِ برعشةٍ زرقاءَ". وهو توظيف مرده عوامل ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وكذلك عوامل نفسية.
لتتوهج الكلمات وتتفاعل الشخصيات وقد أبحر عبر الزمن ليعيش الشاعر في نصوصه في اللا زمن، ليضع أسئلة موصدة بعلامات استفهام ويحاول جاهدا أن يشاكس المعنى للوصول الى إجابات للخلاص، الخلاص من لهفة النص المغلق ويفتح أجنحة القصيدة نحو لهفة أرحب لهفة الخلاص فهذه الشخصيات مشحونة بمعنى التمرد والانعتاق، لتنطلق القصيدة نحو أزمنة متعددة ومشاهد سريالية تعبر عن فنتازيا شعرية أجاد الشاعر نمر سعدي تصويرها تصويرا سينمائيا، حين يجمع قبسات شعرية يهش بها قلق الشاعر القابع في المتلقي وهو ما يمكن وصفه بالمحاكاة التي تهدف إلى نقل صورة الواقع وما يحيط بالشاعر والتأثير في المتلقي واحساسه وانفعالاته.
فمن خلال هذه اللهفة الشعرية تطل علينا الأمكنة التي تثير في القارئ ذلك القلق الشعري بذكر أمكنة متخيلة وأخرى حقيقية تشير إلى المنفى وتنسخ خيوط الحنين : حيفا والقدس والجليل وغرناطة.
فالوطن من أهم محاور الشاعر في مجموعته الشعرية، من خلال تأملات الشاعر وانشغاله بقضاياه، ودلالاتها النفسية التي تكشف عن حس وطني غني وعميق.
فالشاعر عموما هو أكثر الناس قدرة على التعبير عن معاناة وطنه، وعن حالة اللامنطق واللامعقول الذي يعيشه وما أستجد فيه من أحداث مأساوية. فهو يعتمد لغة إيحائية رمزية تصويرية عندما يعبر عن هذه المعاني من أجل تكثيف دلالة الوطن والتعبير عن قضاياه.
إنها تراتيل روح عاشقة تحاول أن تنزع الغيوم عن قصيدة وأن ينحت تماثيل القصائد حينا ويزرعها حينا آخر لتنمو ونارا تدفء الأطفال و الشعراء.
"ليت القصائدَ تنمو في الثرى لأرى
ظلا يفكُّ لقمصان الشموس عرى
ليت القصائد ناراً في الشتاءِ لكي
يأوي إلى دفئها الأطفالُ والشعرا"
فهو يخاطب الشعر ككائن.. كأنثى، يتساءل عن جدواه، عن قدرته على مواجهة قسوة العالم، ويجعل القارئ يعيش لحظة القلق الشعري. ففي شعره حضور مكثف لضجيج الحياة والوجع النفسي المتخم بالآهات المتمردة، في صور شعرية مركبة تجمع ما بين الأشياء ومدلولاتها، تعبر عن الذات وهمومها وردة فعل الواقع الذي يعج بالمتناقضات.
وقد تميزت المجموعة الشعرية بعدة خصائص فنية ساهمت في إثراء النص من خلال عمق تناوله الفلسفي لقضايا وجودية من خلال رسائل الوجد التي يحملها ساعي بريد اللهفة نمر سعدي بالاضافة إلى رهافة التركيب وطريقة الطريح والإيحاء في التصوير والتحليق في سماء المعاني المتعددة لنصوصه، ليجس بأفكاره وكلماته قضايا مهمة وشحها بأسلوب جميل يساعد في كشف خطوط نصوصه المحورية، ليترك لنا جانبا من التخيل في الجمل والمعاني التي يحس بها ويبثها فينا كلما انتقلنا من نص إلى آخر.
وفي الختام يمكن القول أن نصوص الشاعر نمر سعدي لا تؤمن بالحدود فهي نصوص مفتوحة على عدة قراءات فكلما قرأت نصا إلا ووجدت فيه معنى جديدا وروحا جديدة بحلة متنوعة فيها الكثير من الحبكة الشعرية والتوظيف المحكم للشخصيات التاريخية والأسطورية وهنا يتقاطع الزمان بالمكان وتتقاطع الأحداث والشخصيات بمختلف مشاربها وأزمنتها.