عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

حكت لي قارئة نهمة، بعينين فيهما شيء من الدهشة ، أنها لم تقرأ" النبي" لجبران خليل جبران مرة واحدة كما يفعل العابرون، لكنها عاشته لعدة مرات؛ قالت إنها فتحته أول مرة وهي في الرابعة عشرة، ثم عادت إليه في المراهقة، ثم في بدايات الشباب، ثم في الخامسة والعشرين، وفي الخامسة والثلاثين ؛ وفي كل مرة، لم يكن الكتاب هو نفسه، ولا كانت هي ذاتها ، كانت تخرج منه بمعنى جديد، كأن الكلمات تُفكّ طبقاتها ببطء، كلما نضج القلب قليلا.
وأنا أستمع إليها، لم أفكر في الكتاب، ولا في الزمن وهو يعيد ترتيب المعاني داخلنا ، تذكرت ساعتها الشيخ أحمد زروق، وهو يشرح حكم ابن عطاء الله السكندري أكثر من عشرين مرة، ليس لأنه لم يفهمها من قبل، ولكنه في كل مرة كان يفهمها بطريقة أخرى ، كأن النصوص العميقة لا تعطيك نفسها دفعة واحدة، إلا عندما تتغير أنت أولا.
في المكتبة، أرى هذا يحدث في أحيان كثيرة دون أن ينتبه أحد ، قارئ يقتني كتابا، ثم يعود بعد سنوات ليشتريه من جديد، ليس لأنه فقد النسخة، لكنه لم يعد ذلك القارئ القديم الذي كانه.
هناك كتب لا تُقرأ، لكنها تُعاش على مراحل ، وكل قراءة ليست عودة إلى الكتاب، لكنها أوبة جديدة إلى نفسك.
#للجميع #حديث_الكُتَّاب #حديث_القراء #كتب #كُتَّابٌ_عَرَفتٌهُمْ #حديث_الكتب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى