محمد محضار - عندما تخلع طبيبة الأشعة رداءها الأبيض

عندما تخلع طبيبة الأشعة رداءها الأبيض لتكتب رسائل إلى الروح: رحلة إيمان محضار مع رسائل إلى " M"
بين ممرات المستشفيات المزدحمة وأجهزة التصوير الطبي المعقدة، وفي قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، تمارس الدكتورة إيمان محضار مهنتها كطبيبة أخصائية في الأشعة. مهنة متطلبة، تحكمها الدقة وصناعة القرار وتستهلك الكثير من الطاقة العاطفية والذهنية. لكن خلف ردائها الأبيض الصارم، تتورى روح أدبية استثنائية استطاعت أن تجعل من الكتابة ملاذاً امنا، لتقدم للمشهد
الثقافي المغربي والعربي أولى ثمراتها الأدبية: كتاب "رسائل إلى M" الصادر عن دار النشر المغربية المودة الثقافية تحت عنوان فرعي مثير: "المسار المثير للاستبطان" .
في ظهور لافت لها بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حظي كتاب إيمان محضار باهتمام قراء الأدب الوجداني والروحي؛ حيث يمثل كتابها تجربة إنسانية فريدة كُتبت على مدار أكثر من عشر سنوات.

Messenger_creation_05BF8438-6151-4618-AAA0-4DD5073F01B5.jpeg

الكتابة كضرورة وملاذ آمن
الدكتورة إيمان محضار لا تَعتبِرالكتابة ترفا فكريا أو مجرد انضباط يومي، بل تراها "ضرورة حتمية". ففي ظل واقع عملي وعائلي ملموس ومستنزف، كانت الحروف وسيلتها الوحيدة لإعادة الاتصال بذاتها وإيجاد معنى للأشياء وسط ركام الحياة اليومية.
وتعترف الكاتبة بأن شخصيتها الانطوائية لعبت دوراً حاسماً في صياغة هذا المنجز الأدبي. فالأشخاص الانطوائيون يختزنون في أعماقهم فيضاً من الأحاسيس والمشاعر التي لا تجد طريقها للنطق، لتكون الكتابة في خلوة خاصة أقرب للعلاج النفسي الذي يُهدئ نَفسِيّتهم ويُعيد ترتيب فوضى عواطفهم.
قصة "رسائل إلىM" ": من المنشور الفايسبوكي إلى رفوف المعارض
بدأت حكاية هذا الكتاب قبل نحو عقد من الزمن بشكل عفوي، شعرت الكاتبة برغبة ملحة في البوح بأسرار نفسها و كوامن ذاتها، وذلك بخطاب مضمر ومرموز يتجاوز حدود الظاهر عبر لغة متشحة بتطريزات فلسفية وفسيفساء تمتح من معجم سؤال الذات ،
فكانت الرسالة الأولى بمثابة مساحة للتعبير الحر دون انتظار رد أو سقف من التوقعات بل فقط طرح تساؤلات وجودية عميقة وفتح نوافذ للتّأويل تُفضي إلى رسم نسق يُقوي من حافز البحت عن المعني. استمرت هذه الطقوس منذ عام 2016، حيث كانت ايمان
تتقاسم بعض نصوصها التي تتخد لُبوس رسائل موجهة لشخصية مجهولة اختارت أن ترمز لها بحرف “م “عبر صفحتها الشخصية
على منصة "فيسبوك" بغرض حفظها وتخزينها، بينما ظل البعض حبيسا في حاسوبها .
ولم تكن هذه النصوص لتتحول إلى كتاب مطبوع لولا دور العائلة المُلهم؛ فإلى جانب تأثرها بوالدها الذي يعيش شغف الكتابة ويمارس بشكل منطلق رحلة صياغة نصوص تكفل له الاستمرار في الشعور بطعم الحياة، تلقت إيمان دعما كبيراً وإلحاحاً مستمراً من شقيقتها فاطمة الزهراء محضار التي لها هي الأخرى اهتمامات فنية وأدبية، والتي آمنت بموهبتها ودفعتها لتقاسم هذه الفَورة العاطفية المتماسكةمع القراء الذين يهتمون بسحر الكلمة وفيضها أيّان كانت اللغة التي كُتبتْ وذلك عبر إصدار مميز صادر عن دار "الموجة الثقافية" للنشر .

Messenger_creation_98F96D8D-58E6-461F-A417-D7CC033312B4.jpeg

غموض الهوية وأدب الرسائل

اختارت المبدعة ايمان محضار بوعي تام صيغة أدب الرسائل لمخاطبة ذائقة القارئ لما يمنحه من حميمية وأصالة وقرب فوري . ورغم أنها اكتشفت هذا الجنس الأدبي في مرحلة متأخرة بعد إنهاء كتابها ـ من خلال روائع مثل "رسائل إلى ميلينيا" لفرانز كافكا ـ إلا أن خيارها الحدسي أثبت نجاحه.
أما الحرف “م” فيبقى اللغز الأجمل في الكتاب، والكاتبة ترفض الكشف عن هوية المرسل إليه ، وتفضل الإبقاء على مجهوليته لأن
ذلك يخدم منجزها الإبداعي لأنه يتيح للقراء مساحة حرة لإسقاط تجاربهم وعواطفهم الخاصة، وبناء روابطهم الفريدة مع الكلمات،
مما يجعل تجربة القراءة أكثر جاذبية وتشويقاً ويمنحهم فرصا متجددة لولوج عالم الكاتبة المغلف بسحر خاص، قوامه التأمل والبحث عن الحقيقة .
.
دعوة لاكتشاف الذات
يأخذنا الكتاب في رحلة عميقة لاستكشاف :الاستبطان(تأمل الذات)، الإيمان، الحب، والحرية. وتَعتبر الكَاتبة أنّ"تأمل الذات" هو
المِحور الأساسي للعمل، بينما تمثل الموضوعات الأخرى مُجرد مسارات مختلفة تؤدي كلها في النهاية إلى فهم أعمق للذات الإنسانية
ونسبية الحقائق الفلسفية التي نعيشها ونحاول استكناه بعض مفاهيمها وذلك في محاولة لإيجاد إجابات شافية عن ذلك القلق الوجودي المترتب عن ضغوط الحياة .
تقدم إيمان محضار منجزها الأدبي رسائل إلى “م” للقراء ليس كدليل تعليمي مبني على المعيارية والنصائح الجاهزة بل
كوسيلة لرسم مسار يسمح لهم بتجاوز لحظات الانكسار وذلك باللجوء إلى حوافز محركة للمشاعر تضخ لديهم شحنة
إلهام فارقة ومؤثرة، والكاتبة تلخص فلسفتها في جملة عميقة تقول فيها:” ربما لن تخاطب كل رسالة جميع القراء، ولكن
بالـتأكيد هناك رسالة مخصصة لكل قارئ”، ومع تطلعها المستقبلي لطرق أبواب الرواية في صبغتها الواقعية التي تمتح
من محيطها العام والخاص مع الحفاظ على البعد التأملي ، تبقى الدكتورة إيمان محضار نموذجا للمرأة المغربية التي
توازن بين صرامة العلم والطب وسحر الأدب و القوة الخفية التي يمتلكها ليؤثر في وجدان المتلقي .

محمد محضار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى