أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٦ نيسان من كل عام

١
حالات " شيء من الصداقة " :
هل كان أبو وردة ، ذات نهار ، يساريا ؟
يشغلني أبو وردة وما آل إليه .
أبو وردة صديق قديم ، كان ، ذات نهار ، يساريا واختلف .
أحيانا تجمعنا الذكريات فأرى أنه ما زال يتمتع بعقلية الحارة والمخيم وأتساءل :
- هل كان أبو وردة يساريا ؟
أبو وردة مثال / نموذج لمثقفينا الذين لم يخرجوا ، رغم ثقافتهم وتعلمهم ، من عقلية الحارة والمخيم والقرية .
هل سيكون هذا هو مقالي ليوم الأحد ؟
قولوا إن شاء الله .
أنا ايضا مشغول برواية الكاتب التشيكي المنشق ( ميلان كونديرا ) وعنوانها " الهوية " ،
وماذا عن زيارتي لرام الله واللقاء مع الشاعر أحمد دحبور .
في روايته " الهوية " يأتي ( كونديرا ) من خلال أبطاله على الصداقة ، ويعتمد على رواية ( دوما ) " الفرسان " .
هل الصداقة أهم من الحقيقة ؟
لماذا أصادق من أختلف معهم ولا أقاطعهم .
أبطال ( كونديرا ) لديهم الإجابة .
صباح الخير يا أحمد دحبور ويا أكرم هنية ويا يحيى يخلف ويا .. يا فتحي البس أيضا ، بغض النظر عن ضحكة حقوق المؤلف .
٢٠١٢
٢
فقد تساوى في الثرى راحل غدا وماض منذ آلاف السنين
أطفيء لظى القلب بشهد الرضاب ،
فإنما الأيام مثل السحاب
وعيشنا طيف خيال ، فنل حظك منه قبل فوت الشباب
لبست ثوب العيش لم استشر وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم أدرك لماذا جئت أين المفر
يا من يحار الفهم في قدرتك وتطلب النفس حمى طاعتك
إن لم أكن أخلصت في طاعتك فإنني أطمع في رحمتك
وإنما يشفع لي أنني لم أشرك في وحدتك "
وأنا أصغي إلى " رباعيات الخيام " أتذكر محمد عبد الوهاب و " جايين الدنيا ما نعرف ليه "
وأتذكر ايليا أبو ماضي أيضا .
خربشات مقتبسة
٢٠١٤
٣
مصري ومصري :
أكتب عن الدكتور المصري الذي كتب كتابا عن تطور صورة اليهود في الأدب العربي فيتصل بي الدكتور الفلسطيني النابلسي هاشم المصري مستفسرا عما كتبته عن كتابه " حكايا المدينة " الذي طبع في الشام . هل هي دعابة أم أنها ضرب من مواصلة العبث ؟
لما كنت في ألمانيا قال لي د. ( اشتيفان فيلد ) :
- ما وجدته هنا ستعرفه هناك .
وهكذا تواصلت اللعبة المملة المزعجة الثقيلة السمجة الخرائية مع المعذرة .
ما هي اللعبة ؟
إنها ضرب من التورية أو أن ما فعلته تعرفه .
ما فعلته هناك نعرفه هنا . إننا نعرف كل شيء تقوم به . مخابرات . جوسسة .. الخ .
أليس الأمر مزعجا لأستاذ جامعي يحتاج إلى صفاء عقل .
أحيانا أكتب :
" لعنة الله على أكثرنا ؛ متعلمين وغير متعلمين .
لماذا ؟
لأننا متخلفون ولا ننتج سوى الكذب والنميمة والتمثيل . من قال إن العرب بحاجة إلى مسرح أو إنهم لم يعرفوا المسرح ؟
طبعا الدكتور هاشم لا علاقة له بالأمر .
المشكلة تقع على عاتق من أخبره .
ماذا أكتب فينا ؟
صباح الخير يا وطن . كاسك يا وطن .
٢٠١٢
٤
ولكن مثلي لا يذاع له سر :
اعتقد ، حتى اللحظة ، أنني حققت ﻷبي فراس ما قال . لم أذع سرا لو أذعته منذ 1991 لاختلفت أوضاعي الشخصية . لربما ما أصبت بالسكر . لربما ما فقدت أصدقاء كثيرين . لربما سافرت غير مرة . لربما كانت علاقاتي بكثيرين من الفضوليين أفضل . لكن من قال إن ذاك سيكون أفضل ؟
لشد ما أنظر إلى كثيرين باستخفاف واستهانة واحتقار .
أحيانا أقول :
- حسنا أن حدث ما حدث ﻷختبر البشر .
ولقد اختبرتهم فوجدت كثيرين بائسين حقا .
" ولكن مثلي لا يذاع له سر ".
وكان يمكن أن أكون ثرثارا .
حسن أن حد ث ما حدث . مثل بطل ( فولتير ) " كنديد " : حسن أن حدث هذا ولم يحدث شيء آخر . فلو لم يحدث هذا لحدث ما هو أسوأ .
أتذكر العجوز في " متشائل " حبيبي :
- منيح إن صار هيك وما صار إشي ثاني .
أتذكر رد سعيد :
- أي شيء يا عجوز النحس .
ولكن مثلي...ولكن مثلي...
ماذا علمتني الروايات؟
" شجيرتي ذات منديل أحمر " ل (جنكيز ايتماتوف) واﻷدب الروسي .
٢٠١٤
٥
ام كلثوم تحتل المدينة :
من غرب المدينة إلى شرقها ، والمسافة قد تتجاوز 1كم ، كان صوت أم كلثوم هو الحاضر بلا منازع .
يوميا في السادسة ، هذه الأيام ، أذرع شارع البلدة القديمة من بوابتها الغربية إلى بوابتها الشرقية . حقيبتي بيدي وبعض أشيائي ، وأسير ...أسير في الشارع ، مارا ببائع التمرية وحلويات الأقصى والبيروني ومالكها الجديد حرب أبو حرب ، وبالشهم ، وأصغي :
صوت أم كلثوم يحتل الشارع ، من محطة " أجيال " قبل السادسة ، ومن إذاعة النجاح في السادسة ، ومن إذاعات أخرى و
" فات الميعاد "
و "دارت الأيام "
و" اراك عصي الدمع "
و" حيرت قلبي معاك "
وأنا أسير ، من أغنية إلى أغنية ، ولا صوت يعلو فوق صوت الطرب ، وصوت أم كلثوم . و " يا رب هل يرضيك هذا الظمأ ".
ربما وجب أن أقرأ قصيدة محمود درويس " ادمان الوحيد " ولو كان الشاعر حيا لهاتفته وقلت: " إدمان الشارع كله "
وأنا أسير وأسير ولا صوت يعلو فوق صوت أم كلثوم .
٢٠١٤
٦
هذا الصباح :
انتابتني هذا الصباح رغبة في كتابة عن الذات . ألح علي هاجس الرد على تساؤلات آخرين حول اشتباكي مع الآخرين وعدم تصالحي مع أحد ، وكنت أوردت هذا في " ليل الضفة الطويل " 1993 .
ومنذ 1993 وكرة الثلج تتدحرج ودائرة الأصدقاء تقل والأعداء يكثرون لدرجة أنني خسرت الكثيرين .
هل أنا السبب؟
سوف أسائل كتاباتي منذ 1976 وسأجدني غير منسجم مع هذا العالم .
لماذا ؟
ربما الخلل في تكويني ، فالعالم ما شاء الله ! ما شاء الله !
دائما كنت معرضا للاشتباك مع الآخرين ، وغالبا ما كنت اشتبك ولا أنسحب .
أعتقد أنني لست ملاكا ولكن العالم أيضأ ليس عالم ملائكة .
هناك خلل ما هو ما أشار إليه (شكسبير ) : " ثمة خطأ في مملكة الدنمرك " . صلحت الدنمرك وخرب العالم . ثمة خطأ في فلسطين ارتكب منذ 1917 وقد عبر عنه المثل الشعبي : " مجنون رمى حجرا في بئر ومائة عاقل مش قادر يطوله ".
هذا الصباح تذكرت غسان كنفاني وما كتبه عن أبناء المخيم في قصته " الصغير يذهب إلى المخيم " .
إن الحياة لأبناء المخيمات هي حياة اشتباك . إنها حياة لا مجال فيها لهدنة أبدا ، والفضيلة الأولى للمرء هناك هي أن يظل على قيد الحياة ، لأنه لا فضيلة قبلها ولا بعدها .
خرجت من المخيم في 1978 ولكني ، على ما يبدو ، ما زلت ذلك الذي كتب عنه غسان : اشتباك مع العائلة واشتباك مع المعارف والأصدقاء والزملاء واشتباك مع المؤسسة و...و..وقبل هذا وبعده اشتباك مع الرواية الصهيونية .
في المنام وجدت أبا وردة حلاقا ووجدت شعري ، أنا الأصلع ، طويلا طويلا ، كأنه شعر هندي أحمر . قلت للحلاق ، وأناأحلق عند أحد طلابي :
- قص شعري كله إلا من الجانبين .
والطريف أنه لا يوجد في رأسي شعر إلا على الجانبين .
هذا الصباح انتابتني رغبة في الكتابة .
كانت العصافير تعزف موسبقاها على شجرة الجوز وفكرت في أمرها وترحمت على أبي و..و..
ولم أكتب ما دار في داخلي وسأصحح الأخطاء لاحقا .
26/4/2016
٧
جائزة بوكر للرواية لهذا العام :
اليوم سيعلن عن الفائز بالرواية العربية لهذا العام .
من فلسطين هناك روايتان من ست روايات ، وهما لربعي المدهون ومحمود شقير . الثاني اختار القدس ليقيم فيها وانتمى لفلسطين ، من خلال جواز سفره ، والأول - اي المدهون - حصل على جواز سفر بريطاني وأقام في لندن ، ويزور فلسطين .
لم أقرأ الروايات الستة لأخمن أو لأبدي رأيي .
سانتظر ، ولأعضاء اللجنة ذائقتهم الخاصة . لا ينبغي أن يزعل أي شخص . وإن كان أحد معارفي سرب لي أن الجائزة هذا العام لفلسطين ، لاختيارات ..........الخ.
لست أدري . إنني انتظر الإعلان ، ومبروك للفائز ، أي فائز أكان فلسطينيا أم عربيا ف(بلاد العرب اوطاني ...من الشام لبغدان
ومن نجد الى يمن فتطوان )
26/4/2016
٨
جائزة بوكر لربعي المدهون :
كنت أبلغت قبل شهر ونيف أن جائزة الرواية العربية ستمنح هذا العام لفلسطين ولربعي المدهون غالبا .
لا تعليق .
٩
من أخلاقنا الحميدة :
من أخلاقنا الحميدة أننا نحترم من يكون على شاكلتنا ويتبنى أفكارنا ويكون صورة طبق الأصل عنا .
هكذا نبدو ، مثل قوس قزح ، في تعاملنا مع شخص يلتقي معنا في موقف ويختلف في ستة مواقف .
أنا أفضل من يدرك هذا ويعرفه نظرا لكوني شخصية إشكالية .
هكذا اغدو مرة دكتورا وثانية " حاجا " وثالثة أستاذا ورابعة انادى باسمي حاف وخامسة أبو فراس وسادسة " جماعة " وسابعة فتحا وثامنة...الخ .
أخلاقنا إسلامية حميدة - أي والله - وكثيرون منا ، لهذا ، حرباوات .
2017 / 4 / 26
١٠
سحر خليفة وجائزة الرواية :
سحر خليفة الكاتبة الروائية الواقعية الاتجاه تختار رواية لا تندرج تحت هذا الاتجاه لتفوز بالبوكر .
محمد حسن علوان كاتب سعودي جيد قرأت له " القندس "وراقت لي ، ولكني حين باشرت بقراءة روايته " موت صغير " تركتها ولم أكمل .
سحر خليفة كاتبة روائية متواضعة ترجمت إلى لغات عديدة بسبب التوجه النسوي في العالم ، وربما بسبب القضية الفلسطينية ليس أكثر ، ورواياتها ذات قيمة اجتماعية وليس لها أية قيمة أدبية .
2017 / 4 / 26
١١
كثير النط قليل الصيد :
في 1977 كنت مدرسا في مدارس الحكومة وغالبا ما كنت أبحث عن وظيفة أفضل ، وكانت جامعة النجاح الوطنية في سنتها الأولى ، وكنت أسعى للالتحاق بها ، ما دفعني باستمرار لمغادرة المدرسة الصلاحية التي كنت أدرس فيها . ولم ترق مغادرتي المتكررة لمدير المدرسة ( أبو شوقي ) وكان يودني كثيرا .
مرة قال لي المثل الآتي :
" كثير النط قليل الصيد " .
ولم أهدأ عموما وظللت أنط حتى وصلت إلى مبتغاي .
في الحب الأمر مختلف . يبدو أن على المرء ألا ينط كثيرا ، لا لأنه قد لا يصطاد ، ولكن لأنه يخرب بيته .
أنا في باب العلاقة العاطفية أفضل ألا اكون كثير النط . ( وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) .
الصداقة لا تعني الجمع بين اثنتين . لي قلب واحد فقط والآن الآن الآن تحديدا عليه ألا ينشغل .
على رأي فطوم " يضرب الحب شو بذل " .
رحم الله " أبو شوقي " :
" كثير النط قليل الصيد "
وماذا لو أخذت بما قاله لي ؟
26 / 4 / 2018
١٢
من ترك أمرا من أمور الشرع أحوجه الله إليه :
كان زوج خالتي إنصاف " أم سعيد " وهو حسن المغربي - رحمه الله - يكرر على مسامعي القول :
" من ترك أمرا من أمور الشرع أحوجه الله إليه " .
مرة كنت فطنا فاشتريت من أبي سطوح البناية التي أقمناها أنا وأخي وأبي ، علما بأننا الثلاثة اشترينا الأرض معا وسجلناها باسم أبي ، وكان رحمه الله يفكر في أبنائه كلهم وحسب حسابهم في البناء .
لم أعترض أنا وأخي ، وقلنا صحتين وعافية للأخوة .
لم أكن أعرف أن قرار المحكمة في البيع والشراء يجب أن يجدد كل خمسة عشر عاما ، وهكذا صارت البناية كلها من حق الأخوة والأخوات كلهم .
حين قررت توزيع الإرث حسب الشريعة الإسلامية صارت الشقة لي تماما . ولم أفكر يوما في منازعة للحصول على حصة أكبر ، والحمد لله أنني لم أخلف ولدا ذكرا ، وإنما رزقني الله بابنتين اثنتين ، وكم أنا مسرور لهذا ، لأن ما سأتركه سيوزع على كثر .
المهم ما قاله لي زوج خالتي إنصاف ، وهو إنسان كانت تجربته الحياتية واسعة ، وهو الوحيد الذي قال لأبي بخصوص مشاكلي :
- اترك ابنك يتصرف وحده . أنه يفهم ما يجري معه .
الرحمة على " أبو سعيد " المغربي ، ومن ترك أمرا من أمور الشرع أحوجه الله إليه ، فانتبهوا .
مقالي الأحد في الأيام الفلسطينية سيكون عن زيارتي مدينة الناصرة .
26 نيسان 2019
١٣
مقالي الأحد في الأيام الفلسطينية 28 نيسان 2019
وردة للناصرة : تداعيات وذكريات
عادل الاسطة
"وردة للناصرة " عنوان قصيدة للشاعر أحمد دحبور الذي توفي في الحادي والعشرين من نيسان 2017 .
عاد الشاعر إلى فلسطين إثر توقيع اتفاقية "اوسلو" وزار الناصرة وحيفا التي هجر أهله منها في العام 1948 وعمره عامان .
حلم الشاعر وهو في المنفى بالعودة إلى المدينة التي ولد فيها ورؤية بيته ومكان ولادته ، وحلم أيضا بزيارة الناصرة ولقاء شاعرها ورئيس بلديتها توفيق زياد ، فهو مثله شاعر مقاومة وكان أحمد كتب عن الشعر الفلسطيني كتابة مطولة نشرها في مجلة " الكرمل " التي رأس تحريرها الشاعر محمود درويش وساعده آخرون . ولم تكتمل فرحة أحمد بزيارة الناصرة ، فلقاؤه بتوفيق زياد لم يتم ؛ لأن الثاني مات أو قتل في حادث سير مؤسف على طريق أريحا بعد عودته منها إلى الناصرة . وكان توفيق زياد سافر إلى أريحا لكي يستقبل المرحوم ياسر عرفات ويسلم عليه .
لم يلتق دحبور وزياد في الناصرة ، فكيف تكون المدينة من غير توفيق زياد؟
كتب أحمد دحبور قصيدة " من يوصل الجبل ؟" (5/7/1995 ) وأهداها " إلى روح توفيق زياد " وفيها يقول أحمد :
" أبا الأمين : أعني ، إن ناصرة
من غير وجهك ، تعني جرح مشواري
أبا الأمين : أزح هذا الرخام ، وعد
فقهوة الصبح ما زالت على النار
لسوف نرشفها ، فيما أرى جبلا
يمشي ، وتوصله حرا إلى الدار "
وكل من يزور الناصرة من جيلنا ومن المهتمين بالأدب ومن الشيوعيين والوطنيين القدامى لا بد من أن يتذكر الشاعر توفيق زياد الذي كتب في السنوات الأخيرة من حياته قصيدة اختارها عنوانا لآخر مجموعة شعرية أصدرها وهي " أنا من هذي المدينة " وقد لحنت القصيدة وغنيت واشتهرت أكثر وأكثر وفيها يعلن الشاعر انتماءه لمدينته :
" أنا من هذي المدينة
من حواريها الحزينة
من شرايين بيوت الفقر
من قلب الثنيات الحصينة "
ولا يعبر زياد عن حبه المدينة وحسب ، فهو يحب شوارعها وزقاقها ويحب أهلها/ أهله :
"أنا من هذي المدينة
ومن السوق القديم
ومن "النبعة " و " الكشاف "و "الخلة "
من بئر الأمير
ناسها سماري وأهلي...
رفاقي في السلاح
أنفي منهم ومنهم كبريائي
وهمو همي ...
وجرحي ، ودوائي "
ومدينة الناصرة مدينة مقاومة عصية على اقتحام الشرطة لبعض أزقتها .
الأسبوع الماضي زرت الناصرة التي زرتها آخر مرة في 1994 يوم أربعين الشاعر توفيق زياد ، وإن كنت في أيار من العام الماضي مررت بها ليلا لربع ساعة فقط .
ما حدث مع الشاعر أحمد دحبور حدث معي ومع القاص جمال بنورة والمسرحي محمد كمال جبر في نهاية 70 القرن 20 ، فقد زرنا حيفا والتقينا بالشاعر سميح القاسم والروائي إميل حبيبي والكتاب انطوان شلحت وحنا ابراهيم وعفيف صلاح سالم ، ولما زرنا الناصرة ذهبنا للقاء الشاعر وكان مشغولا بأمر المدينة فلم نتمكن من رؤيته والاجتماع به .
في فترات لاحقة زرت الناصرة مرات قليلة بصحبة كتاب آخرين هم داعس أبو كشك وغسان عبدالله ، وزرتها في رحلات جامعية ودخلنا كنيسة البشارة .
هل كانت علاقتي بالمدينة من خلال زيارتها أم من خلال أسطر شعرية ؟
كيف حضرت الناصرة في أدبياتنا وأين؟ وأي الأعمال الأدبية تركت أسطرها تأثيرا في شخصيا ؟
ربما يستغرب القاريء ان ورود اسم المدينة في قصيدة محمود درويش التي رثى فيها الشاعر راشد حسين في 1977 وهي قصيدة " كان ما سوف يكون " هي القصيدة التي جعلت اسم المدينة يحضر على لساني .
في قصيدة درويش يأتي على لقائه براشد حسين في مطار القاهرة ، ويورد فيها حوارا عابرا بينهما .
كان راشد عبر عن حزنه وخيبته من العالم العربي بقوله:
" واقف كلي مذلة
واقف في مطار القاهرة ،
ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة "
وأورده درويش في قصيدته على النحو الآتي:
" والتقينا بعد عام في مطار القاهرة ،
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة "
إن هذه الأسطر الشعرية ظلت عالقة في ذهني أكثر من غيرها مما قرأته من شعر أتى أصحابه فيه على الناصرة .
لا أعرف كاتبا من الناصرة حقق الشهرة التي حققها توفيق زياد ، ولكن المدينة عرفت أدباء آخرين أسهموا في الحياة الأدبية في فلسطين ، من خلال مكتباتهم أو من خلال نتاجهم أو إصدارهم مجلات وصحفا . من مثلا لا يعرف ادموند شحادة أو ناجي ظاهر أو عزمي بشارة .
وأنا في الناصرة تذكرت مثلا رواية توفيق فياض "المشوهون " التي تجري أحداثها فيها ، وقد أثارت زمن صدورها ، في منتصف 60 القرن 20 ، ضجة كبيرة ، فهي تدور حول علاقة طالب مدرسة ريفي بامرأة متزوجة من المدينة ، ولا أظن أن فياض في حينه أولى المكان عناية كبيرة .
وتذكرت أيضا رواية سليم خوري "روح في البوتقة "1986 ، وهي رواية أفكار بالدرجة الأولى لا رواية مكان ، وأعتقد أيضا ان المكان كمكان لم يكن هاجس الروائي بالدرجة الأولى ، ولهذا على ما أذكر لم يركز خوري على شوارع المدينة وأحيائها وساحاتها وما يميزها .
ومثل فياض وخوري عزمي بشارة في روايته " حب في منطقة الظل " 2005 . وحسب ملاحظاتي التي دونتها على النسخة التي بحوزتي فإن ما كان يشغل ذهن الكاتب هو الهم الوطني والسياسي والاجتماعي ، وبدرجة أقل بكثير ، درجة لا تذكر ، الكتابة عن الناصرة كمدينة لها خصائص مميزة لافتة .
في العام 2006 قرأت نوفيلا للكاتب ناجي ظاهر يأتي فيها على الناصرة . وأنا في الناصرة تذكرت ناجي الذي التقيت به هناك ، يوم زرتها وداعس أبو كشك وغسان عبدالله في نهاية 70 القرن 20 . وناجي يكتب من 50 عاما تقريبا .
الرواية القصيرة التي قرأتها هي " هل تريد أن تكتب رواية قصيرة " ( مجلة مواقف/ عدد 52 و53/ 2006) وهي رواية عن كاتب مثقف يريد أن يكتب رواية قصيرة ، وتبدو له الناصرة التي يقيم فيها مدينة تعيسة ذات أفق واسع إلى حد الضياع وضيقة إلى حد التساؤل ( 202 ) . وإن لم تخني الذاكرة فلناجي رواية ثانية عن شمس المدينة .
إن تتبع صورة الناصرة في الروايات الأربعة وفي غيرها يتطلب مساحة أوسع بلا شك.
وأنا في الناصرة تذكرت توفيق زياد شاعرا ورئيس بلدية وتذكرت أيام العمل الطوعي لتجميل المدينة ، حيث كان الشيوعيون يفدون إلى الناصرة قبل العام 1987 بالعشرات لكي يسهموا في العمل من أجل ناصرة نظيفة جميلة .
وربما يكون السؤال لقاريء الأدب الفلسطيني هو :
لماذا لم تحظ هذي المدينة في الأدب بما حظيت به يافا وحيفا وعكا والقدس ؟
الجمعة 26 والسبت 27 نيسان 2019
١٤
الست كورونا : " مطر ناعم في ربيع مكورن " والقدس حزينة ٦١ :
كانت أجواء هذا النهار ماطرة ، ولكن مطرها كان ناعما جدا ، ما ذكرني بعنوان ديوان محمود درويش " مطر ناعم في خريف بعيد " ، ولأننا في بداية الربيع والمطر فيه ، والخريف بعيد ولا نعرف إن كانت ستمطر فيه ، فقد تلاعبت بالعنوان بما يتناسب والوقت فقلت " مطر ناعم في ربيع مكورن " .
لم يمنعني المطر من شطف الساحة ، وكل ما في الأمر أنه وفر علي كنسها وسطل الماء فصرت مثل بخيل الجاحظ في قصة " أهل البصرة من المسجديين " أنتفع بالماء المتساقط لا بماء البلدية المدفوع ثمنه . وما إن انتهيت من التنظيف حتى وجدتني أذرع الساحة ذهابا وإيابا ، والناس نيام .
وأنا في الشقة تذكرت فعلة الست كورونا الخبيثة . لقد حالت بيني وبين المشاركة في مؤتمرين ؛ أولهما في جامعة الزيتونة الأردنية ، وثانيهما في معهد القاسمي في باقة الغربية ، وما ذكرني اليوم بالمؤتمرين هو قراءتي ذكريات الفيس بوك التي كتبتها قبل عام ، ففي العام ٢٠١٩ كنت في هذه الأيام في باقة الغربية وكانت السماء هناك تمطر . أنجزت ورقة مؤتمر الزيتونة من قبل وحالت الست كورونا دون إنجاز ورقة معهد القاسمي ، وكلب حي خير من أسد ميت ، والمهم أن نبقى على قيد الحياة إن بقينا ونجونا .
ما لفت نظري في أخبار الصباح أن الجمعة الأولى في الأقصى كانت حزينة والشوارع في القدس فارغة .
وسبحان من يحيي العظام وهي رميم ، فلقد شاهدت شريطا عن كوبا يتحدث فيه الرئيس الراحل ( فيدل كاسترو ) عن سياسة بلاده واختلافها عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدر القنابل الذرية والأسلحة الفتاكة ، في حين تخرج كوبا الأطباء وترسلهم إلى الدول الفقيرة .
الصديق ابراهيم ملحم الناطق الإعلامي باسم الحكومة تحدث عما كتبه الساخر علاء أبو دياب عن مواجهة سلطتنا العديدة الست كورونا بالبلاغة والقطايف : آيتان قرآنيتان وقصائد شعرية وقطايف ولوز وجبنة ، ورد الناطق على علاء بالبلاغة فقرأ قصيدة محمود درويش :
" فكر بغيرك " .
إحدى صديقات صفحتي عبرت عن استيائها من استخدامي المتكرر لعبارة " الست كورونا " فالست ، من وجهة نظرها ، تقدم الجميل والخير . بم أجيب صديقة الصفحة المتابعة جيدا لما أكتب ؟
في الكتابة جد وهزل وفكاهة وسخرية وقد أكون مثل توفيق الحكيم عدوا للمرأة ! قد !
٢٦ نيسان ٢٠٢٠
١٥
ذاكرة أمس ٤١ :
وعقدنا العزم عزما أن تحيا الجزائر
كما لو أنني أعيش في الجزائر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين .
لم أتجول أمس وأول أمس في البلدة القديمة كما أتجول يوميا .
أنتقل من شقة إلى ثانية وأغلق علي الباب واستمتع بمتابعة قراءة الحبيب السايح Al Habib Sayah " أنا وحاييم " ، ناسيا أو متناسيا ما يجري في القدس أو آخر أخبار الكورونا ، بل إنني لم أذهب إلى مخيم بلاطة لأهنيء الصديق بسام الكعبي بخروج أخيه عاصم من السجن بعد قضاء ثمانية عشر عاما .
أشعر بإرهاق ورشح . كما لو أنه زكام حقيقي ، وأفضل عدم الاقتراب من الآخرين .
هل سيأتي يوم نشاهد فيه إجراء انتخابات ب " نعم أو لا " لبقاء الاحتلال الإسرائيلي واعتبار الضفة جزءا من الدولة الإسرائيلية ؟ هل سيأتي يوم نشاهد فيه رحيل الجيش الإسرائيلي من مناطق الاحتلال الثاني ؟ هل سيأتي يوم نشاهد فيه السفن على شواطيء حيفا ويافا تقل اليهود المستوطنين إلى أميركا ؟
هذه هي الأسئلة التي دارت بخاطري وأنا أقرأ في الرواية الجزائرية .
كم نسبة التشابه بين ما عاشه الجزائريون تحت الاستعمار الفرنسي وما يعيشه الفلسطينيون منذ ١٩٤٨ ؟
وأنا خارج من الشقة ذاهبا إلى مخيم عسكر القديم لاستلام نسخة مصورة من سيرة الكاتب العراقي عبد الله إبراهيم " أمواج " ورواية إنعام كجه جي " سواقي القلوب " - كنت كلفت الصديق زياد خداش بتصويرهما - وانتظاري فترة ، دون أن يأتي الشخص المنتظر في الوقت المتفق عليه وإغلاقه هاتفه ، تذكرت شتيمة الرئيس الفلسطيني أبو مازن لكل من الصين وروسيا وأمريكا والعرب ، ففكرت أن اشتم السلطة الفلسطينية بمفردات أبو مازن نفسها " ك . أ .. " ولكن كيف ؟
سيكلفني الحزب الشيوعي الصيني وستكلفني المخابرات الروسية والأمريكية ووزارات الداخلية العربية بقراءة ردهم على أبو مازن :
" عزيزنا أبو مازن :
أصغينا إليك تشتمنا ، ونيابة عنا فإننا نعهد لعادل الأسطة بأن يقرأ ردنا :
ك . أ .. السلطة الفلسطينية ، وإذا حييتم بتحية فردوا بمثلها ، ولا تقولوا لمن تلا عليكم الجواب لست فلسطينيا " .
في طفولتنا كنا ، في المدارس ، نغني لاستقلال الجزائر :
" نحن جند في سببل الحق ثرنا وانتصرنا
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر ، فاشهدوا اشهدوا اشهدوا "
وإن لم تخني الذاكرة فقد كنا ندفع من مصروفنا كل أسبوع تعريفة مساهمة لنصرة الشعب الجزائري .
شخصيا أسرني أسلوب القص في الرواية ، وإن ظلت التساؤلات ، حول اختيار الكاتب لشخصية يهودية موضوعا لروايته ، تلازمني .
الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية حريص ، على ما يبدو ، على أمني الشخصي ، ولهذا لم أفقع حتى الآن .
أبشروا .
أعتقد أن ( ديجو سيميوني ) جن أمس لخسارته المباراة وصار حظ برشلونة هو الأقوى .
٢٦ نيسان ٢٠٢١
١٦
غزة ( ٢٠٣ ) :
البعوض طرفا في الحرب
هل تذكرون قصيدة محمود درويش " البعوضة " في كتابه " أثر الفراشة " ( ٢٠٦ ) ؟
" البعوضة ، ولا أعرف اسم مذكرها ، أشد فتكا من النميمة . لا تكتفي بمص الدم ، بل تزج بك في معركة عبثية " ، ولا " سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة : أن تغير فصيلة دمك ! " .
ويبدو أن البعوض في غزة صار جزءا من الحرب ، ففي صفحة النصيرات يكتب محمود الغزاوي :
" البعوضة من ضمن ضغوط المفاوضات . شكلها كرهتني النوم " .
وفي صفحة مخيم النصيرات كتب Osama Abu Asi :
" على الوفد المفاوض إدراج شرط ضروري
# رش الباعوض "
ويبدو أنه شر البلية ما يضحك ، ولهذا تقرأ في صفحته :
" الجو قلب فجأة زي بعض الناس "
و
" موافقين لو مقابل كل أسير علبة رويال .
موافقين وبشدة عشان الله فكونا " .
الصديق زيدان رفيق ناصر ذكرني ببيت المتنبي :
" لا تحقرن صغيرا في مخاصمة
إن البعوضة تدمي مقلة الأسد "
كانت الأجواء في اليومين الأخيرين غير طبيعية ، فقد ارتفعت درجة الحرارة بشكل لافت لدرجة أنني لم أخرج من بيتي قبل الرابعة عصرا ، ولأول مرة منذ سنوات أسهم الحر في حل أزمة المواصلات في نابلس .
هل هذا الحر سببه ما ألقته إسرائيل من قنابل على قطاع غزة . يخربون بيوتهم بأيديهم .
٢٦ / ٤ / ٢٠٢٤
١٧
غزة ( ٢٠٣ )
لسان حال أهل قطاع غزة الباقين في الشمال :
أمل دنقل : من قصيدة " مقابلة خاصة مع ابن نوح "
جاء طوفان نوح
ها هم الجبناء يفرون نحو السفينة
بينما كنت ..
كان شباب المدينة
يلجمون جواد المياه الجموح
ينقلون المياه على الكتفين
ويستبقون الزمن
يبنون سدود الحجارة
علهم ينقذون مهاد الصبا والحضارة
علهم ينقذون .. الوطن !
صاح بي سيد الفلك - قبل حلول
السكينة
" انج من بلد .. لم تعد فيه روح !"
قلت :
طوبى لمن طعموا خبزه ..
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهر
يوم المحن !
ولنا المجد - نحن الذين وقفنا
( وقد طمس الله أسماءنا !)
نتحدى الدمار ..
ونأوى إلى جبل لا يموت
( يسمونه الشعب !)
نأبى الفرار ..
ونأبى النزوح !
...
...
كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد - الآن - فوق بقايا المدينة
وردة من عطن
هادئا
بعد أن قال ( لا ) للسفينة
وأحب الوطن ! "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى