فتحي مهذب - قراءة أدبية.

يدهِشُني الصديقُ التونسيُّ الشاعرُ الكبيرُ " فتحي مهذب Fathi Mhadhbi " كلَّ يومٍ بجديدٍ جميلٍ ، وهو المتميزُ في القصيدةِ الميتافيزيقيةِ ، و قصيدةِ الهايكو ، و قد يطولُ الحديثُ عن شاعريتِهِ ، لكني - إيجازاً - في هذا المقال سأتناولُ ومضتَهَ الجميلةَ الآتيةَ :
( ماذا لو نتقاسمُ
أعباءَ هذهِ الرحلةِ
يا صَرَّارَ الليلِ ؟ )
يطرحُ " مهذب "في هذه الومضةِ قضيةَ الشعرِ كقضيةٍ وجوديةٍ ، و يضيءُ جوانبها من خلالِ تسليطِ عدستِهِ على صورةِ صرّارِ الليل " الصرصار " .
فالشاعرُ الحقُّ هو ناسكٌ في محرابِ الطبيعةِ ، متيقظٌ أبداً ، قارئٌ ذكيٌّ لكتابِ الرموزِ الإلهيةِ اللانهائيةِ المفتوحِ .
استوقَفَه صوتُ ذلك الصرارِ ، فرآه صورةَ الحقيقةِ التي يريدها ، فحمّلَهُ رسالةً موجزةً لنا ، كأني به يريدُ تمريرَ الآتي :
أ- لا يملكُ الشاعرُ خياراً بديلاً ، فمكوناتُهُ الفيزلولوجيةُ و الروحيةُ تدفعه إلى أنْ يفيضَ شعراً ، كحالِ ذلك الصرَّارِ
ب - صوتُ الشاعرِ الحقِّ يزعجُ النيامَ في عسلِ ليلِ الجهلِ و الغفلةِ ، لأنَّ الناسَ لا يرغبُون في من يوقظهم ، و قد يفتكون به...
ج - في الموروثِ الحكائيِّ يرمزُ الصرارُ إلى كثيرِ الكلامِ قليلِ الإنجازِ ، و هذا الرأي - بكلِّ تأكيدٍ - ليسَ الحقيقةَ ، بل هو رأيٌ بنيَ على جهلٍ بحقائقِ الأمورِ كالعادةِ ، فنحن لا نعلمُ تفصيلاتُ حياةِ الصرارِ ، كما لا نعلم تفصيلاتِ أعماقِ الشاعرِ الحقِّ ، فقد اتُّهمَ بهذه التهمةِ كثيرٌ من عظماءِ شعراءِ الأرضِ..
هؤلاءُ يعتبرون - بالإضافةِ إلى نقصِ معلوماتهم - الإنجازَ مادياً فقطْ ، و لا يعطونَ الإنجازَ الروحيَّ أيةَ قيمةٍ
د - لغةُ الصَرَّارِ مزعجةٌ لأنها غيرُ مفهومةٍ لدينا ، و الإنسانُ التقليديُّ يعادي ما يجهلُ ، و كذلكَ لغةُ الشعرِ العاليةُ ، لكنَّ الشاعرَ و الصرَّارَ كليهما لا يمتلكانِ لغةً تستوعبُ ما يدورُ في أرواحِهم إلا هذه اللغةَ ، فإن عجزنا عن فهمها فلا نكتفِ بلعنِها..
ه - الشعرُ الحقُّ ليسَ نزهةً أو تسليةً كما يظنُّ المتشاعرونَ ، بل هو مكابدةٌ، و عناءٌ ، و رحلةُ اقترابٍ من القمةِ ، صعودٌ متعبٌ للروحِ و الجسدِ ، و قد أشارَ شاعرُنا إلى ذلك في " أعباء هذه الرحلةِ "
٦- يشعرُ الشاعرُ الحقُّ بالاغترابِ داخلَ الإنسانيةِ ، فلا أحدَ يستوعبُ حرائقَ أعماقِهِ ، فيبحثُ عن بدائلَ خارجَ دائرةِ النوعِ في مملكةِ الطبيعةِ ليتقاسمَ معه هذه اللغة " ماذا لو نتقاسم... "
هذه بعضُ الجوانبُ التي تبدت لي من هذه الصورةِ ؛ و يظلُّ المعنى - كما يقالُ - في قلبِ الشاعرِ...!!

# عيسى الجميل#

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى