حدثت أهوال مروعة في الحربين العالميتين؛ الأولى (1914) والثانية (1939)، وتكبد العالم خسائر بشرية تجاوزت 70 مليون قتيل. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل بشر من لحم ودم، وأحلام وتاريخ وعلاقات ومشاعر. واستخدم هتلر القتل الجماعي من خلال أفران الغاز، ودعك الآن من النازيين الجدد؛ فهم كانوا ضحايا. ولقد حدث خراب عظيم؛ هُدمت مبانٍ، ودُمرت ثروات، واستُبيحت دول، وأُعيد ترسيم الخريطة، وجرت عمليات إجلاء قسري لملايين البشر من أماكنهم. واستسلام مهين؛ كان الألمان يسلمون البلاد شارعاً شارعاً، وامتدت طوابير الناس لتلقي الطعام الذي تقدمه المنظمات الإنسانية. وانتهت الحرب بإلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على اليابان في الأيام الأخيرة للحرب؛ الأولى على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945، والثانية على مدينة ناغازاكي في 9 أغسطس 1945. وأسفر القصف عن مقتل عشرات الآلاف على الفور، وتسبب في دمار هائل، وأدى هذا الدمار غير المسبوق إلى إعلان اليابان استسلامها.
تخيل ما نوعية الكتابة التي تنبت في هذا المكان؟ بالتأكيد هي كتابة مختلفة، خليط من المدارس والفلسفات الوجودية التي خرجت من رحمها العبثية والعدمية. ومن أهم هذه التيارات في السرد القصصي والروائي "تيار الاغتراب"، وفيه يكون (السارد/ المأزوم) يعاني من تمزق داخلي، ولا يستطيع التكيف مع الواقع؛ يعيش في عزلة، ويغوص في عوالمه الداخلية، مسيطراً عليه الشعور بالضياع واللامبالاة والعبثية، مع تشظي الزمن؛ حيث يتخلى السرد عن خطيته الزمنية. كما يظهر المكان معادياً، ضاغطاً، ضيقاً ومخنقاً (كالغرفة المغلقة، والمكاتب البيروقراطية)، أو واسعاً وموحشاً (كالمدن الكبرى الأسمنتية التي تبتلع الفردية). ويبرز المونولوج الداخلي كأداة لكشف الصراعات النفسية للشخصية، حيث تتدفق الأفكار والذكريات، كما يطغى استخدام ضمير المتكلم "أنا" ليمنح القارئ شعوراً بالقرب الشديد من عزلة الشخصية ورؤيتها الأحادية للعالم. وتميل اللغة هنا إلى البرود، أو الغموض، أو التكثيف والرمزية، لتعكس العجز عن التواصل اللغوي. أضف إلى ذلك "التشيؤ والآلية": وهي تصوير الإنسان وكأنه تحول إلى "شيء" أو ترس في آلة (بسبب الحداثة، أو الرأسمالية، أو الأنظمة الشمولية)، والعجز التام عن بناء علاقات عاطفية أو إنسانية مستقرة، وشعور البطل بأنه مجرد "مستمع" أو "مراقب" للحياة وليس فاعلاً فيها، مع حضور دائم لفكرة الموت والعدمية.
انتقلت الوجودية إلى الوطن العربي عموماً من خلال الترجمة باعتبارها موضة جديدة مستوردة؛ فقد انبهروا بها دون أن تكون هناك حاجة روحية ضاغطة، أو مبرر حياتي سياسي (أعرف طبعاً أن مصر في ذلك الوقت كانت تعيش فترة هزيمة 67 وديكتاتورية عبد الناصر الذي نكّل بالمعارضة)، ولكن معظم هؤلاء طبّعوا علاقتهم مع النظام وأصبحوا جزءاً فاعلاً في الإدارات البيروقراطية والصحف والمجلات... إلخ.
وما أريد توضيحه هو أن هناك فرقاً بين الاغتراب كفلسفة نشأت في الغرب، وحالة الحزن التاريخي التي وسمت المصريين والتي تقاوَم بالسخرية والتهكم والنكتة؛ وخير معبّر تجده في كتابات الموهوب عبد الحكيم قاسم؛ حزن صافٍ متغلغل في العظام، ولكن تقابله عوامل مقاومة حياة وفتوة واحتفال وذِكر وموالد ورقص وغناء، وحواسّ مفتوحة على الطعام والجنس والحب. وهناك الأسطورة والكرنفالية والمشهدية في قصص سعيد الكفراوي. والقبطي الأريب إدوار الخراط الذي استخدم كل التيارات والمدارس في ضفيرة سردية مدهشة صنعها بدُربته. وكذلك شقي السرد خيري شلبي، وعوالمه القائمة على الحكي الشفهي والسمر والحدوتة والنكتة والعوالم الساحرة. ونجيب محفوظ، المعلم الأكبر في "ثرثرة فوق النيل". هؤلاء، ومعهم محمد مستجاب بطقوسه وفانتازيته ولغته المسبوكة ببراعة، جعلوا كتاباتهم حية، متوقدة من لحم الحياة المعاشة. وما كانوا قادرين على بناء هذه العوالم وهذه الجدارية السردية لولا القراءات المنتظمة للأعمال المترجمة والتراث العربي، وفي مقدمتها "ألف ليلة وليلة"، والحكايات العجيبة والغريبة، وكتب الجاحظ، وتراث الصوفية الذي لا مثيل له، وغيرها؛ كما أنهم استفادوا من الكتابة النقدية المترجمة وتأثروا بالإبداع الغربي دون استلاب، ودون نكوص، دون هزيمة أمام تيار طاغٍ.
المشكلة في تيار الاغتراب ليست في تناقضات السياق داخل النسيج السردي، بل في تطويع المخيلة لبناء رواية تطابق "الكتالوج" المستورد، وتحت هذه الوصفة تندرج كل كتابات الاغتراب (فهل يمكن استثناء رواية "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم؟) الذي كتب بعد ذلك تحت وصفة جاهزة، لدرجة أن الناقد المحترف يمكنه أن يكتب دراسة نقدية عن رواية لم يقرأها! ومن بين هؤلاء، تأتي أعمال الكاتب المصري علاء الديب، ومنذ أول أعماله "القاهرة" ظلت سمات البطل ثابتة: القلق، والخوف، والتوتر، وانعدام الجدوى، والهزيمة المتغلغلة في الروح. وقد قدم رواية "زهر الليمون" محتوية على سرد شاعري متقن وشخوص من لحم الواقع، وكتب قصصاً قصيرة منها: "القاهرة 1964"، "صباح الجمعة 1974"، "المسافر الأبدي 1999"، "الشيخة 1964"، و"الحصان الأجوف". كما كتب ثلاثية روائية تشمل: "أطفال بلا دموع"، "قمر على مستنقع"، و"عيون البنفسج".
في "أطفال بلا دموع" ينقسم العنوان إلى قسمين: "أطفال" كرمز للبراءة والطهر والنقاء، و"بلا دموع" كإشارة إلى المأساة والضحية والمظلومية والقهر. فهل يعبر هذا العنوان المبتكر اللامع عن مضمون الرواية؟ أم أنه مثل بطل بهاء طاهر؛ شخص فاسد قذر يصنع هالة من النبل على رأسه ولا نقاء في الموضوع؟
في البداية، أحب أن أنوه بالتطابق بين رواية "أطفال بلا دموع" ورواية "الحب في المنفى"، ورواية علاء تسبق رواية بهاء؛ فقد كتب علاء روايته عام 1987 وبهاء عام 1995، وكما أشرنا قبل ذلك فإن بهاء يكتب على نموذج أمامه، والزيادة عند بهاء طاهر تكمن في التوثيق والمقالات والقضايا السياسية. لكن الراوي في كلتا الروايتين مطلق، وكلاهما تركا مصر وعملا في الخارج، ويريان في ذلك العمل (منفى اختيارياً)؛ بطل علاء الديب (مُعار) في الخليج، وكلاهما لديه ولد وبنت وبينهما فجوة تصل إلى حد الكراهية والمقت عند بطل علاء، بل إنه لا يريد رؤيتهم، والزوجة هي من قامت بتربية الأولاد. وكلا البطلين يشتغل بالثقافة والأدب، ويقبض مرتباً ضخماً، وينظر للمال بتأفف.
الراوي في "أطفال بلا دموع" يقول: "إنني غني وأعيش كالفقراء"، لكنه يصف الفقراء بأقذع الأوصاف، ويشتري الخمر وقرص الحشيش والطعام الفاخر... إلخ. فهل هكذا يعيش الفقراء في مصر؟ وتمتد الكراهية لأهل بلدته في الصعيد، الذين يستنزفونه مادياً ومعنوياً، حيث صوّرهم ككائنات كريهة منحطة. وبائعة الهوى "أم عصام"، التي تمثل له واحة، يصف جمالها الحسي ثم يشعر أنها ترضعه غباءً. ثم تأتي كراهيته لأصدقائه وحياتهم السخيفة، ومصر بشوارعها ومبانيها وأشجارها التي تمثل له متاهة. أما البلد المُعار إليها، فهي صورة نمطية تم تكريسها منذ الستينيات؛ ليست بلاداً وبشراً وتاريخاً وحضارة، بل مجرد صحراء ممتدة تصحّر البشر، مجرد كيس دنانير بلا ثقافة أو فنون، ويسخر منهم سخرية مريرة؛ فاللغة مثيرة للضحك، والغناء مجرد أصوات أشبه بالصراخ، والمكان طارد وعقيم. ومن حق الكاتب أن يرى كيفما شاء ولكن بعد أن يؤسس لذلك.
لا توجد أسباب لكل هذه الكراهية سوى الصراع مع زوجته ورغبته في إخضاعها وسجنها. ومن يتتبع السرد يجد بعداً طبقياً؛ فهي من طبقة أرستقراطية وهو من طبقة فقيرة، ثم يعايرها بأنه هو من أشبعها جنسياً ومن يشتري لها قمصان النوم! ثم يستغرق طوال الرواية في وصف المكان والأشياء باعتبارها عوامل ضاغطة، ثم يترك القاهرة ويسافر إلى الإسكندرية، ويمارس الجنس بإشباع مع "أم عصام" وهو مريض بالقلب، ثم يكتشف أن الجنس لم يعد سلوى بل يزيده إحباطاً.
هذا السارد المعذب الذي يقطع ذاته بأظافره ويحتقرها بروح مازوخية، وخالٍ من الدموع، وكان ينقصه خلفية موسيقية ولتكن أغنية "دايماً دموع" لحمادة هلال حتى نتجرع الكآبة قطرة قطرة، لا يوجد في أزمته شيء حقيقي سوى الطلاق من زوجته! فهل قد تكون هي أسطورته الخالدة التي من أجلها يضع يده على الموسى ليقطع شرايينه؟ لا، بالمرة؛ هو كائن أناني محبط لأنها لفظته، أو هو شخص لا مبالٍ، ولذلك فإن هذا الحزن معلق في الفراغ.
هناك شخصية إيجابية وهو بائع لبّ واسمه "رجب"، تربطه بالسرد علاقة جيدة؛ فهو يراه رمز البراءة والطيبة، وقد كان صديقاً له في زمن مضى بالقاهرة، وعلم أنه موجود في الإسكندرية. ذهب البطل إلى المكان الذي يتواجد فيه رجب على عربته يبيع اللب والسوداني، وعندما لم يجده ظل ينتظره، ثم فجأة انتقل المشهد إليه ليجده رجلاً عجوزاً بديناً يضع نظارة سوداء على عينيه تغطي وجهه، وبجواره طفل عمره 15 عاماً ورجله مقطوعة. حاول أن يتكلم معه ولكنه لم يستطع، وتركه واقعة معلقة في الهواء، فلا تعرف مع أيهم تتعاطف، أو تتعاطف على ماذا؟
وقد يكون رجب هذا هو الكاتب "محمد حافظ رجب"، والمعروف عنه أنه كان يبيع اللب والسوداني على عربة خشبية، فلو كان هو وتركه هكذا لكان شيئاً عجيباً!
قد يقول قارئ إن تعبير الكاتب عن شخصية فاسدة منحطة هو صلب عمل الروائي، وهذا صحيح؛ فنحن لا نكتب عن الأصحاء فقط، ولكن المشكلة تكمن في أن الكاتب، وتحت غلالة من اللغة الشعرية، يضع أمامنا سرداً مسموماً يجعلني أتعاطف مع هذه الشخصية وأبتلع كل هذا التشوه باعتباره حالة طبيعية تستحق التعاطف.
هذا ما يخص الرواية، والثانية "قمر على مستنقع" نكبة أخرى تستحق قراءة أخرى.
ملاحظة: أُطلق على علاء الديب لقب "ضمير عصره"، ولا أعرف ما الذي فعله علاء ليصبح ضمير عصره كـ "مناضل سياسي"؟ لم يمارس السياسة، وكان كل إنجازه أنه يكتب خبراً موسعاً لا يزيد عن 500 كلمة عن كتاب من الأعمال الأدبية الجديدة؛ موظف يؤدي عمله لا أكثر، ومدلل من النظامين الناصري والمباركي، وعُين مستشاراً لا يستشيره أحد في "جريدة القاهرة" التي كان ينحصر دورها في الترويج لإنجازات فاروق حسني، وكان مرتبه 3000 جنيه (تساوي الآن 60 ألفاً) ويسكن في فيلا في المعادي.
@إشارة عبدالنبي فرج الف ليلة الروائي عبدالنبي فرج
تخيل ما نوعية الكتابة التي تنبت في هذا المكان؟ بالتأكيد هي كتابة مختلفة، خليط من المدارس والفلسفات الوجودية التي خرجت من رحمها العبثية والعدمية. ومن أهم هذه التيارات في السرد القصصي والروائي "تيار الاغتراب"، وفيه يكون (السارد/ المأزوم) يعاني من تمزق داخلي، ولا يستطيع التكيف مع الواقع؛ يعيش في عزلة، ويغوص في عوالمه الداخلية، مسيطراً عليه الشعور بالضياع واللامبالاة والعبثية، مع تشظي الزمن؛ حيث يتخلى السرد عن خطيته الزمنية. كما يظهر المكان معادياً، ضاغطاً، ضيقاً ومخنقاً (كالغرفة المغلقة، والمكاتب البيروقراطية)، أو واسعاً وموحشاً (كالمدن الكبرى الأسمنتية التي تبتلع الفردية). ويبرز المونولوج الداخلي كأداة لكشف الصراعات النفسية للشخصية، حيث تتدفق الأفكار والذكريات، كما يطغى استخدام ضمير المتكلم "أنا" ليمنح القارئ شعوراً بالقرب الشديد من عزلة الشخصية ورؤيتها الأحادية للعالم. وتميل اللغة هنا إلى البرود، أو الغموض، أو التكثيف والرمزية، لتعكس العجز عن التواصل اللغوي. أضف إلى ذلك "التشيؤ والآلية": وهي تصوير الإنسان وكأنه تحول إلى "شيء" أو ترس في آلة (بسبب الحداثة، أو الرأسمالية، أو الأنظمة الشمولية)، والعجز التام عن بناء علاقات عاطفية أو إنسانية مستقرة، وشعور البطل بأنه مجرد "مستمع" أو "مراقب" للحياة وليس فاعلاً فيها، مع حضور دائم لفكرة الموت والعدمية.
انتقلت الوجودية إلى الوطن العربي عموماً من خلال الترجمة باعتبارها موضة جديدة مستوردة؛ فقد انبهروا بها دون أن تكون هناك حاجة روحية ضاغطة، أو مبرر حياتي سياسي (أعرف طبعاً أن مصر في ذلك الوقت كانت تعيش فترة هزيمة 67 وديكتاتورية عبد الناصر الذي نكّل بالمعارضة)، ولكن معظم هؤلاء طبّعوا علاقتهم مع النظام وأصبحوا جزءاً فاعلاً في الإدارات البيروقراطية والصحف والمجلات... إلخ.
وما أريد توضيحه هو أن هناك فرقاً بين الاغتراب كفلسفة نشأت في الغرب، وحالة الحزن التاريخي التي وسمت المصريين والتي تقاوَم بالسخرية والتهكم والنكتة؛ وخير معبّر تجده في كتابات الموهوب عبد الحكيم قاسم؛ حزن صافٍ متغلغل في العظام، ولكن تقابله عوامل مقاومة حياة وفتوة واحتفال وذِكر وموالد ورقص وغناء، وحواسّ مفتوحة على الطعام والجنس والحب. وهناك الأسطورة والكرنفالية والمشهدية في قصص سعيد الكفراوي. والقبطي الأريب إدوار الخراط الذي استخدم كل التيارات والمدارس في ضفيرة سردية مدهشة صنعها بدُربته. وكذلك شقي السرد خيري شلبي، وعوالمه القائمة على الحكي الشفهي والسمر والحدوتة والنكتة والعوالم الساحرة. ونجيب محفوظ، المعلم الأكبر في "ثرثرة فوق النيل". هؤلاء، ومعهم محمد مستجاب بطقوسه وفانتازيته ولغته المسبوكة ببراعة، جعلوا كتاباتهم حية، متوقدة من لحم الحياة المعاشة. وما كانوا قادرين على بناء هذه العوالم وهذه الجدارية السردية لولا القراءات المنتظمة للأعمال المترجمة والتراث العربي، وفي مقدمتها "ألف ليلة وليلة"، والحكايات العجيبة والغريبة، وكتب الجاحظ، وتراث الصوفية الذي لا مثيل له، وغيرها؛ كما أنهم استفادوا من الكتابة النقدية المترجمة وتأثروا بالإبداع الغربي دون استلاب، ودون نكوص، دون هزيمة أمام تيار طاغٍ.
المشكلة في تيار الاغتراب ليست في تناقضات السياق داخل النسيج السردي، بل في تطويع المخيلة لبناء رواية تطابق "الكتالوج" المستورد، وتحت هذه الوصفة تندرج كل كتابات الاغتراب (فهل يمكن استثناء رواية "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم؟) الذي كتب بعد ذلك تحت وصفة جاهزة، لدرجة أن الناقد المحترف يمكنه أن يكتب دراسة نقدية عن رواية لم يقرأها! ومن بين هؤلاء، تأتي أعمال الكاتب المصري علاء الديب، ومنذ أول أعماله "القاهرة" ظلت سمات البطل ثابتة: القلق، والخوف، والتوتر، وانعدام الجدوى، والهزيمة المتغلغلة في الروح. وقد قدم رواية "زهر الليمون" محتوية على سرد شاعري متقن وشخوص من لحم الواقع، وكتب قصصاً قصيرة منها: "القاهرة 1964"، "صباح الجمعة 1974"، "المسافر الأبدي 1999"، "الشيخة 1964"، و"الحصان الأجوف". كما كتب ثلاثية روائية تشمل: "أطفال بلا دموع"، "قمر على مستنقع"، و"عيون البنفسج".
في "أطفال بلا دموع" ينقسم العنوان إلى قسمين: "أطفال" كرمز للبراءة والطهر والنقاء، و"بلا دموع" كإشارة إلى المأساة والضحية والمظلومية والقهر. فهل يعبر هذا العنوان المبتكر اللامع عن مضمون الرواية؟ أم أنه مثل بطل بهاء طاهر؛ شخص فاسد قذر يصنع هالة من النبل على رأسه ولا نقاء في الموضوع؟
في البداية، أحب أن أنوه بالتطابق بين رواية "أطفال بلا دموع" ورواية "الحب في المنفى"، ورواية علاء تسبق رواية بهاء؛ فقد كتب علاء روايته عام 1987 وبهاء عام 1995، وكما أشرنا قبل ذلك فإن بهاء يكتب على نموذج أمامه، والزيادة عند بهاء طاهر تكمن في التوثيق والمقالات والقضايا السياسية. لكن الراوي في كلتا الروايتين مطلق، وكلاهما تركا مصر وعملا في الخارج، ويريان في ذلك العمل (منفى اختيارياً)؛ بطل علاء الديب (مُعار) في الخليج، وكلاهما لديه ولد وبنت وبينهما فجوة تصل إلى حد الكراهية والمقت عند بطل علاء، بل إنه لا يريد رؤيتهم، والزوجة هي من قامت بتربية الأولاد. وكلا البطلين يشتغل بالثقافة والأدب، ويقبض مرتباً ضخماً، وينظر للمال بتأفف.
الراوي في "أطفال بلا دموع" يقول: "إنني غني وأعيش كالفقراء"، لكنه يصف الفقراء بأقذع الأوصاف، ويشتري الخمر وقرص الحشيش والطعام الفاخر... إلخ. فهل هكذا يعيش الفقراء في مصر؟ وتمتد الكراهية لأهل بلدته في الصعيد، الذين يستنزفونه مادياً ومعنوياً، حيث صوّرهم ككائنات كريهة منحطة. وبائعة الهوى "أم عصام"، التي تمثل له واحة، يصف جمالها الحسي ثم يشعر أنها ترضعه غباءً. ثم تأتي كراهيته لأصدقائه وحياتهم السخيفة، ومصر بشوارعها ومبانيها وأشجارها التي تمثل له متاهة. أما البلد المُعار إليها، فهي صورة نمطية تم تكريسها منذ الستينيات؛ ليست بلاداً وبشراً وتاريخاً وحضارة، بل مجرد صحراء ممتدة تصحّر البشر، مجرد كيس دنانير بلا ثقافة أو فنون، ويسخر منهم سخرية مريرة؛ فاللغة مثيرة للضحك، والغناء مجرد أصوات أشبه بالصراخ، والمكان طارد وعقيم. ومن حق الكاتب أن يرى كيفما شاء ولكن بعد أن يؤسس لذلك.
لا توجد أسباب لكل هذه الكراهية سوى الصراع مع زوجته ورغبته في إخضاعها وسجنها. ومن يتتبع السرد يجد بعداً طبقياً؛ فهي من طبقة أرستقراطية وهو من طبقة فقيرة، ثم يعايرها بأنه هو من أشبعها جنسياً ومن يشتري لها قمصان النوم! ثم يستغرق طوال الرواية في وصف المكان والأشياء باعتبارها عوامل ضاغطة، ثم يترك القاهرة ويسافر إلى الإسكندرية، ويمارس الجنس بإشباع مع "أم عصام" وهو مريض بالقلب، ثم يكتشف أن الجنس لم يعد سلوى بل يزيده إحباطاً.
هذا السارد المعذب الذي يقطع ذاته بأظافره ويحتقرها بروح مازوخية، وخالٍ من الدموع، وكان ينقصه خلفية موسيقية ولتكن أغنية "دايماً دموع" لحمادة هلال حتى نتجرع الكآبة قطرة قطرة، لا يوجد في أزمته شيء حقيقي سوى الطلاق من زوجته! فهل قد تكون هي أسطورته الخالدة التي من أجلها يضع يده على الموسى ليقطع شرايينه؟ لا، بالمرة؛ هو كائن أناني محبط لأنها لفظته، أو هو شخص لا مبالٍ، ولذلك فإن هذا الحزن معلق في الفراغ.
هناك شخصية إيجابية وهو بائع لبّ واسمه "رجب"، تربطه بالسرد علاقة جيدة؛ فهو يراه رمز البراءة والطيبة، وقد كان صديقاً له في زمن مضى بالقاهرة، وعلم أنه موجود في الإسكندرية. ذهب البطل إلى المكان الذي يتواجد فيه رجب على عربته يبيع اللب والسوداني، وعندما لم يجده ظل ينتظره، ثم فجأة انتقل المشهد إليه ليجده رجلاً عجوزاً بديناً يضع نظارة سوداء على عينيه تغطي وجهه، وبجواره طفل عمره 15 عاماً ورجله مقطوعة. حاول أن يتكلم معه ولكنه لم يستطع، وتركه واقعة معلقة في الهواء، فلا تعرف مع أيهم تتعاطف، أو تتعاطف على ماذا؟
وقد يكون رجب هذا هو الكاتب "محمد حافظ رجب"، والمعروف عنه أنه كان يبيع اللب والسوداني على عربة خشبية، فلو كان هو وتركه هكذا لكان شيئاً عجيباً!
قد يقول قارئ إن تعبير الكاتب عن شخصية فاسدة منحطة هو صلب عمل الروائي، وهذا صحيح؛ فنحن لا نكتب عن الأصحاء فقط، ولكن المشكلة تكمن في أن الكاتب، وتحت غلالة من اللغة الشعرية، يضع أمامنا سرداً مسموماً يجعلني أتعاطف مع هذه الشخصية وأبتلع كل هذا التشوه باعتباره حالة طبيعية تستحق التعاطف.
هذا ما يخص الرواية، والثانية "قمر على مستنقع" نكبة أخرى تستحق قراءة أخرى.
ملاحظة: أُطلق على علاء الديب لقب "ضمير عصره"، ولا أعرف ما الذي فعله علاء ليصبح ضمير عصره كـ "مناضل سياسي"؟ لم يمارس السياسة، وكان كل إنجازه أنه يكتب خبراً موسعاً لا يزيد عن 500 كلمة عن كتاب من الأعمال الأدبية الجديدة؛ موظف يؤدي عمله لا أكثر، ومدلل من النظامين الناصري والمباركي، وعُين مستشاراً لا يستشيره أحد في "جريدة القاهرة" التي كان ينحصر دورها في الترويج لإنجازات فاروق حسني، وكان مرتبه 3000 جنيه (تساوي الآن 60 ألفاً) ويسكن في فيلا في المعادي.
@إشارة عبدالنبي فرج الف ليلة الروائي عبدالنبي فرج