ا. د. عادل الاسطة - خربشات ٤ نيسان من كل عام

١
ثقتنا بالبضائع الوطنية مغايرة لثقتنا بالقيادات :

ثقتنا بالقيادات من الصفوف العليا عال العال ، وربما تبلغ النسبة مائة بالمائة ، هنا في الضفة وهناك في غزة ، فقياداتنا من الشعب وإليه ، وتحيا كما يحيا الشعب ، وهي لا تملك ثمن فاتورة الكهرباء ، ولهذا تتراكم عليها الديون ، وقياداتنا لا تملك سيارات خصوصية ، فهي تصعد بالباص والسيارات العمومية ، لتعلم الشعب عدم التبذير والصمود .
هل أكتب عن هيئة اسماعيل هنية في خطبة الجمعة ، أو عن تواضع ياسر أفندي ؟
نعم ثقتنا بالقيادات عال العال ، فلا قصور ولا فلل ولا سيارات للزوجة وللأبناء . إنهم خرجوا من البلدة القديمة ، وما زالوا مقيمين في بيوت آبائهم ، ولا يعرفون إن هناك أحياء اسمها نابلس الجديدة أو المخفية أو .. الخ
هل ثقتنا بالصناعة الوطنية مثل ثقتنا بقياداتنا الوطنية ؟
أعتقد ذلك وأكثر ، فيوم السبت أردت أن أشتري زنجبيلا غير أخضر ، يعني زنجبيلا مجففا . سألت البائع عن السعر فقال لي :
- الوقية بعشرة شيكل ،
ولم يتوقف عند هذا ، فأضاف :
- هذا زنجبيل تايلندي ، لا زنجبيل صناعة وطنية . جربوا هنا صناعته ، ولكنهم لم ينجحوا ، ولقد كان زبا....... الخ .. الخ.
حين قلت للبائع :
-أريد زنجبيلا ،
ابتسم وسألني :
- ما إعراب زنجبيلا ؟ فابتسمت ، وأعربتها ، وأخبرته أنني أدرس العربية في الجامعة ، وهنا أفصح لي عن هويته . إنه موظف متقاعد ، وكان ذا وظيفة يملك صاحبها شهادة عليا .
وأدركت من كلامه مدى ثقتنا بقياداتنا وبصناعتنا المحلية ، ويحيا صدام حسين وحافظ الأسد وبورقيبة أيضا وقياداتنا الوطنية كلها من غزة إلى الضفة والخليل والجليل أيضا ، ومنها عزمي بشارة .
٢٠١٥

٢
ربيع يهودي في تل أبيب / تل الربيع:

هل بدأ الربيع اليهودي في الدولة الديمقراطية الحضارية .
يهود إثيوبيا جاؤوا من الدلف إلى المزراب ، ولا يعرفون حقيقة الرجل الأبيض ، بشكل عام ، مع استثناءات ، من السود . هناك شيء دفين يقبع في دواخلنا . يعني نيتشة ، يعني هتلر ، يعني زليخة ويوسف ، يعني برجوازي جاهل مقابل عامل رث ، يعني ابن بلد مقابل أجنبي غريب ، يعني ويعني ويعني ... إلخ ..إلخ ..
يعني دم يهودي مقابل دم أغيّار ، وهات اقنع اليهودي الغربي أن دم اليهودي الإثيوبي من نفس فصيلة دمه ، أو من فصيلة دمه نفسها ،
يعني دم آري مقابل دم سامي ، وكل تنوير الدنيا وحركات التنوير ما استطاعت ، حتى اللحظة على الأقل ، تجاوز نظرية العرق .. الدم إلخ .. إلخ
٢٠١٥

٣
التقرير اﻷكاديمي السنوي يقول أشياء كثيرة ، ولكني أعتقد جازما أن توفيق الحكيم لم يكتب مسرحيته " لكل مجتهد نصيب " من فراغ ، ومثله يوسف ادريس في روايته " العيب ".
من يعمل لا يكافأ ومن لا يعمل يكافأ .
من معه يعطى ويزاد ومن ليس معه يؤخذ منه .
سياسة رأسمالية وعربية فهذا عزيز قوم ذل يجب أن نرحمه وذاك على رأي أهل نابلس : مننينا ، مع أن أبا عنان يقول من...ويتلاعب باللفظة .

٤
محمد أيوب :

رحل قبل عشرة أيام الذي كان واحدا من مؤسسي الحركة الأدبية في الضفة والقطاع بعد هزيمة حزيران1967 .
في عام 1978 أصدر محمد أيوب مجموعته القصصية الأولى " الوحش " ، وكان قبل إصدارها شارك بقصتين في المجموعة القصصية " 27قصة قصيرة من القصص القصيرة في الارض المحتلة " ، وكانت هذه المجموعة موضع نقاش في غزة ، وقد سافرت والكاتب محمد كمال جبر إلى هناك للمشاركة في مناقشتها ، واستضافنا محمد ايوب في بيته في خان يونس ، وهناك عرفت انه من يافا ، وأنه من عائلة أبو هدروس التي هاجر قسم منها إلى مخيم عسكر ، مخيمي الذي ولدت فيه ، وأخبرني محمد أنهم أقاربه ، وأنه زارهم في المخيم . ولسوف تكون مجموعة " الوحش " واحدة من المجموعات التي سأدرسها وأنا أعد رسالة الماجستير ( 1980 - 1982 ) في الجامعة الأردنية ، وسوف أكتب عنها وعن موضوعاتها التي توزعت بين الموضوعين ؛ الاجتماعي والوطني . ولما كان محمد أيوب واحدا من الكتاب الذين اعتنقوا الفكر اليساري ، فقد رأى أن الكاتب صاحب رسالة ، وأنه لا بد من أن يسخر قلمه لخدمة أبناء شعبه وللكادحين منهم ، وهكذا لم يخض فقط في جانب واحد من جوانب الصراع ، بل وجدناه يكتب في الجانب الاجتماعي ، ويأتي على الصراع بين القديم والجديد ، وينحاز للجديد ، ووجدناه ايضا يكتب ناقدا بعض العادات والتقاليد التي سادت في قطاع غزة في ذلك الوقت ، وبعضها يخص الزواج بالمراسلة ، كما في قصة " زوجة بالبريد " ، حيث يخطب أهل الشاب لابنهم فتاة لم يرها ، ثم يرسلونها إليه ، إلى البلد الذي يقيم فيه .
من مقالة كتبتها في رحيل الكاتب قبل عشرة أيام ، ولعلها تنشر عما قريب .
رحل محمد ايوب في الخامس والعشرين من نيسان 2015

٥
أساتذة أقسام اللغة الانجليزية في جامعاتنا :

لا أعرف إن كان هناك أستاذ جامعي يدرس في قسم اللغة الانجليزية في جامعاتنا أصدر كتابا نقديا واحدا وظف فيه ما تعلمه في الغرب لخدمة الحركة الأدبية الفلسطينية .
ربما سيشير بعضنا إلى د.حنان عشراوي . ربما !غير أنها لم تصدر سوى كراس ، بل إن رسالة الدكتوراه التي أنجزتها كانت مخيبة للآمال .
في الجامعات العربية حدث أن وظف دارسو الأدب الانجليزي ما تعلموه لخدمة أدبهم الوطني او الأدب القومي ، مثل د.محمد شاهين ، ود عبد الواحد لؤلؤة ،و...و..
إن كنت جاهلا فأرجو أن تبصروني ، وماذا يعني هذا الذي أذهب إليه ؟
أمس سألت أستاذا جامعيا ممن أنفقوا أربعين عاما في التدريس الجامعي ، تقريبا السؤال الآتي:
- لماذا لم تكتبوا ؟
فأجابني :
- لا أحد يقرأ .
٤ مايو ٢٠١٥ .

٦
دراسات حول محمود درويش :

آخر دراسة تصفحتها عن أشعار الشاعر محمود درويش نشرت في مجلة عالم الفكر الكويتية ( عدد3المجلد 43العام 2015 ) وهي لناقد مغربي حول قصيدة " مديح الظل العالي " والناقد هو د.مصطفى الغرافي ، وعنوان الدراسة هو " السمات المركبة في مديح الظل العالي " .
هل أضاف الدارس شيئا لما كتبه د.افنان القاسم في كتابه عن القصيدة ؟
لم يطلع الدارس على الدراسات السابقة التي أنجزت حول القصيدة ، حتى يقول لنا ماذا أضاف إليها ، وأهمها كتاب د .أفنان .
طبعا هناك خطأ فادح وقع فيه ، ولعلني سأكتب لاحقا عن هذا .
٢٠١٥

٧
محمود درويش : القراءة وإساءة القراءة (٤)

ثانية !
دراسات حول محمود درويش :
من دراسة د.مصطفى الغرافي :
" وقصيدة بيروت 1984 التي اتخذت صورة رثاء ملحمي ونشيد جنائزي لبيروت بعد اجتياحها عام 1982 وفي العام نفسه كتبت قصيدة مديح الظل العالي ..... "
ما الخطأ الشنيع الذي وقع فيه الدارس ؟
هذا خطأ وقع فيه دارسون من قبل ومنهم خليل قطناني ومها عتماوي ، ولم يلتفت إليه قراء كتاب خليل أو قراء رسالة مها ، ونجم عن هذا سوء تأويل لنص الشاعر .
أرأيتم كيف أن البنيوية ، حين تغفل زمن كتابة النص ، تقود إلى تأويلات خاطئة ؟
لعلني أنجز دراسة عن هذا كنت فكرت فيها قبل خمس سنوات تقريبا ، وهي : مآخذ على البنيوية لإهمالها الزمن : دارسو محمود درويش مدخلا .

٨
حرب الفيس بوك بين الفلسطينيين :

أمس مساء قرأت رأيا للكاتب وليد أبو بكر في قصص سليم البيك وهو أيضأ كاتب فلسطيني .
كان سليم أبدى رأيه في زيارة كتاب فلسطينيين لدمشق اجتمعوا مع د . نجاح العطار في القصر الجمهوري .
قرأت التعقيبات وقلت : إن شعراء النقائض ومظفر النواب كانوا مهذبين .
درجة حرارة الكتابة عالية جدا وليست عند الصفر ، كما عنوان كتاب ( رولان بارت ) .
كانت الفضائية الألمانية تبث مباراة بايرن واتلتيكو وأغلقت الجوال واستمتعت بمشاهدة المباراة . فاز الألمان ، ومع ذلك خرجوا من المنافسة .
هناك حروب كريهة وجدل بائس ، وهناك أقدام تجذب وتلفت الأنظار تقدر بملايين الدولارات ، وهناك دم عربي أرخص من النفط .
يا لبؤس واقعنا .
4 / 5 / 2016

٩
أنا المتكلم في النص ثانية :

أمس تذكرت قصيدة السياب " المخبر " .
أنا المتكلم فيها هي أنا المخبر لا أنا السياب .
في الرواية يختلف الأمر عنه في الشعر الغنائي . كانت العادة في الشعر الغنائي التوحيد بين أنا المتكلم وأنا الشاعر إلى فترة قريبة ، أما في الرواية ، وهي حديثة عهد قياسا إلى الشعر ، فهناك طريقة القص بأسلوب الترجمة الذاتية ، وهناك إمكانات واضحة لمعرفة الاتفاق والاختلاف بين أنا المتكلم / السارد وأنا الكاتب ، كما في رواية " السراب " لنجيب محفوظ .

١٠
من أخلاقنا الإسلامية الحميدة :

من أخلاقنا الإسلامية الحميدة أننا نقرأ القرآن ونتعلم منه فكرا ولغة وأسلوبا ، ونحب أن نصغي إلى سورة الرحمن .
منذ 26 عاما والحكاية لم تنته والسؤال يتكرر :
- ألا تريد أن تتزوج؟
يتكرر السؤال قولا وايحاء .
فبأي آلاء ربكما تكذبان. ؟
صدق الله العظيم وليت السؤال وحده يتكرر .
2017/ 5/4

١١
فساد و إفساد :

كل ما في الأمر أن إسرائيل أفسدت حياة الفلسطينيين وأنا منهم .
وكل ما في الأمر أن الأنظمة العربية أفسدت حياة الفلسطينيين والشعوب العربية أيضا .
وكل ما في الأمر أن الفصائل الفلسطينية أسهمت أيضا في الخراب ،
و جاءت السلطة - بارك الله فيها - لتواصل المشروع النهضوي الغربي العربي الإسرائيلي ، ووصلنا الى ما وصلنا إليه .
لي عتب على المجلس الوطني الفلسطيني وهو :
لماذا لم يكن لي مقعد فيه وأنا أهم فلسطيني يشغل الفصائل الفلسطينية كلها ، ولي حضور في أذهان الفلسطينيين أكثر من حضور فصائل عديدة .
مش زابطة. المجلس الوطني الفلسطيني لم يناقش أمر طلاقي وزواجي ووحدتي وفشلي و ...أيضا .
أبانا الذي في المباحث شو القصة ؟

خربشات - إن هي إلا خربشات تملى علي بكرة وأصيلا - أي والله .
تأخر الليلة جبريل في الهبوط.
سامحوني .
4/5/2018

١٢
" عبر الشريعة " رواية جديدة للدكتور بسام أبو غزالة :

قرأت أمس أول 40 صفحة من رواية " عبر الشريعة " للدكتور بسام أبو غزالة فتذكرت رواية علوية صبح " مريم الحكايا " .
من يبحث عن صورة البغي والقواد في الرواية العربية فسيجد في الروايتين شخصية البغي .
فقيرات الجنوب اللبناني في 60 القرن 20 حين يصلن إلى بيروت .
لا أدري إن كان د . بسام قرأ رواية علوية صبح .
على لسان البغي في روايتها يرد مثل طريف لا ينسى " مال.....بروح هيك " ونحن نقول :
" المال اللي بتجيبو الريح بتوخدو الزوابع " .
4/5/2018

١٣
واسيني الأعرج : " سوناتا لأشباح القدس " :

وأنا أقرأ رواية واسيني الأعرج " سوناتا لأشباح القدس " لفت نظري السطر الآتي :
" تركت الهدهدات تأخذها بعيدا عند حواف مدينتها الأولى التي لم تنس أي تفصيل فيها : الممرات الصغيرة الموصلة إلى البوابات أو الطرقات الواسعة ، القلاع العالية والقديمة جدا ..... "
هل يلفت يا سكان القدس هذا الوصف نظركم ؟
ما الذي يلفت نظركم فيه ... ؟
بانتظار إجابتكم ، ومي هي مي الحسيني التي غادرت المدينة طفلة صغيرة .
٢٠١٨

١٤
الهباش :

يطعنوننا من الخلف ولهذا نحن في الأمام .
ليبقوا يطعنوننا من الخلف كما شاؤوا .
يقتطعون بعض كلمات من خطاب الرئيس أبي مازن ليشوهونا .
نحن لا نقاوم اليهود لأنهم يهود . نحن نقاوم الاحتلال .
صفحتنا بيضاء واضحة وضوح الشمس .
فلسطين لأهلها طال الزمان أو قصر : سندوس الاحتلال والانقسام .
معلش كان السيد يخطب وكنت أغط في نوم عميق . يبدو أن السكر عندي مرتفع.
يبدو
٢٠١٨

١٥
ترجمة الترجمة 1 :

حول بؤس الترجمة :

أمس اطلعت على دراسة منشورة في مجلة نزوى العمانية كتبتها باللغة الإنجليزية د.اناهيد الحردان من جامعة لندن ونقلها إلى العربية د.خالد الجنفاوي من جامعة الكويت .
عنوان الدراسة " " المتشائل " و "أطفال الندى " ..تجربتان مختلفتان ومتكاملتان في الرواية الفلسطينية " .
اقترح علي الروائي محمد الأسعد أن أقرأ الدراسة لأرى تكامل التجربة الفلسطينية في الوطن والشتات وهو ما يدعو إليه ويأخذ به .
شخصيا غالبا ما ألجأ إلى دراسات التوازي ، فأوازي بين نتاجات الوطن ونتاجات المنفى .
ما لم يرق لي فيما قرأت هو الترجمة ، فعنوان رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " يغدو " الحياة السرية لسعيد أبي النحس المتشائل " .
سوف أخص هذه الترجمة بدفتر من دفاتر الأيام ، بعد أن أعود إلى رواية حبيبي ورواية الأسعد " أطفال الندى " التي وجب أن أخصها أيضا بمقالة . ومرة كتبت مقالة عن ترجمة المرحوم سلمان ناطور لفقرة من " المتشائل " نقلها عن العبرية وأساءت له فندمت.
الشاعر والروائي محمد الأسعد هو ابن قرية "أم الزينات " وهو يقيم اليوم في الكويت .
4 آيار 2019

١٦
الست كورونا و" حب الحياة إذا ما استطاع الناس إليها سبيلا " ٧١

اليوم ، وأنا في المدينة ، وجدتني أكرر سطر محمود درويش ذائع الصيت وواسع الانتشار :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا "
والناس تحب الحياة على ما يبدو إذا ما استطاعت إليها سبيلا .
كما لو أن الست كورونا اختفى خطرها وزال إلى غير رجعة ، فالناس في المدينة تجولوا كما كانوا يتجولون قبل الحجر الصحي ؛ الشوارع مكتظة بالبشر وحافلات العمومي ذات اللون الأصفر تملأ الشوارع وسوق الخضار مكتظة وأصوات الباعة الأليفة التي خفتت في الأربعين يوما الماضية ارتفعت من جديد . نساء ورجال خارج منازلهم ، وما عادت النسوة يطلبن الطلاق أو يفكرن فيه لجلوس الرجال في المنازل ، فمن الأشرطة التي تناقلها النشيطون فيسبوكيا وماسنجريا شريط امرأة سورية جميلة ضاق خلقها من وجود زوجها في المنزل ، فقد أخذ يتدخل في كل صغيرة وكبيرة .
- ما أول شيء ستفعلينه بعد انتهاء الكورونا ؟
يسأل الصحفي ، فترد المرأة :
- سأذهب إلى المحكمة وأطلب الطلاق .
وحين يلح السائل ويسأل عن السبب تجيبه :
- وأنت التاني شو دخلك ! روح انقلع .
وإذا كان بيت الشعر العربي قال " ولكن أخلاق الرجال تضيق " فإن الست كورونا جعلت " أخلاق النساء تضيق " وقد نقرأ في قادم الأيام إحصائيات عن نسبة الطلاق وارتفاعها ! قد !
مرة سألتني امرأة السؤال الآتي :
- ماذا ستفعل بعد انتهاء عملك في الجامعة ؟
فأجبتها :
- سأجلس في البيت .
المرأة التي نصحتني بالزواج ، وما أكثر من نصحني في حياتي بالزواج ، قالت لي :
- لا أنصحك إن تزوجت بالبقاء في البيت ، فالمرأة لا تحب جلوس الرجل في البيت .
أحيانا أفكر في شأن البيوت التي غالبا ، بل دائما ، ما يبنيها أو يشتريها الأزواج وأرى أنها تصبح ملك الزوجة وأهلها . لاحظوا أن المرأة ترى في جلوس الرجل في البيت مصيبة ، كما لو أنه لم يشتر البيت بل اشترى حصة في المقهى .
في قصص ( بوكاشيو ) " الديكاميرون " نقرأ عن مواجهة أهل مدينة ( فلورنسة ) لوباء الطاعون بالخروج من المنازل ، فسلطة القانون " سواء الإلهي أو البشري ، قد انهارت واختفت تماما ، لأن أحبارها والقائمين عليها قد ماتوا أو أصيبوا بالمرض مثل غيرهم من الناس ، أو أنهم ابتعدوا بأسرهم ، بحيث لم يعد بإمكانهم ممارسة مهامهم ، وصار مباح لكل امريء أن يفعل ما تمليه عليه أهواؤه ، فكان هناك صنف من الناس لم يعتكفوا في بيوتهم ، مثلما فعل الأولون ، ولم يغرقوا كذلك في الإفراط بالشراب والملذات مثلما فعل الآخرون ، بل راحوا يستمتعون ، وفق رغباتهم ، بمقادير معتدلة من المتع ، دون أن يحتجزوا أنفسهم ، بل يخرجون للمشي ، وهم يحملون في أيديهم أزهارا أو أعشابا عطرة .... "
ويبدو أن أهل المدينة اليوم قرروا الخروج .
هل ضجرت ربات البيوت من أزواجهن أم ضجر الأزواج من زوجاتهن وفضلوا الست كورونا على ست البيت ؟
حالة تعبانة يا ليلى ، والحمد لله أنني بلا امرأة !!
لا تقولوا " قصر ذيل يا أزعر " .
٤ أيار ٢٠٢٠

١٧
ذاكرة أمس ٤٩ :
قد أقبلوا فلا مساومة ، المجد للمقاومة :

أمس صحونا في فلسطين على أخبار أول أمس . ثمة عملية عسكرية فدائية على أحد الحواجز تمثلت في إطلاق فلسطيني النار على مستو ..طنين ، والنتيجة ثلاثة جرحى جراح أحدهم في الرأس وحالته خطيرة ، والاسراىليون يغلقون الطرق ويشددون على التنقل بين المدن .
الشريط الذي عمم كان شريطا تحدث فيه الرئيس أبو مازن وتساءل عن المقاومة الشعبية السلمية :
- أين هي المقاومة السلمية؟
فجاءت المقاومة عسكرية ، ومنذ أسبوع والأوضاع في القدس متوترة ، وكانت أشرطة الفيديو تركز على هذا .
في أحد الأشرطة أمام باب العمود يخاطب جندي اسرائيلي المنتفضين ، يطلب منهم هدنة لمدة عشر دقائق ، ويعلمهم أن الجنود سينسحبون فلينسحبوا هم بدورهم .
في شريط ثان يحمل طفل فلسطيني لعبة بلاستيكية على شكل بندقية ويصوبها نحو جنود إسرائيليين ، ما يدفع بأحدهم إلى مخاطبة والد الطفل مستغربا سلوك الطفل ، وأنا أتذكر سطرا شعريا للشاعر راشد حسين :
" صدقوني المولود في ظل القنابل سوف يضحي قنبلة "
والسطر من إحدى قصائد الشاعر عن القدس بعد احتلالها في العام ١٩٦٧ .
وأنا أذرع في السادسة مساء شارع النصر ، من البوابة الغربية باتجاه البوابة الشرقية ، لاحظت أن ثمة هدوءا وقلة في الحركة ، وعندما استفسرت عن السبب رجح ابن أخي أنه قد يعود إلى شعور الناس بالملل ، ولم نفطن معا إلى الإغلاق الأمني المفروض على نابلس منذ مساء أول أمس - أي منذ الحادث .
هل سيلبي المواطنون ما طلبه منهم رئيسهم ؟
طلب مقاومة شعبية سلمية ، فقاوم مواطن الاحتلال مقاومة بالسلاح .
البسطات في شارع النصر على حالها والإقبال عليها أقل ، والموت يحصد ؛ موت شاب موتا فجائيا أحزن أهل المدينة وشغل وسائل التواصل الاجتماعي ، وموت أخوين من قرية عراق التايه بحادث سير ذاتي ، وعيد الفطر على الأبواب .
و ... و ... و
" يهوى الشهيد وفي عينيه حيرتنا
هل مات بالنار أم أودى به الشجن ؟"
يقول الشاعر مريد البرغوثي الذي رحل في شباط الماضي في قصيدته الشهيرة " طال الشتات " التي كتبها عقب حرب بيروت في ١٩٨٢ .
الأحوال تبعث على الضجر وتولد الملل والناس تعيش على الانتظار ، فرواتب شهر نيسان لم تصرف بعد .
أمس عقب الصديق Ghattas Nazih Ghattas Sweis على خربشة أمس بالآتي :
" سمك لبن تمر هندي ، ولكننا ننتظر خربشات الاسطى " وأمس مساء ، وأنا في شارع النصر ، حياني أحد الأصدقاء وقال لي :
- ننتظر خربشاتك .
وأنا أجبت :
- ولهذا السبب أنا أذرع الشارع .
حياتنا ملأى بالانكسارات والموت ، ولكننا كما قال شاعرنا محمود درويش " سأواصل مجرى النشيد ، ولو أن وردي أقل " .
٤ أيار ٢٠٢١

١٨
سليم بركات :

يتغزل سليم بركات في روايته " ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟" باليهود من خلال عشق بطله الكردي كيهات للينا ابنة راحيل ، ولأنه يحب لينا فقد أحب كل ما كان في سوق اليهود .
لسان حال سليم بركات هو لسان حال الشاعر الجاهلي سويد بن أبي كاهل :
" وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري " .
حسب ما أقرأ في الصفحات ٣٠٠ وما بعدها فإن سليم بركات يغازل اليهود ، ولعلني مخطيء .
هل عينه على جائزة ؟
أم يقتفي أثر محمود درويش في " شتاء ريتا الطويل "؟
٤ / ٥ / ٢٠٢١

١٩
غزة ( ٢١١ ) :
رفح في انتظار البرابرة

عادل الاسطة

لم تساعدني الانفلونزا على التركيز لمتابعة الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي متابعة حثيثة . حقا أنني قرأت مقالات عن الميناء الذي ينشأ وعدم التعرض له وعدم ذكر حماس شيئا عنه ، وأخرى عن رئيس الوزراء الإسرائيلي وأنه يريد إضعاف حماس لا القضاء عليها ، لكي تظل تحكم قطاع غزة ، فيحول بذلك دون إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة معا ، ولكن ما ألح على ذهني أكثر هو الهجوم على رفح .
هل ستتم مهاجمة رفح ؟
تذكرت قصيدة ( كافافي ) من ديوانه " وداعا للاسكندرية التي تفقدها " ؛ قصيدته التي عنوانها " بانتظار البرابرة " ، ويبدو أنني لاحقا سوف أنقلها كاملة ، فمنذ شهر وأكثر ورفح تنتظر . هل سيصل البرابرة ؟ أم أنهم لن يصلوا ؟
" لم تخلو الشوارع والساحات سريعا ؟
والكل يعود إلى داره ، غارقا في الفكر ؟
لأن الليل هبط ، ولم يأت البرابرة .
ولأن أناسا قدموا من الحدود
وقالوا أن ليس ثمة برابرة .

والآن ... ماذا نفعل بدون برابرة ؟
لقد كان هؤلاء نوعا من حل . " .

أمس قرأت في بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أن هناك من غادر رفح عائدا إلى المواصي ، فالبرابرة قد يصلون رفح .
وأمس قرأت في قسم آخر من الصفحات أن هناك من يفضل البرابرة على حكم حماس . يا إلهي ! هل يرى هؤلاء في إسرائيل نوعا من حل ، علما بأن العربي الجيد لها هو العربي الميت ؟
راحعوا يومياتي لأيام خلت وستقرأون فقرة نقلتها عن صفحة أشرف نصر نقل فيها فقرة عن صفحة محمد العبدالله يعبر فيها عن أمنياته في العيش في ظل دولة إسرائيل ، فلا يريد دولة فلسطينية تكون " بهيمة مريضة تصف جنب ٢٢ بهيمة مريضة " - أي مثل باقي الدول العربية .
هل ما زال محمود ، بعد كل ما جرى ، يظن أن إسرائيل تريد أن نبقى على أرضنا ؟
٤ / ٥ / ٢٠٢٤

٢٠
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
" القبر رقم 49 " عاطف ابوسيف يكتب رواية الحرب


في قصيدته " حفار القبور " كتب بدر شاكر السياب عن حفار ينتظر أن تأتي جنازة ، ليأخذ أجرته ، فيعود إلى بيته وبيده ما يسد به رمقه وزوجته . حين تقترب الجنازة يكون الميت زوجته .
قبل أن يرى النعش محمولا كاد يفقد الأمل ، فتمنى لو أن حربا تقع يسقط فيها موتى كثيرون ، ليجني الربح الوفير ويعيش برخاء .
في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) كتب إميل حبيبي عما انتشر من يقين في غزة ، وفي بقية أنحاء المناطق المحتلة في أواخر أيلول عام ١٩٧٢ ، عن تحرك شواهد قبور شبان أربعة في مقبرة حي الشجاعية صرعهم رصاص الاحتلال .
ماذا كان السياب سيكتب عن حفار القبور لو امتد به العمر وتابع ما يجري في غزة ؟ وماذا سيكتب إميل حبيبي عن الدفن الجماعي في المقتلة هناك ، بل وعن الجثث التي نهشتها الكلاب ؟
الروائي عاطف ابوسيف الذي عاش في الحرب هناك حوالي خمسة وثمانين يوما كتب يومياته وأصدرها في كتابه " وقت مستقطع للنجاة " ( ٢٠٢٤ ) أصدر مؤخرا رواية " القبر رقم 49 " التي أتت على الأشهر الخمسة من الحرب - منذ ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ إلى ٢٩ / ٢ / ٢٠٢٤ . تقع الرواية في ٣٠٩ صفحة موزعة على مدخل ، وثلاثة كتب هي كتاب الحياة وكتاب الجنازة وكتاب الشاهد ، ورسالة الكاتب ، والكتابان الأولان يأتيان على موت الست حليمة ودفنها في مقبرة في رفح إلى جانب ثمانية وأربعين قبرا ، ليكون قبرها القبر رقم 49 .
ولدت حليمة في يافا في ١٩٤٠ وهاجرت مع والدها المختار في ١٩٤٨ لتقيم في سنوات الخمسينيات من القرن ٢٠ في خيمة قبل أن تمتلك بيتا تدرج بناؤه ليغدو أربعة طوابق أقام معها فيه أبناؤها الثلاثة وأولادهم ، ثم فقدته وفقدتهم في حرب طوفان الأقصى ، ولم ينج سواها وحفيد واحد بلغ الخامسة والعشرين ، وكانت نجاتهما بالصدفة ، فقد غادرا البيت قبل نصف ساعة من قصفه ، لتزور زوجة أخيها الصغير آخر من تبقى من إخوتها وزوجاتهم ، واضطرت حليمة أن تنزح وحفيدها إلى رفح لتقيم من جديد في خيمة تموت فيها وتدفن في مقبرة يكون قبرها فيها القبر رقم ٤٩ .
وفي الفصول الثلاثة نقرأ عن حياتها في يافا ، وفي مخيم جباليا حتى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ، وعن موتها في رفح وجنازتها التي شارك فيها ثلاثة عشر رجلا وامرأة يقص كل منهم ، في كتاب الجنازة ، صفحات من حياته ، وبينهم قريبان لها أحدهما حفيدها الذي يتكفل بإجراء جنازة لها ودفنها بما يليق بها والبحث عن شاهد لقبرها .
لا يذكر عاطف ابوسيف أسماء شخصيات روايته باستثناء حليمة وينعت الآخرين بصفات مهنهم أو وضعهم الاجتماعي : الحفيد / رفيقة العمر / بائع الفواكه ذو الكرش البطيخة / صاحبة الفرن / الشيخ / الشابة ممطوطة الطول مثل سقالة البناء / بائع التحف والأنتيكا / الشابة التي تركت زوجها في الشمال / الأستاذ الجامعي / الفتاة الجامعية / تاجر المساعدات / الحماة والكنة .
يروي الراوي الفصلين الأول والثالث بضمير الهو ، فيم يترك الثلاثة عشر شخصا في الكتاب الثاني يروون قصصهم وعلاقتهم بحليمة التي ساروا في جنازتها ، وجلسوا معا حول قبرها ما لا يقل عن ساعتين ، غاب فيهما الحفيد ليحضر شاهدا للقبر ، فقد تنتهي الحرب ويعود إلى الشمال ويزور القبر في المناسبات .
الرواية التي حضر دال القبر في عنوانها تحفل بدوال القتل ومشاهد الدمار والاذلال والإهانة والجوع والخيام وتنتهي نهاية سوداوية ليس بموت حليمة ودفنها وحسب ، بل وفي ضياع مستقبل شخصياتها وشعورهم بالقلق من مستقبل غامض ، وتركز على فكرة المؤقت الذي دام ، وهي فكرة عبر عنها محمود درويش في قصيدته " نزل على بحر " :
" أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا ؟"
كان الحلم في ٥٠ القرن ٢٠ هو العودة إلى يافا ومجدل عسقلان وصار بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ يتمثل بعودة أهل قطاع غزة الذين نزحوا من شمالها إلى جنوبها ؛ عودتهم من جنوبها إلى شمالها ، وبدلا من أن تدفن حليمة في يافا أو حتى في شمال القطاع دفنت في جنوبه مبتعدة أكثر وأكثر عن يافا ، تماما مثل شخصيات رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " ١٩٦٣ .
هل استوى عدم دق جدران الخزان مع دقه في ٧ أكتوبر ؟
وأنا أقرأ في الرواية في ٢٧ نيسان ٢٠٢٥ ، وأقف أمام ارتقاء ٢٢ فردا من عائلة حليمة ، قرأت عن استشهاد ٢٢ فردا من عائلة الخور جراء استهداف منزلهم بجوار مسجد عبدالله عزام في حي الصبرة جنوب غرب مدينة غزة فجر اليوم المذكور ، وبعد يوم ارتقت عائلة الآغا المكونة من زوج وزوجته وابنه وبناته الثلاثة .
تنتهي الرواية بتفرق المشيعين الثلاثة عشرة واختفاء حديث الحبيبين / الحفيد والفتاة الجامعية عن القصائد والحب والمقهى ، فيم يظل القلق حديثهما مرة أخرى :
" حين افترقا سألها : ظايلين على موعدنا المسا عند محطة التحلية ؟ لوحت له بيدها وهي تبتعد ، ولم يفهم من تلويحتها شيئا " .وأما الكاتب فأنهى روايته برسالة منه :
" لست إلا رجلا حزينا يقف على تبة تشرف على المدينة ، ينظر للخلف جنوبا نحو القبر ويبكي " .
وكل ما في غزة يبكي والرواية مشوقة .

( تاريخ كتابة المقال ٣٠ / ٤ و ١ / ٥ / ٢٠٢٥ )

٢١
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
غزة وسؤال الفلسطينيي عن الأخلاق والفضيلة في زمن الحرب



في تتبع أحوال أهل قطاع غزة من خلال صفحاتهم أو بعض نصوصهم الأدبية التي نشروها في كتب ، مثل رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " تقرأ كتابات مختلفة تصور وجهات نظر متباينة ومختلفة تباينا واختلافا شديدا لافتا ، والسبب هو اختلاف المواقع التي تؤدي إلى اختلاف المواقف .
رصد أبوسيف ما ألم بثلاثة عشر رجلا وامرأة لم يكن بينهم مقاتل واحد ممن شاركوا في أحداث ٧ اكتوبر ، لنقرأ ما يجيش في نفسه من عواطف وأفكار ورؤى أو تصورات عن الحرب قبل وقوعها وفي يومها الأول والأيام التي تلته .
ربما لم يفعل ابوسيف ذلك لأنه لم يلتق بواحد من هؤلاء ، علما بأن شخصية المقاتل وهو يتصدى للدبابات كانت لافتة ، وهنا أشير إلى المقاتل الشبح الأنيق الذي شبهه قسم ممن كتبوا عنه بأنه ( روبن هود ) الغزاوي ، وإلى المقاتل صاحب عبارة " حلل يا دويري " التي تنوقلت ، ابتداء ، جادة وتحولت ، مع مرور الأيام ، إلى عبارة تهكمية ساخرة من المحلل الأردني في قناة " الجزيرة " فايز الدويري .
ورواية ابوسيف الجديدة تختلف عن روايته " حياة معلقة " ( ٢٠١٤ ) التي كتب فيها عن انتفاضة ١٩٨٧ التي عاشها وشارك فيها ، بل وفقد أخاه وكتب عنه .
شيء طبيعي ألا يكتب أبوسيف عن مقاتل ما دام بعيدا عن المشاركين ب ٧ أكتوبر وصلته بهم منعدمة وعملهم كان سريا جدا ، ولكنه عوض عدم الكتابة هذه بتصوير مشاعر أم مشارك وزوجته أيضا ، وقد يكون ، في أثناء وجوده في مخيم جباليا في الأسابيع الأولى للحرب ، أو في رفح في الشهر الأخير لوجوده - أي الشهر الثالث - قبل مغادرته ، قد يكون التقى بأم مقاتل وزوجته ، أو سمع حكايتهما ، فكتب ما كتبه تحت عنوان " الحماة والكنة " ومن هذه الكتابة عرفنا القليل عن المقاتل وعلاقته بزوجته وحبهما لبعضهما ، ثم أقل القليل عن مشاعره إزاء ما جرى .
وأنت تقرأ روايته وما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي الفيس بوك تتذكر قصيدة محمود درويش " مطار أثينا " التي يقول فيها :
" مطار أثينا يوزعنا للمطارات . قال المقاتل : أين أقاتل ؟ صاحت به / حامل : أين أهديك طفلك ؟ قال الموظف : أين أوظف مالي ؟ قال / المثقف : مالي ومالك ؟ قال رجال الجمارك : من أين جئتم ؟ أجبنا : من / البحر . قالوا : إلى أين تمضون ؟ قلنا : إلى البحر . قالوا : وأين عناوينكم ؟ / قالت امرأة من جماعتنا : بقجتي قريتي . ..... ".
تتذكر أسطر درويش السابقة لأنها تعبر عن شرائح اجتماعية فلسطينية مختلفة تختلف همومها ، فهم المقاتل الذي يضغط عليه غير هم المرأة الحامل ، ويختلف هم الموظف عن همهما ، كما يختلف هم المثقف عن هموم الثلاثة ، ويكون هم رجال الجمارك متعلقا بوظيفتهم وسؤالهم التقليدي : من أين جئتم ؟
هذا الاختلاف في النظر إلى الأمور نجد شبيها له الآن في كتابات أبناء غزة وفي كلامهم في أشرطة الفيديو التي يتحدثون فيها عن معاناتهم .
يعرض المقاتلون أشرطة فيديو للمعارك التي يخوضونها تصور بطولاتهم وما أوقعوه في قوات الجيش الإسرائيلي ، فيم يبحث النازحون عن خيمة والجائعون عن طعام والراغبون في السفر عن سمسار ، وإذا كان المقاتل يضع الوطن في سلم أولوياته ، فيبذل روحه في سبيله ، تجد أن أكثر المواطنين يبحثون عن مأوى ومطعم ، وستجد بين هؤلاء من يبحث عما هو أكثر ، كأن يثرى ويجمع المال غير مهتم بالفضيلة على الإطلاق . كل من لا يحمل السلاح ويقاتل يبحث عما يبقيه حيا وتصبح الفضيلة لديه أن يبقى على قيد الحياة .
كان غسان كنفاني في قصته القصيرة " الصغير يذهب إلى المخيم " أتى على الفضيلة في زمن الاشتباك :
" نتشاجر عصام وأنا من جهة مع بقية الأطفال أو أصحاب الدكاكين أو السائقين أو رجال الشرطة أحيانا ، ثم أتشاجر مع عصام فيما تبقى من الوقت .
كان ذلك زمن الاشتباك . أقول هذا لأنك لا تعرف : إن العالم وقتئذ يقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكا من يفعل .. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو انتصار مرموق للفضيلة . حسنا . حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضا " . إن الفضيلة الأولى أن تحتفظ بنفسك حيا .
، وأغلب أهل قطاع غزة ، باستثناء المقاتلين ، يعيشون زمن الاشتباك ؛ الاشتباك مع الحياة ، ولعل ما يفسر هذا هو ما نقرؤه في هذه الأيام عن الاستغلال والسرقات والفوضى وارتفاع الأسعار واحتكار السلع وهذه المزاحمات في الدور أمام التكايا وهذا ما نقرؤه في رواية أبوسيف على لسان الشابة التي تركت ، مع ولديها ، زوجها في الشمال ، بناء على طلبه ليرعى والديه :
" قلت للست حليمة أنت لا تخرجين للشارع فترين كيف تأكل الناس بعضها بعضا ، وكيف ينهشون أجساد بعضهم بعضا . استغلال وجشع وسرقة وبلطجة . الحياة قاسية . الناس لا تعرف كيف تعيش ولا كيف تتدبر أمورها . كل شيء صار مباحا . ما نفع الأخلاق والقيم حين لا تساعدنا على الحياة . لا تقولي لي إن الأساس أن نموت من أجل أخلاقنا وقيمنا . الأساس أن كل شيء وجد من أجل أن نعيش ونحيا ، لا من أجل أن نموت في سبيل الموت " .
وثمة سطر في الرواية يتكرر هو أن الحياة في زمن الحرب تختلف .
هل ثمة وجود للأخلاق والفضيلة في زمن الحرب ؟ انه سؤال أثاره كنفاني قبل ستين عاما ويثيره أبوسيف بعد ستين عاما من إثارته .


( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١١ / ٥ / ٢٠٢٥ ) .
( تاريخ الكتابة ٤ و ٥ و ٦ و ٧ و ٨ / ٥ / ٢٠٢٥ ).

٢٢
الحرب حياة أخرى :

هل تذكرون شخصية " أبو عايد " في مسلسل وليد سيف " التغريبة الفلسطينية " حين وقف على الدور مع بقية اللاجئين لاستلام المؤن ؟
في بداية نزوح أهل شمال قطاع غزة إلى جنوبه تلاعب تاجر غزاوي ببطاقة ال VISA قائلا إنها ، في النزوح ، لم تعد تسوى شيئا .
اقرأوا هذا المقطع من رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
في الرواية تتكرر عبارة " الحرب حياة أخرى " .

[ لم تفهم كيف يمكن لأهم بائع فواكه في الشمال أن يذهب ليشتري حبة تفاح واحدة . أنا الذي كانت ثلاجاتي ومحلي فيها مئات الكيلوات من التفاح بكل أصنافه : الأحمر والأصفر والأخضر ، أذهب لأشتري حبة ! حبة واحدة ! أي عار هذا ! لن أذهب لأشتري أي شيء إلا الضروري من أجل أن نعيش . صمت ثم قلت لها : إذا نفسك بالتفاح فعلى الرحب والسعة . سوف أرسل الولد ليشتري لك حبة . أصرت وقالت : أريدك أنت أن تشتري لي حبة تفاح . أنت تروح وتشتريها . رفضت وأعدت عرضي ... " ] .
٤ / ٥ / ٢٠٢٥

٢٣
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها :

عادل الأسطة

اليوم صباحا كتب إلي الصديق المحامي فؤاد نقارة Fuad Suzy Nakkara أنه سيزور نابلس ووعدني أن يضع لي ثلاثة من إصدارات نادي حيفا الثقافي في المكتبة الشعبية في شارع حطين الذي أذرعه يوميا . كتبت له أنني قد ألتقي به في الواحدة والنصف لنشرب معا قهوة ، ثم أرسل لي صورة التقطها لنا قبل فترة ونحن جالسان معا على رصيف مقهى الميناوي ، ولما أخبرته أنه سبق وأن أهداني الكتب دهش ، فلم أكتب عنها . بررت عدم كتابتي بانشغالي بتدوين يوميات حرب طوفان الأقصى ، فلم يعاتب .
في الواحدة مررت بالمكتبة الشعبية وسألت ان كان أتى ، ثم ذهبت إلى المقهى أسأل .
عندما وصلت إلى المقهى ألقيت السلام على الأستاذ الدكتور عبدالله زميلي في الجامعة في سنوات التدريس . عرض علي أن أشرب معه القهوة ، فوعدته أن أعود بعد دقائق .
ذهبت واشتريت الجريدة واشتريت طاقية صيفية وعدت إلى المقهى بعد عشر دقائق فلم يكن الدكتور موجودا . شرب قهوته وغادر ، وجلست في مكانه أشرب الليمون الذي أحضره لي أبو أيمن .
لم تمر دقائق حتى كانت دوريتا جيش إسرائيلي تقفان في الشارع . لم يعترضهما أحد ، لا بالحجارة ولا بالرصاص أيضا ، وواصل أصحاب المحلات ، لدقائق ، البيع والشراء ، ثم سرعان ما بدأوا يلملمون البضاعة المعروضة ويغلقون أبواب محلاتهم .
في هذه الأثناء تركت مقعدي على الرصيف ودلفت إلى داخل المقهى عل الغيمة تنقشع سريعا . لقد جاءت الدوريتان فجأة وقد تغادران فجأة .
في داخل المقهى كنا ثلاثة رجال وامرأة تجلس بعيدا عنا وصاحب المقهى الذي سرعان ما بدأ يغلق بوابة من بوابتي المقهى .
تجاذبنا ، نحن الرجال الثلاثة ، أطراف الحديث . حكينا عن اليمن وصاروخها في هذا الصباح ؛ صاروخها الذي أحدث خللا في مطار اللد / بن غوريون ، وأصغينا إلى نشرة أخبار الساعة الثانية في قناة الجزيرة ، ثم أتينا على سيرة أخي الذي غادر الحياة في العام ١٩٧٣ بحادث سيارة ، فقد كان أحد الرجلين صديقه يعمل معه سائقا .
لم تمر سوى نصف ساعة حتى جاء رجال الإطفائية لإخراجنا من المقهى ، فقد تتعقد الأمور . عندما خرجنا كنت أول الخارجين ، وما إن أبصرني جندي شاب حتى صرخ طالبا مني العودة ، فعدت والعود أحمد ، ولم أعد شابا لأركب رأسي وأعاند . العناد قد يوصلني إلى القبر أو إلى المشفى .
واصلنا تجاذب الحديث وقلت :
- أي حجر أو رصاصة قد تكلفنا حياتنا ، وتذكرت نسيبنا عدنان سبع بعارة أبو أشرف . لقد فقد حياته في ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٣ بالخطأ . كان في بداية السبعينيات من عمره وعندما أراد الذهاب إلى بيته ، في البلدة القديمة المحاصرة من القوات الإسرائيلية ، أصابته بالخطأ رصاصة فغادر هذه الدنيا .
- هل شعرت بالخوف ؟
سرعان ما تذكرت أهالي قطاع غزة وما عانوا منه ومروا به منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣. هل ما نمر به في هذه اللحظة يذكر ؟
عاود رجال الإطفائية المحاولة وتكلموا مع الضابط فوافق على إخراجنا . لم أمانع وإن كنت فضلت البقاء في المقهى الذي بدا على صاحبه الاستعداد لإغلاقه ، إذ سرعان ما أدخل الكراسي والطاولات التي على الرصيف إلى داخل المقهى .
سرنا معا بصحبة رجلي الإطفاء وعندما اعترض الجندي ثانية ، طالبا منا العودة ، تدخل الضابط وطلب منا مواصلة السير .
غير بعيد كانت هناك دوريات أخرى ، وكانت موزعة على غير مكان ، فيما كانت المحلات كلها مغلقة وكان الشبان يتجمعون لقذف الحجارة ، ما دفع بالجنود إلى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع .
- ليس بيننا وبينهم نزاع .
مزح أحد الرجلين ، وتابع :
- ها هم يدخلون شارع حطين والمحلات التجارية لم تسارع بالإغلاق . كان كلامه في اللحظات الأولى للاقتحام .
وأنا في البلدية لاجئا إليها ، تجنبا للغاز المسيل للدموع ، اقترح علي الموظف أن أجلس :
- اجلس يا دكتور .
شكرته وفضلت المغادرة ، وسرت . سرت بالاتجاه المعاكس لساحة المعركة التي أوشكت أن تندلع بالحجارة بين الشبان والجنود ، وكانت سيارات الإسعاف تطلق زواميرها تنقل مصابا أو أكثر .
غالبا ما أكرر البيتين اللذين حفظتهما بعد أن أوردهما إميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " وهما :
" مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها " .

في المساء قرأت في صفحة ناشطة غزاوية هي Anhar Skaik سطرين ثلاثة عن الموت الفجائي في غزة بسبب الجوع والقهر . الموت بلا إنذار سابق . بلا حس أو خبر . كما يقولون ، فعقبت بسطر محمود درويش :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة ، من بينها وجع الحياة " .
حياتنا موجعة وإن رجحت أن موت شباب كثيرين في الضفة موتا فجائيا يعود إلى الفياجرا .
سامحونا !
والحمدلله على سلامتنا !
٤ / ٥ / ٢٠٢٥
Adel Al-osta

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى