يحيى بركات - فتح بين القاعة والظل: حكاية حضورٍ لا يكتمل

لا أحد يرى القاعة كما هي.
الأضواء مضاءة،
الكراسي مصطفّة،
الأسماء تُقرأ،
والتهاني تتدفق… كأنها نهاية حكاية.
لكن،
في مكانٍ ما خارج الإطار،
هناك ظلّ لا يدخل.

في الخارج،
رجلٌ لا يصرخ.
لا يحمل بيانًا،
ولا يكتب منشورًا غاضبًا.
ينظر فقط…
كأن بينه وبين الباب تاريخًا كاملًا.
يقول بهدوءٍ يشبه التعب:
“أنا ما زلت أدفع اشتراكي…”
ثم يصمت.
في تلك اللحظة،
لا تعود القصة: من حضر…
بل: من بقي خارج الضوء.
داخل القاعة…
تُقال الحكاية بشكلٍ آخر.
لغة منظمة،
أرقام، نسب، تمثيل،
امرأة… أسير… شبيبة… عسكر…
كل شيء يبدو في مكانه.
كأن العدالة مكتملة على الورق.
لكن خارج الورق،
تبدأ الأسئلة التي لا تُكتب في البيانات:
كيف اختيرت الأسماء؟
ومن الذي لم يُدعَ… ولماذا؟
ليس تشكيكًا…
بل بحثًا عن معنى.
لأن الكادر،
لا يعدّ المقاعد…
هو يعدّ الشعور.
بين الداخل والخارج،
تتعدد الأصوات…
صوتٌ يبارك،
كأن العضوية صارت موقعًا،
أو إشارة عبورٍ نحو سلطةٍ ما.
وصوتٌ آخر،
موجوع… لكنه وفيّ،
يقول:
“غيابي عن المؤتمر لا يعني غيابي عن فتح.”
وصوتٌ ثالث،
يرفع النبرة،
يتهم،
يشكك،
يرى أن ما جرى… لم يكن بريئًا.
ثم…
صوتٌ رابع،
أكثر هدوءًا،
يسأل فقط:
هل ما جرى يعكس عدالة تنظيمية…
أم خللًا في ميزان المعايير؟
…وفي زاوية أخرى من المشهد،
تظهر لغة مختلفة.
لا تتحدث عن برنامج…
ولا عن رؤية…
بل عن تنسيق،
وعلاقات،
وقدرة على الحشد.
دعمٌ يُبنى على القرب،
وعلى الامتداد الاجتماعي،
وعلى شبكةٍ تعرف كيف تصل.
كأن المؤتمر،
في بعض لحظاته،
ينزلق من كونه مساحة قرار تنظيمي،
إلى ساحة تتقاطع فيها الاعتبارات:
العشيرة…
العلاقة…
والنفوذ.
وهنا،
لا يعود السؤال فقط: من يستحق؟
بل: كيف يُحسم الاستحقاق؟
حين يدخل العامل الاجتماعي ليحسم ما يجب أن يحسمه التنظيم،
نحن لا نُخطئ في الاختيار فقط…
نحن نُعيد تعريفه.
وفي عمق المشهد،
يتحرك سؤالٌ أثقل من الجميع:
هل ما زالت فتح… تقود؟
أم أنها،
كما تفعل الحركات حين تتعب،
انتقلت من صناعة الفعل…
إلى إدارة ما تبقّى منه؟

المؤتمر،
هنا،
لا يعود قاعة.
يصبح لحظة اختبار.
ليس لإعادة توزيع المقاعد…
بل لإعادة تعريف المعنى.
أي فتح نريد؟
فتح التي كانت فكرةً،
أم فتح التي أصبحت وظيفة؟
فتح التي كانت مشروعًا،
أم فتح التي تدير مشروعًا يتآكل؟
في الخلفية،
العالم يتغير.
المشروع القديم يتنفس بصعوبة،
السلطة عالقة بين ما وُعدت به… وما وصلت إليه،
والسماء فوق رام الله،
ليست صافية كما كانت.
وفي مكان آخر،
هناك من ينتظر مؤتمرًا آخر…
يراجع،
يحاسب،
يعيد تعريف نفسه.

أما هنا،
فالسؤال مختلف:
هل نملك شجاعة المراجعة؟
أم نكتفي بإعادة ترتيب المشهد ذاته… بوجوهٍ مختلفة؟
ليست المشكلة في أن نختلف.
ولا في أن نغضب.
ولا حتى في أن نخطئ.
المشكلة…
حين يصبح كل ذلك عاديًا،
ولا يعود أحد يسأل:
ماذا نفعل بهذا كله؟
فتح…
لم تكن يومًا بطاقة دعوة.
ولم تكن مقعدًا في قاعة.
كانت فكرة،
حملت ناسها…
قبل أن يحملوها.
لكن الأفكار،
حين تُتعب،
تحتاج أكثر من مؤتمر.
تحتاج…
أن تعود إلى نفسها.
في نهاية المشهد…
القاعة تمتلئ.
الأسماء تُعلن.
التصفيق يعلو.
لكن في الخارج…
لا يزال ذلك الرجل واقفًا.
لا يطلب الدخول.
ولا يغادر.
ينظر فقط…
كأنه ينتظر شيئًا أبسط من كل هذا:
أن يشعر…
أن هذه الفكرة،
ما زالت تعرفه.

يحيى بركات
مخرج وكاتب
4/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى