د. إبراهيم عروش - ندبات ال BCG ضد السل .

لم يكن لقاح BCG نسبة إلى عالمين (bacille de calmette et Guerin) في المغرب مجرد إبرةٍ صغيرة، بل كان في زمنٍ ما مشروعًا وطنيًا للتحصين ولقياس الشجاعة الجماعية للتلاميذ: من يبكي؟ ومن يهرب؟ ومن… يعاود الوقوف في الصف ليتلقى “جرعة إضافية” وكأنه في مباراة نهائية ضد الإبر!

في الأمس، كان الطفل يدخل المدرسة ليحفظ “كان وأخواتها”، وأيضا ليحفظ ذراعه من كثرة الندبات. كانت “الوخزة” حدثًا مدرسيًا بامتياز: طابور، ممرض، قطن، وكثير من الدموع… وقليل من الفهم.

أما اختبار “IDR”، فكان أشبه بامتحان سري:
إن انتفخ الجلد… فلك قصة، وإن لم ينتفخ… فانتظر الوخزة القادمة، لأن الدولة مشكورة لا تتركك دون “مفاجآت صحية”!

وكان المنطق بسيطًا:
“إذا كانت جرعة واحدة تحمي… فماذا لو أعطينا ثلاثًا أو أربعًا؟ ألن نصبح محصنين ضد السل… وربما ضد الحسد أيضًا؟”

حتى صار بعض الأطفال ، يتعاملون مع التلقيح كعرضٍ استعراضي:
يتلقى الجرعة… ثم يعود إلى الصف وكأنه يقول:
“واش كاين شي جولة آخرى؟” شجاعة وعدم خوف في غير محلهما.
وكنت من بينهم في مدرسة المزيندة المختلطة ،فما زلت احتفظ بتمان ندبات موشومة في دراعي تذكرني بالسل و BCG

إلى أن أتى ممرض حكيم، نظر إلى ذراعي وأنا أشمر عليه ، فظهرت له الندبات الموشومة توثق التاريخ الصحي، وقال لي:
“سير آصاحبي… نتا راه عندك ضاما لأن BCG القديمة كانت تترك ندبات دائمة!” عكس اليوم

لكن، في مكانٍ ما، كان العلم يضحك في صمت.

مع تطور الأبحاث، وبتوصيات واضحة من منظمة الصحة العالمية، اكتشف العلماء أن “كثرة الإبر” لا تعني “كثرة المناعة”، وأن التعزيزات المتكررة لا تضيف شيئًا يُذكر أمام الأشكال الخطيرة من السل.

وهنا بدأ التحول…
ليس ثورةً، بل “تصحيح مسار”:
من منطق “زيد وعاود” إلى منطق “كفى… راه فهمنا”. وإن بقيت بعض الأوبئة تحتاج إلى تذكير rappel

اليوم، أصبح المشهد أكثر هدوءً وربما أقل درامية:
جرعة واحدة عند الولادة.
لا طوابير مدرسية.
لا بكاء جماعي.
ولا تلاميذ يستعرضون شجاعتهم أمام الإبرة.

صار الطفل يُلقح عند الولادة قبل أن يتعلم حتى كيف يخاف.

والدولة، التي كانت تقول سابقًا:
“نعطيه جرعة احتياطًا… ثم أخرى للتأكيد… وثالثة للاطمئنان”
أصبحت تقول اليوم:
“جرعة واحدة… والباقي خليوه للعلم.”

بل إن التلقيح أصبح شرطًا صحيا جماعيا للدخول إلى الحياة نفسها:
فقبل أن تُسجَّل في كناش الحالة المدنية، يجب أن تمر من بوابة الإبرة…
وكأن الرسالة واضحة:
“مرحبا بك في بلد مازال تحت تهديد السل رغم التقدم وتأكيد فاعلية اللقاح ضده…

ومع ذلك، ورغم هذا “النضج العلمي”، لا تزال المفارقة قائمة:

لقد انتقلنا من الإفراط في التلقيح…
إلى الإفراط في استعمال المضادات الحيوية!

فبينما نجحنا في تقليص عدد وكأننا باختصار شعبٌ لا يحب الاعتدال:
إما نبالغ في الإبرة… أو نبالغ في الحبة!

لكن، بين الأمس واليوم، يبقى درس BCG واضحًا:
العلم لا يتقدم بالكمّ… بل بالدقة.
والمناعة لا تُقاس بعدد الندبات… بل بفعالية القرار.
والتطعيم القديم كان يترك ندبات توشم جلدك للأبد في حين التطعيم ضد الخدلان والحكرة لا يترك أثرا عضويا بل نفسيا دائماً ليس رهين تقدم علمي بل مقاومة وعلاج ذاتي ضد السل الاجتماعي .

د ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى