- ملخص -
تعد صورة المرأة في شعر الملحون من أكثر المواضيع إثارةً للتأمل، لأنها تكشف جانباً مهماً من نظرة المجتمع المغربي إلى المرأة عبر مراحل تاريخية مختلفة. فالملحون، باعتباره مرآةً للواقع الاجتماعي والثقافي، لم يقدّم صورة واحدة للمرأة، بل تنقلت هذه الصورة بين التغزل العفيف، والعشق الروحي، والوصف الحسي الذي بلغ أحياناً حدّ المجون والإباحية.
وقد دفعني إلى تناول هذا الموضوع ما أصبح يُلاحظ في بعض المناسبات والأعراس، من ترديد بعض الفتيات والنساء لقصائد ملحونية والتغني بها أمام الجمهور بكل عفوية، في حين أن بعض تلك النصوص تتضمن أوصافاً دقيقة وإيحاءات جسدية قد لا ينتبه إليها الكثيرون، إما بسبب قِدم الألفاظ العامية، أو بسبب جهل المعاني الرمزية التي كانت متداولة عند شعراء الملحون والرواة والمنشدين.
فبعض شعراء الملحون بالغوا في تصوير جسد المرأة مبالغةً كبيرة، حتى تحوّل الجسد الأنثوي إلى محور كامل للقصيدة، فوُصف الشعر، والعينان، والخدود، والعنق، والصدر، والبطن، والفخذان، والساقان، بل وصلت بعض النصوص إلى الإشارة الصريحة إلى مواضع حساسة من الجسد بألفاظ رمزية شعبية متداولة في البيئة المغربية. ومن النماذج المشهورة في هذا الباب بعض مقاطع قصيدة “غيثة”، التي تتضمن أوصافاً جريئة مثل قول الشاعر:
“وتفيفحات رفعو القميص بحال شي الويمات
محلى منين قالو هنا طليت”
وهو وصف لا يقف عند حدود الغزل التقليدي، بل يدخل في دائرة الإيحاء الحسي المباشر، حيث يستعمل الشاعر صوراً شعبية قريبة من الحياة اليومية، ويصف تفاصيل الجسد وصفاً دقيقاً يعكس ذوق فئة من المجتمع في تلك المرحلة، كما يعكس طبيعة المجالس التي كانت تُتداول فيها بعض القصائد.
غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن شعر الملحون ليس كله قائماً على هذا اللون من الغزل، فإلى جانب القصائد الحسية والمجونية، نجد قصائد أخرى ارتقت بصورة المرأة إلى مستوى الرمز الفني والوجداني، فجعلتها رمزاً للجمال، أو للحب الروحي، أو للوطن، أو للحقيقة الصوفية. كما نجد نماذج كثيرة تظهر المرأة في صورة الملهمة والوفية وصاحبة التأثير العاطفي والإنساني العميق.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة التراث الملحوني قراءة واعية، تُميز بين القيمة الفنية للنص وبين طبيعة المضامين التي يحملها، حتى لا تتحول بعض القصائد إلى مجرد كلمات تُردد دون فهم لمعانيها وسياقاتها الثقافية والاجتماعية. ففهم الملحون لا يقتصر على حفظ الأبيات وإنشادها، بل يتطلب معرفةً بلغة المجتمع القديم، ورموزه، وأسلوبه في التعبير، وما كان يُعدّ مقبولاً أو مستهجناً في كل مرحلة من مراحل التاريخ المغربي
تعد صورة المرأة في شعر الملحون من أكثر المواضيع إثارةً للتأمل، لأنها تكشف جانباً مهماً من نظرة المجتمع المغربي إلى المرأة عبر مراحل تاريخية مختلفة. فالملحون، باعتباره مرآةً للواقع الاجتماعي والثقافي، لم يقدّم صورة واحدة للمرأة، بل تنقلت هذه الصورة بين التغزل العفيف، والعشق الروحي، والوصف الحسي الذي بلغ أحياناً حدّ المجون والإباحية.
وقد دفعني إلى تناول هذا الموضوع ما أصبح يُلاحظ في بعض المناسبات والأعراس، من ترديد بعض الفتيات والنساء لقصائد ملحونية والتغني بها أمام الجمهور بكل عفوية، في حين أن بعض تلك النصوص تتضمن أوصافاً دقيقة وإيحاءات جسدية قد لا ينتبه إليها الكثيرون، إما بسبب قِدم الألفاظ العامية، أو بسبب جهل المعاني الرمزية التي كانت متداولة عند شعراء الملحون والرواة والمنشدين.
فبعض شعراء الملحون بالغوا في تصوير جسد المرأة مبالغةً كبيرة، حتى تحوّل الجسد الأنثوي إلى محور كامل للقصيدة، فوُصف الشعر، والعينان، والخدود، والعنق، والصدر، والبطن، والفخذان، والساقان، بل وصلت بعض النصوص إلى الإشارة الصريحة إلى مواضع حساسة من الجسد بألفاظ رمزية شعبية متداولة في البيئة المغربية. ومن النماذج المشهورة في هذا الباب بعض مقاطع قصيدة “غيثة”، التي تتضمن أوصافاً جريئة مثل قول الشاعر:
“وتفيفحات رفعو القميص بحال شي الويمات
محلى منين قالو هنا طليت”
وهو وصف لا يقف عند حدود الغزل التقليدي، بل يدخل في دائرة الإيحاء الحسي المباشر، حيث يستعمل الشاعر صوراً شعبية قريبة من الحياة اليومية، ويصف تفاصيل الجسد وصفاً دقيقاً يعكس ذوق فئة من المجتمع في تلك المرحلة، كما يعكس طبيعة المجالس التي كانت تُتداول فيها بعض القصائد.
غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن شعر الملحون ليس كله قائماً على هذا اللون من الغزل، فإلى جانب القصائد الحسية والمجونية، نجد قصائد أخرى ارتقت بصورة المرأة إلى مستوى الرمز الفني والوجداني، فجعلتها رمزاً للجمال، أو للحب الروحي، أو للوطن، أو للحقيقة الصوفية. كما نجد نماذج كثيرة تظهر المرأة في صورة الملهمة والوفية وصاحبة التأثير العاطفي والإنساني العميق.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة التراث الملحوني قراءة واعية، تُميز بين القيمة الفنية للنص وبين طبيعة المضامين التي يحملها، حتى لا تتحول بعض القصائد إلى مجرد كلمات تُردد دون فهم لمعانيها وسياقاتها الثقافية والاجتماعية. ففهم الملحون لا يقتصر على حفظ الأبيات وإنشادها، بل يتطلب معرفةً بلغة المجتمع القديم، ورموزه، وأسلوبه في التعبير، وما كان يُعدّ مقبولاً أو مستهجناً في كل مرحلة من مراحل التاريخ المغربي