إلى أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة فتح
في القاعة…
كان الجميع يحمل بطاقة تعريف.
أسماء طويلة، صفات تنظيمية، ألقاب، رتب، تاريخ، صور مع القادة، ووجوه تتحرك بين الطاولات بثقة من يعرف الطريق إلى الكاميرا أكثر من الطريق إلى السؤال.
قبل بدء الجلسة بقليل…
كان العناق كثيرًا. الابتسامات كثيرة. الهمسات أكثر.
مرشحٌ يقترب من مجموعة. آخر ينسحب إلى زاوية القاعة كأنه يحسب الأصوات بعينيه. وزيرٌ يتحدث عن الثورة فيما يحيط به موظفون يشبهون مكتبًا إداريًا أكثر مما يشبهون حركة تحرر. أسيرٌ سابق يجلس بصمت، كأنه يبحث في الوجوه عن فتح التي خرجت معه من الزنزانة… ولم يجدها بعد.
وفي مكانٍ ما… بعيدًا عن الضجيج…
كانت فلسطين تجلس وحدها.
لا تتكلم. لا تصفق. فقط تنظر.
كأنها تسأل: هل ما زلتم تعرفونني فعلًا؟
في المؤتمرات الثورية الحقيقية…
تسقط الألقاب عند الباب.
الرئيس يصبح عضو مؤتمر. عضو اللجنة المركزية يصبح عضو مؤتمر. عضو المجلس الثوري يصبح عضو مؤتمر. والرجل الجالس في آخر القاعة… يمتلك القيمة نفسها.
هذه ليست مجاملة تنظيمية. هذه هي الفكرة التي وُلدت منها الحركات الكبرى.
المؤتمر سيد نفسه.
لكن السؤال الذي كان يتجول بين المقاعد مثل شبح قديم:
هل القاعة فعلًا سيدة نفسها؟
أم أن النتائج تمشي مسبقًا بين الطاولات، متخفية في هيئة: تكتلات، ولوبيات، ومحسوبيات، وقوائم جاهزة، ووعود صغيرة تُهمَس في الممرات؟
في زاوية القاعة…
رجلٌ يحمل تاريخًا كاملًا من المطاردة والسجون والمنافي. لا يملك صورة كبيرة على الفيسبوك. ولا جيشًا إلكترونيًا. ولا مكتبًا واسعًا. لكنه يحمل شيئًا أخطر: ضميرًا نضاليًا حقيقيًا.
وفي الجهة الأخرى…
وجوه جديدة لامعة، تتحرك بخفة داخل التحالفات، كأن المؤتمر موسم صعود اجتماعي، لا لحظة مساءلة أمام تاريخ شعب كامل.
هنا يبدأ الخوف الحقيقي.
حين يتحول الترشح من: تكليف ثقيل…
إلى: رغبة في الاقتراب من الضوء.
حين يصبح السؤال: كيف أصل؟
لا: لماذا أصل؟
أيها الذين يترشحون للجنة المركزية…
قفوا قليلًا أمام المرآة.
اسألوا أنفسكم: هل تريدون موقعًا قياديًا في حركة تحرر؟ أم تريدون موقعًا أقوى داخل السلطة؟
هل تعرفون أصلًا ماذا كانت تعني اللجنة المركزية يوم كانت فتح تشبه نفسها؟
في تلك السنوات…
لم يكن عضو المركزية يُعرف بعدد المرافقين، بل بعدد المرات التي نجا فيها من الموت.
كان الموقع مشروع اغتيال. ومشروع حصار. ومشروع سجن. ومشروع شهادة.
أما اليوم…
فكأن بعض المرشحين يدخلون القاعة وهم يحملون تصورات أقرب إلى إدارة مؤسسة… لا إلى قيادة حركة تحرر.
وأيها الذين يترشحون للمجلس الثوري…
المجلس الثوري ليس لقبًا إضافيًا قبل الاسم. وليس صورة تعلق على جدار العلاقات العامة.
إنه مسؤولية ثقيلة. وموقع يفترض أن يملك صاحبه القدرة على قول: “لا”… حين تصبح “نعم” أسهل وأكثر ربحًا.
لكن المأساة ليست هنا فقط.
المأساة حين يتحول المناضل نفسه إلى “كتلة انتخابية”.
أسيرٌ يصوّت لأسير لأنه أسير. محافظة تصوّت لابن محافظتها. وزارة تتحول إلى ماكينة تحشيد لوزير يريد موقعًا أعلى. موظفون يدخلون المؤتمر بوصفهم امتدادًا لمكاتب النفوذ لا بوصفهم أبناء حركة.
وفي مكانٍ ما…
يضيع العضو الحر.
ذلك الذي جاء ليسأل: إلى أين تذهب فتح؟
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر…
ليس أن يكثر فيها الطامحون.
بل أن يختل فيها معنى القيمة نفسها.
حين يصبح الاقتراب من المنصب إنجازًا. والترشح بطولة. والصورة مشروعًا سياسيًا.
في زمن الثورة الأولى…
حين كانت فتح تطارد في العواصم، وتُحاصر في المخيمات، ويُغتال قادتها في المنافي…
لم يكن هذا العدد يتسابق نحو المواقع.
لأن القيادة كانت تعني: الثمن.
أما حين تتراجع كلفة الموقع النضالية… وترتفع امتيازاته الإدارية والرمزية…
تبدأ الطوابير بالتشكل أمام الباب.
وفي القاعة أيضًا…
كان الغياب حاضرًا أكثر من الحاضرين.
لا دمشق هنا. لا اليرموك. لا بغداد التي حملت الفلسطيني كمن يحمل قلبه خارج جسده. لا مخيمات لبنان. لا الكويت التي كانت رحم البدايات الأولى. لا اتحادات الطلبة في أوروبا. لا أصوات الجامعات البعيدة التي جعلت اسم فلسطين يتردد بلغات العالم.
كأن جزءًا كاملًا من روح فتح بقي خارج الباب.
وأين القدس؟
كيف يمكن لحركة اسمها فتح… أن تشعر القدس أحيانًا أنها تقف على هامش القاعة؟
القدس التي يُعتقل أبناؤها كل يوم… كيف تصبح أقل حضورًا من توازنات الأشخاص؟
القدس ليست شعارًا. وليست صورة في خطاب.
القدس معيار أخلاقي.
حين تُهمَّش… يعرف الفلسطيني أن شيئًا عميقًا اختل في البوصلة.
وأين المثقفون؟
أين الشعراء؟ أين الروائيون؟ أين المسرحيون؟ أين السينمائيون؟ أين الفنانون الذين حملوا فلسطين إلى العالم حين فشلت السياسة أحيانًا في الوصول؟
حين كان المقاتل يحمل البندقية… كان المثقف يحرس المعنى.
وحين كان الأسير يواجه الزنزانة… كان الفنان يمنع صورة الفلسطيني من السقوط في ذاكرة العالم.
كيف يمكن لمؤتمر حركة تحرر… أن يضيق بحملة الوعي والرواية؟
أيها الأعضاء…
لا تسألوا فقط: من يفوز؟
اسألوا: أي فتح ستخرج من هذه القاعة؟
فتح التي عرفها الناس: حركة تحرر؟ حركة فكرة؟ حركة مشروع وطني؟ العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ الحامل السياسي للشعب الفلسطيني أينما كان؟
أم فتح أخرى…
فتح السلطة، واللوبيات، والتوازنات، والوظائف، والصور، والتحالفات الصغيرة؟
جيل المؤسسين اختلف…
لكنه لم يتخون.
كان الحوار ممكنًا. وكان النقد ممكنًا. وكانت فلسطين أكبر من الجميع.
أما اليوم…
فيبدو أحيانًا أن البعض لا يريد من المؤتمر سوى أن يعيد إنتاج نفسه.
لكن الحركات التي تعيد إنتاج نفسها فقط… تبدأ بالتآكل من الداخل حتى وهي تبدو قوية من الخارج.
في نهاية الجلسة…
ستُطفأ الأضواء. ستُطوى الأوراق. ستُعلن النتائج. وسيعود الجميع إلى بيوتهم.
لكن التاريخ…
لن يتذكر عدد الأصوات.
سيتذكر شيئًا واحدًا فقط:
هل دخلت فتح إلى القاعة… وخرجت وهي ما زالت تعرف نفسها؟
لأن الشعب الفلسطيني يستحق…
أتمنى أن تخرج فتح من هذه القاعة وهي ما زالت تعرف نفسها،
وتعرف شعبها،
وتعرف أن مكانها الطبيعي يبقى دائمًا:
في الحامل السياسي التحرري المقاوم…
لا في ظلال السلطة وحدها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
في القاعة…
كان الجميع يحمل بطاقة تعريف.
أسماء طويلة، صفات تنظيمية، ألقاب، رتب، تاريخ، صور مع القادة، ووجوه تتحرك بين الطاولات بثقة من يعرف الطريق إلى الكاميرا أكثر من الطريق إلى السؤال.
قبل بدء الجلسة بقليل…
كان العناق كثيرًا. الابتسامات كثيرة. الهمسات أكثر.
مرشحٌ يقترب من مجموعة. آخر ينسحب إلى زاوية القاعة كأنه يحسب الأصوات بعينيه. وزيرٌ يتحدث عن الثورة فيما يحيط به موظفون يشبهون مكتبًا إداريًا أكثر مما يشبهون حركة تحرر. أسيرٌ سابق يجلس بصمت، كأنه يبحث في الوجوه عن فتح التي خرجت معه من الزنزانة… ولم يجدها بعد.
وفي مكانٍ ما… بعيدًا عن الضجيج…
كانت فلسطين تجلس وحدها.
لا تتكلم. لا تصفق. فقط تنظر.
كأنها تسأل: هل ما زلتم تعرفونني فعلًا؟
في المؤتمرات الثورية الحقيقية…
تسقط الألقاب عند الباب.
الرئيس يصبح عضو مؤتمر. عضو اللجنة المركزية يصبح عضو مؤتمر. عضو المجلس الثوري يصبح عضو مؤتمر. والرجل الجالس في آخر القاعة… يمتلك القيمة نفسها.
هذه ليست مجاملة تنظيمية. هذه هي الفكرة التي وُلدت منها الحركات الكبرى.
المؤتمر سيد نفسه.
لكن السؤال الذي كان يتجول بين المقاعد مثل شبح قديم:
هل القاعة فعلًا سيدة نفسها؟
أم أن النتائج تمشي مسبقًا بين الطاولات، متخفية في هيئة: تكتلات، ولوبيات، ومحسوبيات، وقوائم جاهزة، ووعود صغيرة تُهمَس في الممرات؟
في زاوية القاعة…
رجلٌ يحمل تاريخًا كاملًا من المطاردة والسجون والمنافي. لا يملك صورة كبيرة على الفيسبوك. ولا جيشًا إلكترونيًا. ولا مكتبًا واسعًا. لكنه يحمل شيئًا أخطر: ضميرًا نضاليًا حقيقيًا.
وفي الجهة الأخرى…
وجوه جديدة لامعة، تتحرك بخفة داخل التحالفات، كأن المؤتمر موسم صعود اجتماعي، لا لحظة مساءلة أمام تاريخ شعب كامل.
هنا يبدأ الخوف الحقيقي.
حين يتحول الترشح من: تكليف ثقيل…
إلى: رغبة في الاقتراب من الضوء.
حين يصبح السؤال: كيف أصل؟
لا: لماذا أصل؟
أيها الذين يترشحون للجنة المركزية…
قفوا قليلًا أمام المرآة.
اسألوا أنفسكم: هل تريدون موقعًا قياديًا في حركة تحرر؟ أم تريدون موقعًا أقوى داخل السلطة؟
هل تعرفون أصلًا ماذا كانت تعني اللجنة المركزية يوم كانت فتح تشبه نفسها؟
في تلك السنوات…
لم يكن عضو المركزية يُعرف بعدد المرافقين، بل بعدد المرات التي نجا فيها من الموت.
كان الموقع مشروع اغتيال. ومشروع حصار. ومشروع سجن. ومشروع شهادة.
أما اليوم…
فكأن بعض المرشحين يدخلون القاعة وهم يحملون تصورات أقرب إلى إدارة مؤسسة… لا إلى قيادة حركة تحرر.
وأيها الذين يترشحون للمجلس الثوري…
المجلس الثوري ليس لقبًا إضافيًا قبل الاسم. وليس صورة تعلق على جدار العلاقات العامة.
إنه مسؤولية ثقيلة. وموقع يفترض أن يملك صاحبه القدرة على قول: “لا”… حين تصبح “نعم” أسهل وأكثر ربحًا.
لكن المأساة ليست هنا فقط.
المأساة حين يتحول المناضل نفسه إلى “كتلة انتخابية”.
أسيرٌ يصوّت لأسير لأنه أسير. محافظة تصوّت لابن محافظتها. وزارة تتحول إلى ماكينة تحشيد لوزير يريد موقعًا أعلى. موظفون يدخلون المؤتمر بوصفهم امتدادًا لمكاتب النفوذ لا بوصفهم أبناء حركة.
وفي مكانٍ ما…
يضيع العضو الحر.
ذلك الذي جاء ليسأل: إلى أين تذهب فتح؟
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر…
ليس أن يكثر فيها الطامحون.
بل أن يختل فيها معنى القيمة نفسها.
حين يصبح الاقتراب من المنصب إنجازًا. والترشح بطولة. والصورة مشروعًا سياسيًا.
في زمن الثورة الأولى…
حين كانت فتح تطارد في العواصم، وتُحاصر في المخيمات، ويُغتال قادتها في المنافي…
لم يكن هذا العدد يتسابق نحو المواقع.
لأن القيادة كانت تعني: الثمن.
أما حين تتراجع كلفة الموقع النضالية… وترتفع امتيازاته الإدارية والرمزية…
تبدأ الطوابير بالتشكل أمام الباب.
وفي القاعة أيضًا…
كان الغياب حاضرًا أكثر من الحاضرين.
لا دمشق هنا. لا اليرموك. لا بغداد التي حملت الفلسطيني كمن يحمل قلبه خارج جسده. لا مخيمات لبنان. لا الكويت التي كانت رحم البدايات الأولى. لا اتحادات الطلبة في أوروبا. لا أصوات الجامعات البعيدة التي جعلت اسم فلسطين يتردد بلغات العالم.
كأن جزءًا كاملًا من روح فتح بقي خارج الباب.
وأين القدس؟
كيف يمكن لحركة اسمها فتح… أن تشعر القدس أحيانًا أنها تقف على هامش القاعة؟
القدس التي يُعتقل أبناؤها كل يوم… كيف تصبح أقل حضورًا من توازنات الأشخاص؟
القدس ليست شعارًا. وليست صورة في خطاب.
القدس معيار أخلاقي.
حين تُهمَّش… يعرف الفلسطيني أن شيئًا عميقًا اختل في البوصلة.
وأين المثقفون؟
أين الشعراء؟ أين الروائيون؟ أين المسرحيون؟ أين السينمائيون؟ أين الفنانون الذين حملوا فلسطين إلى العالم حين فشلت السياسة أحيانًا في الوصول؟
حين كان المقاتل يحمل البندقية… كان المثقف يحرس المعنى.
وحين كان الأسير يواجه الزنزانة… كان الفنان يمنع صورة الفلسطيني من السقوط في ذاكرة العالم.
كيف يمكن لمؤتمر حركة تحرر… أن يضيق بحملة الوعي والرواية؟
أيها الأعضاء…
لا تسألوا فقط: من يفوز؟
اسألوا: أي فتح ستخرج من هذه القاعة؟
فتح التي عرفها الناس: حركة تحرر؟ حركة فكرة؟ حركة مشروع وطني؟ العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ الحامل السياسي للشعب الفلسطيني أينما كان؟
أم فتح أخرى…
فتح السلطة، واللوبيات، والتوازنات، والوظائف، والصور، والتحالفات الصغيرة؟
جيل المؤسسين اختلف…
لكنه لم يتخون.
كان الحوار ممكنًا. وكان النقد ممكنًا. وكانت فلسطين أكبر من الجميع.
أما اليوم…
فيبدو أحيانًا أن البعض لا يريد من المؤتمر سوى أن يعيد إنتاج نفسه.
لكن الحركات التي تعيد إنتاج نفسها فقط… تبدأ بالتآكل من الداخل حتى وهي تبدو قوية من الخارج.
في نهاية الجلسة…
ستُطفأ الأضواء. ستُطوى الأوراق. ستُعلن النتائج. وسيعود الجميع إلى بيوتهم.
لكن التاريخ…
لن يتذكر عدد الأصوات.
سيتذكر شيئًا واحدًا فقط:
هل دخلت فتح إلى القاعة… وخرجت وهي ما زالت تعرف نفسها؟
لأن الشعب الفلسطيني يستحق…
أتمنى أن تخرج فتح من هذه القاعة وهي ما زالت تعرف نفسها،
وتعرف شعبها،
وتعرف أن مكانها الطبيعي يبقى دائمًا:
في الحامل السياسي التحرري المقاوم…
لا في ظلال السلطة وحدها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي