في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة: فلسطين بين جرح الذاكرة وحق المستقبل

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة: فلسطين بين جرح الذاكرة وحق المستقبل

بقلم المحامي علي أبو حبلة

تحلّ الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية، فيما لا تزال آثارها السياسية والإنسانية والوطنية حاضرة في حياة الشعب الفلسطيني، وكأن ما جرى عام 1948 لم ينتهِ، بل يتواصل بأشكال جديدة من الاحتلال والتهجير والاستيطان والحصار. فالنكبة لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل بداية مشروع اقتلاع شعب من أرضه ومحاولة طمس هويته الوطنية.

في عام 1948، هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، ودُمّرت مئات التجمعات السكانية، وارتُكبت المجازر لإرهاب السكان ودفعهم إلى الرحيل. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف معاناة الفلسطينيين، بل انتقلت من جيل إلى جيل في الوطن والشتات، وظلت قضية اللاجئين وحق العودة شاهداً حيّاً على استمرار الظلم التاريخي.

واليوم، تتجدد النكبة في غزة التي تواجه حربًا مدمرة خلّفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، ونزوحًا جماعيًا، وحصارًا خانقًا يهدد حياة المدنيين، خاصة الأطفال والنساء. كما تتجدد النكبة في الضفة الغربية عبر الاستيطان المتسارع، ومصادرة الأراضي، واقتحام المدن والمخيمات، ومحاولات تهجير السكان وتقويض أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

أما القدس، فتعيش معركة يومية ضد التهويد وتغيير الهوية الديمغرافية والتاريخية للمدينة، في انتهاك واضح للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي أكدت مرارًا أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة.

ورغم مرور ثمانية وسبعين عامًا، فشل الاحتلال في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو إلغاء وجوده. فقد حافظ الفلسطينيون على هويتهم الوطنية، وتمسكوا بحقوقهم، واستمروا في النضال من أجل الحرية والاستقلال. كما أثبتت الأجيال الفلسطينية المتعاقبة أن النكبة لم تصنع اليأس، بل عمّقت الانتماء الوطني ورسخت الإيمان بعدالة القضية.

إن إحياء ذكرى النكبة يجب ألا يقتصر على استذكار الألم، بل يجب أن يكون محطة لمراجعة وطنية شاملة تقوم على إنهاء الانقسام، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس الشراكة والديمقراطية، وتفعيل الأدوات القانونية والسياسية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه.

كما أن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، والعمل على إنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة.

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يثبت الشعب الفلسطيني أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الوطن لا يُمحى من الذاكرة، وأن العدالة مهما تأخرت ستبقى ممكنة. ففلسطين ليست رواية من الماضي، بل قضية حاضر ومستقبل، وشعبها باقٍ على أرضه حتى نيل الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى