خالد عطية - فلسطين أكبر من الفلسطينيين تأملات في النكبة بوصفها بنية تاريخية مفتوحة

قال لي صديقي الدكتور إياد البرغوثي ذات مساء:
“فلسطين أكبر منا نحن الفلسطينيون، ولذلك لا يجب أن نجلد أنفسنا كثيرًا.”

بدت العبارة للوهلة الأولى كأنها محاولة للتخفيف من ثقل الهزيمة التاريخية، أو نوع من المواساة الفكرية لشعب أُنهكته الخسارات المتراكمة. لكن كلما تعمقت فيها اكتشفت أنها ليست عبارة عاطفية، بل مفتاح لفهم أحد أعقد التكوينات السياسية والإنسانية في العصر الحديث.

فلسطين بالفعل أكبر من الفلسطينيين.
ليست أكبر منهم بمعنى التفوق الرمزي فقط، بل لأن ما جرى فيها وعليها تجاوز منذ زمن طويل حدود شعبٍ يبحث عن وطن مسلوب. لقد تحولت فلسطين إلى عقدة تاريخية كبرى تتقاطع فيها:

بقايا الاستعمار القديم،
وتشكل النظام الدولي الحديث،
وعقدة الغرب الأخلاقية بعد الحرب العالمية الثانية،
وصعود الدولة الأمنية،
وتفكك العالم العربي،
وأزمة العدالة في العالم المعاصر.

ولهذا فإن اختزال المأساة الفلسطينية في أخطاء الفلسطينيين وحدهم يبدو أحيانًا نوعًا من التبسيط القاسي للتاريخ.
لا يعني ذلك تبرئة الذات الفلسطينية من أخطائها، فالتجربة الفلسطينية مليئة بالأخطاء والانقسامات والتشوهات السياسية، لكن تحويل الفلسطيني إلى التفسير الكامل لمأساته يحمل في داخله منطقًا استعماريًا خفيًا، كأن الضحية وحدها مسؤولة عن هندسة العالم الذي سحقها.
الحقيقة أن الفلسطيني منذ النكبة لم يواجه احتلالًا فقط، بل دخل في تماس مباشر مع البنية العميقة للنظام العالمي نفسه.
ولهذا تبدو فلسطين أكبر من قدرة أي شعب منفرد على التحكم الكامل بمصيره.
حين وقعت النكبة عام 1948 لم يخسر الفلسطيني أرضه فقط، بل خسر أيضًا الإطار الطبيعي الذي يجعل الإنسان كائنًا مستقرًا داخل التاريخ.
خسر:

الجغرافيا،
والسيادة،
والمؤسسات،
ووحدة التجربة الوطنية،
وحتى الحق البسيط في أن يعيش داخل تعريف قانوني واضح.
ومنذ تلك اللحظة بدأ الفلسطيني يتحول إلى كائن موزع على خرائط متعددة، وأنظمة متناقضة، وتجارب متشظية.
الفلسطيني في غزة ليس هو الفلسطيني في رام الله.
والفلسطيني في القدس ليس هو الفلسطيني في حيفا.
وفلسطيني المخيمات في لبنان لا يشبه تمامًا فلسطينيي سوريا أو الأردن أو الخليج.
أما الفلسطيني في أوروبا أو الأمريكيتين فقد دخل في طبقة أخرى من الاغتراب المركب، حيث يتحول الوطن تدريجيًا من جغرافيا ملموسة إلى ذاكرة وهوية وسردية.
ومع ذلك، وبرغم هذا التمزق الهائل، بقي شيء ما يوحّد كل هذه الشظايا:
فلسطين.
وهنا تظهر فرادة التجربة الفلسطينية.
فمعظم شعوب الأرض التي تعرضت للهزيمة احتفظت، ولو جزئيًا، بإطار سياسي أو جغرافي أو قانوني يحفظ تماسكها. أما الفلسطيني فقد تعرض لعملية اقتلاع شاملة جعلته يعيش في حالة مؤقتة دائمة، كأن وجوده كله معلق بين الذاكرة والانتظار.
وربما لهذا أصبح المخيم الفلسطيني أكثر من مجرد مساحة للفقر واللجوء.
لقد تحول المخيم إلى شكل من أشكال الوعي التاريخي.
في المخيم لم يكن الفلسطيني يعيش فقط خارج وطنه، بل كان يعيش داخل ذاكرته. ولذلك بقيت المخيمات، رغم البؤس والقهر، خزانات هائلة للهوية الفلسطينية، لأنها حفظت الشعور بأن هناك شيئًا لم يُغلق بعد في التاريخ.
لكن المأساة الفلسطينية لم تتوقف عند حدود الاقتلاع الأول.
فالفلسطيني في العالم العربي عاش دائمًا حالة وجود ملتبسة:
حاضرًا وغريبًا في آن واحد.

في لبنان تحولت المخيمات إلى فضاءات معزولة سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا، ودخل الفلسطيني هناك في صراعات تتجاوز قدرته وتفوق حجمه.
وفي سوريا عاش الفلسطيني لعقود وهم الاستقرار النسبي قبل أن يجد نفسه داخل الكارثة السورية، لاجئًا للمرة الثانية، كأن النكبة تلاحقه جيلاً بعد جيل.
وفي العراق تعرض الفلسطيني بعد الاحتلال الأمريكي لانهيار وجودي كامل تقريبًا، وتحول من جماعة مستقرة نسبيًا إلى جماعة مطاردة ومشتتة.
وفي الخليج عاش الفلسطيني غالبًا كقوة عمل بلا استقرار سياسي أو قانوني حقيقي، بينما ظل وجوده في مصر محكومًا بحساسيات السياسة والأمن والتاريخ.

أي أن الفلسطيني لم يعش فقط مأساة فقدان الوطن، بل عاش أيضًا هشاشة الإقامة في العالم العربي نفسه.
وهنا تظهر إحدى أقسى حقائق النكبة:
أن الفلسطيني أصبح في كثير من الأحيان ضحية التحولات العربية بقدر ما هو ضحية الاحتلال الإسرائيلي.
لكن المأساة الفلسطينية لا تُفهم عربيًا فقط.
فهناك بعد آخر أكثر تعقيدًا:
البعد الغربي.
الغرب لم ينظر إلى فلسطين باعتبارها مجرد قضية شعب تحت الاحتلال، بل تعامل معها دائمًا من خلال شبكة معقدة من الإرث الاستعماري والعقد التاريخية والمركزية الأوروبية.
فبعد المحرقة اليهودية أعاد الغرب إنتاج علاقته الأخلاقية مع اليهود على أرض فلسطين، لا على أرض أوروبا التي صنعت المأساة أصلًا. وهكذا وجد الفلسطيني نفسه يدفع ثمن جريمة لم يكن طرفًا فيها.
ومنذ ذلك الحين لم يُنظر إلى الفلسطيني غالبًا بوصفه صاحب حق تاريخي كامل، بل بوصفه:

مشكلة أمنية،
أو حالة إنسانية،
أو ملفًا قابلًا للإدارة السياسية.
وهنا تكمن إحدى أخطر أبعاد المأساة الفلسطينية:
أن العالم الحديث تعامل مع الفلسطيني بوصفه فائضًا تاريخيًا يجب احتواؤه، لا شعبًا يمتلك حقًا كاملًا في العدالة والسيادة.
ولهذا فإن الفلسطيني لم يكن ضحية الاحتلال فقط، بل ضحية الطريقة التي صاغ بها العالم الحديث مفاهيم القوة والشرعية والإنسانية.
ثم جاءت غزة.

وغزة ليست مجرد حرب.
غزة لحظة انكشاف تاريخي هائلة.
في غزة ظهرت الحدود الحقيقية للقانون الدولي، وتكشفت هشاشة المؤسسات الأممية، وسقطت الكثير من الأقنعة الأخلاقية التي بنتها الحداثة الغربية حول حقوق الإنسان والعدالة.
هناك، في تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، بدا العالم كأنه يفقد توازنه الأخلاقي بالكامل.
لم تعد القضية فقط:
كم عدد القتلى؟
أو من يربح المعركة؟
بل أصبح السؤال أعمق بكثير:
كيف يمكن لعالم يدّعي الدفاع عن الإنسان أن يقف عاجزًا أو متواطئًا أمام هذا الحجم من التدمير؟
غزة لم تكشف هشاشة الفلسطيني فقط،
بل كشفت هشاشة العالم نفسه.
ولهذا فإن فلسطين أكبر من الفلسطينيين.
إنها ليست مجرد قضية شعب يبحث عن دولة، بل مرآة تاريخية كبرى يرى العالم فيها حقيقته العارية:

حقيقة القوة،
وحدود العدالة،
وأزمة الأخلاق السياسية الحديثة.

وربما كانت فرادة الفلسطيني أنه الشعب الذي خسر كل شيء تقريبًا:
الأرض،
والدولة،
والحماية،
والاستقرار،
ووحدة الجغرافيا،
ومع ذلك بقي حاضرًا في التاريخ.
ليس بوصفه ضحية فقط،
بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يستطيع العالم تجاهله :
سؤال العدالة،
وسؤال الوطن،
وسؤال الإنسان نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى