1
في ربيع العام 1988 التقيت الأستاذة ( روتراود فيلاندت )المحاضرة في جامعة ( بامبرغ ) في ألمانية الغربية ، في حينه ، لكي أفيد منها في كتابة أطروحة الدكتوراه " صورة اليهود في الأدب العربي " .
لم نتحدث كثيرا في اللقاء ، فقد أعطتني قائمة بأسماء الكتب التي علي أن أقرأها فيما بين الفصلين ، الثاني من العام الدراسي 1987 - 1988 والعام الدراسي 1988 - 1989 ، وما بين الفصلين هناك ثلاثة شهور ، من نهاية تموز إلى بداية تشرين ثاني .
فيما أذكر أعطتني عنوان رسالة دكتوراه عن الرؤى المتخيلة ، وهي كتاب الألماني ( مانفرد فيشر ) وبحثا في علم الاجتماع نشر في مجلة علوم اجتماعية في برلين في العام 1955 ، يقدم فيه كاتبه منهجا لدراسة صورة الآخر في الأدب ، وهذا موضوع التفتت إليه ( مدام دي ستايل ) مبكرا ، فدرست صورة الفرنسيين في الأدب الألماني وصورة الألمان في الأدب الفرنسي ، ويتلخص المنهج في الآتي :
- الأنا في مرآة الأنا
- الآخر في مرآة الأنا
- تخيل الآخر لآخره
- تخيل الآخر لذاته .
وأظن أنني وفقت في تطبيقه في رسالتي ، وكانت أستاذتي طبقته في سفرها الضخم - أي كتاب الأستاذية " صورة الأوروبي في الرواية والمسرحية العربية " ،
وفيما أذكر أيضا أعطتني أبحاثا نشرت في مجلة " العربية " لدارسين عرب وأجانب تعرض لتطور صورة اليهود في الأدب العربي ومنهم محمد باكير علوان وصالح الطعمة و( بيري ساشيا ) وآخرين .
درس أحد هؤلاء صورة اليهود منذ نهاية ق 19 حتى الحرب العالمية الأولى ، وواصل ثان الفترة الزمنية ، وهكذا قرأت بالفعل ، عن تطور صورة اليهود قي الأدب العربي ، دراسات تعاقبية سرت على خطاها في بحثي/ رسالتي التي زاوجت ما بين الدراستين العمودية والأفقية أيضا .
درست صورة اليهود في أدبنا منذ 1913 حتى 1987 ، وكنت في الوقت نفسه أدرس الصورة نفسها في الفترة نفسها في مكانين مختلفين ، داخل فلسطين وخارجها - سميح القاسم وأفنان القاسم - حيفا / باريس ، مستفيدا من المقولة الماركسيبة عن جدلية الموقع والموقف ...
2
" الناقد الادبي والناقد الاجتماعي "
هل أفدت في دراستي من المصطلحات النقدية الأدبية أم أنني اكتفيت بالنصوص ودرستها اجتماعيا مبرزا الصورة فقط ؟
في كتابه " مناهج النقد الادبي بين النظرية والتطبيق " يأتي الأمريكي ( ديفيد ديتشس ) على الفرق بين الناقد الأدبي ودارس الأدب دراسة اجتماعية .
الناقد الأدبي الخالص يهتم بالنص وفق معطيات أدبية نصية فنية، وأما دارس الأدب دراسة اجتماعية / المؤرخ الأدبي فيفيد من المعطيات الخارجية ، وقد لا يركز على النواحي الفنية للنص .
ترى ما الفرق بين ناقد أدبي / اجتماعي يدرس الموضوع " صورة كذا في أدب كذا " وعالم اجتماع يدرس الموضوع نفسه ولا يلم بالمصطلحات الأدبية النقدية ؟
من المؤكد أن هناك فرقا كبيرا بين الاثنين يؤدي إلى نتائج مختلفة ، تكون أكثر دقة وأمانة لدى الأول الذي يميز بين المؤلف والسارد والشخصية ، فيم تضيع هذه الفروق لدى الثاني ، وهذا سيؤدي إلى نتائج خاطئة غالبا .
يعرف الناقد الأدبي أن النص الروائي يحفل بشخصيات لا تعبر بالضرورة عن المؤلف ورؤيته ، وقد يغيب هذا عن ذهن الدارس الاجتماعي - أعني عالم الاجتماع الذي لا يلم بالأدب ومصطلحاته .
هل من مثال ؟
يمكن لمن يريد معرفة هذا والتأكد منه أن ينظر في دراستي المذكورة وفي دراسة عالم الاجتماع المصري د . محمد سعيد فرح " تغير صورة اليهود في الأدب العربي " ( القاهرة ، منشورات العين \ 2011)
3
" الأساتذة المصريون والأدب الفلسطيني "
الاحترام كله للأساتذة المصريين ولمواقف كثيرين منهم من القضية الفلسطينية ، ومنهم د . محمد سعيد فرح الذي أشار إلى تأييده للقضية الفلسطينية في مقدمة كتابه.
أنا أعرف أن هناك نقادا مصريين كبارا ، وقد تعلمت منهم وما زلت أتابع نتاجهم ومنهم صلاح فضل ومحمود أمين العالم وجابر عصفور ومحمد عبد المطلب ورضوى عاشور ، ومن قبل غالي شكري وطه حسين والعقاد .. إلخ .. إلخ . وأعرف أن لهم كتبا لا غبار عليها ، ولكن هذا لا يمنعني من القول إن هناك كتابات لأساتذة آخرين جد بائسة .( في مجال دراسة صورة الآخر - تحديدا اليهود في الأدب أشير إلى الدراسة المتميزة التي أنجزها د . رشاد الشامي عن صورة اليهود في أدب إحسان عبد القدوس ) .
أتذكر أنني كنت طالبا في الجامعة الأردنية ، وأن المرحوم الدكتور محمود إبراهيم درسني مساق " أدب مصر والشام " ، وقد أشار في إحدى محاضراته إلى كتابي أحمد أحمد بدوي " أدب الحروب الصليبية " وكتاب الكيلاني في الموضوع نفسه ، وكانت إشارته لهما سلبية ، فلا منهجية ولا توثيق ، وحيث تحفل بالأخطاء الطباعية العديدة . هل ظل رأيه ملازما لي وأنا أقرأ كتاب د . محمد سعيد فرح ؟
لا أظن ذلك ، فالكتاب نفسه يقول ما قاله لنا أستاذي المرحوم ، بل ويقول أكثر .
الأساتذة المصريون والإشراف على رسائل دكتوراه في الأدب الفلسطيني :
لو كنت أستاذا مصريا وجاءني طالب فلسطيني ليدرس أدبه ويكتب فيه ، لاقترحت عليه أن يكون هناك مشرف ثان متخصص ودقيق من فلسطين أو ممن درسوا الأدب الفلسطيني . لماذا ؟ لأن اطلاعي - لحظتها - على الأدب الفلسطيني - لو كنت أستاذا مصريا - لن يمكنني من إمعان النظر في المعلومات ودقتها . حقا إن هذا من مسؤؤلية الطالب ، ولكن من يعرف الطلاب يدرك أن الاعتماد عليهم قد يضلل ، فهم ينشدون الشهادة قبل نشدان الدقة والأمانة والتمحيص .
حين طبع الصديق الشاعر المتوكل طه رسالة الدكتوراه الخاصة به " الآخر في الشعر الفلسطيني " ، وقد كتبها وقدمها لجامعة مصرية ، قرأتها ففجعت بأخطاء عديدة تحفل بها ، وقلت له :
- لو تركتني أقرأها لاقترحت عليك كذا وكذا وكذا.. ، ولما وقعت في كذا وكذا وكذا .
كان د . جابر عصفور في مقالاته التي كان ينشرها في مجلة " العربي " يذهلني بتوثيقه ، بخاصة حين كان يكتب عن أدباء مصريين مثل أحمد شوقي وصلاح عبد الصبور وآخرين ، وحين قرأت رسالة أحد طلابه من اليمن عن " التجليات الفنية لعلاقة الأنا بالآخر في الشعر العربي الحديث " لاحظت أخطاء عديدة وقع فيها الطالب ومرت على المشرف ، بخاصة ما كتبه عن محمود درويش الذي أنا متابع جيد لأشعاره ، ولو كنت مطلعا على أشعار الشعراء الآخرين المدروسين بالقدر ذاته ، لربما لاحظت ما هو أفظع . " انجزت في بداية هذا العام مقالا حول الكتاب نشرته في زاويتي في دفاتر الأيام - كان من المفترض أن ينشر هذا المقال اليوم .
الكتاب هو للكتور أحمد ياسين السليماني "
4
يفترض قاريء الكتاب أنه سيقرأ الصورة قراءة تعاقبية ، ليلاحظ التغير الذي طرأ عليها - هذا أنجز جزئيا - ففي الجزء الأخير من الكتاب أتى الدارس على صورة اليهود في مرحلة السلام .
هل سيخرج قاريء الكتاب بغير صورة لليهود في الأدب العربي ، ويلحظ تغيرها وتطورها ؟
أحيانا يقرأ القاريء عن الرواية نفسها في مواطن عديدة ، الرواية التي قد تكون أنجزت في العام 2000 ، مثل رواية ممدوح عدوان " أعدائي" ولكن زمنها الروائي يجري ما بين 1914 - 1918 ، ولا يميز الدارس بين كلام الشخصية الروائية وكلام السارد ، ولا يدرس الدارس مواقف الكاتب وانعكاسها في روايته إن انعكست .
درس د . محمد نصوصا أدبية كثيرة لأدباء عرب كثر - من مصر ومن فلسطين ومن سورية ومن ومن ، ودرس الشعر الشعبي والمسرحية والرواية أيضا لكنه - للأسف - لم يفد من الدراسات السابقة في الموضوع. ( كتبت بالتقصيل عن رواية ممدوح عدوان وغيرها ولي كتاب منشور على مواقع عديدة ) .
كل ما سبق يمكن غفرانه والمرور عليه ، لكن ما لا يغفر للدارس هو عدم دقته في التوثيق وعدم مراجعته لكتابه قبل طباعته وعدم التأكد من دقة المعلومات ، وسأكتفي ب أمثلة قليلة جدا .
في ص 230 يكتب :
" وعاد الشاعر سميح القاسم في ذكريات شاب لم يغترب لرسم " و " ذكريات شاب لم يتغرب " ليست رواية وليست لسميح القاسم . إنها سيرة ذاتية للقاص حنا ابراهيم .
وفي ص 220 يكتب " وأعاد حنا ابراهيم في رواية المتسللون.. " ، وهذه ليست رواية . إنها قصة قصيرة .
وفي ص 258 يغدو سميح القاسم صاحب رواية " عائد الى حيفا " ، وهذه رواية مشهورة لغسان كنفاني .
وسيلحظ المرء أن الاسم الواحد يكتب كتابات مختلفة في صفحات متقاربة .
ممدوح عدوان يكتب هكذا تارة ، وطورا يكتب ممدوح عمران وثالثة ممدوح علون ( ص 170 - 172) ، وأما رواية " الوارث " فيغدو عنوانها " الوريث " .
5
سأتذكر غسان كنفاني
وأنا أقرأ كتاب " تغير صورة اليهود في الأدب العربي " .
تذكرت كتاب كنفاني " فارس فارس .. مقالات ساخرة " ( 1997 ) و مقالته " القدس بين 3 مصائب .. الاحتلال والتأليف والترجمة " ، وأذكر أنني كتبت فيه مقالا عنوانه " الاستشراق والاستغراب والأيدي الخارجية .. وما أدراك " ( الأيام الفلسطينية 25 \ 9 \ 2011 ).
يفتتح كنفاني مقالته بالتساؤلات الآتية :
- هل تريد أن تعرف كيف احتل الإسرائيليون ( جرش ) في 1967 ؟ وهل كنت تعرف أن هناك في فلسطين بلدة اسمها ( النجف ) التي كنت تعتقد أنها في العراق؟
وهل يهمك أن تعرف شيئا عن ( جبهة الكفاح الشعبية ) التي لم تسمع عنها قبلا؟
وهل تعلم أين يقع جبل ( سيون ) ؟
ويأتي كنفاني على كتاب " سقوط القدس " ل ( سليمان عبدالله شليفر ) مترجما إلى العربية . الأخطاء السابقة ليست أخطاء المؤلف الأمريكي . إنها أخطاء المترجم العربي الذي كتب جرش بدلا من اريحا ( جركو ) والنجف بدلا من النقب وجبهة الكفاح الشعبية بدلا من جبهة النضال الشعبي .
وسيعقب كنفاني على سوء الترجمة وعلى المؤلفين العرب بالآتي :
" ولكن ما العمل إذا كان يتوجب علينا حتى الآن أن نقرأ تاريخنا ( الجيد منه والسييء ) مكتوبا بأقلام أجنبية ؟ وحتى عندما تتنطح دور الترجمة والنشر لترجمة تاريخنا فإن المترجمين يثبتون أنهم أبعد بكثير عنا من المؤلفين ".
وأنا أقرأ كتاب د . محمد ، وألاحظ ما فيه من أخطاء وعدم دقة تذكرت الشهيد غسان كنفاني ومقالته ، و .. و ..لي وله الرحمة والغفران وعدم .... عدم اتهامنا بعد قراءة المقال بأننا مستشرقان .
( كان يفترض أن يظهر هذا المقال اليوم على صفحات جريدة الأيام الفلسطينية ، ولكنه تعثر قي الطريق ، فالمواصلات البريدية لم تكن على ما يرام ) .
٢٠١٢
عادل الأسطة
في ربيع العام 1988 التقيت الأستاذة ( روتراود فيلاندت )المحاضرة في جامعة ( بامبرغ ) في ألمانية الغربية ، في حينه ، لكي أفيد منها في كتابة أطروحة الدكتوراه " صورة اليهود في الأدب العربي " .
لم نتحدث كثيرا في اللقاء ، فقد أعطتني قائمة بأسماء الكتب التي علي أن أقرأها فيما بين الفصلين ، الثاني من العام الدراسي 1987 - 1988 والعام الدراسي 1988 - 1989 ، وما بين الفصلين هناك ثلاثة شهور ، من نهاية تموز إلى بداية تشرين ثاني .
فيما أذكر أعطتني عنوان رسالة دكتوراه عن الرؤى المتخيلة ، وهي كتاب الألماني ( مانفرد فيشر ) وبحثا في علم الاجتماع نشر في مجلة علوم اجتماعية في برلين في العام 1955 ، يقدم فيه كاتبه منهجا لدراسة صورة الآخر في الأدب ، وهذا موضوع التفتت إليه ( مدام دي ستايل ) مبكرا ، فدرست صورة الفرنسيين في الأدب الألماني وصورة الألمان في الأدب الفرنسي ، ويتلخص المنهج في الآتي :
- الأنا في مرآة الأنا
- الآخر في مرآة الأنا
- تخيل الآخر لآخره
- تخيل الآخر لذاته .
وأظن أنني وفقت في تطبيقه في رسالتي ، وكانت أستاذتي طبقته في سفرها الضخم - أي كتاب الأستاذية " صورة الأوروبي في الرواية والمسرحية العربية " ،
وفيما أذكر أيضا أعطتني أبحاثا نشرت في مجلة " العربية " لدارسين عرب وأجانب تعرض لتطور صورة اليهود في الأدب العربي ومنهم محمد باكير علوان وصالح الطعمة و( بيري ساشيا ) وآخرين .
درس أحد هؤلاء صورة اليهود منذ نهاية ق 19 حتى الحرب العالمية الأولى ، وواصل ثان الفترة الزمنية ، وهكذا قرأت بالفعل ، عن تطور صورة اليهود قي الأدب العربي ، دراسات تعاقبية سرت على خطاها في بحثي/ رسالتي التي زاوجت ما بين الدراستين العمودية والأفقية أيضا .
درست صورة اليهود في أدبنا منذ 1913 حتى 1987 ، وكنت في الوقت نفسه أدرس الصورة نفسها في الفترة نفسها في مكانين مختلفين ، داخل فلسطين وخارجها - سميح القاسم وأفنان القاسم - حيفا / باريس ، مستفيدا من المقولة الماركسيبة عن جدلية الموقع والموقف ...
2
" الناقد الادبي والناقد الاجتماعي "
هل أفدت في دراستي من المصطلحات النقدية الأدبية أم أنني اكتفيت بالنصوص ودرستها اجتماعيا مبرزا الصورة فقط ؟
في كتابه " مناهج النقد الادبي بين النظرية والتطبيق " يأتي الأمريكي ( ديفيد ديتشس ) على الفرق بين الناقد الأدبي ودارس الأدب دراسة اجتماعية .
الناقد الأدبي الخالص يهتم بالنص وفق معطيات أدبية نصية فنية، وأما دارس الأدب دراسة اجتماعية / المؤرخ الأدبي فيفيد من المعطيات الخارجية ، وقد لا يركز على النواحي الفنية للنص .
ترى ما الفرق بين ناقد أدبي / اجتماعي يدرس الموضوع " صورة كذا في أدب كذا " وعالم اجتماع يدرس الموضوع نفسه ولا يلم بالمصطلحات الأدبية النقدية ؟
من المؤكد أن هناك فرقا كبيرا بين الاثنين يؤدي إلى نتائج مختلفة ، تكون أكثر دقة وأمانة لدى الأول الذي يميز بين المؤلف والسارد والشخصية ، فيم تضيع هذه الفروق لدى الثاني ، وهذا سيؤدي إلى نتائج خاطئة غالبا .
يعرف الناقد الأدبي أن النص الروائي يحفل بشخصيات لا تعبر بالضرورة عن المؤلف ورؤيته ، وقد يغيب هذا عن ذهن الدارس الاجتماعي - أعني عالم الاجتماع الذي لا يلم بالأدب ومصطلحاته .
هل من مثال ؟
يمكن لمن يريد معرفة هذا والتأكد منه أن ينظر في دراستي المذكورة وفي دراسة عالم الاجتماع المصري د . محمد سعيد فرح " تغير صورة اليهود في الأدب العربي " ( القاهرة ، منشورات العين \ 2011)
3
" الأساتذة المصريون والأدب الفلسطيني "
الاحترام كله للأساتذة المصريين ولمواقف كثيرين منهم من القضية الفلسطينية ، ومنهم د . محمد سعيد فرح الذي أشار إلى تأييده للقضية الفلسطينية في مقدمة كتابه.
أنا أعرف أن هناك نقادا مصريين كبارا ، وقد تعلمت منهم وما زلت أتابع نتاجهم ومنهم صلاح فضل ومحمود أمين العالم وجابر عصفور ومحمد عبد المطلب ورضوى عاشور ، ومن قبل غالي شكري وطه حسين والعقاد .. إلخ .. إلخ . وأعرف أن لهم كتبا لا غبار عليها ، ولكن هذا لا يمنعني من القول إن هناك كتابات لأساتذة آخرين جد بائسة .( في مجال دراسة صورة الآخر - تحديدا اليهود في الأدب أشير إلى الدراسة المتميزة التي أنجزها د . رشاد الشامي عن صورة اليهود في أدب إحسان عبد القدوس ) .
أتذكر أنني كنت طالبا في الجامعة الأردنية ، وأن المرحوم الدكتور محمود إبراهيم درسني مساق " أدب مصر والشام " ، وقد أشار في إحدى محاضراته إلى كتابي أحمد أحمد بدوي " أدب الحروب الصليبية " وكتاب الكيلاني في الموضوع نفسه ، وكانت إشارته لهما سلبية ، فلا منهجية ولا توثيق ، وحيث تحفل بالأخطاء الطباعية العديدة . هل ظل رأيه ملازما لي وأنا أقرأ كتاب د . محمد سعيد فرح ؟
لا أظن ذلك ، فالكتاب نفسه يقول ما قاله لنا أستاذي المرحوم ، بل ويقول أكثر .
الأساتذة المصريون والإشراف على رسائل دكتوراه في الأدب الفلسطيني :
لو كنت أستاذا مصريا وجاءني طالب فلسطيني ليدرس أدبه ويكتب فيه ، لاقترحت عليه أن يكون هناك مشرف ثان متخصص ودقيق من فلسطين أو ممن درسوا الأدب الفلسطيني . لماذا ؟ لأن اطلاعي - لحظتها - على الأدب الفلسطيني - لو كنت أستاذا مصريا - لن يمكنني من إمعان النظر في المعلومات ودقتها . حقا إن هذا من مسؤؤلية الطالب ، ولكن من يعرف الطلاب يدرك أن الاعتماد عليهم قد يضلل ، فهم ينشدون الشهادة قبل نشدان الدقة والأمانة والتمحيص .
حين طبع الصديق الشاعر المتوكل طه رسالة الدكتوراه الخاصة به " الآخر في الشعر الفلسطيني " ، وقد كتبها وقدمها لجامعة مصرية ، قرأتها ففجعت بأخطاء عديدة تحفل بها ، وقلت له :
- لو تركتني أقرأها لاقترحت عليك كذا وكذا وكذا.. ، ولما وقعت في كذا وكذا وكذا .
كان د . جابر عصفور في مقالاته التي كان ينشرها في مجلة " العربي " يذهلني بتوثيقه ، بخاصة حين كان يكتب عن أدباء مصريين مثل أحمد شوقي وصلاح عبد الصبور وآخرين ، وحين قرأت رسالة أحد طلابه من اليمن عن " التجليات الفنية لعلاقة الأنا بالآخر في الشعر العربي الحديث " لاحظت أخطاء عديدة وقع فيها الطالب ومرت على المشرف ، بخاصة ما كتبه عن محمود درويش الذي أنا متابع جيد لأشعاره ، ولو كنت مطلعا على أشعار الشعراء الآخرين المدروسين بالقدر ذاته ، لربما لاحظت ما هو أفظع . " انجزت في بداية هذا العام مقالا حول الكتاب نشرته في زاويتي في دفاتر الأيام - كان من المفترض أن ينشر هذا المقال اليوم .
الكتاب هو للكتور أحمد ياسين السليماني "
4
يفترض قاريء الكتاب أنه سيقرأ الصورة قراءة تعاقبية ، ليلاحظ التغير الذي طرأ عليها - هذا أنجز جزئيا - ففي الجزء الأخير من الكتاب أتى الدارس على صورة اليهود في مرحلة السلام .
هل سيخرج قاريء الكتاب بغير صورة لليهود في الأدب العربي ، ويلحظ تغيرها وتطورها ؟
أحيانا يقرأ القاريء عن الرواية نفسها في مواطن عديدة ، الرواية التي قد تكون أنجزت في العام 2000 ، مثل رواية ممدوح عدوان " أعدائي" ولكن زمنها الروائي يجري ما بين 1914 - 1918 ، ولا يميز الدارس بين كلام الشخصية الروائية وكلام السارد ، ولا يدرس الدارس مواقف الكاتب وانعكاسها في روايته إن انعكست .
درس د . محمد نصوصا أدبية كثيرة لأدباء عرب كثر - من مصر ومن فلسطين ومن سورية ومن ومن ، ودرس الشعر الشعبي والمسرحية والرواية أيضا لكنه - للأسف - لم يفد من الدراسات السابقة في الموضوع. ( كتبت بالتقصيل عن رواية ممدوح عدوان وغيرها ولي كتاب منشور على مواقع عديدة ) .
كل ما سبق يمكن غفرانه والمرور عليه ، لكن ما لا يغفر للدارس هو عدم دقته في التوثيق وعدم مراجعته لكتابه قبل طباعته وعدم التأكد من دقة المعلومات ، وسأكتفي ب أمثلة قليلة جدا .
في ص 230 يكتب :
" وعاد الشاعر سميح القاسم في ذكريات شاب لم يغترب لرسم " و " ذكريات شاب لم يتغرب " ليست رواية وليست لسميح القاسم . إنها سيرة ذاتية للقاص حنا ابراهيم .
وفي ص 220 يكتب " وأعاد حنا ابراهيم في رواية المتسللون.. " ، وهذه ليست رواية . إنها قصة قصيرة .
وفي ص 258 يغدو سميح القاسم صاحب رواية " عائد الى حيفا " ، وهذه رواية مشهورة لغسان كنفاني .
وسيلحظ المرء أن الاسم الواحد يكتب كتابات مختلفة في صفحات متقاربة .
ممدوح عدوان يكتب هكذا تارة ، وطورا يكتب ممدوح عمران وثالثة ممدوح علون ( ص 170 - 172) ، وأما رواية " الوارث " فيغدو عنوانها " الوريث " .
5
سأتذكر غسان كنفاني
وأنا أقرأ كتاب " تغير صورة اليهود في الأدب العربي " .
تذكرت كتاب كنفاني " فارس فارس .. مقالات ساخرة " ( 1997 ) و مقالته " القدس بين 3 مصائب .. الاحتلال والتأليف والترجمة " ، وأذكر أنني كتبت فيه مقالا عنوانه " الاستشراق والاستغراب والأيدي الخارجية .. وما أدراك " ( الأيام الفلسطينية 25 \ 9 \ 2011 ).
يفتتح كنفاني مقالته بالتساؤلات الآتية :
- هل تريد أن تعرف كيف احتل الإسرائيليون ( جرش ) في 1967 ؟ وهل كنت تعرف أن هناك في فلسطين بلدة اسمها ( النجف ) التي كنت تعتقد أنها في العراق؟
وهل يهمك أن تعرف شيئا عن ( جبهة الكفاح الشعبية ) التي لم تسمع عنها قبلا؟
وهل تعلم أين يقع جبل ( سيون ) ؟
ويأتي كنفاني على كتاب " سقوط القدس " ل ( سليمان عبدالله شليفر ) مترجما إلى العربية . الأخطاء السابقة ليست أخطاء المؤلف الأمريكي . إنها أخطاء المترجم العربي الذي كتب جرش بدلا من اريحا ( جركو ) والنجف بدلا من النقب وجبهة الكفاح الشعبية بدلا من جبهة النضال الشعبي .
وسيعقب كنفاني على سوء الترجمة وعلى المؤلفين العرب بالآتي :
" ولكن ما العمل إذا كان يتوجب علينا حتى الآن أن نقرأ تاريخنا ( الجيد منه والسييء ) مكتوبا بأقلام أجنبية ؟ وحتى عندما تتنطح دور الترجمة والنشر لترجمة تاريخنا فإن المترجمين يثبتون أنهم أبعد بكثير عنا من المؤلفين ".
وأنا أقرأ كتاب د . محمد ، وألاحظ ما فيه من أخطاء وعدم دقة تذكرت الشهيد غسان كنفاني ومقالته ، و .. و ..لي وله الرحمة والغفران وعدم .... عدم اتهامنا بعد قراءة المقال بأننا مستشرقان .
( كان يفترض أن يظهر هذا المقال اليوم على صفحات جريدة الأيام الفلسطينية ، ولكنه تعثر قي الطريق ، فالمواصلات البريدية لم تكن على ما يرام ) .
٢٠١٢
عادل الأسطة